قوله: (اعلم ... إلخ) عبَّر بالعلم دون غيره كالمعرفة والدراية والفهم والإدراك والقراءة والسماع، لأن العلم هو الكثير الشائع في الاستعمال، ولأنه يتصف به المولى والمخلوق والمعرفة لا يتصف بها إلا المخلوق، ولأنه الثابت في القرآن في قوله تعالى: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ بخلاف المعرفة، ولأن المعرفة كما قيل تتعلق بالبسائط والجزئيات دون المركبات والكليات بخلاف العلم، وإن كان الصحيحُ ترادفَهما.
والدراية تستدعي تحصيل المعاني مع التأني والمهلة، إذ هي العلم الحاصل بعد التفكر والتخيل، فلا تناسب الاهتمام المناسب للمقام لاقتضائه السرعة بخلاف العلم فإنه يفيد السرعة
والفهم والإدراك يستدعيان كلاما سابقا ولم يسبق هنا شيء
والقراءة والسماع يتعلقان بالألفاظ مع أن المقصود تحصيل المعاني، إذ المراد أَدْرِكْ بالدليل أن كل ما حكم به العقل لا يخرج عن هذه الثلاثة لنتوصل بذلك إلى معرفة ما يجب وما يستحيل وما يجوز في حقه تعالى.
وإنما قلنا بالدليل لأن العلم هو حكم الذهن أي إدراكه الجازمُ المطابقُ للواقع الناشئُ عن دليل، والدليل هنا هو ما أشار إليه فيما سيأتي بقوله: «لأن ما حكم به العقل» إلخ.
وبهذا يجاب عن عدم تعبيره بالجزم والاعتقاد وهو أن كلا منهما قد يكون بلا دليل بخلاف العلم
ولم يقل: «اعلموا» بصيغة الجمع لئلا يتوهم أنه فرض كفاية مع أنه فرض عين، وسيأتي الكلام على ما يتعلق بهذه المفردات عند حلّ الشارح.
قوله: (أن الحكم) أتي بِـ«أَنَّ» توكيدا للانحصار
لا يقال إن ذلك ليس مُنْكَرًا ولا مشكوكا فيه فلا يحسن الإتيان بها
لأنا نقول إنها قد يؤتى بها لكون الخبر أمرا عظيما مما يهتم به كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا﴾.
قوله: (ينحصر ... إلخ) اعلم أن الحصر على ثلاثة أقسام:
حصر الكلي في جزئياته، وضابطه: صحة الحمل أي: الإخبارِ بذلك الكلي الذي هو المَقْسِمُ على كل واحد من الجزئيات التي هي أقسام له كانحصار الكلمة في اسم وفعل وحرف، إذ يصح أن تقول: الاسم كلمة، وهكذا.
وحصر الكل في أجزائه، وضابطه: صحة انحلال الكل إلى الأجزاء التي تركب منها كانحصار السكنجبين في خل وعسل والحصير في سَمار وخيط، فماهية كل مركبة من الأمرين المذكورين، ويصح انحلال كل أي: تفكيكُه إليهما.
وحصر بمعنى عدم الخروج.
وكلام المصنف لا يصح من قبيل الأول لعدم صحة حمل المقسم أي: الحكم العقلي على كل من الأقسام إذ لا يصح أن يقال: الوجوب حكم عقلي، وكذا البقية، لأنه لاشيء من الحكم العقلي المفسّر بأنه إثبات أمر أو نفيه بوجوب ولا استحالة ولا جواز فلا يصح صدقه على شيء منها أي: حملُه عليها أي: الإخبارُ به عن كل واحد منها، ولا من قبيل الثاني لأن الوجوب وما بعده ليست أجزاء للحكم المذكور وإنما أجزاؤه المحكوم عليه والمحكوم به والنسبة ووقوعُها على ما فيه
وحاول جماعة تصحيح جعله من قبيل الأول، فأجاب بعضهم بتقدير مضاف في الأول أي: أن متعلَّق الحكم الوجوب إلخ، وبعضهم بتقدير مضاف في الثاني أي: إثبات الوجوب وإثبات الاستحالة وإثبات الجواز، وفيهما نظر.
