(قوله فمما يجب الخ) هذه الفاء تسمى فاء الفصيحة لإفصاحها أي دلالتها على شرط مقدر، تقديره إن أردت معرفة ما يجب فمما يجب الخ
والمراد بالوجوب: عدم قبول الانتفاء، بخلاف الوجوب المتقدم في قوله «ويجب على كل مكلف شرعا الخ» فإن المراد به ما يثاب على فعله أي اعتقادِه ويعاقبُ على تركه، والمراد به عدم قبول الانتفاء عقلا أو شرعا أي بالدليل العقلي أو الشرعي.
وكذا يقال في الاستحالة الآتية فإن المراد به عدم قبول الثبوت عقلا أو شرعا، فالمراد بالواجب والمستحيل في كلامه ما هو أعم من العقليين والشرعيين بدليل ما سيأتي في البراهين فإنه بَيَّنَ بعض العقائد بالعقل وبعضها بالنقل بخلاف الواجب والمستحيل اللذين تعرض لتعريفهما سابقا بقوله «فالواجب ما لا يتصور إلخ» فإن المراد بهما الواجب والمستحيل العقليان فقط.
فإن قلت: ظاهر قوله سابقا ويجب على كل مكلف أن يعرف ما يجب الخ أن الواجب معرفة جميع الواجبات والمستحيلات والجائزات لأن ما من صيغ العموم وإتيانه هنا بمن التبعيضية ظاهر في أنه لم يبين جميع ما يجب بل بعضه وهو العشرون فيقتضي أن المكلف مطالب بزائد عليها وليس كذلك.
والجواب: أن كلامه سابقا باعتبار كمالاته تعالى مطلقا فيجب علينا أن نعتقد أن له تعالى صفات أي كمالات لا نهاية لها في نفس الأمر إلا أن بعضها كلفنا به تفصيلا لقيام الدليل عليه كذلك وهو ما ذكرناها وبعضها كلفنا به إجمالا.
فقوله «ويجب على كل مكلف أن يعرف» أي: تفصيلا في التفصيلي وإجمالا في الإجمالي.
وقوله «فمما يجب» معناه إن أردت معرفة ما يجب تفصيلا فبعض الواجب المتقدم وهو الواجب مطلقا عشرون وهي الواجبة تفصيلا ولا يرد الإشكال إلا لو كانت العشرون بعض الواجب تفصيلا وليس كذلك بل هي الواجبة تفصيلا وذلك بعض الواجب مطلقا.
قوله: (من بمعنى بعض) فيه نظر؛ إذ لو كانت بمعنى «بعض» لكانت اسما فكان الأولى أن يقول «من» للتبعيض. وقوله: (أي من بعض) كان الأولى حذف «من» فيقول: أي وبعض، لما يلزم على كلامه من الجمع بين التفسير والمفسَّر.
قوله: (لأن صفات مولانا) تعليل لجعل «من» بمعنى بعض، قوله: (لا تنحصر في هذه العشرين) أي: لا تختص بها وعدم الحصر في العشرين صادق بالزيادة عليها مع النهاية وبالزيادة مع عدم النهاية.
فقوله: (إذ كمالاته) تعليل لعدم الانحصار بما هو أخص منه لقصوره على الصورة الثانية لكنها لما كانت هي المقصودة اقتصر عليها في التعليل، قوله: (لا نهاية لها) أي: في نفس الأمر، وثبوت ما لا نهاية له ليس ممنوعا عقلا بالنسبة للقديم سواء كان في الصفات الوجودية أو غيرها، أما بالنسبة للحادث فإن كان بمعنى لا أول له ولا آخر فمستحيل، وإن كان بمعنى أن له أول ولا آخر له فجائز كنعيم الجنان فإنه لا يتناهى بمعنى أنه لا ينقطع أبدا حتى لا يتجدد بعدها شيء، وأما كل ما وجد منها فيما مضى إلى زمن الحال فهو متناه له مبدأ ومنتهى، فصفاته تعالى لا نهاية لها في نفس الأمر.
وقولهم: كل ما دخل في الوجود فهو متناه مخصوص بالحادث ومع كونها غير متناهية يعلمها الله تفصيلا وما يتراءى من التناهي فهو بحسب عقولنا القاصرة، فإن هناك أمورا يجب تسليمها وإن لم تسعها عقولنا ككرامات الأولياء فإنها موجودة في نفس الأمر ويجب تسليمها وإن كانت العقول لا تسع ذلك.
