قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ أَفْضَلُ المُتَأَخِّرِينَ قُدْوَةُ الحُكَمَاءِ الرَّاسِخِينَ
أَثِيرُ الدِّينِ الأَبَهْرِيُّ
طَيَّبَ اللَّه ثَرَاهُ ، وَجَعَلَ الجَنَّةَ مَثْوَاهُ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
نَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى تَوْفِيقِهِ
وَنَسْأَلُهُ طَرِيقَةً هَادِيَةً
وَنُصَلِّي عَلَى سَيِّدِنَاِ مُحَمَّدٍ وَعِتْرَتِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَهذِهِ رسَالَةٌ في المَنْطِقِ، أَوْرَدْنَا فِيهَا مَا يَجِبُ اسْتِحْضَارُهُ لِمَنْ يَبْتَدِئُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعُلُومِ، مُسْتَعِيناً بِاللَّهِ تَعالى إِنَّهُ مُفِيضُ الْخَيْرِ وَالجُودِ.
قال سيدنا ومولانا العالم العلامة، الحبر البحر الفهامة، حجة المناظرين، وحلّة الطالبين، قدوة العارفين، مربي السالكين، شيخ الإسلام والمسلمين، ذو التصانيف الحميدة، والفتاوى المفيدة، والتآليف الجامعة النافعة، والأبحاث الساطعة القاطعة، زين المحافيل، فخر الأماثيل، أبو الفضائل والفواضل، أبو يحيى زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري الشافعي، أمتع الله بوجوده، ونفع بعلمه وجوده، بمحمد وآله وعترته آمين:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي منح أحبته باللطف والتوفيق ويسر لهم سلوك سبيل التصوّر والتصديق، والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمد الهادي إلى سواء الطريق، وعلى آله وصحبه الحائزين للصدق والتحقيق، وبعد: فهذا شرح لطيف لكتاب العلامة أثير الدين الأبهري رحمه الله المسمّى بإيساغوجي في علم المنطق يحلّ ألفاظه، ويبين مراده، ويفتح مغلقه، ويقيد مطلقه، على وجه لطيف ومنهج منيف، وسميته «المطلع» والله أسأل أن ينفع به وهو حسبي ونعم الوكيل.
قال رحمه الله تعالى:
(بسم الله الرحمن الرحيم) أي: أبتدئ، وابتدأ بالبسملة عملا بكتابه العزيز وبخبر «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم» أي مقطوع البركة، وفي رواية «بحمد الله»، رواه أبو داود وغيره وحسَّنه ابن الصلاح وغيره، (نحمد الله) أي نثني عليه بصفاته إذ الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التبجيل والتعظيم، سواء تعلق بالفضائل أو بالفواضل، وابتدأ ثانيا بالحمد لما مرّ، وجمع بين الابتداءين عملا بالروايتين السابقتين، وإشارة إلى أنه لا تعارض بينهما، إذ الابتداء حقيقي وإضافي، فالحقيقي حصل بالبسملة، والإضافي بالحمدلة، وقدّم البسملة عملا بالكتاب والإجماع، واختار الجملة الفعلية على الاسمية هنا وفيما يأتي قصدا لإظهار العجز عن الإتيان بمضمونها على وجه الثبات والدوام، وأتى بنون العظمة إظهارا لملزومها الذي هو نعمة من تعظيم الله تعالى له بتأهيله للعلم امتثالا لقوله تعالى:﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أي: نحمده حمدا بليغا (على توفيقه) لنا أي خلقه قدرة الطاعة فينا عكس الخِذلان فإنه خلق قدرة المعصية، وإنما حمد الله على التوفيق أي في مقابلته لا مطلقا؛ لأن الأوّل واجب، والثاني مندوب (ونسأله طريقة هادية) أي دالة لنا على الطريق المستقيم وفي نسخة: «ونسأله هداية طريقه» (ونصلي على سيدنا محمد) من الصلاة عليه المأمور بها في خبر أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك فقال: «قولوا اللهمّ صلّ على محمد» إلى آخره، وهي من الله تعالى رحمة ومن الملائكة استغفار ومن الآدميين تضرّع ودعاء (و) على (عترته) بالمثناة فوق أي: أهل بيته لخبر ورد به وقيل أزواجه وذريته، وقيل أهله وعشيرته الأدنين، وقيل نسله ورهطه الأدنين، وعليه اقتصر الجوهري (أجمعين) تأكيد.
(أما بعد) يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر، وكان النبي صلى الله عليه وسلّم يأتي بها في خطبه، والتقدير مهما يكن من شيء بعد البسملة وما بعدها.
(فهذه) المؤلفة الحاضرة ذهنا إن ألفت بعد الخطبة، وخارجا أيضا إن ألفت قبلها (رسالة) لطيفة (في) علم (المنطق) وهو آلة قانونية تعصم مراعتها الذهن عن الخطأ في الفكر، وموضوعه المعلومات التصوّرية والتصديقية، وفائدته الاحتراز عن الخطأ في الفكر (أوردنا فيها ما يجب) اصطلاحا (استحضاره لمن يبتدئ في شيء من العلوم) فقد قال الغزالي: «من لا معرفة له بالمنطق لا ثقة بعلمه»، وسماه مِعيارَ العلوم.
وحصر المصنف المقصود من رسالته في خمسة أبحاث بحث الألفاظ، وبحث الكليات الخمس، وبحث التصوّرات، وبحث القضايا، وبحث القياس.
(مستعينا بالله تعالى) أي: طالبا منه المعونة على إكمالها (إنه مفيض الخير والجود) أي العطاء على عباده.