أما الأول: فلما يلزم عليه من الإخبار بخاص عن عام إذ متعلَّق الحكم كما يصدق بالوجوب مثلا الذي هو المحمول يصدق بالموضوع والنسبةِ ووقوعِها أَوْ لا وقوعِها على ما مر.
وأما الثاني: فلأن بعض العقائد خارجة عن هذه الثلاثة، كقولك: «الله قادر أو موجود أو الواحد نصف الاثنين فليس في ذلك إثباتُ وجوبٍ ولا غيرِهِ مع أنه حكم عقلي.
ويمكن أن يجاب: بأن المراد إثبات الوجوب أعمَّ من أن يعبر عن الوجوب بذلك العنوان كقولك «قدرة الله تعالى واجبة» أو يعبر عنه بما اتصف به أي الوجوبِ كقولك: «الله قادر» فإن القدرة متصفة بالوجوب، وكذا يقال في الاستحالة والجواز، فهذه الثلاثة وإن لم يتعين في الحكم العقلي كونها محكوما بها لصدقه حيث لا تذكر كما مر لكن لابُدَّ منها في نفس الأمر.
وبعضهم أجاب: بأن المنحصر في الثلاثة وصف الحكم أو الحكم باعتبار وصفه، فوصفه إما وجوب أو استحالة أو جواز أي: لا يخلو من الاتصاف بواحد منها، وفيه نظر لأن الحكم بمعنى الإثبات أو النفي لا يتصف بالوجوب والاستحالة أصلا إذ هو ممكن، فوصفُه دائما الإمكانُ، نعم هي أوصاف لمتعلقه كالقدرة والإرادة وثبوتهما له تعالى.
فالأحسن أن يجعل الحصر في كلام المصنف من قبيل الثالث وهو عدم الخروج، كقولك: «انحصر حكم الأمير في البلدة الفلانية» و«انحصرت فكرتي في ذنوبي» بمعنى: أن حكم الأمير لا يتجاوز تلك البلدة وفكرتي لا تتجاوز ذنوبي وإن لم تكن البلدة والذنوب أجزاء ولا جزئيات للحكم والفكرة.
وكذلك ما هنا، فالمعنى: أن الحكم العقلي لا يخرج عنها لا أنها جزئيات ولا أجزاء له وإنما هي أوصاف لمتعلَّقِهِ أعني النسبة الحكمية أو المحكوم به كما مر، وإلى هذا أشار الشارح فيما سيأتي بقوله: «ومعنى انحصاره في الثلاثة» إلخ.
قوله: (الوجوب) هو عدم قبول الانتفاء، (والاستحالة) عدم قبول الثبوت، (والجواز) قبول الثبوت والانتفاء.
فالأولان أمران سلبيان والثالث أمر اعتباري، وهذه الثلاثة تقع محمولات أي مخبرا بها من حيث الاشتقاق، فيقال: «قدرة الباري واجبة» و«شريكه مستحيل» و«بعثة الرسل جائزة». ولذا قال المصنف «فالواجب» إلخ.
وقدم الواجب لشرفه، وأعقبه بالمستحيل لأنه ضده، وأخّر الجائز لأنه لم يبق له مرتبةٌ إلا التأخير، وأيضا هو شبيه بالمركب وما قبله شبيه بالبسيط، والمركب متأخر، وعلى قياس ذلك يقال في تقديم الوجوب وما بعده.
واعلم أن الواجب إما ذاتي وإما عرضي؛
والأول قسمان: واجب مطلق وواجب مقيد،
فالأول كذات الله تعالى وصفاته فإنها واجبة وجوبا مطلقا.
والثاني كالتحيز للجرم فإنه واجب مقيد بدوام الجرم لا بمعنى أنه لا يقبل الانتفاء.
والثالث كوجودنا في هذا الوقت فإنه عرضي إذ لم يجب إلا لتعلق علم الله تعالى به لا بعدمنا في ذلك الوقت
والفرق بينه وبين التحيز للجرم: أن نسبة التحيز للجرم حكم واجب مادَّتُهُ الوجوبُ أي صفتُهُ المتحققة له في نفس الأمر هي الوجوب لا الامتناع ولا الإمكان كالحكم على الإنسان بالحيوان مثلا، بخلاف نسبة الوجود لزيد مثلا فإن مادته أي صفته المتحققة له في نفس الأمر الإمكان لا الوجوب.
