تاريخ النشر: 19/10/2017 05:17:08 ص
بسم الله الرحمان الرحيم .
يا مسرور الدنيا متاع الغرور .؟
إنَّ الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفِره، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومَن تبعَه بإحسان إلى يوم الدين.
تقابل حديثين شريفين :
الحديث الأول : عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر ) رواه مسلم رحمه الله .
الحديث الثاني : عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( حُجبت النار بالشهوات ، وحجبت الجنة بالمكارة ) رواه البخاري رحمه الله .
*********
الحديث الأول : من جملة معانيه :
1- يجب العلم بأن الدنيا متاع وفيها من الطيبات والملذات ما تجعل العبد متمسكا بها حريصا عليها وربما لأجلها يخوض في المنكرات ويتبع غير سبيل المؤمنين وبالتالي تكون هي سبب شقائه وعنائه .
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ .
الغرور ؟:شبه الله تعالى متاع الدنيا بالغرور ففال جل وعلا :" وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ".
الغَرُورُ : مَا يَخْدَعُ وَيَغَرُّ الإِنْسَانَ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ شَهْوَةٍ .
ويتجلى ذلك عند الإبتلاءوالإختبار فلا تجد لهذا المتاع أي طعم بل ربما تجد طعمه مر المذاق ولا يستساغ ، فعند الشدة كالمرض والمصائب والموت ، يزول التلذذ بهذه النعم ، والموت يحول بين العباد وبين ما يشتهون من ملاذ الدنيا .
2- فالمؤمن في دنياه لا ينخدع بهذه الملذات التي غالبا من تنسي الآخرة ، فتراه يسجن نفسه ويكبح جماحها عن هذه الشهوات والمغريات ، ويتقوى عليها بكثرة الصيام و القيام وملازمة ذكر الله تعالى ، فيلهمه الله البصيرة فيرى بعين بصيرته عواقب الخوض في الشهوات والملذات .
قال الله تعالى :" فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا". دليل بأن من يرد الله به خيرا أبعده عن هذه الملذات والشهوات التي بسببها يضيع دين العبد .
والغي والزيغ والضلال في هذه الحياة هو ما يصير إليه العبد من ذل وهوان ويحسب أنه يحسن صنعا .
فالمؤمن : هو في سجن عن هذه الشهوات وفي قيد عن هذه الملذات ، فهو مربوط بحبل الله مقيد بذكر الله ، فهذه جنته العاجلة .- والتي يراها الكثير ممن فتنوا بأنها سجن – وهذا من الغرور .
3- أما الكافر : فهو مخدوع بشهوات الدنيا وملذاتها التي يتمتع ويفرح ويمرح بها ، حيث جعلها هي ذكره وفيها فكره ، لأجلها يعيش وفي سبيلها يقاتل و وبها يصول ويجول .
لكن نهاية أمرها للزوال : فلذة الدنيا تزول عند المصائب والشدائد ، فمثلا المريض عند مرضه يجذ ذوق العسل في فمه مرا ، فلا يتلذذ حتى بعسلها الحلو والطيب ،ناهيك عن بقية اللذات ، وعند الشدائد أين هي اللذائذ .
وعند الاحتضار أو الموت لو يقدم للعبد ساعتها أطيب نعيم في الدنيا لا يلتفت إليه ،فشغله الشاغل حينها ما هو فيه وما هو مقبل عليه .
فهذا ما تؤول إليه لذات الدنيا من هم وغم ،فهي السبب في شقاء العبد وفي خزيه وزيغه ، ونهاية الكافر فيها أليمة شديدة .
- والدنيا أجلها محدود ونعيمها معدود ومآلها للخراب وللتراب والدود .
قال الله تعالى :" وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْكَانُوافِيشَكٍّمُّرِيبٍ ".
أي حال بينهم الموت أو عذاب جهنم وبين شهواتهم ولذاتهم .
في الحديث الثاني : من جملة معانيه :
1- بيان لغرور يوم القيامة ، فالنار حفها الله بالشهوات والملذات ، حتى يغتر بها كل مغرور في الدنيا ، فيهوي إليها ثم يهوي فيها .
فهذه اللذات والشهوات التي اغتر بها الكثير من خلق الله في الدنيا جعلها الله فوق نار جهنم ، ليغتر بها هؤلاء المغرورون حتى إذا التفوا حولها وظنوا أنهم هم من فاز بها في الدارين ، حال الله بينهم وبينها بنار جهنم فكبكبوا فيها هم والغاوون .
2- وانظروا لصبر المؤمن وثباته في دنياه كيف أثابه الله عليه في أخراه ، فحين يرى المكاره التي كانت تواجهه في دنياه ، من مصائب وشدائد وعقبات حالت بينه وبين طريقه إلى الله ، فكما خاضها في دنياه في سبيل الله وفي ابتغاء رضوانه جل في علاه ، فتراه يوم القيامة مواصلا المسير في خوضها ، وهذا بإلهام وتوفيق من الله ، قال الله تعالى " إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فىِ جَنَّاتِالنَّعِيم". يونس9 .
فكما هداهم الله بنور إيمانهم في الدنيا لمعرفة خفايا الأمور فلم يغتروا بزينة الحياة الدنيا ، فالله يتم لهم هذه النعمة في الآخرة فيجعل لهم نورا يمشون به ويرون به الصراط المستقيم الذي يوصل لجنة النعيم دار المقامة بجوار البر الرحيم . قال النبي صلى الله عليه وسلم :" فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا " صحيح البخاري رحمه الله .
الوصية : أخي المسلم : فالإيمان والتقوى والصبر والثبات هذه أنوار مضيئة وأضواء مسددة للخطوات ، فهي كالمشكاة في ليل دامس خاصة في زماننا زمن الفتن والمحن ، رغم ما فيها من آلام وعذاب وشدائد ، لكن سوف تزول وتنتهي حتى ولو بالموت ، ويبقى نورك يسعى بين يديك وعن يمينك وعن شمالك تدخل به قبرك وتلقى به ربك ، وترد به جنتك تستريح فيها أبد الآبدين بجوار رب العالمين .
3- فلا يغرنك متاع المبلسين والعصاة المذنبين فهي ظلمات تنتهي بهم لشقوة الدنيا والآخرة .
ولهم إليها دعاة يدعون الليل والنهار لغرض ميل المسلمين لها ميلا كبيرا ، قال الكبير تقدس وعلا :" وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمً"النساء27
إنهم سخروا لها كل مرئي ومسموع ومقروء ، من الشاشات والجرائد والمجلات وغيرها من الوسائل المغريات ، وقد مال الكثير منا لزيغهم وضلالهم وأصبح همهم بطونهم وقبلتهم نساؤهم .
اسمعوا وعوا وقع هذه الآية : آية تبين لنا حقيقة هذه الشهوات وأنها في الحقيقة كيات وجمرات : قال الله تعالى مصورا لنا حالت هؤلاء الذين ألهتهم شهواتهم وملذاتهم عن الله واليوم الآخر قال جل وعلا :" قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ*رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ". المؤمنون 106-107.
فعبر الله تعالى عن الشهوة بالشقوة : فشهوة النفوس هي التي ألهتهم وأنستهم حظوظهم من سعادة الدنيا والآخرة ، وهي التي غلبتهم وقهرتهم فجرتهم لهذه النهاية من الخزي والعار والشنار وبئس القرار .
فكم عانوا الويلات وكم تحملوا الأعباء لأجل تحصيلها ، بل ضيعوا لأجلها دينهم وذكر ربهم ، فآلت بهم لشقاء وعناء الدنيا و الآخرة ، فيا لحسرتهم وندامتهم .
نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة .