﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ﴾
﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾
الحمدلله المتوحد في جلال ذاته المتميزة في نعوت جبروته عن شوائب النقص وسماته الفعال لما يريد فلا معارض لما قضاه ولا رادّ لهباته والصلاة والسلام على سيدنا محمد واسطة عقد النبيين والمرسلين الصادق المبلغ لأمر ربه الأمين وعلى آله وأصحابه والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
(أما بعد) فيقول كثير المساوي عبد الله بن حجازي المشهور بالشرقاوي قد طلب مني بعض الإخوان أن أكتب على شرح العلامة الشيخ محمد بن منصور الهدهدي على أم البراهين المسماة بالصغرى للعلامة أبي عبد الله محمد ابن الولي الصالح يوسف السنوسي المالكي المغربي التلمساني حاشية تتضمن توضيح ما كتبه عليه شيخنا علامة الزمان وفريد العصر والأوان شيخ الإسلام الشيخ علي العدوي الصعيدي لقصور فهم غالب الناس عن استطلاع طوالع ذلك لما حوى من التحقيق الذي لم يوجد في غيره.
فأجبتهم إلى ذلك وإن كنت لست أهلا لما هنالك وضممت إليه فوائد سمعتها منه حال قراءته لذلك الكتاب وبعض مسائل مما كتب عليه من حواش وشراح فجاءت بحمد الله حاشية نفيسة جامعة جعلها الله تعالى خالصة لوجهه الكريم ونفع بها النفع العميم كما نفع بأصولها آمين.
والهدهدي منسوب لعرب الهداهدة قبيلة بمصر من قبائل إقليم البحيرة، والسنوسي منسوب لبني سنوس قبيلة معروفة بالمغرب ولا أصل لقول من نسبه إلى سنوسة وهي بلدته التي نشأ بها لعدم وجود بلد بالمغرب تسمى بذلك، وهو حسنيّ نسبة إلى الحسن ابن علي رضي الله تعالى عنهما من جهة أم أبيه.
وهو ممن أظهر الله به الدين وأسس أصوله وتبحر في العلوم كلها وبلغ من الورع والزهد العاية القصوى وتآليفه كثيرة تبلغ خمسة وأربعين منها شرحه الكبير المسمى بالمغرب المستوفي على الحوفي كثير العلم ألفه وهو ابن تسع عشرة سنة وتعجب منه شيخه حين رآه وأمره بإخفائه حتى يكمل سنة ثلاثين سنة لئلا تأخذه العين، وقال: لا نظير له فيما أعلم ودعا له.
توفي يوم الأحد بعد عصر الثامن عشر من جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثمانمائة وعمره ثلاث وستون سنة وفاح ريح المسك بنفس موته وقبره مشهور في تلمسان يزار قل أن يوجد على وجه الأرض.
تأليف يفيد معرفة الله تعالى بالبراهين القاطعة في أقرب زمان مؤيدة بالسنة والقرآن مثل عقائده لا سيما هذه العقيدة فإنها أحسن مؤلفاته وأجمعها وقد مدحها مصنفها بقوله إنها صغيرة الجرم كثيرة العلم محتوية على جميع عقائد التوحيد لا يعدل عنها بعد الاطلاع عليها والاحتياج لما فيها إلا من هو من المحرومين إذ لا نظير لها فيما علمت وهي بفضل الله تزهو بمحاسنها على كبار الدواوين إهـ وكان بعض المحققين يقرؤها للناس في مجلس واحد كل يوم جمعة ويقول لابد منها للمبتدئ.
وقد ألف أبو عبد الله محمد بن عمر الملائي تلميذ المصنف مجلدا في مناقبه وحكى فيه عنه أنه قال أن صاحبه محمد بن سجزي رأى صاحبا له من أهل العلم بعد موته فسأله عما لقيه من منكر ونكير، فقال: سألني عن ديني وعما قرأته من كتب التوحيد، فقلت: قرأت عقيدة فلان وعقيدة فلان، فقالا له بغضب وتهديد لأي شيء لم تقرأ عقيدة السنوسي أو قالا سيدي محمد السنوسي، فقال لهما: قرأت غيرها من العقائد، فقالا: وهلا قرأتها لو قرأتها لكفتك عن غيرها، أو قالا: لو اقتصرت عليها لاستغنيت بها عن غيرها، وضرباه بمقمع من حديد ضربتين أو ثلاثا وإنما كان الضرب والعقاب لعدم قراءتي لها مع أني قد كنت أعرف التوحيد بالبراهين القطعية فكيف حال المقلد أو الجاهل، فإن قلت: لا عقاب على المباح.
قلت: إن غالب المصائب من الأمراض الباطنة فلعله انضم لعدم قراءتها أمر باطني كنقيص للشيخ أو اعتراض عليه لأن المعاصرة صعبة وتركه تسمية الميت سترا عليه.
وحكي عنه أيضا أنه أخبره أن بعض الصالحين رؤي في المنام بعد موته فقيل: ما فعل الله بك، فقال: أدخلني الجنة ورأيت سيدنا إبراهيم الخليل يقرئ عقيدة سيدي محمد السنوسي للصبيان يقرؤونها في الألواح ويجهرون بقراءتها، قال الراوي واظبه قال: العقيدة الصغرى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ افتتح كتابه بالبسملة تبركا بها واقتداء بكتب الله المنزلة وعملا بقوله ﷺ كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بـ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ فهو أقطع أي: كل فعل ولو قوليا لا تذكر البسملة في أوله فهو قليل البركة فيستحب الآنيان بها في كل أمر يهتم به شرعا مقصود لذاته ليس ذكرا محضا ولا جعل الشارع له مبدأ كوضوء وغسل وجماع وسفر والله اسم للذات العلية وهو الاسم الأعظم وعدم الإجابة عند الدعاء به لفقد شروطها التي أعظمها أكل الحلال وقد أوحى الله تعالى إلى موسى: يا موسى إن أردت أن يستجاب دعاؤك فصن بطنك عن الحرام وجوارحك عن الآثام.
و﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾ كثير الرحمة أي: الإحسان أو إرادته بالنعم العظيمة ورحمته تعالى عامة لجميع المخلوقات فينبغي موافقته بالمواساة لهم فمن رحمهم رحمه الله.
قال: كعب الأحبار مكتوب في الإنجيل يا ابن آدم كما ترحم كذلك ترحم فكيف ترجو أن يرحمك الله وأنت لا ترحم عباد الله.
ورؤي الغرالي في النوم فقيل له: ما فعل الله بك قال: أوقفني بين يديه، وقال: بم جئتني فذكرت أنواعا من الطاعات، فقال: ما قبلت منها شيئا لكنك جلست تكتب فسقطت ذبابه على القلم فتركتها تشرب من الحبر رحمة لها فكما رحمتها رحمتك اذهب فقد غفرت لك.
و﴿ٱلرَّحِيمِ﴾ الكثير الرحمة بالعم العظيمة ذكر عقب الرحمن إشارة إلى أنه يسن طلب الأشياء الحقيرة منه كما تطلب منه الأشياء العظيمة فقد أوحى الله تعالى إلى موسى يا موسى لا تخش مني بخلا أن تسألني عظيما ولا تستح أن تسألني صعيرا، أطلب مني الدقة والعلف لشأنك يا موسى أما علمت أني خلقت الخردلة فما فوقها وأني لم أخلق شيئا إلا وقد علمت أن الخلق يحتاجون إليه فمن يسألني مسئلة وهو يعلم أني قادر أعطى وأمنع أعطيته مسألته مع المغفرة.
والصحيح أن المقدارات في القرآن كمتعلق البسملة ليست منه وإن كان المعنى لا يتم إلا بتقديرها لأنه اللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز المتعبد بتلاوته التحدي بأقصد سورة منه والمقدرات ليس منزلة على محمد ولا متعبدا بتلاوتها.
واعلم أن جملة البسملة يصح أن تكون خبرية باعتبار أصلها وهو الفعل أو القول الذي يشرع فيه كالأكل والشرب والتأليف لأن حصول ذلك لا يتوقف على التلفظ بها كما هو ضابط الخبر إذ هو الذي لا يتوقف حصول مدلوله على التلفظ به ماضويا كان كقام زيد أو مضارعيا كيضرب زيد والمعنى هنا أبتدئ أو أؤلب مستعينا باسم الله أو مصاحبا له على وجه التبرك ولا شك أن كلا من التأليف والابتداء لا يتوقف على قولك أؤلف أو أبتدئ فانطبق على ذلك ضابط الخبر.
فإن قلت: إن كلا من الاستعانة بالاسم والمصاحبة له من تتمة الخبر مع أنهما لا يحصلان إلا بالتلفظ بهذا اللفظ ولم يحصلا قبله ثم أتى حكاية عنهما فلا نكون الجملة خبرية باعتبارهما.
قلت: نعم، وإن كانا من تتمة لكنهما ليسا بجزأين منه بل من متعلقاته الخارجة عن حقيقته وقيد فيه وإن توقف مضمون الخبر المطلوب شرعا عليهما إلا أن ذلك التوقف لا يقتضي الجزئية أي: لا يقتضي كونهما جزأين من الخبر النحوي فإن المتعلقات لا تعد جزءا منه وإن توقفت فائدته عليها وذلك كالحال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ﴾ ﴿وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ﴾ على أحد الأعاريب ومن ذلك ما نحن فيه وأيضا فالذي يتصف بالخبرية والإنشائية إنما هو الكلام وهو ما تضمن من الكلمات إسنادا مفيدا مقصودا لذاته لا المتعلقات لأنها خارجة عنها وهذا الإشكال إنما يرد.
ويحتاج للجواب عنه بما ذكر: إذا جعلنا الإضافة في بسم الله من إضافة العام للخاص وهي البيانية على القول الضعيف الذي لا يفرق بينها وبين التي للبيان فإضافة العام للخاص كما يقال لها بيانية يقال لها إضافة بيانية كخاتم حديد أو مطلق فللبيان كشجر أراك.
