إيسَاغُوجِي
اللَّفْظُ الدَّالُّ بالوضع يدل:
- عَلَى تَمَامِ مَا وُضِعَ لَهُ بِالْمُطَابقَةِ
- وَعَلَى جُزْئِهِ بِالتَّضَمُّنِ إِنْ كَانْ لَه جُزْءٌ
- وَعَلَى مَا يُلاَزمُهُ فِي الذِّهْنِ بالالْتزامِ
كالإِنْسَانِ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ:
- عَلَى الحَيَوَانِ النَّاطِقِ بِالمُطَاَبقَةِ
- وَعَلَى أَحَدِهِمَا بِالتَّضمُّنِ
- وَعَلَى قَابِلِ التَّعَلُّمِ وَصَنْعَةِ الكِتَابةِ بالالْتزَامِ.
ولَـمَّا أَرَادَ المصنفُ أَنْ يُلَمِّحَ إلى كُلِّ واحدٍ من هذه الأبوابِ تسهيلاً على مَنْ يُرِيدُ الشُّـرُوعَ في العُلُومِ مِنَ الطُّلابِ▶️ رَتَّبَ الأبوابَ على وَفْقِ ما أشرنا إليه▶️فَصَارَ تقديمُ مباحثِ إِيسَاغُوجِي واجِباً عليه▶️ فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الـخُطْبَةِ: ((إِيسَاغُوجِي)) أي: هذا بابُ إيساغوجي أي: الكُلِّيَّاتِ الخَمْسِ.▶️
ولَـمَّا كان الـمُنْقَسِمُ إليها هو الذاتيَّ والعَرَضِيَّ اللذين هما قسمان من الكليِّ القِسْمِ من المفردِ القِسْمِ من اللفظِ وَجَبَ التَّعَرُّضُ فيه لمباحثِ الأَلفاظِ وتَقْدِيمُهَا على غَيْرِهَا،▶️ ولَـمَّا كان فَهْمُ المعنى من اللفظِ باعتبارِ دِلالَتِهِ عليه وَجَبَ التَّعَرُّضُ والتَّصَدِّي أَوَّلًا لِذِكْرِ تعريفِ الدِّلالَةِ وتَقْسِيمِهَا▶️.
ومِنْـهُ يُعْلَمُ أَنَّ المصنفَ رحمه الله لَـمْ يَعُـدَّ مَبَاحِثَ الأَلفاظِ باباً مِنَ الفَنِّ بل ذَكَرَهَا في بابِ إِيسَاغُوجِي مُقَدِّمَةً لمباحثِهِ▶️، فنقولُ:▶️
الدلالةُ هي كونُ الشـيءِ بحيثُ يَلْـزَمُ من العِلْمِ بِهِ العِلْمُ أَوِ الظَّنُّ بشـيءٍ آخَرَ ومن الظَّنِّ به الظَّنُّ بشـيءٍ آخَرَ.▶️
فالشـيءُ الأَوَّلُ يسمى دليلاً بُرْهَانِيًّا وبُرْهَانًّا إِنْ لم يَتَخَلَّلِ الظَّنُّ وإِلَّا فدليلاً إِقْنَاعِيًّا وأَمَارَةً، والشـيءُ الثاني يُسَمَّى مدلولاً.▶️
وَتَقْسِيمُهَا أَنَّ الدالَّ إِنْ كان لفظًا فالدلالةُ لفظيةٌ وَإِلَّا فغيرُ لفظيةٍ فَوَضْعِيَّةٌ إِنْ تَوَسَّطَ الوضعُ فيها كالخُطُوطِ والعُقُودِ والإِشَارَةِ والنُّصَبِ وإِلَّا فعقليةٌ كدلالةِ العالَم على الصانع.▶️