قوله: (ولم يكلفنا الله) أي: تفصيلا (إلا بمعرفة) أي: التصديق، وقوله: (ما نصب عليه دليلا) أي: تفصيلا عقليا كان أو نقليا، وقوله: (وتفضل علينا بإسقاط التكليف) أي: تفصيلا وأشار بقوله: «وتفضل» إلى أنه يجوز للمولى أن يكلفنا بها تفصيلا مع كونها غير متناهية خلافا للمعتزلة القائلين بمنع التكليف بما لا يطاق، ففي ذلك إشارة إلى رد مذهبهم، وأما أهل السنة فجمهورهم على جواز ذلك التكليف وإن لم يقع في غير العقائد، أما فيها فوقع على القول بأن النظر واجب على كل أحد وإن لم يكن فيه أهلية لفهمه، وإنما سقطت المؤاخذة به تفضلا منه تعالى، والخلاف بينهم إنما هو في الوقوع، فبعضهم أثبته وبعضهم نفاه وتفصيل ذلك يعلم من شرح المحلي على جمع الجوامع.
قوله: (والعشرون صفة هي الوجود) الصفة والوصف والنعت عند النحاة بمعنى واحد وهو: التابع المخصوص، وأما عند المتكلمين فقد يطلق الوصف بمعنى الصفة وقد يفرق بينهما بأن الصفة ما قام بالموصوف والوصف ما قام بالواصف؛ إذ هو الإخبار بقيام الصفة فهو صفة الواصف وهي صفة الموصوف،
وإنما قدم «الوجود» لأنه كالأصل بالنسبة إلى باقي الصفات؛ إذ الحكم بما يجب له تعالى وما يستحيل وما يجوز كالتفريع لتقديمه عليها يشبه تقديم التصور على التصديق.
واتفق جميع الملل مؤمنها وكافرها على وجوب وجود الصانع ولا عبرة بقول جماعة من جهلة الفلاسفة أن حدوث العالم أمر اتفاقي بغير فاعل؛ لأنه بديهي البطلان، ولذا لما ألف ابن القيم: «مائة حمل بعير في علم التوحيد» وزفها السلطان ومشى العلماء معها سألته امرأة وهي لا تعرفه فأخبرها فقالت: أفى الله شك، فقال: لا لكن ربما تطرأ شبهة فتدفع بهذه الكتب، فقالت: كل من جادل في الله خرقت عينه بأصبعي.
وقوله: (إلى آخر ما ذكر) جواب عما يقال الوجود ليس هو العشرين فلا يصح الإخبار، وحاصل الجواب أن الخبر ليس الوجود فقط بل هو وما عطف عليه فيلاحظ في مثل ذلك عطف تلك الأشياء وجعله شيئا واحدا قبل الإخبار بها فكل واحد منها لا محل له من الإعراب بل الإعراب للمجموع والحكم به على كل واحد من باب الحكم على الجزء بحكم الكل.
قوله: (والوجود صفة) هذا تعريف له بناء على القول الضعيف وهو قول الرازي القائل بأن الوجود غير الموجود. وقوله: (ثبوتية) أي: لها ثبوت أي: تحقق في الخارج عن الذهن (لا تتصف بالوجود) أي: خارجا بحيث تمكن رؤيتها بالبصر كالمعاني (ولا بالعدم) أي: بحيث تكون أمرا عدميا كالقدم والبقاء؛ إذ لو اتصفت بالأول لكانت موجودة ووجودها متصف أيضا بالوجود وهكذا فيلزم التسلسل، ولو اتصفت بالثاني للزم أن الشيء الموصوف بالوجود يتصف بالعدم أيضا وذلك تناقض فثبت أنها واسطة بين الوجود والعدم بناء على القول بإثبات الواسطة، وسيأتي الكلام عليه.
واعلم أن التعريف المذكور شامل لـ«المعنوية» فهو من التعريف بالأعم وقد أجازه المتقدمون من المناطقة وفي بعض النسخ «نفسية» وهو غير ظاهر؛ لأنه إنما يجري على القول المعتمد القائل بأن الوجود عين الموجود مع أن هذا التعريف مبني على مقابله كما مر.
قوله: (لأنها من جملة الأحوال) علة لقوله: لا توصف بالوجود إلخ.
