بقلم: أ. لارا البرازي
أخصائية علم نفس الطفل
لا يختلف عاقلان على أن عودة الوطن لمواطنيه من أحد أجمل المشاعر التي يمكن أن يعيشها إنسان. قد يختلفون فقط في طريقة العودة لذلك الوطن فكلٌّ لديه ظروفه وأسبابه. لكن في تلك الصورة المشرقة السعيدة، هناك تماماً حيث تقع عين المحب، أطفال يلعبون في زاوية بيتهم لا يدركون ماذا سيحدث بعد أن يركبوا بالطائرة أو الباص أو أي وسيلة أخرى ليعبروا إلى ضفة ذلك الوطن الذي عاشوا عمرهم بعيدًا عنه.
لن يكون انتقالهم جغرافيًا فحسب، لكنهم سيعبرون حرفيًا عبورًا نفسيًا عميقًا بين هويتين، وثقافتين، وتجربتين حياتيتين. يحتاج الأطفال إلى مرافقة حنونة، وصادقة، ومهنية في هذه الرحلة، ليشعروا أن الوطن يمكن أن يكون مكانًا للحياة، لا فقط للذكريات.
لأطفالنا الذين وُلدوا في بلاد الاغتراب، فإن “الوطن” قد لا يكون مكانًا ملموسًا في ذاكرتهم، بل مجرد فكرة، أو صورة مشوشة سمعوا عنها من الأهل أو شاهدوها عبر الشاشات.
يغلب عليهم تخيل البيت الذي سيقيمون فيه بدون نوافذ ولا أبواب، وبجدران محطمة. وفي أحسن الخيالات، بيتًا باردًا معتمًا فيه بقايا من حياة سابقة هجَرها أهلها.
ولا يُلامون، فالحقيقة أن وسائل التواصل والأخبار أبدعت في نقل الدمار، وغابت الصور الجميلة لفترة ليست بالقليلة عن الساحة، فرسخ مشهد نمطي في عقولهم البريئة. يحتاجون من أجل مسحه فقط إلى "لوح صابون وقلب حنون" كما كانت تقول جدتي رحمها الله.
كيف يكون كلامي عمليًا؟
هذه الخطوات أكتبها لي أولاً من أجل أطفالي الأربعة، وأهديها لكل أطفال سورية الذين سيبنون مستقبلاً يسعدنا لأجلهم ويليق بهم كسوريين.
قبل الانتقال:
يبدأ الاستعداد قبل أشهر من السفر، كلما طالت مدة التحضير كانت النتائج أفضل.
التحدث عن السفر والانتقال قبل أيام قليلة أو مفاجأتهم بالبقاء هناك بعد أن ظنوا أنهم ذاهبون لمجرد الزيارة، يخلق عندهم أزمة ثقة لا يمكن شفاؤها بسهولة.
تعزيز الهوية: فَهم من هُم، وأين جذورهم، وكيف يحملون تجاربهم السابقة كقوة لا كعبء.
نشرح الفرق بين ظروف الرفاهية في بلاد الاغتراب والواقع في الوطن، دون بث الخوف أو الرفض. نراعي أعمارهم برسم صورة واقعية.
فلا بهرجة وخيالات نريدها أن تكون لكنها معدومة، ولا تشاؤم يخيفهم، فالواقع أخف من ذلك بكثير.
مثلًا: سنعود إلى بلدنا، وهناك أشياء قد تكون أصعب مما اعتدنا عليه، مثل الطرق أو الكهرباء أو المدارس، لكننا سنكون معًا، وسنتعلم كيف نتأقلم.
لا تقلقوا من انعدام الكهرباء أو الماء وباقي الخدمات، فالسوريون أبدعوا بإيجاد الحلول، عليكم فقط تعلّمها منهم.
الأطفال يكتشفون العالم حولهم بحواسهم. يساعدهم كثيرًا:
سماع القصص عن سورية، سواء قصصكم عندما كنتم أطفالًا أو قصص أحبابكم ممن سبقوكم لهناك، أي قصة تجدونها محببة.
مشاهدة الفيديوهات المنتشرة مؤخرًا على وسائل التواصل، عن أماكن سورية الجميلة والمجهولة أو حتى المعروفة ولكن بشكل جديد يشرح القلب.
الاتصال المرئي مع أقاربكم وأصدقائكم الذين يتوقون لعودتكم ويعدّون الدقائق للقائكم، فالطفل يألف من يُريه المحبة ويرتاح لوجود المحبين. كما نوضح لهم أن مشاعر الغرابة في اللقاء الأول مع أي شخص طبيعية، وأن الوقت سيساعدهم على بناء الألفة.
رسم التوقعات ليس بطريقة الكبار التجريدية، بل بالورق والأقلام والألوان، ليخرجوا أفكارهم وتخيلاتهم على الورق، بحيث ترونها بأعينكم وتحكمون بقلوبكم مدى راحتهم أو خوفهم أو قلقهم، وتعالجون المكان الصحيح الذي يحتاج لدعمكم.
بعد الوصول:
قد يشتاق الطفل لحياته السابقة، أو يُعبّر عن مشاعر الحزن أو الغضب.
مهم أن نقابل هذه المشاعر بالتفهم لا بالنقد، ونعبر له أن "التأقلم لا يحدث في يوم أو أسبوع".
وأرغب بالتأكيد على تقبّل المشاعر والمساعدة على التعامل معها، وليس السماح بتجاوز حدود الأدب والأخلاق، وبينهما شعيرة.
ويكون ذلك بتعليمهم مهارات التنظيم الانفعالي ومهارات التكيف، مثل:
التنفس العميق
طلب المساعدة
التعبير عن المشاعر بالكلمات أو الرسم
نشجعهم على التعرف على بيئتهم الجديدة: المدرسة، الأصدقاء، بيت الأقارب، وأماكنهم المفضلة.
يساعد استخدام خرائط جوجل لتحديد تلك الأماكن، ومن ثم رسم خريطتهم الخاصة، بما يجعل لها خصوصية وألفة مع الأماكن الجديدة.
المساهمة في الحياة اليومية: التسوق، المساعدة في ترتيب البيت الجديد، المشاركة في أنشطة مجتمعية مع الفرق التطوعية أو فرق الكشاف.
وأخيرًا... الوالدان
ومسك الختام بكل هذه الخطوات: أنتم، نعم أنتم أيها الوالدان.
انقلوا لقلوبهم الطاهرة ولعقولهم المتعطشة إيجابيتكم ومحبتكم، وساعدوهم ليحققوا ويبْنوا مستقبلاً يفخرون به بذكرياتهم معكم.
أسأل الله لكم سفرًا آمنًا، ووصولًا غانمًا، وأيامًا سعيدة تشفي كل جروح الغربة.