وأما إن جعلنا الاسم مقحما أو المراد به المسمى وكأنه قيل بالله لأن الحكم بحسب الظاهر وإن ورد على اللفظ لكن المراد مدلوله وهو الذات العلية لأن كل حكم ورد على اسم فهو وارد على مدلوله إلا لقرينة ككتبت زيدا أو ضرب فعل ماض فلا ورود لذلك الإشكال ولا يحتاج للجواب عنه بما ذكر لأن المعنى حينئذ أؤلف مستعينا بالذات العلية أو مصاحبا لها مصاحبة تبرك. ولا شك أن الاستعانة بها والمصاحبة المذكورة لا يتوقفان على التلفظ بهذا اللفظ بل هما حاصلان في نفس الأمر وهذا اللفظ أعني بسم الله حكاية عنهما فصح كونها خبرية.
وإن التفتنا لهذا القيد على أنا لو جرينا على ما ذكر من كون الإضافة من إضافة العام للخاص فلنا منع ما مر من أنه يشترط في الخبر حصول مدلوله قبله وكونه حكاية عنه بل يجوز أن يكون مدلوله لا يحصل إلا بالتلفظ به كما تقول: أتكلم مخبرا عن كلام حصل منك وهو هذا اللفظ أي: لفظ أتكلم ولم يحصل منك كلام غيره أي: أخبركم عن كلام حصل مني وهو هذا اللفظ أي: لفظ أتكلم.
فمدلول هذا اللفظ وهو الكلام لم يحصل قبله بل الكلام هو نفس أتكلم فهو وإن كان بحسب الظاهر حكاية عن مدلوله وهو حصول كلام غير هذا اللفظ لكن المراد نفس أتكلم لعدم حصول كلام منك غيره قبله فهو في الحقيقة حكاية عن نفسه، والمعنى هنا: أبتدئ مستعينا ببسم الله أو مصاحبا له وكل من الاستعانة والمصاحبة لم يحصل إلا بهذا اللفظ أعني: لفظ بسم الله.
وليس المراد: أنه حصل منك استعانة ببسم الله أو مصاحبة له قبل ذلك وهذا اللفظ حكاية عنه، بل المراد: الإخبار بأنه حصل من استعانة ببسم الله وهي الاستعانة الحاصلة بقولك بسم الله لا غيرها، ويصح أن تكون إنشائية باعتبار متعلقها وهو الاستعانة أو المصاحبة أي: لإنشاء ذلك المتعلق لأنه لم يحصل إلا بالتلفظ بها كما هو ضابط الإنشاء إذ هو ما حصل مدلوله بالتلفظ ولا شك أن الاستعانة والمصاحبة لا يحصلا قبل التلفظ بهذه الجملة فانطبق على ذلك ضابط الإنشاء.
وأورد عليه أنه يصير أصل الجملة وهو التأليف مثلا غير مقصود لأن المقصود من الكلام المقيد إنما هو إفادة ذلك القيد فالمقصود حينئذ إنشاء الاستعانة مثلا وإفادته وأما أصل الجملة فليس مقصودا.
وأجيب: بأن هذه القاعدة أغلبية وإلا فقد يقصد كل من المقيد والقيد معا كما هنا فإن قائل ذلك الكلام قاصدا لإتيان بهذا الفعل وهو التأليف مثلا مستعينا على تحصيله ووجوده ببسم الله ولم يقصد مجرد الاستعانة مع قطع النظر عن كونها على فعل مثلا فاسم الله كما قيل بمنزلة الآلة التي يتوقف عليها الفعل وينعدم بانعدامها فهو كالسبب في تحصيل ذلك الفعل وذلك يستلزم كون الفعل مقصودا إذ المقصود بالسبب تحصيل المسبب.
هذا إن جعلت الباء للاستعانة وكذا إن جعلت للمصاحبة لأنها هي التي يحسن في موضعها مع يغني عنها وعن مصحوبها الحال نحو اهبط بسلام أي: مع سلام أو مسلما ولا شك أن «مع» تدل على قصد ذلك الفعل لأنها تشعر بشيئين مصطحبين فهي لبيان أن ما بعدها مع ما قبلها مصاحب له.
فكأنه قال هنا: أبتدئ أي: أؤلف مع اسم الله أي: مصاحبا له مصاحبة تبرك وذلك يدل على قصد كل من المصطحبين هذا إيضاح ما ذكره في حواشي التلخيص نقلا عن شيخه الغنيمي. والحاصل أن هذه الجملة يصح أن تكون خبرية باعتبار الصدر أو العجز وأن تكون إنشائية باعتبار العجز فقط.
(قوله: الحمد لله) إنما لم يأت بالعاطف إشارة إلى أن كلا من الجملتين كاف في الابتداء ومحل لمقصود الشارع وهو حصول البركة في الشيء ودفع النقص عنه فإذا أتى الشخص بإحداهما فقد خرج عن عهدة الطلب أو إشارة إلى أن بين الجملتين كمال الانقطاع لكون إحداهما خبرية والأخرى إنشائية فكأنه لاحظ أن جملة البسملة خبرية والحمدلة إنشائية وبالعكس ومتى كان بينهما كمال الانقطاع يترك العاطف كما تقرر في علم المعاني لعدم ارتباط إحداهما بالأخرى فلا يؤتى بالعاطف المفيد للارتباط.
واعلم أن جملة الحمد يصح أن تكون خبرية لفظا ومعنى والمعنى أخبر بأن كل حمد مختص بالله تعالى أو مستحق له ويحصل الحمد بذلك الإخبار.
لا يقال: لا يلزم من الإخبار عن حصول شيء اتصاف المخبر بذلك الشيء لأن الإخبار عن حصول شيء ليس ذلك الشيء، وذلك كالإخبار عن حصول القيام لزيد في قولك: زيد قائم، فإنه لا يلزم منه اتصاف المخبر بالقيام لأن الإخبار المذكور ليس قياما وحينئذ فلا يلزم من الإخبار بأن الحمد مستحق لله مثلا كون المخبر حامدا لأن ذلك الإخبار ليس حمدا فلم يحصل مقصود الشارع وهو اتصاف الشخص بكونه حامدا.
لأنا نقول: محل كون الإخبار بالشيء ليس ذلك الشيء ما لم يكن الخبر من جزئيات المخبر عنه ومن أفراده أما لو كان كذلك فيكون الإخبار به نفس ذلك الشيء وحينئذ فيلزم من الإخبار به اتصاف المخبر بذلك الشيء ولا شك أن ما هنا من هذا القبيل فإن الإخبار بأن الحمد مستحق لله تعالى مثلا من جزئيات الحمد ومن أفراده لأنه يصدق عليه أنه ثناء على الله تعالى أي ذكر له بخير.
ألا ترى أنك لو قلت: زيد يستحق الحمد لاتصافه بصفات الكمال فإنه يعدّ ثناء عليه لأنه ذكر له بخير وحينئذ فيعد المخبر بذلك حامدا ومتصفا بالحمد ويعد الإخبار بثبوت الحمد لله تعالى حمدا له كما يقال لمن قال الله تعالى واحد إنه موحد ونظير ذلك أيضا قولهم الخبر يحتمل الصدق والكذب فإن هذا من جزئيات الخبر فيلزم من الإخبار بذلك اتصاف المتكلم بكون مخبرا ويصح أن تكون إنشائية لفظا ومعنى شرعا بناء على أنها وضعت في الشرع لإنشاء الحمد كصيغ العقود كـبعت واشتريت.
واستشكل بأنه لا يمكت العبد إنشاء جميع المحامد منه ومن غيره.
وأجيب: بأن المرد إنشاء حمد مخصوص وهو الحمد أي: الثناء على الله تعالى بمضمون الجملة أي: استحقاقه جميع المحامد أي: اختصاصه بها والمعنى أنشئ الثناء على الله تعالى بأنه مستحق لجميع المحامد أو مختص بها وليس المراد إنشاء جميع المحامد لعدم إمكانه كما مر ولا إنشاء مضمون الجملة الذي هو الاستحقاق أو الاختصاص لأنه متحقق لله تعالى قبل وجوده فليس في قدرته إنشاؤه ومضمون الجملة هو المأخوذ من مادتها وهيئتها.
وإن شئت قلت: هو المصدر المتصيد من المحكوم به المضاف للمحكوم عليه كقيام زيد في قولك: زيد قائم وكاختصاص المحامد بالله تعالى في قولك: الحمد لله إن قدر الخبر من مادة الاختصاص أو استحقاقه لها إن قدر من مادة الاستحقاق ومفهومها هو النسبة أعني ثبوت المحكوم به للمحكوم عليه كثبوت القيام لزيد وثبوت اختصاص المحامد بالله تعالى أو استحقاقه لها أو إدراكها فالمفهوم هو ثبوت المضمون أو إدراك ذلك الثبوت.
قوله: (شهد) أي: أقر بلسانه وأذعن بقلبه بالنسبة لأنواع العقلاء الثلاثة: الإنس والجن والملائكة، وبمعنى دل بالنسبة لغير الأنواع المذكورة من بقية المحدثات. والأول حقيقة والثاني مجاز إما مرسل لعلاقة اللزوم أو بالاستعارة التبعية بأن شبهت الدلالة بالشهادة بجامع أن كلا يوصل إلى المقصود واستعيرت الشهادة للدلالة واشتق منها شهد بمعنى دل أو بالكناية بأن شبه ما عدا الأنواع المذكورة بالعاقل والشهادة تخييل أو مجاز عقلي بأن أسند الشهادة التي حقها أن تسند للعاقل لغير من هي له فهو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه عند من يجوّزه من الأصوليين وأما من منعه فيجعل ذلك ونحوه من باب عموم المجاز بأن يستعمل اللفظ في معنى مجازي كلي يعم المعنى الحقيقي والمعنى الآخر المجازي.
كأن يراد بـ«شهد» هنا أثبت وجوده تعالى وإثبات الوجود أعم من أن يكون بالإقرار وبالدلالة فكل من العقلاء وغيرهم مثبت لوجوده تعالى هذا كله بناء على أن الجمادات تسبح بلسان الحال، والراجح خلافه وإنها تسبح بلسان المقال وحينئذ فلا حاجة إلى التجوز المذكور.
