بقلم: د. ملهم الحراكي
استشاري الطب النفسي
لماذا لا نفكر في ترتيب العودة إلى الوطن كما نخطط لحجز الطيران؟
عشرات العائلات تقرر العودة إلى سوريا، لكن… كم منها يخطط لانتقال أطفاله نفسيًا واجتماعيًا كما يخطط لترتيب الأمتعة والمطار؟
كثير من الأهالي يتعاملون مع قرار العودة وكأنه قرار للكبار فقط، يُتخذ فجأة، دون إشراك الطفل أو حتى التحدث إليه.
وهنا تبدأ الصدمة.
فما لا يدركه البعض هو أن "النقلة المفاجئة" تُعد من أكثر أسباب الصدمة النفسية لدى الأطفال والمراهقين.
أن يستيقظ الطفل صباحًا، ليجد نفسه في بلد مختلف، بين أناس لا يعرفهم، بلغة لا يفهمها، وبيئة لا تشبه ما اعتاد عليه — بدون تمهيد، ولا تفسير، ولا حتى حوار — هي لحظة قد تنكسر فيها مشاعره، وتبدأ معها مشكلات القلق والغضب أو الانسحاب من الحياة الدراسية والاجتماعية.
لن أنسى قصة تلك الطفلة الصغيرة...
كانت تعيش كـ"ملكة" بين أهلها وأقاربها في دمشق.
ثم، وبدون أي تمهيد، وجدت نفسها فجأة في بلد أوروبي غريب، لا تتقن لغته، ولا تعرف كيف تتفاهم مع زملائها في المدرسة.
كانت تسأل والدتها يوميًا: "متى سنرجع إلى دمشق؟"
لكن لم يكن هناك جواب واضح.
النتيجة؟ غضب شديد من نفسها، من والديها، ومن العالم كله.
لقد وصلتني، كأخصائي نفسي، عشرات الحالات المماثلة لأطفال ومراهقين عانوا من اضطرابات القلق، أو نوبات الغضب، أو الانسحاب من الدراسة والحياة الاجتماعية… فقط لأنهم وجدوا أنفسهم في مكان آخر، دون أي تمهيد أو تفسير.
في الكثير من العائلات، يُعامَل الطفل في قرار العودة وكأنه تابع لا رأي له.
لكن الحقيقة أن الطفل شريك حقيقي في عملية الانتقال، ويحتاج إلى:
شرح واضح لأسباب العودة
مساحة للتعبير عن رأيه ومشاعره
طمأنة حول مدرسته وأصدقائه ومستقبله
وقت كافٍ للوداع والتهيئة النفسية والاجتماعية
الطفل الذي يُهيّأ بشكل جيد قبل الانتقال:
يتأقلم بشكل أسرع
يشعر بالأمان
ويبني علاقة أكثر إيجابية واستقرارًا مع بيئته الجديدة/القديمة
فكر للحظة: ما الذي تحتاجه أنت لتشعر بالاستقرار بعد نقلة كبيرة في حياتك؟
طفلك يحتاج الشيء ذاته… بل وربما أكثر.
إن العودة إلى الوطن ليست مجرد قرار إداري أو لوجستي.
إنها رحلة نفسية عميقة، وخاصة للأطفال.
حين نُعِدّ أبناءنا لها بشكل سليم، نمنحهم فرصة للانتقال من الغربة إلى الوطن بأمان… وبثقة… وبقلب مطمئن.
العودة الآمنة تبدأ من التحضير النفسي.