واللفظيةُ إِنْ كانتْ بتوسط الوضع فوضعيةٌ،▶️وإِلَّا فإِنْ كانت بسبب اقتضاءِ طبيعةِ اللافظِ التَّلَفُّظَ به عند عُرُوضِ المعنى له؛ كدلالةِ أُحْ على السُّعال فطَبَعِيَّةٌ،وإِلَّا فعقليَّةٌ؛▶️ كدلالةِ اللفظِ المسموعِ مِنْ وَرَاءِ الجدار على اللافِظِ.▶️
والمقصُودُ بالنظر للمَنْطِقِيِّ الدلالةُ اللفظيةُ الوضعيةُ على ما لايخفى،▶️وهي كونُ اللفظِ بحيث▶️مَتَى أُطْلِقَ فُهِمَ منه المعنى للعلم بالوضع،▶️وهي مُنْقَسِمَةٌ إلى المطابقةِ والتَّضَمُّنِ والالتزامِ كما قال: ▶️
((اللَّفْظُ الدَّالُّ بِالْوَضْعِ)) لا غيرُ اللفظِ من الدَّالِّ ولا اللفظُ الدالُّ بالطَّبْعِ أو بالعقلِ ((يَدُلُّ عَلَى تَمَامِ مَا وُضِعَ لَهُ بِالمُطَابَقَةِ))؛ لمُوَافَقَتِهِ إِيَّاهُ. ▶️
((وَعَلَى جُزْئِهِ)) أي: على جُزْءِ ما وُضِعَ له ((بِالتَّضَمُّنِ))؛ لدِلالته على ما في ضِمْنِ الموضوعِ له. ▶️
((إِنْ كَانْ لَهُ)) أي: لِـمَا وُضِعَ له ((جُزْءٌ)) كما سَيَجِيءُ مثالُهُ،▶️ أَمَّا إذا لم يَكُنْ له جزءٌ كما في البسائطِ مِثْلِ الواجبِ تعالى وتقدَّس والنُّقْطَةِ فلا يُتَصَوَّرُ التضمنُ فيهما.▶️
ومنه يُعْلَمُ أَنَّ المطابقةَ لاتَسْتَلْزِمُ التضمنَ بخلافِ العَكْسِ،▶️
وَكَذَا الالتزامُ لا يَسْتَلْزِمُ التضمنَ لأن الملزومَ رُبَّما كان من البسائط،▶️
ويَسْتَلْزِمُ المطابقةَ، وأَمَّا اسْتِلْزَامُهَا الالتزامَ فالإِمَامُ قال به وليس بِمُتَحَقِّقٍ.▶️
((وَعَلَى مَا يُلاَزِمُهُ)) الموضوعَ له ((فِي الذِّهْنِ)) أي: لُزُوماً ذِهْنِياً ((بِالالْتِزَامِ))؛▶️ لأنه لا يَدُلُّ على كل أمرٍ خارجٍ وإِلَّا لكان كُلُّ شيءٍ دالًّا على كُلِّ شيءٍ▶️ ولا على بعضٍ غَيْرِ مضبوطٍ لعدمِ الفَهْمِ بل يَدُلُّ على أَمْرٍ خارجٍ لازمٍ له.▶️
فالدِّلالاتُ الثَّلاثُ ((كالإِنْسَانِ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الحَيَوَانِ النَّاطِقِ بِالمُطَاَبَقَةِ ، وَعَلَى أَحَدِهِمَا)) أي: الحيوان فقط أو الناطق فقط ((بِالتَّضَمُّنِ ، وَعَلَى قَابِلِ العِلْمِ وَصَنْعَةِ الكِتَابَةِ بالالْتِزَامِ)).
وفي هذا المقام أسئِلَةٌ:▶️
الأَوَّلُ: أَنَّ حُـدودَ الدِّلالاتِ الثلاثِ يَنْـتَــقِـضُ كلٌّ منـها بالآخَـرَيْنِ▶️في مِثْـلِ مـا إذا فرضنا أَنَّ الشمسَ موضوعةٌ للجِرْمِ والضوءِ والمجموعِ▶️ فَإِنَّ الدلالةَ على الضوء مثلا يمكن أن تكون مطابقةً وتضمُّنًا والتزامًا▶️ فلابُدَّ من قَيْدِ «بِتَوَسُّطِ الوَضْعِ» في كُلٍّ منها كما فعلوا احترازًا عن الانتقاضِ.▶️
والجوابُ من وجهين:▶️
أَحَدُهُما: أَنَّ الأمورَ التي تَـخْتَـلِفُ باختلافِ الاعْتِـبَـارَاتِ يُـرَادُ في تعاريفـها قَـيْدُ الحَيْثِيَّاتِ سواءٌ ذُكِرَتْ أو لم تُذْكَرْ،▶️ فَكَمَا اكْتَفَوْا كلُّهم بإرادتها من غير ذِكْرٍ في تعـريفـات الكُلِّيَّاتِ حيثُ يمكنُ أَنْ يكون شيءٌ واحدٌ جنسًا ونوعًا وفصلًا وخاصةً وعرضًا عامًا كالـمُلَوَّنِ فإنه جنسٌ للأسود ونوعٌ للمُكَيَّفِ وفصلٌ للكَثِيفِ وخاصةٌ للجسم وعرضٌ عامٌّ للحيوان اكْتَفَى المصنف ههنا أيضاً.▶️
وثانيهمـا: أَنَّ تَرَتُّـبَ الحـكمِ على المشـتـقِّ يَدُلُّ على عِلِّـيَّــةِ المــأْخَـذِ▶️ فَتَـرَتُّبُ كُلٍّ من الدلالاتِ الثـلاثِ على «الدَّالِّ بِالوَضْـعِ»▶️ يَدُلُّ على أن تسـميةَ الـدلالةِ مطـابقـةً وتضـمُّـنًا والتزامًا▶️ إنما هي بِسَبَبِ كونِ تلك الدلالةِ دلالةً بالوَضْعِ لتَمامِهِ أو لِكُلِّهِ أو لملزُومِهِ.▶️
والثاني: أَنَّ تَقْيِيدَ دلالةِ الالتزامِ باللزومِ الذهنيِّ مما لا حاجةَ إليه؛▶️لأَنَّ الغَرَضَ من اشتراطِ اللزومِ الذِّهْنِيِّ تصحيحُ الانتقالِ وضَبْطُ الدلالةِ▶️ وهما حاصلان بِأَيِّ لزومٍ كان▶️ وإلا لم يكن اللزومُ لزومًا.▶️
وجوابه: أَنَّا لا نُسَلِّمُ حصولَهما باللزومِ الخارجيِّ▶️فإِنَّ اللزومَ الذهنيَّ كونُهُ بحيث يلزمُ من تَصَوُّرِ المسمَّى تَصَوُّرُهُ فيَتَحَقَّقُ الانتقالُ▶️واللزومَ الخارجيَّ كونُهُ بحيث يلزمُ من تَحَقُّقِ المسمَّى في الخارجِ تَحَقُّقُهُ فيه▶️ولا يلزمُ من ذلك انتقالُ الذهنِ منه إليه،▶️كَيْفَ ولو كان اللزومُ الخارجيُّ شرطًا لَـمَا تَحَقَّقَ الالتزامُ بدونه▶️وليس كذلك▶️ فإن العَمَى يَدُلُّ على البصـر التزامًا؛▶️ لأنه عدمُ البصـر عَمَّا من شأنه أن يكون بصيرًا،▶️وعدمُ البَصَـرِ يكون البصـرُ لازمًا له في الذهن مع المُعَانَدَةِ بينهما في الخارج.▶️
والثالث: أَنَّ قَابِلَ العلمِ وصنعةِ الكتابةِ لايَصِحُّ أَنْ يكونَ مثالاً للمدلولِ الالتزاميِّ؛▶️لأَنَّهُ لا يلزمُ من تَصَوُّرِ الإنسانِ تَصَوُّرُهُمَا▶️ فالأَوْلَى التمثيلُ بزَوْجِيَّةِ الاثنينِ.▶️
وجوابُهُ: أَنَّ اللزومَ الذهنيَّ بَيْنَ الإنسانِ والقابِلِيَّةِ المذكورةِ اللزومُ البَيِّنُ بالمعنى الأعمِّ▶️والتعريفُ المذكورُ لِلُّزُومِ البَيِّنِ بالمعنى الأَخَصِّ،▶️واشتراطُ الأخصِّ يُوجِبُ اشتراطَ الأعمِّ لعدم تَحَقُّقِ الأخصِّ بدون الأعمِّ▶️فيكون المعنى الأعمُّ أيضًا شرطًا،▶️والتمثيلُ له لا للأخصِّ،▶️وبهذا القَدْرِ يصحُّ التمثيلُ،▶️ فأَمَّا كِفَايَةُ المعنى الأعمِّ لِكَوْنِ الالتزامِ مقبولا أو عدمُ كفايتِهِ فَبَحْثٌ آخَرُ فيه خلافٌ بَيْنَ الإِمامِ والجُمْهُورِ كما عُرِفَ في المطوّلات اللفظُ المفردُ.▶️