وقوله: (عند القائل بها) أي: وهو ضعيف، والحق لا حال أي: لا واسطة بين الوجود والعدم، فالوجود ليس حالا بل هو عين الموجود وليس هناك صفات ثابتة في الخارج زائدة على المعاني تسمى حالا ومعنوية بل المعنوية عبارة عن قيام المعاني بالذات وذلك القيام أمر اعتباري لا ثبوت له إلا في الذهن، فمن أثبت الأحوال يقول: قام بالذات صفتان العلم مثلا وكونه عالما، ومن نفاها يقول: لم يقم بها إلا صفة واحدة فقط وهي العلم مثلا، وأما الكون عالما فليس صفة زائدة بل هو أمر اعتباري وهو قيام العلم بالذات.
وأما ما اشتهر من أن نافي المعنوية كافر، فالمراد به نافيها مع إثبات أضدادها كأن ينفي كونه قادرا ويثبت كونه عاجزا وينفي كونه عالما ويثبت كونه جاهلا وهكذا، لا نافي ثبوتها في الخارج وزيادتها على المعاني؛ لأن هذا هو الحق كما سيأتي، وهذا كقولهم: نافي المعانى كافر فالمراد به نافيها مع إثبات أضدادها كأن ينفي القدرة ويثبت العجز وهكذا، لا نافي ثبوتها في الخارج وزيادتها على الذات، فإن المعتزلة ينفونها ويثبتون المعنوية مع أنهم لا يكفرون.
واعلم أن الأمر الاعتباري يطلق على ما اعتبره المعتبر وفرضه الفارض مع كونه ليس له تحقق في نفسه كبحر من زئبق، وهذا ليس مرادا هنا
ويطلق على ما له تحقق في نفسه بقطع النظر عن اعتبار معتبر وفرض فارض لكن لا ثبوت له في الخارج بل في الذهن كالإمكان وهو المراد هنا.
والفرق بين الأحوال على القول بها وبين الأمور الاعتبارية بهذا المعنى أن الأولى ثبوتها خارجي أيضا بخلاف الثانية فذهني، ولذا كانت الأولى من متعلقات القدرة دون الثانية وكل منهما صفة ثبوتية لا تمكن رؤيتها لعدم ارتقائها إلى درجة الوجود وإن كان ثبوت الثانية أنزل من ثبوت الأولى بخلاف الصفة الوجودية كالقدرة فإنها تمكن رؤيتها لولا المانع، ولذا تسمعهم يقولون: إن مصحح الرؤية هو الوجود.
قوله: (وهي الحال إلخ) بعد أن عرفها بالتعريف الأعم شرع يعرفها بالتعريف الأخص فقال: وهي الحال إلخ، وهذا تعريف للوجود مطلقا أي: سواء كان قديما أو حادثا.
لا يقال: هما حقيقتان مختلفتان فلا يمكن اجتماعهما في تعريف واحد.
لأنا نقول: هذا التعريف رسم بالعرضيات لا حد حقيقي بالذاتيات، والمنع إنما هو في الحد لا في الرسم.
فإن قلت: قوله الواجب للذات ظاهر في الوجود القديم وهو وجود المولى لا في وجودنا؛ لأنه يقبل الانتفاء فكيف يجعل التعريف شاملا لهما.
قلت: ليس المراد بالوجوب عدم قبول الانتفاء حتى يرد ما ذكر بل المراد به عدم الانفكاك فمعنى الواجبة للذات الثابتة لها ثبوتا لا ينفك عنها وذلك لا ينافي قبول الانتفاء؛ لأن وجوب شيء لشيء لا يستلزم سلب العدم السابق عليه، فوجودنا وإن كان يقبل الانتفاء لكنه لا ينفك عن الذات.
والمراد بالذات: ما يشمل ما قام بنفسه وما قام بغيره لا ما قام بنفسه فقط، ألا ترى أن البياض والسواد مثلا يتصفان بالوجود وأن اللونية صفة نفسية لهما مع أنهما عرضان قائمان بغيرهما.
قوله: (ما دامت الذات) «ما» مصدرية ظرفية متعلقة بالواجب أي: الواجب مدة دوام الذات وإنما كانت مصدرية لتأويلها مع ما بعدها بمصدر وظرفية لنيابة هذا المصدر عن الظرف نيابة المضاف إليه عن المضاف؛ إذ صريح المصدر ينوب عن الظرف في إعرابه والدلالة عليه فكذا ما أول به كما هنا فإن تقديره: دوام الذات، وهذا المصدر نائب عن الظرف أعني: مدة فهو من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مُقامه
و(دام) تامة لا خبر لها
وأظهر في محل الإضمار، ولم يقل: (ما دامت) لدفع توهم عود الضمير على (الحالُ) وهو فاسد.
فإن قلت: أي فائدة لزيادة هذا القيد أعني قوله: «ما دامت الذات» مع أن التعريف بدونه صحيح.
قلت: فائدته التنبيه على أن الذات ملزومة للوجود فمتى تحققت الذات تحقق وجودها؛ لأن الأمر النفسي لا يتخلف عما هو نفسي له ولذا يقال ما بالذات لا يتخلف، فزاد ذلك القيد لإفادة اللزوم.
لا يقال: هو مستفاد من قوله الواجبة للذات لما تقدم من أن معناه الثابتة لها ثبوتا لا ينفك عنها.
لأنا نقول: هو أظهر في إفادة ما ذكروا، هذا كله إن جرينا على إخراج المعنوية بقولنا: «غير معللة» كما صنع الشارح، فإن جرينا على ما سيأتي من إخراجها بما دامت الذات كان هو المحتاج إليه دون قوله: «غير معللة بعلة».
وقوله: (غير) بالنصب حالٌ من الحالُ على مذهب من يرى مجيء الحال من الخبر فإن الخلاف ثابت فيه كمجيئه من المبتدأ، أو من ضمير الواجبُ ولا يصح أن يكون خبرا ل (دام) بناء على أنها ناقصة؛ لأن الذات لا تعلل، قال بعضهم: وكذا لا يصح أن يكون بالرفع صفة ل الحالُ لأن لفظها معرفة و(غير) نكرة وفيه نظر؛ لأن لفظ الحال وإن كان معرفة لكنه نكرة معنى فيصح أن يكون (غير) صفة له.
قوله: (فأخرج بالحال إلخ) جعلُ المعاني والسلبية غيرَ حالٍ مجردُ اصطلاح ولا مشاحة فيه،
وقوله: (وأخرج الأحوال المعنوية) لا حاجة إلى إخراجها بذلك؛ لأنها خارجة بقوله: «ما دامت الذات» فإن معناه أن الوجود هو الحال الواجب للذات بقيد دوام الذات فخرج ما لم يدم بدوام الذات كالمعنوية، فإن دوامها بدوام معانيها لا بدوام الذات فهي ثابتة للذات ما دامت الذات معانيها، وحينئذ فالقيد المذكور لبيان الواقع لا للاحتراز لكن لما كان أصرح في الإخراج مما قبله أحال الشارح الإخراج عليه.
وقيل إن قوله: «ما دامت الذات» خرج به المعنوية الحادثة و«غير معللة بعلة» خرج به المعنوية القديمة وفيه بُعْدٌ، هذا.
وأورد على التعريف المذكور: أن الوجود كالمعنوية في كونه معللا فإن معناه ثبوت الشيء أي: حصوله في الأعيان على القول بأنه حال، فلابد من صفة تقتضي ذلك الحصول.
وأجيب: بأنه لا يجوز تعليل الحصول المذكور بصفة قائمة به؛ لأن اتصافه بها مسبوق بحصوله في نفسه؛ إذ حصول الشيء في نفسه سابق على حصول غيره له فلو كان حصول غيره له علة لحصوله لزم الدور.
قوله: (أي تلزمها) أشار به إلى أن المراد بالتعليل التلازم لا التأثير؛ إذ المعاني ليست مؤثرة في المعنوية فإن اعتقاد ذلك كفر، وكذا كل موضع أطلق فيه التعليل عند أهل السنة فالمراد به ما ذكر.
قوله: (كقادر) الأولى ككونه قادرا؛ إذ قادر اسم من أسمائه تعالى لا صفة وكذا يقال فيما بعده،
قوله: (فإنه معلل بقيام القدرة) فيه تسمح؛ إذ العلة هي القدرة لا قيامها؛ لأنه أمر اعتباري فكان الأولى حذفه وكذا يقال فيما بعدُ، إلا أن يقال: إنه من إضافة الصفة باعتبار التأويل إلى الموصوف، والأصل بالقدرة القيام أي: القائمة، وإنما ارتكب ذلك التسمح؛ لأن مجرد القدرة مثلا بدون اعتبار قيامها بالموصوف لا يستلزم الكون قادرا مثلا، ولذا تسمعهم كثيرا يقولون يلزم من قيام القدرة بمحل كونُ المحل قادرا وهكذا.
قوله: (واختلف إلخ) كالاستدراك على ما قبله كأنه قال: ما تقدم مما يقتضي أن الوجود غير الموجود ليس متفقا عليه؛ لأنه قد اختلف إلخ،
قوله: (هل هو نفس ذات الموجود إلخ) وعليه فالوجود مشترك اشتراكا لفظيا كلفظ عين ونحوها من المشترَكَات اللفظية الموضوعة لكل من معانيها على حدته فليس هنا وجود مطلق ووجود خاص هو فرد له بل ليس هناك إلا حقائق مختلفة يطلق على كل واحد منها لفظ الوجود على سبيل الاشتراك اللفظي بخلافه على القول الآتي فإنه مشترَك اشتراكا معنويا كإنسان فهو متواطئ بين أفراده لا مشكِّك كالبياض لعدم اختلاف الأفراد
وقد استدل على هذا أعني كون الوجود عين الموجود بحجج:
منها، أنه لو كان زائدا لم يخل إما أن يكون موجودا أو معدوما، فإن كان موجودا لزم التسلسل؛ لأن وجوده يتصف أيضا بوجودٍ أيضا وهكذا فيلزم ما ذكر، وإن كان معدوما لزم اتصاف الشيء وهو الوجود بنقيضه وهو العدم وذلك محال.
ورد أيضا بأن الممتنع اتصاف الشيء بعين النقيض كأن يقال: الوجود عدم أو الموجود معدوم أما اتصافه بنقيضه على وجه النسبة كأن يقال: الوجود عدمي، أو الاشتقاق كأن يقال: الوجود معدوم فلا يمتنع وما هنا من هذا القبيل لأنا قد قلنا: الوجود معدوم أي: لا تحقق له في الخارج ولا يلزم من ذلك أن الذات المتصفة بالوجود معدومة؛ لأن العدم قائم بوصفها وهو الوجود لا بها
ونظير ذلك السواد قائم بالجسم ونقيض الجسم لا جسم والسواد فرد من أفراده؛ لأن كل صفة قائمة بشيء فرد من أفراد نقيضه. فالجسم متصف بالسواد ومن أوصاف السواد أنه لا جسم، فقد اتصف بعدم الجسمية ولا يلزم منه أن الجسم معدوم؛ لأن المتصف بالعدم إنما هو القائم به لا هو، فيصدق أن الجسم ذو لاجسم، وكذا ما نحن فيه، فإن العدم وصف للوجود القائم بالذات فهو وصف للقائم بها ولا يلزم من ذلك أن تكون متصفة به بل هي متصفة بذي لاوجود ولا محذور فيه،
ومنها ما ذكره الأشعري وهو: أنه لو كان الوجود زائدا على الماهية عارضا لها لكانت الماهية من حيث هي غير موجودة أي: كانت في مرتبة معروضة للوجود أي: صالحة له خالية عنه فكانت معدومة لاستحالة ارتفاع النقيضين فيلزم اتصاف المعدوم بالموجود وهو تناقض.
ورد بأن الممكن هو ما لا تقتضي ذاته أن يكون موجودا أو معدوما فلما كان صالحا؛ لأن يتوارد عليه الوجود والعدم على سبيل البدل، كان في نفسه عاريا عنهما بمعنى: أن ماهيته في حد ذاتها وهي مرتبة معروضيتها للوجود والعدم خالية عنهما غير موصوفة بواحد منهما، فقوله: فكانت معدومة فيلزم إلخ في حيز المنع
ومع هذا فالحق ما ذهب إليه من أن الوجود عين الموجود وأنه لا حالَ،
ثم إن أكثر الشيوخ أخذ بظاهر كلامه في الدليل المذكور فأبقى هذه العبارة على ظاهرها فقال: معنى كون الوجود عين الموجود أنهما متحدان مفهوما وماصدقًا، والمحققين أولوها فأولها السعد بقوله: معناها أن الوجود ليس له تحقق في الخارج زائدا على تحقق الذات بل هو أمر اعتباري فليس للماهية تحقق ولعارضها المسمى بالوجود تحقق آخر بحيث يكون هناك شيئان متحققان خارجا كالجسم والبياض، وهذا لا ينافي كونه أمرا اعتباريا يلاحظ في الذهن زيادة على ملاحظة الذات كإمكان الحادث، فإن الإمكان أمر اعتباري يلاحظ في الذهن زيادة على ملاحظة الحادث كما مر.
قوله: (فلا يكون صفة) أي: لأن الصفة اسم للأمر الزائد على الموصوف وهذا ليس كذلك على ما سيأتي،
قوله: (وهو مذهب الشيخ أبي الحسن) واسمه علي منسوب إلى أبي موسى الأشعري الصحابي، والماتريدي اسمه محمد.
قوله: (وقد تسامح الشيخ إلخ) هذا جواب عما يقال: إذا كان مذهب الأشعري أن الوجود عين الموجود فكيف يعده المصنف التابع له من الصفات، وحاصله أنه تسامح أي: تجوز بأن أطلق اللفظ على غير ما وضع له لعلاقة المشابهة من حيث الوصف في اللفظ فهو استعارة مصرحة وليس في ذلك جمع بين الطرفين كما توهمه بعضهم؛ لأنهما لم يجتمعا في جملة واحدة على وجه ينبئ عن التشبيه.
وقوله: (ووجه التسامح) أي: وعلاقة المجاز، وحاصله: أن الوجود يكون وصفا في اللفظ كالصفة فكما يقال: الله عالم، يقال: الله موجود. فلما حصلت المشابهة بينهما من هذه الحيثية صح إطلاق الصفة عليه وإن كان في المعنى ليس أمرا زائدا وعلى هذا فيكون إطلاقها عليه وعلى سائر الصفات من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه.
وهذا كله إن جرينا على عدم التأويل في عبارة الشيخ السابقة، فإن جرينا على ما هو الحق من تأويلها فلا تسامح؛ لأن الوجود حينئذ يكون أمرا اعتباريا وهو زائد على الذات في التعلق التعقل، فإطلاق الصفة عليه حقيقة لا مجاز؛ لأن الصفة كما سيأتي تطلق على الأمر الوجودي وتطلق على ما ليس بذات الشامل للوجودي وغيره.
ومن ثم اعترض السكتاني على قوله: فتصفها بالوجود لفظا بقوله: ظاهره أن هذا إطلاق حَدُّهُ اللفظُ لا يتعدى إلى المعنى أصلا والمعنى عليه ذات مولانا يطلق عليها لفظ الوجود أو نحو هذا وليس كذلك؛ إذ لا خفاء في أن ثبوت الوجود لله تعالى حكم تصديقي برهن عليه المتكلمون في كتبهم وأثبتوا صحته بحدوث العالم وإمكانه، وذلك يؤذن بأنه عندهم إسناد معنوي وذلك يحصل بجعله أمرا اعتباريا انتهى بإيضاح.
قوله: (زائد على الذات) أي: صفة ثابتة في الخارج لم تصل إلى درجة الوجود بل هي واسطة بينه وبين العدم كالمعنوية فهي من جملة الأحوال عند القائل بها، وقد استدلوا على ذلك بحجج:
منها أن ذاته غير معلومة لنا ووجوده معلوم لنا ينتج من الشكل الثاني، ذاته غير وجوده وفيه نظر؛ لأن وجوده معلوم لنا من حيث الوصف فقط وهو أن ذلك الوجود لا يسبقه عدم ولا يلحقه عدم وأما حقيقته فغير معلومة لنا، فقولهم: وجوده معلوم لنا دون ذاته في حيز المنع،
وقالت الفلاسفة: الوجود غير الموجود في الحادث عينه في القديم؛ لأنه تعالى واجب الوجود وهو لا يكون عندهم إلا واحدا من كل وجه، فلو زاد وجوده لتكثر؛ لأن الموصوف عندهم يتكثر بتكثر الصفات، وذلك يؤدي إلى التركيب المؤدي إلى الإمكان وهو مناف للوجوب، ولا يخفى بطلان ما ذهبوا إليه.
وقالت الكرامية: الوجود صفة معنى كالقدرة مثلا ويمكن توجيهه بنحو ما احتج به على القول الثاني الذي هو قول الرازي.
واعلم أن الواجب على المكلف الإيمان بوجوده تعالى ولا يجب عليه اعتقاد كون الوجود عينا أو غيرا وبصفاته ولا يجب عليه اعتقاد كونها عين الذات أو غيرها ولا البحث عن كيفياتها وتعلقاتها وتعددها واتحادها، فإن ذلك لم يأمر به الشرع وسكت عنه الصحابة والتابعون بل نهوا عن الخوض فيه لأنه بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته بالعقل فالأسلم الإمساك.