واعلم أن أكثر النسخ «شهد» بالتذكير وهو ظاهر وفي بعضها «شهدت» بالتأنيث، ووجهه أن الفاعل الذي هو جميع لما أضيف إلى الكائنات التي هي مؤنثة مجازا اكتسب التأنيث لأن الإضافة تكسب ذلك، قال في الخلاصة:
وربـمـا أكـســب ثـان أولا
تأنيثـا إن كان لـحذف موهـلا
ووجه كون الكائنات مؤنثة مجازا إنها بمعنى الذوات الكائنة كما يأتي والذوات جمع ذات وهي جملة البدن مذكرا كان أو مؤنثا ولا يفهم منها ذات فرج بخصوصها ولم يقل الحمدلله الشاهد لعله لعدم وروده وأسماء الله تعالى توقيفية على الصحيح وتعليق الحمد بذلك الوصف يشعر بكونه علة فكأنه قال: أحمد الله لشهادة جميع الكائنات بوجوده فهو في مقابلة نعمة فيثاب عليه ثواب الواجب الزائد على ثواب المندوب بسبعين درجة.
قوله: (بوجوده) أن بنينا على مذهب الشيخ الأشعري من أن الوجود عين الموجود فالإضافة للبيان ولا يرد على ذلك أن فيه إضافة الشيء إلى نفسه وهي ممتنعة لأنا نقول التحقيق جوازها إذا اختلف اللفظ كما هو مذهب الكوفيين ومنها قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ﴾ هذا إن بنينا على ظاهر عبارة الشيخ.
أما إن أوّلناها بأن وجه معنى كون الوجود عين الموجود أنه ليس أمرا زائدا في الخارج على الذات وذلك لا ينافي أنه تفسير واعتبار فلا يرد السؤال المذكور والإضافة حينئذ إما للبيان على التأويل السابق أو حقيقة على معنى اللام أي: الوجود المتحقق له تعالى فهو من إضافة الصفة للموصوف والمراد بالصفة ما ليس بذات فيشمل الأمور الاعتبارية والسلوب وإن بنينا على مذهب غير الأشعري وهو القاضي الباقلاني من أن الوجود غير الموجود أي: حال ثابتة في الخارج فالإضافة من إضافة الصفة للموصوف فقط.
ثم اعلم أن اللفظ المذكور إما أن يكون باقا على ظاهره وإما أن يكون فيه حذف والتقدير بوجوب وجوده لأن الكائنات كما شهدت بوجوده شهدت بوجوب وجوده.
فإن قيل: كما شهدت الكائنات بكل من وجوده ووجوب وجوده شهدت أيضا بقدرته وغيرها من بقية الصفات ما عدا السمع والبصر والكلام ولوازمها فإن دليلها سمعي على التحقيق بخلاف باقي الصفات فإن دليها عقلي فلم آثر ذلك بالذكر.
أجيب: بأن هذا لا يرد لأن الوجود لقب أي: اسم جامد وهو لا مفهوم له عند الأصوليين على التحقيق وعلى تقدير أن له مفهوما فوجه إيثاره بالذكر أن اتصافه تعالى بسائر الصفات متفرع على وجوده وفي هذه السجعة وما بعدها براعة استهلال وهي أن يكون في الكلام المبتدأ به إشارة إلى ما سيق الكلام من أجله كقول المتنبي في تهنئة سيف الدولة بزوال مرضه:
الـمجد عـوفـي إذ عـوفيت والـكرم
وزال عنـك إلـى أعـدائـك الألـم
قوله: (جميع الكائنات) فاعل «شهد» ولا يرد على ذلك أن من الكائنات من ينكر وجوده تعالى لأنه لا عبرة بهم ولأنهم وإن أنكروه لفظا فأحوالهم تدل عليه رغما عن أنفسهم وشهادة الكائنات على وجوده تعالى، إما من حيث وجودها أو إمكانها أو هما معا أو الإمكان بشرط الحدوث كما سيأتي وهي جمع كائنة أي: ذات تحققت في الخارج أعم من أن يكون تحققها ماضويا أو استقباليا فقد استعمل اللفظ في حقيقته ومجازه لأن التي لم تكن لا يقال لها كائنة، وقيل: جمع كائن أي: حادث جرما كان أو عرضا.
فإن قلت: لم جمعها جمع القلة وهو ما دل على ثلاثة إلى عشرة بإدخال الغاية بناء على قول سيبويه ةالمحققين أن جمعي التصحيح من جموع القلة مع أن المناسب للمقام جمع الكثيرة لأنه لا يحصى عدد الخلق إلا الله تعالى وهو ما دل على ثلاثة إلى ما لا نهاية له، خلافا لمن قال: هو ما دل على ما فوق العشرة إلى ما لا نهاية له وجمع الكثرة هنا كوائن.
قلت: إشارة إلى أنها وإن كثرت قليلة بالنسبة إلى قدرته تعالى على أكثر منها، وأما قول الغزالي ليس في الإمكان أبدع مما كان.
فأجيب بأمور، منها: أن المراد ليس فيه ذلك باعتبار أن علمه تعالى تعلق بعدم وجود عالم أبدع منه في الدلالة عليه تعالى وإن كانت القدرة صالحة لذلك.
ثم اعلم أن الغالب استعمال لفظ جميع في الكل المجموعي أي: الهيئة الاجتماعية ا لمتحققة ولو في بعض الأفراد واستعمالها في كل فرد فرد نادر ولفظ كل بالعكس فالغالب استعمالها في الكل الجميعي واستعمالها في الكل المجموعي نادر.
فإن جعلت «أل» للاستغراق واستعملت جميع استعمالها النادر كانت مستغني عنها إلا أن يقال أتى بها لتأكد ذلك الاستغراق ودفع توهم تخصيصه ببعض الأفراد، وإن جعلت للجنس فهي محتاج لها لأن العموم نصا لم يستفد إلا منها لصدق الجنس بالبعض.
قوله: (والصلاة...إلخ) المشهور في هذه الجملة أنها خبرية لفظا إنشائية معنى ومعناها طلب رحمة أي: إنعام مقرون بتعظيم من الله تعالى. لا يقال: الرحمة حاصلة له عليه الصلاة والسلام فطلبها طلب لما هو حاصل، لأنا نقول: المقصود بصلاتنا عليه ﷺ طلب رحمة لم تكن حاصلة فإنه ما من وقت إلا وهناك نوع من الرحمة لم يحصل له فلا يزال يترقى في الكمالات إلى ما لا نهاية له فهو ﷺ ينتفع بصلاتنا عليه على الصحيح.
لكن لا ينبغي للمصلي أن يقصد ذلك بل يقصد أنه مفتقر له عليه الصلاة والسلام وأنه يتوسل به إلى ربه في نيل مطلوبه لأنه الواسطة العظمى في إيصال النعم إلينا ولذا طلب الدعاء له بالصلاة بعد الثناء على الله تعالى لكن لما تعلق هذه الجملة بالمخلوق وما قبلها بالخالق أتى بالعاطف بخلاف جملة البسملة والحمدلة، ويصح أن تكون خبرية لفظا ومعنى وأورد على ذلك أن الإخبار بثبوت الدعاء لا يستلزم الدعاء فلا يلزم من الإخبار بثبوت الصلاة كون الشخص مصليا أي: داعيا له عليه الصلاة والسلام.
بخلاف الإخبار بثبوت الحمد، ورد بأن اللزوم العقلي منتف فيهما والعرفي موجود فيهما فكما صح أن نقول فيما مر أن المخبر بالحمد يعدّ حامدا في العرف لكون الأخبار المذكورة من أفراد الحمد كذلك يصح هنا ووجهه أن المراد من الصلاة لازمها وهو تعظيمه عليه الصلاة والسلام أو القدر المشترك بين التعظيم وغيره وهو الاعتناء بالمصلي عليه فكأنه أخبركم بأن الله تعالى عظم النبي ﷺ أو اعتنى به ولا شك أن الإخبار بذلك تعظيم له ﷺ لأنه من أفراده، فصح أن المخبر بالصلاة مصل.
وإليه أشار بعضهم بقوله: ولو لم يكن فيها إلا إظهار المحبة كان ذلك كافيا، فالمقصود من الجملة: إفادة المخاطب ما يلزمها بحسب المقام لا إفادته مضمونها وهو كون الصلاة ثابتة له عليه الصلاة والسلام ولإفادته لازم الفائدة وهو كون المخبر عالما بأن الصلاة ثابتة له عليه الصلاة والسلام كما في قولك لشخص حفظ التوراة: أنت حفظت التوراة فلم تفده مضمون ذلك لأنه عالم به، وإنما أفدته أنك عالم بذلك المضمون ولا تخرج بذلك عن كونها خبرية لأنها إن نظر إلى مفهومها بقطع النظر عن ذلك اللازم تحتمل الصدق والكذب.
واعلم أنه إن جعل كل من جملة الحمد والصلاة خبرية لفظا إنشائية معنى كانت الواو للعطف وإن جعلت الأولى خبرية لفظا ومعنى والثانية خبرية لفظا إنشائية معنى أو بالعكس كانت للاستئناف إذ لا يعطف الإنشاء على الخبر وعكسه على الراجح.
قوله: (على سيدنا) خبر عن الصلاة والسلام بتقدير المتعلق مثنى أي: كائنان على سيدنا، ولا يصح أن يقدر مفردا ويكون من باب التنازع لأنه لا يكون في المصادر على الصحيح. نعم، يصح ذلك على تقدير كونه خبرا عن أحدهما وحذف خبر الآخر لدلالة المذكور عليه وفي تعبيره بـ«على» إشارة إلى أنهما تمكنا من نبينا ﷺ تمكن المستعلي على المستعلى عليه فيكون فيه استعارة تبعية بأن شبه مطلق ارتباط صلاة بمصلى عليه بمطلق ارتباط مستعل بمستعلى عليه.
