بقلم : أ. عبير طالو
أخصائية نفسية وتربوية
-العودة إلى الوطن بعد سنوات من الغربة قد تكون مليئة بالتحديات ؛ فهي ليست مجرد انتقال مكاني، بل تجربة انتقال تتطلب وعيًا نفسيًا واجتماعيًا عميقًا
فالوطن ليس كما تركناه، ونحن لسنا كما كنا حين غادرناه
التكيف الإيجابي هو
القدرة على مواجهة تحديات البيئة الجديدة/القديمة بمرونة نفسية، وإيجاد معانٍ بنّاءة في التجربة، وهذا لا يعني الإنكار لِما هو صعب أو تجاهل مشاعر الفقد، بل يعني الاعتراف بها والعمل على معالجتها دون أن تُصبح عائقًا أمام بناء حياة جديدة ذات معنى.
ومن أهم مهارات التكيف الإيجابي
تقبّل الواقع الجديد: سورية اليوم ليست سورية الأمس، وقد تغيّرت أولويات الناس وطرائق عيشتهم
إعادة بناء الروابط: العودة تتيح فرصة لإحياء العلاقات العائلية والاجتماعية، لكن ذلك يحتاج إلى الصبر والتفهّم، فالعلاقات تحتاج وقتًا لتنمو
البحث عن دور: الشعور بأن للعائد مكانًا في المجتمع وأن له دورًا يساهم به، سواء في العمل أو التطوع أو المشاركة المجتمعية
طلب الدعم: لا عيب في طلب المساعدة من مختصين نفسيين أو مجموعات دعم عند الحاجة، فالصحة النفسية ضرورة وليست رفاهية
يشمل التكيف الإيجابي ثلاثة أبعاد رئيسة
البعد المعرفي: فهم الواقع الجديد وتفسيره بطريقة واقعية وإيجابية
البعد العاطفي: إدارة المشاعر المرتبطة بالانتقال، مثل الحنين، أو الإحباط، أو القلق
البعد السلوكي: اتخاذ قرارات تساعد على الاندماج الفعّال في المجتمع بعد الغياب والتأثر الثقافي والسلوكي في بلد الغربة
استراتيجيات التكيف الإيجابي
تقبّل الواقع دون مثالية
التوقعات العالية تُعرّض الشخص للإحباط ، لذا لا ترفع سقف توقعاتك وابقَ ضمن الواقع لتحظى بنظرة واقعية للوطن والناس والظروف
وهذا يتوافق مع التوجيه القرآني
"لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ" [الحديد: 23] ، فالاتزان الانفعالي جزء من الإيمان والنضج
إعادة بناء الانتماء ودورك في الأعمار
الشعور بالانتماء حاجة نفسية أساسية، ويتعزز من خلال البحث عن دور منتِج في المجتمع سواء كان (عمل، تعليم، تطوع ..الخ)
فمنهجنا القرآني يربط بين الاستقرار والإعمار ، حيث قال تعالى : "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" (هود)
تنمية المرونة النفسية
وهي القدرة على النهوض بعد الإخفاق وتعديل الخطط حسب المتغيرات
وتُكتسب المرونة من خلال الدعم الاجتماعي، وتنظيم الأفكار، والرضا بالقضاء والقدر
الموازنة بين الماضي والحاضر
لا ينبغي للعائد أن يعيش على
أن "سورية كما كانت"، بل أن يبني علاقة جديدة متوازنة مع الحاضر، مستفيدًا من التجارب الماضية دون أن يبقى أسيرًا لها ، بمعنى ان نعيش الحاضر ونستفيد من الماضي لنخطط ونعمّر المستقبل
الاستعانة بالله وطلب العون
الجانب الروحي مورد هائل للطاقة النفسية ؛ فالصلاة، والدعاء، وذكر الله، تعيد تنظيم الداخل، وتمنح القلب السكينة والطمأنينة
قال تعالى: "الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" (الرعد)
ختاماً
العودة إلى الوطن ليست رجوعًا فقط إلى الأرض، بل إلى النفس أيضًا وكأنك تعود الى رحم الأم
وكلما كان العائد أكثر وعيًا بذاته، متقبّلًا للتغيرات، ومتصلاً بالله، ومساهمًا في إعادة بناء مجتمعه، كان تكيفه إيجابيًا ومثمرًا
وسورية – برغم ما مرّت به – تظل أرضًا تنبت فيها بذور جديدة للحياة لمن حمل قلبًا مؤمنًا، ويقينا برحمة الله وحكمته، وعقلًا مرنًا، ونية مخلصة للعطاء