واستعير لفظ الثاني للأول فسرى التشبيه للجزئيات فاستعير لفظ على الدلالة على ارتباط خاص بين مستعل ومستعلى عليه خاصين لارتباط الصلاة بخصوص النبي ﷺ وإن شئت قلت: شبه الارتباط المطلق بالاستعلاء المطلق إلخ والمآل واحد.
ومصدوق الضمير في قوله: «سيدنا» جميع المخلوقات لا خصوص هذه الأمة إذ لا شك في سيادته عليه الصلاة والسلام على الجميع من الأنبياء والمرسلين والملائكة ولا يعيد ذلك إلا جعل الضمير راجعا لما مر والسيد هو المتولى للسواد أي: الجماعة الكثيرة ويلزم من ذلك أن يكون أعظمهم والمقصود إفادة هذا اللازم فالمعنى على أعظم المخلوقات.
وقيل: هو الكامل المحتاج إليه بإطلاق أي: من جميع الوجوه وفي سائر الحالات ويطلق أيضا على الشريف وعلى المالك للعقلاء فيقال: سيد القوم وسيد العبد ولا يقبل سيد الفرس أو الدار بل يقال: رب الفرس ورب الدار وهو مأخوذ من ساد يسود قومه سيادة فهو سيد وأصله سيود اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء.
وإطلاق السيد عليه ﷺ موافق لحديث أبا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر أي: ولا فخر أعظم من ذلك فيكون من باب التحدث بالنعمة أو ولا أفتخر بذلك بل أقوله إخبارا بالواقع بأمر من الله تعالى فيكون من باب التواضع وبيدى لواء الحمد أي: رأيته ولا فخر وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع أي: مقبول الشفاعة ولا فخر وخص السيادة بيوم القيامة لأن الخلق يتفقون عليها فيه حين يرون كرامته عند الله تعالى وأما في الدنيا فيثبتها المسلمون وينفيها الكفار.
فإن قيل: ما الحكمة في ذكر السيد في هذا الحديث وعدم ذكره في حديث قولوا: اللهم صل على محمد لما سألوه عن كيفية الصلاة عليه ﷺ.
أجيب: بأن الأول مقام إخباره ﷺ عن مرتبته ليعتقد أنه كذلك فكل من بلغته هذه السيادة لا يتعب يوم القيامة في ذهابه إلى الأنبياء لطلب الشفاعة منهم وما ذهب إليهم إلا من لم تبلغه، والثاني مقام الصلاة عليه ﷺ وليس من شرطه ذكر السيد لكن اختلف هل الأولى ذكره مراعاة للأدب أو عدم ذكره مراعاة للوارد، قولان: والراجح منهما الأول لأن امتثال الأمر وزيادة وحديث لا تسوّدوني في صلاتكم بالواو ولا بالياء باطل.
قال بعضهم: وانظر هل هذا الخلاف جار في بقية الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أو خاص بنبينا عليه الصلاة والسلام إهـ ، والظاهر توقف ذلك على النقل عن أصحاب القولين المذكورين فإن وجد ففيه ما مر وإلا كان الأولى الذكر مراعاة للأدب.
قوله: (محمد) منقول من اسم مفعول الفعل المضعف أي: المكرر العين ومعناه من كثرة حمد الخلق له لكثرة خصاله الحميدة فسمي به نبينا عليه الصلاة والسلام رجاء لكثرة خصاله الحميدة المقتضية لكثرة حمد الخلق له وقد حقق الله تعالى ذلك الرجاء كما سبق في علمه وهو مجرور بدل أو عطف بيان لسيدنا.
والبدل وإن كان يفيد شيئين: أحدهما بطريق القصد وهو تقرير النسبة، والثاني بطريقة التبع وهو توضيح ما قبله لكن المراد منه هنا الثاني وهو إيضاح السيد لما فيه من الإبهام لاحتماله لمحمد وغيره، لا الأول لاقتضائه أن المقصود تعلق الصلاة بتلك الذات الشريفة من حيث تسميتها بمحمد وأن الوصف بالسيادة مطروح أي: غير مقصود بالذات لأن المبدل منه في نية الطرح مع أنه ليس كذلك لأن ذلك الوصف مقصود أيضا وغير مطروح ولذا قال بعضهم والبدلية وإن جوّزوها في مثله لكن المراد هنا هو إيضاح السيد وتقرير النسبة تبع والبدلية تستدعي العكس إهـ .
ويجوز رفعه على أنه خبر لمحذوف وهو أولى لما فيه من الاستقلال وعدم التبعية على البدلية أو غيرها فيكون مناسبا لمقامه عليه الصلاة والسلام فكما أن ذاته الشريفة مرفوعة الرتبة وغير تابعة لغيرها بل مستقلة ينبغي أن يكون اللفظ الدال عليها كذلك.
قوله: (المبعوث) أي: المرسل وحذف فاعل البعث للعلم به ومفعوله لإفادة التعميم أي: الذي أرسله لجميع الطوائف حتى الجمادات فآمنت به فصارت آمنة مما كان يعتريها في الأمم السابقة من المسخ والخسف وصارت الحجارة آمنة من جعلها من الحجارة التي يعذب بها أهل النار ولكن إرساله للثقلين أي: الإنس والجن إرسال تكليف ولغيرهما إرسال تشريف أي: إرسال يثبت شرفه على جميع الخلق فيكون له السيادة عليهم لحديث بعثت إلى الخلق كافة ولا مانع من تركيب إدراكات عقلية في غير أنواع العقلاء الثلاثة لتؤمن به وتخضع له كما ركب في جبل أحد ذلك حين صعده ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان فتحرك فضر به ﷺ برجله.
وقال: أثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان. وقول بعض أهل الكشف في كل جنس من الحيوانات رسول منها لا ينافي ذلك الاحتمال أن الرسول مبلغ عنه ﷺ فلا وجه لتصليله.
قوله: (بالآيات) الباء إما للملابسة أي: المبعوث لمن تقدم بعثا متلبسا بالآيات أو للمصاحبة بمعنى مع ثم يحتمل أن المراد بالآيات الآيات القرآنية وخصها بالذكر لشرفها على غيرها من بقية المعجزات وبقائها على الدوام فإذا طلب منا الكفار معجزة على رسالته ﷺ قلنا لهم: هذا القرآن فإن قدرتم على الإتيان بمثله فليس برسول وإلا فهو رسول ويلزمكم إتباعه ووصفها بالواضحات باعتبار الغالب فلا يرد المتشابه.
لكن هذا على طريقة السلف أما على طريقة الخلف فكلها واضحة أو المراد بوضوحها عدم تطرق الخلل إليها أو المراد به ما يلزمه وهو البهر أي: غلبة المعاند لأن من أقام دليلا واضحا على خصمه فقد غلبه فالمراد بالواضحات الباهرات مجازا أي: التي بها البهر أي: غلبة المعاند ويحتمل أن المراد بها العلامات الدالة على صدقه ﷺ الشاملة للقرآن وغيره سواء تحدى بها وهي المعجزات أم لا.
فالآية أعم من المعجزات لانفرادها فيما لم يتحد به كشمائله التي انفرد بها خلقا وخلقا ووصفها حينئذ بالوضوح بالنسبة للقرآن فيه ما تقدم وبالنسبة لغيره المراد به عدم تطرق الخلل أو البهر أي: الغلبة مجازا أو ظهور الدلالة إذ جميع الآيات التي أتى بها النبي ﷺ ليس فيها خفاء بل بديهية الدلالة على صدقه ﷺ والآيات جمع آية وهي لغة العلامة الظاهرة معجزة كانت أولا واصطلاحا اسم طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها سميت بذلك لأنها علامة على صدق الآتي وأصلها «أأية» بهمزتين أبدلت الثانية ألفا للتخفيف.
قوله: (وعلى آله) فصل بـ«على» إما ردا على الشيعة الزاعمين ورود حديث دال على عدم جواز الفصل وهو لا تفصلوا بيني وبين آلي بـ«على» وهو لا أصل له وأما للإشارة إلى أن الهداية المطلوب إعطاؤها له ﷺ أعظم من الهداية المطلوب إعطاؤها لغيره والمراد بالآل هنا من تحرم عليه الزكاة وهم بنو هاشم والمطلوب ابني عبد مناف عند الشافعي، وبنو هاشم فقط عند مالك رضي الله تعالى عنهما، أو مطلق الأقارب.
وليس المراد به أتباعه وإلا تكرر مع قوله: «والتابعين» إلخ وأصله أول كجمل بدليل تصغيره على أو يل، وقيل: أهل بدليل تصغيره على أهيل ورد هذا باحتمال أن يكون أهيل تصغير أهل.
وأجيب: بأن أئمة العربية الموثوق بهم حكموا بأنه تصغير آل وهذا الحكم لا يقدمون عليه إلا إذا علموا ذلك من العرب بقرائن تفيده.
فإن قلت: الاستدلال بالتصغير فيه دور لأن المصغر فرع المكبر وقد يتوقف العلم بأصالة ذلك الحرف في المكبر على أصالته في المصغر.
قلت: توقف المصغر على المكبر توقف وجود إذ لا يوجد إلا بعد وجود المكبر وتوقف المكبر على المصغر توقف علم إذ لا تعلم أصالة الحرف في الأول إلا بعد معرفتها في الثاني فلم تتحد جهة التوقف.
قوله: (وصحبه) اسم جمع لصاحب بمعنى الصحابي لا جمع له لأن فعلا لا يكون جمعا لفاعل قياسا مطردا لأنه ليس من أبنية الجموع بل من أبنية المصادر والمفردات كضخم وضخام وخصم وخصام وقياس جمع صاحب صحب بضم الصاد وتشديد الحاء المفتوحة كعاذل وعذل وهو لغة من بينك وبينه مداخلة واصطلاحا التابع لغيره الآخذ بمذهبه كأصحاب الشافعي.
والمراد به هنا الصحابي كما مر وهو من اجتمع بنبينا محمد ﷺ مؤمنا به ولو لم يميز اجتماعا متعارفا بأن يكون في الأرض بجسمه خلافا لاشتراط المالكية وجود التمييز وعدم اشتراطهم أن يكون الاجتماع متعارفا ولو لم يمت على ذلك وأما قول بعضهم ومات على الإسلام فهو شرط لدوام الصحبة أي: لكونه يسمى صحابيا بعد الموت لا لأصلها وإلا لم يتحقق ها الوصف لأحد في حياته.
ولا يوصف بها المرتد عند المالكية لأن الردة أحبطتها كبقية أعماله فإذا عاد إلى الإسلام لا تعود له كما أنه يجب عليه قضاء بقية الأعمال، وعند الشافعية يوصف بها باعتبار ما كان وإذا عاد إلى الإسلام تعود له مجردة عن الثواب كبقية أعماله فلا يجب عليه قضاؤها. وعطف الصحب على الآل الشامل لبعضهم لتشمل الصلاة باقيهم الذين ليسوا بآل لأن بين الصحب والآل عموما خصوصا وجهيا.
قوله: (والتابعين لهم) أي: للصحب في الكرامات جمع كرامة وهي أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى على يد رجل ظاهر الصلاح وهذا ليس مرادا هنا بل المراد بها الأعمال الصالحة التي تكرم الله تعالى بها على عباده.
سميت بذلك إشارة إلى أنها الكرامة الحقيقية من الله تعالى ولذا قالوا: العبودية مع الاستقامة خير من ألف كشف وألف كرامة. وقال أبو الحسن الشاذلي: ما هناك كرامة أعظم من كرامة الإيمان ومتابعة السنة فمن أعطيهما وجعل يشتاق إلى غيرهما فهو كذاب أو مخطئ في الأخذ بالصواب كمن أكرم بشهود الملك فاشتاقت نفسه إلى سياسة الدواب.
فإن قلت: مقتضى هذا عدم دخول من تبعهم في مجرد الإيمان فقط في الدعاء لعدم وجود أعمال صالحة منه.
قلت: «أل» فيها للجنس المتحقق في فرد واحد وهو الإيمان بناء على ما اختاره بعضهم في تفسير الآل في مقام الدعاء من أن المراد به مطلق الاتباع الشامل للفسقة لأنهم أحوج للدعاء من غيرهم فهو أولى من تفسير بعضهم له بأتقياء الأمة لخروج الفسقة إلا أن يريد هذا القائل بالأتقياء من اتقى الشرك فيساوي ما قبله.
قوله: (إلي يوم الدين) أي: الكائنات إلى يوم الدين.
واعترض بأن كلامه لا يصدق إلا على من استمرت تبعيته إلى يوم الدين كالخضر عليه السلام فلا يشمل من مات قبل ذلك.
وأجيب: بأن المعنى «ومن تبعهم» طائفة بعد طائفة إلى يوم الدين فالمستمر إنما هو الطوائف المتعاقبة لا كل شخص من الأشخاص. وإن شئت قلت: المستمر نفس التبعية لا ذوات التابعين والمعنى عليه حينئذ ومن تبعهم حال كون التبعية مستمرة إلى يوم الدين بسبب تعاقب الطوائف والمآل واحد.
واعترض أيضا بأن هذه التبعية لا تستمر إلى يوم الدين لانقراض طوائف المؤمنين قبله لأن ابتداء من النفخة الثانية وتموت جميع الخلائق أي: الكفار بالنفخة الأولى لأنه لم يتق عندها إلا الكفار وتموت المؤمنون قبلها بريح لينة تقبض أرواحهم فلا يستمرون إلى يوم القيامة.
وأجيب: بأن كلامه على حذف مضاف أي: إلى قرب يوم الدين وهو زمن تلك الريح اللينة.
والدين يطلق في اللغة على معان المناسب منها هنا الجزاء أي: إلى يوم الجزاء وهو يوم القيامة والجزاء إيصال ما يليق بكل عامل إليه وفي الاصطلاح المسائل التي أتى بها النبي ﷺ.
وأموره أي: علاماته الدالة على وجوده في الشخص أربعة صدق القصدي أداء العبادة بالنية والإخلاص والوفاء بالعهد أي: الإتيان بالواجبات وترك المنهي أي: اجتناب الحرام وصحة العقد أي: جزمه بما عليه أهل السنة من التوحيد.
قوله: (الحمدلله) حذف الشارح بسملة المتن لعله اكتفاء ببسملته السابقة عنها إشارة إلى شدة امتزاج الشرح بالمتن فكأنهما شيء واحد أو أن البسملة السابقة هي بسملة المتن ذكرها الشيخ في أول شرحه تبركا بها وإشارة إلى أن الشرح ليس له استقلال في نفسه لأنه إبراز لمعاني المتن فلا يستحق أن يؤتى له ببسملة.
ولم يفعل كذلك بالحمدلة بل أتى لشرحه بحمدلة غير حمدلة المتن لأنه تصد بذلك أداء ما وجب عليه من شكر النعمة وعدل عن الجملة الفعلية إلى الاسمية اقتداء بالكتاب العزيز ولدلالتها على الدوام والثبات المناسب للمحمود وهو الله تعالى.
وإن كان الأصل هو الفعلية لأن الحمد من المصادر الدالة على الأحداث المنسوبة للذوات والشائع في بيان ذلك هو الفعلية ولأن هذا المصدر مما يكثر استمعماله منصوبا بفعل محذوف والأصل حمدت حمدا لله ثم حذف الفعل اكتفاء بدلالة مصدره عليه ثم عدل إلى الرفع لقصد الدلالة على الدوام والثبات. وأدخلت «أل» لإفادة الاستغراق مثلا فمن نظر للأصالة المذكورة أو للمناسبة للمقام لكونه مقام نعم متجددة عبر بالفعلية، ومن نظر لما مر عبر بالاسمية فلكل وجهة.
و«أل» في الحمد إما للاستغراق كما مر والمعنى كل فرد من أفراد الحمد مختص بالله تعالى أو مستحق له، أو للجنس والمعنى: جنس الحمد أي: حقيقة مختص بالله تعالى ويلزم من ذلك اختصاص كل فرد به لأنه لو خرج فرد منه لغيره لم يكن الجنس مختصا به تعالى لخروجه في ضمن ذلك الفرد.
أو للعهد والمعنى: الحمد المعهود وهو الذي حمد الله تعالى به نفسه في القدم وقيل هو الذي حمد به نفسه وحمده به أنبياؤه وأولياؤه مختص به تعالى. والعبرة بحمد من ذكر فأما اختص به ذلك عار كأن جميع الأفراد مختصة به تعالى لأنه لا عبرة بحمد غير من ذكر.
فالجملة على كل حال مفيدة لاختصاص جميع الأفراد به تعالى لكن على الأول صريحا وعلى الثاني لزوما وعلى الثالث ادعاء وخير الأمور أوساطها لأنه كدعوى الشيء وهو اختصاص الإفراد ببينة وهي اختصاص الجنس فيكون من باب الكناية على حد زيد طويل النجاد أي: حمائل السيف ويلزم منه طول القامة، ومعلوم أن الكناية أبلغ من الصريح.
وإذا جعلت «أل» للعهد وجعل المعهود المعنى الأول وهو حمد الله نفسه فقط تعين أن تكون اللام في لله للاختصاص أو الاستحقاق لا للملك لأن القديم لا يملك بخلاف ما إذا جعلت للجنس أو للاستغراق أو للعهد وجعل المعهود المعنى الثاني فإنه يصح أن تكون اللام للاختصاص أو للاستحقاق أو للملك لأن المركب من القديم والحادث حادث لكن على الاستغراق يلاحظ هيئة الإفراد المجتمعة يوجد التركيب.
قوله: (على رسول الله) مقتضى الظاهر الإضمار بأن يقول على رسوله ولعل نكتة الإظهار زيادة تفخيم شأن رسول الله ﷺ بإضافته إلى اسمه تعالى الصريح وما أشرفها من إضافة ولم يقل على نبيه لأن الرسالة أشرف من النبوة على الصحيح لتعدي أثرها بخلاف النبوة خلافا للعز بن عبد السلام في قوله بالعكس معللا له بأن النبوة فيها تعلق بالحق تعالى والرسالة فيها تعلق بالخلق والأول أشرف، ورد: بأن الرسالة فيها التعلقان معا وللتنبيه على أن المقصود في هذا العلم إثبات الرسالة التي هي أخص من النبوة.
قوله: (الحمد هو) أي: لغة أي: في لغة العرب بدليل تقييده بقوله باللسان وأما في العرف فهو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما والمراد بالفعل ما يشمل القول والاعتقاد وإنما اقتصر على المعنى اللغوي إشارة إلى أنه المراد من الأحاديث الدالة على طلب الابتداء بالحمد وليس المراد منها المعنى العرفي على التحقيق لأن العرف طارئ بعد السرع فتحمل النصوص الواردة على المعنى اللغوي لأنه الموجود إذ ذاك على أن التفرقة بين معناه اللغوي والعرفي اصطلاح لبعض المتكلمين وإلا فأهل اللغة والشرع قد تطابقوا على أن حقيقة الحمد الوصف بالجميل.
قوله: (الثناء) جنس دخل فيه الحمد المعرف وغيره بناء على أن الثناء هو الإتيان بما يدل على اتصاف المحمود بالصفة الجميلة ولو بغير اللسان مأخوذ من أثنيت أي: أثنيت بما يدل على اتصاف المحمود بالصفة الجميلة ولو مرة لا من ثنيت الشيء إذا عطفت بعضه على بعض لاقتضائه التكرار فيلزم عليه كون التعريف غير جامع لخروج الحمد غير المكرر.
وقوله: (باللسان) فصل أول خرج به الثناء بغيره كالجنان والأركان فليس حمدا لغة وإن كان حمدا في الاصطلاح وكذا الحمد النفسي وحمدا لجمادات الشامل له قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ﴾ إن لم يكن لفظيا خرقا للعادة فليس حمدا لغة حقيقة بل مجازا وإن كان ثناء حقيقة بناء على تعريف الثناء بما مر.
أما لو عرف بأنه الذكر بخير فليس ثناء أيضا وعليه يكون ذكر اللسان مستغني عنه واعتذر بعضهم عن ذكره حينئذ بأنه لبيان الواقع كما هو الأصل في القيود أو لرفع احتمال التجوز بإطلاق والثناء على ما ليس باللسان مجازا.
وعلى كل فالمراد باللسان آلة النطق ولو غير المعهود فيشمل الثناء المنطوق بغيرها كما لو نطقت يده كرامة وكذا ثناء الجمادات إذا نطقت خرقا للعادة لكن يرد عليه أن إطلاق اللسان على ذلك مجاز والتعاريف تصان عنه وأورد عليه أيضا أن حمد الله ثناء بلا لسان فيكون التعريف غير جامع.
وأجيب: بأن هذا تعريف لنوع من الحمد وهو الحمد الحادث لا لمطلق الحمد الشامل للقديم أو بأن المرد باللسان الكلام مجازا من إطلاق اسم الملزوم وإرادة اللازم فيدخل فيه ما ذكر لشمول الكلام للنفسي واللفظي وهو حقيقي فيهما عند بعض أهل السنة.
وقال البعض الآخر أنه حقيقة في النفساني مجاز في اللساني وعد المعتزلة أنه حقيقة في اللساني مجازي في النفسي.
وقوله: (بالجميل... إلخ) فصل ثان خرج الثناء باللسان بغير الجميل أن قلنا برأي عز الدين بن عبد السلام أن الثناء حقيقة في الخير والشر المستند فيه إلى حديث مر بجنازة فأثنوا عليها خيرا ثم جنازة فأثنوا عليها شرا.
فإن قلنا برأي الجمهور: أنه حقيقة في الخير فقط كما يستفاد من تعريفه السابق فهو مستغني عنه وفائدة ذكره حينئذ تحقيق ماهية الثناء كما هو الأصل في ذكر قيود الشيء نظير ما مر و«أل» في الجميل للجنس فيصدق بالواحد والأكثر وإلا لزم خروج الثناء ببعض الصفات الجميلة أو على بعضها فيفسد التعريف.
ثم أن الباء في قوله: «باللسان» للآلة وفي قوله: «بالجميل» يحتمل أن تكون للتعدية فيكون المراد بالجميل المحمود به ولم يقيده بكونه اختياريا لأنه لا يشترط فيه ذلك ويكون حينئذ ساكتا عن ذكر المحمود عليه ويحتمل أن تكون للسببية.
أو بمعنى «على» فيكون المراد بالجميل المحمود عليه والواجب حينئذ يقييده بكونه اختياريا لأنه يشترط فيه ذلك على الصحيح ليخرج الثناء على الجميل غير الاختياري فإنه يسمى مدحا لا حمدا، يقال: مدحت اللؤلؤة على صفائها دون حمدتها، ومدحت زيدا على حسنه دون حمدته.
وقيل: لا يشترط فيه ذلك فيكون الحمد والمدح مترادفين وهو ما يفهم من ظاهر قول الزمخشري في الفائق الحمد والمدح إخوان.
والمراد بالاختياري ما يشمل الاختياري حقيقة أو حكما فيدخل الثناء على صفاته تعالى الذاتية كالعلم والقدرة والإرادة فإنها ليست أفعالا اختيارية ولا يوصف ثبوتها له تعالى بالاختيار أي: الإرادة وإلا كانت حادثة لكنها لما كانت منشأ للأفعال الاختيارية نزلت منزلتها كما يحمد زيد على شجاعته باعتبار كون الشجاعة مبدأ لآثار.
وأفعال اختيارية كالخوض في المهالك والإقدام على المعارك وكذلك ذات المولى تسمى اختيارية باعتبار كونها منشأ لما ذكر فصح الحمد عليها ولا يرد السمع والبصر والكلام فإنها ليست منشأ لما ذكر لأنا نقول: ألحق غير الأغلب بالأغلب طردا للباب على وتيرة واحدة أو أنها لما لازمت الذات ولم تؤثر في شيء نزلت منزلتها فيكون الحمد عليها كالحمد على الذات.
والجواب: المطرد في جميع الصفات أن يقال: أن ذاته المقدسة لما كانت كافية في ثبوت تلك الصفات الشريفة لها أي: غير محتاجة إلى ذات أخرى توجب قيامها بها نزلت تلك الصفات منزلة الأفعال الاختيارية وبما تقرر من تغاير معنى الباءين صح تعلقهما بالثناء واندفع ما يقال في كلامه تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد وهو ممتنع وقد علم مما ذكر تغاير المحمود به وعليه فالأول هو مدلول الصيغة ولا يختص بالاختياري كما مر بل يكون اختياريا أي: صادرا عن المحمود باختياره وإرادته كالكرم وغير اختياري كطول القامة وصباحة الوجه.
والثاني هو ماكان باعثا على الثناء بأن يكون الثناء في مقابلته ولأجله ولا يكون إلا اختياريا على المشهور ثم أنهما قد يختلفان ذاتا واعتبارا كمن أعطاك شيئا فكان باعثا لك على وصفك له بالعلم أو الحلم أو الجمال.
فقلت: زيد عالم أو حليم أو جميل فالمحمود عليه الإكرام والمحمود به العلم مثلا وتارة يتحدان ذاتا ويختلفان اعتبارا فيكون الشيء الواحد محمودا به وعليه لكن باعتبارين مختلفين وذلك بأن يكون الباعث على الوصف بصفة اتصاف الشخص بتلك الصفة كقولك: فلان كريم في مقابلة إكرامه لك فالإكرام من حيث كونه مدلول الصيغة محمود به ومن حيث كونه باعثا على الحمد محمود عليه وهذان ركنان من أركان الحمد الخمسة التي يتوقف عليها.
وبقي منها الصيغة وهي اللفظ الدال على المحمود به، وإن شئت قلت: على اتصاف المحمود بالمحمود به والحامد وهو المثنى الذي يتحقق منه الحمد والمحمود وهو الفاعل المختار أي: الذي يصدر منه المحمود عليه باختياره حقيقة أو حكما على ما مر.
ويمكن استفادة هذه الثلاثة من قوله: «الثناء باللسان» لتوقف الثناء على مثن وهو الحامد ومثنى عليه وهو المحمود والثناء المذكور هو الصيغة ولم يقل كغيره لى جهة التعظيم ليخرج الوصف بالجميل تهكما نحو: ﴿ذُقۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡكَرِيمُ﴾ لأن ذلك ليس قيدا من ماهية الحمد بل هو شرط إما لتحققه أو للاعتداد به كما قاله ياسين في حواشي التلخيص وما خرج به لا يسمى ثناء بجميل حتى يحتاج إلى إخراجه بذلك بل هو وصف للمتهكم به بما ليس متصفا به حقيقة بل مجازا إما باعتبار ما كان في الدنيا أو باعتبار ضد حالته فيها لأن كونه في النار ينفي عنه العزة والكرامة فهو خارج من أول الأمر.
وأنواع المحامد أربعة:
- حمدان قديمان وهما حمد الله نفسه وحمده بعض عبيده، نحو: نعم العبد أنه أوّاب.
- وحمدان حادثان: وهو حمدنا لبعضنا وحمد بالله تعالى، هكذا قال السكتاني
وقال ياسين: أن الحمد القديم واحد وهو ما كان المحمود به وعليه قديما كحمد الله تعالى نفسه على ذاته أو صفاته وأما حمد بعض خلقه فحادث لأن المركب من القديم والحادث وجمع بعضهم بأن الحمد مشترك بين الكلي والجزئي فيستعمل في الماهية المركبة من الأركان الخمسة وهو الذي عناه ياسين ويستعمل في الثناء فقط وهو الذي عناه السكتاني.
قوله: (من الأوصاف) من للتبعيض لا للبيان أي: الجميل الكائن «من الأوصاف» إلخ والمراد بالأوصاف ما يشمل الصفات الثبوتية وغيرها من الصفات السلبية فالثناء على الله تعالى بتنزهه عن الحدوث مثلا أو على زيد بنفي البخل عنه يسمى حمدا.
وقوله: (أو الأفعال) فيه أن الأفعال فيه أيضا من الأوصاف لأن فعلك وصف لك وعطفها عليها يقضي إنها غيرها إلا أن يجاب بأن المراد بالأوصاف ما عدا الأفعال ولا يصح الجواب بأنه من عطف الخاص على العام لأنه لا يكون بـ«أو» إلا أن تجعل بمعنى الواو كما في بعض النسخ ونكتة عطفها على الأوصاف حينئذ دفع توهم أنها ليست منها فإن إدخالها فيها فيه نوع غرابة.
قوله: (كالعلم ... إلخ) يطلق العلم على أحد العلوم المدونة وهي القواعد والضوابط وعلى الملكات وعلى الإدراكات تصورية كانت أو تصديقية والمراد به هنا المعنيان الأخيران لا الأول لأن القواعد ليست أوصافا ويصح أن يراد به هنا أيضا العلم في هذا الفن وهو الاعتقاد الجازم المطابق للحق عن دليل لا في فن المنطق لأنه فيه هو الصورة الحاصلة في الذهن ولو جهلا مركبا وذلك لا يصح إرادته هنا العدم كونه جميلا في بعض صوره ويطلق العلم على ما قابل الجهل ويصح إرادته هنا أيضا وهذا كما يتصف به العبد يتصف به المولى تبارك وتعالى لكن الفرق بينهما إن علمه تعالى واحد متعلق بأشياء لا نهاية لها وأما العبد فقيل أن له علما واحدا كثيرا التعلقات.
وقيل له علوم كثيرة والعلم المذكور مثال للجميل من الأوصاف لا للأوصاف لفساده إذ العلم ليس أوصافا متعددة بل صفة واحدة وكذا قوله: والجود فهو مثال للجميل من الأفعال لا للأفعال هذا إن فسر بالإعطاء الذي هو صفة فعل فإن فسر بأنه صفة هي مبدأ إفادة ما ينبغي لا لغرض فخرج ما لو وهب شيئا ليستعيض عنه ولو مدحا أو ثناء فلا يعد جودا كان مثالا للأول أيضا إذا لصفة للمذكورة هي ملكة تنشأ عنها الأفعال بسهولة. وقيل: هي القدرة أو الإرادة ومعلوم إنها ليست بفعل والأول أولى.
قوله: (بالمنن) جمع منة وهي النعمة كسدرة وسدر أي: والجود بالنعم ومقتضاه أن الثناء في مقابلة الجود بنعمة واحدة لا يسمى حمدا وليس كذلك إلا أن تجعل «أل» للجنس فيصدق الجود بالنعمة الواحدة.
قوله: (وهو ضد الذم) لما عرف الحمد وكان الذم ضده والضد أقرب الأشياء خطورة بالبال عند ذكر ضده ناسب ذكر الذم وتعريفه لا يقال أن الذم ضد المدح لأنا نقول: كونه ضد للمدح لا ينافي كونه ضدا للحمد أيضا لأنه الإتيان بما يدل على اتصاف المذموم بالقبيح أعم من أن يكون ذلك القبيح اختياريا أولا فهو ضد لهما كما يفيده كلام المصباح ويرشح ذلك ما مر من ترادفهما على قول.
قوله: (الثناء) بتقديم النون على المثلثة وهو كما مر الإتيان بما يدل على الاتصاف بالقبيح وباء بالقبيح يجري فيها ما تقدم في باء بالجميل من كونها، أما للتعدية فيكون مدخولها مذموما به أو بمعنى «على» فيكون مذموما عليه وحذف هنا «باللسان» اكتفاء بما مر في الحمد لأنه ضده وقد تقدم أنه لا يكون إلا باللسان وهذا كذلك فيجري فيه جميع ما تقدم من الأركان الخمسة وما فيها.
قوله: (من الأوصاف ... إلخ) أي: الكائن من الأوصاف ويجري هنا جميع ما تقدم.
قوله: (كالجهل) هو ينقسم إلى مركب وهو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه ولا يكون إلا مذموما كاعتقاد الفلاسفة قدم العالم، وإلى بسيط وهو انتفاء العلم بالشيء وهو تارة يكون محمودا كانتفاء علمك بذات الله تعالى على وجه الإحاطة وتارة يكون مذموما كانتفاء علمك بفرائض الوضوء.
وإطلاقه على القسمين المذكورين حقيقة بناء على المشهور من أنه من قبيل المشترك اللفظي ويمكن حمل كلام الشارح على هذا المشترك بأن يراد كل من فرديه فعلى الأول يكون مثالا للقبيح من الأوصاف إن قلنا: أن الاعتقاد من الكيفيات وهو التحقيق فيكون صفة وجودية، وإن قلنا: أنه فعل نفساني وهو خلاف التحقيق كان مثالا للقبيح من الأفعال وعلى الثاني يكون مثالا للقبيح من الأوصاف فقط فيما إذا كان انتفاء العلم مذموما كالمثال الثاني لأن الانتفاء المذكور صفة سلبية، وقيل إطلاقه على الأول حقيقة وعلى الثاني مجاز وعليه فيكون المراد به الأول لأن المتبادر عند الإطلاق هو المعنى الحقيقي.
قوله: (والبخل ... إلخ) هو ضد الكرم المرادف للجود وقد تقدم أن الجود صفة هي مبدأ إفادة «ما ينبغي» إلخ فيكون البخل صفة هي مبدأ عدم إفادة «ما ينبغي» إلخ وتقدم أن تلك الصفة في الجود هي ملكة ينشأ عنها وصول الإحسان للغير فتكون في البخل ملكة ينشأ عنها عدم وصول الإحسان للغير ويكون مثالا للقبيح من الأوصاف لأن الملكة من الأوصاف فإن فسر الجود بأنه الإعطاء الذي هو صفة فعل كان البخل كف النفس عن الإعطاء فيكون مثالا للقبيح من الأفعال لأن الكف فعل من أفعال النفس وإطلاق الضد عليه حقيقة كالأول لأنه ليس أمرا عدميا فتلخص أن كلا من الجهل والبخل يصح أن يكون مثالا للقبيح من الأوصاف ومن الأفعال.
قوله: (فمعنى الحمد ... إلخ) الفاء للتفريع وتسمى فاء الفصيحة لإفصاحها عن شرط مقدر وقعت في جوابه أي: إذا عرفت أن الحمد هو الثناء فمعنى قول المصنف: «الحمد لله الثناء بالجميل» إلخ أي: كل ثناء بجميل أو جنسه بناء على أن «أل» استغراقية أو جنسية.
وقوله: (واجب) أي: ثابت له تعالى على طريق الجواز أو لا يقبل الانتفاء كل محتمل، لكن قوله: «ويستحيل في حقه» إلخ يعين الثاني فهو المراد.
وأورد عليه أن الثناء عليه كما مر هو الإتيان بما يدل على اتصاف المحمود بصفة جميلة والإتيان بما ذكر فعل يقبل الوجود والعدم فلا يكون ثابتا بالمعنى المذكور.
وأجيب: بأن كلامه على حذف مضاف أي: استحقاق الثناء ولا شك أن استحقاقه لازم له تعالى لزوما لا يقبل الانفكاك وحينئذ فعطف قوله: «ويستحيل» على قوله: «الثناء» إلخ من عطف اللازم على الملزوم فتفسير الوجوب بالمعنى الثاني مأخوذ من المقام كما علمت وإلا فالمناسب للعبارة أعني قوله: «الحمد لله» أن يفسر بالمعنى الأول إذ مدلولها مجرد ثبوت الحمدلله تعالى وبعد ذلك فهذا التقدير أعني تقدير مادة الوجوب خلاف المشهور في هذه العبارة بل المشهور فيها تقدير مستحق أو مختص أو مملوك.
قوله: (ويستحيل ... إلخ) ظاهره أن هذا مأخوذ من معنى الحمد وليس كذلك إلا أن يجاب: أنه ليس مراده أن ذلك من معنى الحمد بل مراده أنه لازم للمعنى المذكور كما تقدم لأنه يلزم من كون الحمد واجبا لله تعالى بالمعنى المتقدم أن يكون ضده وهو الوصف بالنقص المعبر عنه بالذم فيما مر مستحيلا في حقه تعالى أو مراده أن هذه جملة مستقلة ذكرت بعد المذكور تعليلا لمحذوف تقديره وإنما حكم بذلك لأنه «يستحيل» إلخ.
وقوله: (في حقه) أي: ذاته وصفته.
وقوله: (الوصف بالنقص) أورد عليه أن الوصف بذلك ليس مستحيلا لأنه مصدر صفة إذ أتى بما يدل على اتصافه بالقبيح فيكون بمعنى الثناء بتقديم النون الذي هو «الإتيان» إلخ وهو ليس بمستحيل عقلا بل هو واقع.
وأجيب: بأن مراده بالوصف الاتصاف من إطلاق المسبب على السبب العادي إذ العادة جرت بأن من اتصف بشيء يصفه الناس به أو يقدر مضاف نظير ما تقدم أي: استحقاق الوصف ولا شك أن الاستحقاق المذكور مستحيل في حقه تعالى والنقص مصدر نقص وهو يستعمل لازما ومتعديا.
يقال: نقص زيد أي: قام به النقص ونقص الله أعداءك أي: قلل عددهم وأخذ منهم، والمراد به هنا اللازم أي: يستحيل في حقه تعالى الاتصاف بكونه ناقصا أي: قائما به النقص لا الاتصاف بكونه منقصا للغير على صيغة اسم الفاعل أي: مقدرا نقصه فليس بمستحيل.
قوله: (والله اسم) يطلق لفظ الاسم على ما يقابل الفعل والحرف وعلى ما يقابل الكنية واللقب وعلى ما يقابل الصفة ويصح هنا إرادة ما عدا الأول فالمراد أنه علم وضعه الله تعالى على نفسه وضعا شخصيا.
وقيل: هو علم بالغلبة وفيه نظر لأن العلم بالغلبة كلي إلا أن يقال أنه علم بالغلبة باعتبار أصله وهو الإله فهو علم لم يسم به غيره تعالى شرعا ولم يقع خارجا على غيره حفظا لأحديته فكما أنه لا مشاركة في مسماه وجودا وعينا لأن وجوده قديم وكذا عينه أي: ذاته بخلاف الحوادث فيهما كذلك لا مشاركة في اسمه وضعا وعلما والصحيح أنه غير مشتق وهو قول الخليل وسيبويه وأكثر الفقهاء والأصوليين.
ورؤي الخليل في النوم بعد موته فقال: غفر الله لي بقولي في اسمه تعالى أنه ليس بمشتق وقد ذكر في القرآن العظيم في ألفين وخمسمائة، وقيل: ثلاثمائة وستين موضعا وهو اسم الله تعالى الأعظم عند أكثر أهل العلم وهو المعتمد لأن من دعا به مع شروطه تحصل له المنفعة العظيمة والإجابة بعين ما سأل لوقته.
قوله: (للذات الواجب الوجود) هكذا في بعض النسخ وفي بعضها اسم واجب الوجود.
واعترض على ذلك بأنه يلزم عليه أن يكون غير علم لأن مدلوله حينئذ وهو واجب الوجود كلي والعلم يجب أن يكون مدلوله جزئيا معينا وحينئذ فلا يكون قول لا إله إلا الله مفيدا للتوحيد لأنه يصير حينئذ لا إله إلا هذا الأمر الكلي، كيف وقد أجمعوا على إفادة ذلك القول التوحيد على أنه يدخل فيه حينئذ الصفات إذ هي واجبة الوجود وإن خرجت بقوله: «المستحق» إلخ.
وأجيب: بأن إضافة اسم لواجب الوجود للعهد أي: اسم لواجب الوجود المعهود وهو الذات المعينة في الخارج الموصوفة بوجوب الوجود واستحقاق جميع المحامد والوصفان المذكوران ليسا من جملة الموضوع له وإلا كان كليا وقد سبق منعه بل أتى بهما تمييزا للموضوع له عن غيره وخصا بالذكر دون بقية الصفات للإشارة إلى استجماع الذات لجميع صفات الكمال.
أما الإشارة بالأول فلأن كل كمال يتفرع عن وجوب الوجود بالذات لأن من كان كذلك يكون أكمل الموجودات وأشرفها فيجب اتصافه بأشرف الصفات وأما الإشارة بالثاني فلأنه لا يستحق جميع المحامد إلا من كان متصفا بسائر الكمالات وقدم الأول لأنه كالدليل للثاني ومقتضى التوجيه المذكور أن الوصف الثاني مؤكد للأول.
والأولى أن يكون مؤسسا بأن يقال خص الأول بالذكر لكونه أكمل الصفات وأشهرها اختصاصا بجنابة تعالى، وخص الثاني لبيان سبب الحصر المستفاد من لام الحمد لله لأنها للاستغراق أو للجنس المختص به تعالى فالمعنى وإنما كانت جميع الأفراد مختصة بالله أو جنسها مختصا به تعالى لأنه مستحق لجميع المحامد، وقدم الأول على الثاني لما مر.
أو يقال خص الأول لظهوره في تضمن سائر صفات السلوب لأن واجب الوجود هو الذي لا يقبل وجوده الانتفاء أولا وأبدا فلا يسبقه عدم ولا يلحقه عدم فيلزم أن يكون قديما باقيا وهكذا إلى آخر صفات السلوب والثاني لظهوره في تضمن سائر الصفات الثبوتية وقدم الأول عليه من باب تقديم التخلية على التحلية.
وما تقدم في الجواب أولى من قول بعضهم أنه لما قام البرهان على أن واجب الوجود لم يوجد منه إلا هذا الفرد صح كون الله علما عليه وأفاد التوحيد في لا إله إلا الله انتهى لأن مقتضاه أن لفظ الجلالة مدلوله كلي انحصر في جزئي فلا يصح أن يكون علما ولا يفيد التوحيد في لا إله إلا الله لأنه يصير المعنى لا إله إلا هذا الأمر الكلي المنحصر في جزئي والإشكال المتقدم باق بعينه.
واعلم أن المراد بواجب الوجود واجب الوجود لذاته فلا ترد الحوادث الموجودة فإنها واجبة الوجود عرضا من حيث تعلق علم الله تعالى بوجودها لا بعدمها فوجود زيد مثلا في هذا الوقت المعين واجب عرضا لتعلق علم الله تعالى به لا بضده وهو العدم فاندفع الاعتراض بأن واجب الوجود كما يتصف به الباري تعالى يتصف به غيره.
قوله: (المحامد) جمع محمدة بمعنى الحمد.
قوله: (والصلاة) مبتدأ ومن الله حال منه على مذهب سيبويه المجوز لمجيء الحال من المبتدأ ويمكن تمشيته على مذهب الجمهور بأن يقدر مضاف في العبارة أي: وتفسير الصلاة حالة كونها كائنة من الله تعالى فتكون حال من المضاف إليه ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع ارتفاعه.
وقوله زيادة تكرمة خبر وأشار بلفظ الزيادة إلى أن أصل التكرمة ثابت له ﷺ وإلى أنه عليه الصلاة والسلام ينتفع بصلاة غيره أي: دعائه له على الصحيح من أن الأنبياء ينتفعون بذلك لكن لا ينبغي للمصلي قصد ذلك كما مر لما فيه من إساءة الأدب.
وقيل: أن المنفعة عائدة على العبد ليس إلا وتفسيره الصلاة بزيادة التكرمة أخذه من المقام وهو تعلقها به ﷺ فالمناسب لمقامه الشريف تفسيرها بذلك وكذا باقي الأنبياء والملائكة لكن زيادة التكرمة متفاوتة، وأما معناها الأصلي فهو التكرمة والإنعام.
فقوله: (من الله) قيد خرج به الصلاة من غيره كالآدميين والجن والملائكة فإن معناه الدعاء بخير ولا ينافي ذلك قولهم أنها من الآدميين الدعاء ومن الملائكة الاستغفار لأن الاستغفار دعاء بالمغفرة والرحمة.
وقوله: (على نبيه) قيد ثان خرج به الصلاة من الله على غير نبيه فإن معناها التكرمة والإنعام وهو معنى الرحمة إذ المراد بها: الإنعام أو إرادته لا الرقة التي في القلب وإطلاق الصلاة على الرحمة إطلاق حقيقي لغة كما يدل له قولهم أن الصلاة.
أما من قبيل المشترك اللفظي فمعناها من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ومن الآدميين تضرع ودعاء أو من قبيل المشترك المعنوي فمعناها العطف والإحسان وذلك يختلف باختلاف ما يضاف إليه، فإن أضيف إلى الله تعالى كان معناه الرحمة وهكذا إذ من المعلوم أن إطلاق المشترك اللفظي على بعض أفراده حقيقة وكذا المعنوي على ما فيه فالقول بأن الصلاة معناها لغة الدعاء، فإن أضيفت إلى غيره تعالى كانت باقية على معناها، وإن أضيفت إلى الله تعالى كان معناها الرحمة التي هي لازمة للدعاء إهـ .
لا يظهر لاقتضائه أن إطلاقها على الرحمة مجاز لغوي وليس كذلك كما علمت ولعل اقتصارهم على كون معنى الصلاة في اللغة الدعاء لكونه أظهر معانيها وليس المراد أنها لا تطلق في اللغة إلا عليه والتكرمة معناها العظمة والمراد بها التكريم أي: التعظيم وعطف الإنعام عليها مغاير لأن بينهما عموما وخصوصا وجهيا فقد يوجد أن فيما إذا عظمك شخص بالقيام لك مثلا وأنعم عليك بشيء وقد ينفرد الأول فيما إذا عظمك ولم ينعم عليك بشيء والثاني فيما إذا أنعم عليك بشيء ولم يعظمك وقد يطلق الإنعام على التكرمة فيكون العطف للتفسير وهو ظاهر.
قوله: (والسلام) أي: من الله تعالى على نبيه ففيه الحذف من الثاني لدلالة الأول أي: وأما السلام من الملائكة والإنس والجن فهو الدعاء ومن الله على غير نبيه فهو مطلق التحية أو التأمين.
قوله: (زيادة تأمين) فيه إشارة إلى أن أصل التأمين حاصل له عليه الصلاة والسلام نظير ما مر في الصلاة وهو ضد التخويف لأن الأمن ضد الخوف والمراد به السلامة مما يخاف. ومقتضى هذا أن عليه الصلاة والسلام يلحقه خوف وهو كذلك لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يخافون في بعض مواطن الموقف على أممهم وعلى أنفسهم وينسيهم الله تعالى المغفرة لهم.
وكذا يلحقه عليه الصلاة والسلام خوف في الدنيا لكن خوفه فيها خوف إجلال ومهابة لا خوف من العذاب أن يحل به أو خوفه من الوقوع في حسنات الأبرار التي هي سيئات بالنسبة للمقربين كما قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ﴾ فإذا كان عندك خمسة دراهم وتصدقت منها بأربعة وأبقيت واحدا كان ذلك حسنة عند الأبرار سيئة عند المقربين.
قوله: (وطيب تحية) أي: تحية طيبة والتحية في الأصل الدعاء بالحياة ثم أطلقت على مطلق الدعاء ثم أطلقت على دعاء مخصوص وهو السلام عليكم مثلا ومقتضى هذا أن الله تعالى يدعو للنبي ﷺ وليس كذلك إذ ليس هناك أعظم منه حتى يدعوه وحينئذ فالمراد بالتحية خطابه تعالى له ﷺ بما يسره ويلتذ به بأن يحييه في الجنان بكلام قديم تحية تليق بجنابه ﷺ وعطف ذلك على ما قبله مغاير إذ لا يلزم من زيادة التأمين زيادة طيب التحية ولا من زيادة طيب التحية زيادة التأمين.
قوله: (وإعظام) مصدر أعظم أي: فَخَّمَ وكَبَّرَ بمعنى التعظيم الذي هو مصدر عظم بالتشديد فكأنه قال وتعظيم أي: تفخيم وتكثير، وعطفه على تأمين من عطف اللازم على الملزوم لأنه يلزم من زيادة التأمين زيادة التعظيم وعلى طيب التحية من عطف العام على الخاص لأن يلزم من زيادة طيب التحية زيادة التعظيم دون العكس.
والحاصل أن معنى السلام مركب من ثلاثة أشياء زيادة التأمين وزيادة طيب التحية وزيادة التعظيم وقد علم مما مر أن سلام الله تعالى على نبيه ﷺ وعلى بقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليس من قبيل الدعاء وكذا صلاته عليهم لما مر أن الدعاء لا يتصور منه تعالى لأنه طلب والله تعالى مدعو ومطلوب منه لا داع لا طالب إذ ليس هناك من هو أعظم منه حتى يطلب منه نعم إن أريد كونه يدعو ذاته بإيصال الخير للمدعو له أي: يطلب منها ذلك صح والطالب النفسي مغاير للإرادة.
قوله: (ورسول الله هنا) قَيَّدَ بـ«هنا» احترازًا عن الرسول في مبحث النبوات فإن المراد به ما يعم نبينا ﷺ وغيره من بقية الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فإن قيل: لم لم يرد به كل رسول كما حمله على ذلك بعضهم.
أجيب: بأنه إنما خصه بذلك لأمرين:
الأول: أن رسول الله غلب استعماله في نبينا ﷺ فصار علما بالغلبة على تلك الذات الشريفة ولا يطلق على غيرها إلا مقرونا بذكر اسمه أو قرينة،
الثاني: أن الإضافة للعهد الخارجي العلمي فإنها تأتي لما تأتي له اللام فالمقتضى للتخصيص أمران كما علمت ولم يعرف الرسول مع أنه بصدد بيان كلمات المصنف كأنه لظهوره، وهو إنسان ذكر حر أوحي بشرع وأمر بتبليغه فإن لم يؤمر بذلك فنبي فقط وهو مأخوذ من الإرسال وهو البعث من مكان إلى آخر في أمر لبعثه من حضرة الحق إلى الخلق لصلاح معاشهم ومعادهم.