والمعرَّفُ بالتعريف المذكور هو الواجب الذاتي بقسميه وإنما لم يقيده المصنف بذلك لأنه عند الإطلاق لا يحمل إلا على الذاتي ولا يحمل على العرضي إلا بالتقييد.
قوله: (ما لا يتصور ... إلخ) قوله: «ما» يصح:
- أن تكون نكرة موصوفة بمعنى أمرٍ أي: معلومٍ فجملةُ (لا يتصور) صفتُها،
- وأن تكون موصولة نعتا لمحذوف، والجملة صلتها أي: الأمر الذي لا يتصور أعمّ من أن يكون ذلك الأمر ذاتا أو صفة أو نسبة كقولك: «ذات الله تعالى واجبة» و«قدرة الله تعالى واجبة».
فكما أن الذات تتصف بالوجوب كذلك ثبوتها، وكما أن الصفة كالقدرة تتصف بالوجوب كذلك ثبوتها له تعالى،
وكذا يقال في الاستحالة والجواز، فكما أن الشريك يتصف بالاستحالة كذلك ثبوته له تعالى، وكما أن بعثة الرسل تتصف بالجواز كذلك ثبوتها،
وسيأتي ما يتعلق بالفعل من حيث بناؤه للفاعل والمفعول وأنّ المراد بالتصور الإمكان أو التصديق لا مجرد الإدراك لأن العقل يتصور المستحيل ويدركه.
قوله: (نزل الشيخ ... إلخ) هذا جواب عما يقال: لم خالف المصنف عادة المؤلفين في تعبيرهم بـ«أما بَعْدُ».
وحاصل الجواب أنه نزّل «اعلم» منزلة «أما بعد» أي: صيّره مثله وأقامه مُقامه، ونكتة التحول عن اللفظ الشائع وهو «أما بعد» التنبيه على أن غير العلم لا يبتغى سببا.
و«الشيخ» مصدر شاخ يشيخ شيخا وصف به كعَمَلٍ ورِضًا وصفه كسيد، فخلف لكثرة الاستعمال أي دورانِه على الألسنة، سمي شيخا لما حوى من كثرة المعاني المقتضية للاقتداء به في ذلك الفن لا لكبر سنه.
وهو لغة: من بلغ أربعين سنة إلى آخر عمره فإن الناس يقال لهم أطفال وصغار وصبيان وذراري إلى البلوغ وشبان وفتيان إلى الثلاثين وكهول إلى الأربعين وبعد ذلك الرجل شيخ والمرأة شيخة، والقوة تزيد إلى الأربعين وتقف إلى الستين وتنقص كل يوم بعد ذلك، وكل مولود يزيد كل عام قدر أربع أصابع مقبوضة بأصابع نفسه، وطول كل أحد أربعة أذرع بذراع نفسه.
واصطلاحا: من بلغ رتبة أهل الفضل ولو صبيا.
قوله: (رضي الله عنه) خبر بمعنى الدعاء، والرضا رتبة أعلى من العفو لأن الرضا بالشيء قبوله فهو أعلى من العفو الذي هو المسامحة وعدم المؤاخذة، ويشير إلى ذلك قول بعضهم: «اللهم ارض فإن لم ترض فاعف» فإن المولى قد يعفو ولا يرضى.
ورضاه تعالى إما صفة فعل بمعنى الإنعام أو صفة ذات بمعنى إرادة الإنعام، فإن أريد هنا الأول فظاهر، وإن أريد الثاني ورد عليه أن الدعاء إنما يكون بمستقبل لم يوجد في الحال وإرادته تعالى أولية يستحيل تجددها حتى يتحقق بها الدعاء، إلا أن يقال يصح ذلك نظرا لتعلق الإرادة الحادثة، فإن ذلك لا يستحيل تجدده.
قوله: (منزلة أما بعد) إنما لم يقل: «منزلة وبعد» لأن «أما بعد» هي الأصل إذ هي الواردة في الأحاديث وكلام العرب.
قوله: (في الدلالة) «في» بمعنى «من» بيان للمنزلة فهو بيان لوصف المقيس عليه الذي هو أما بعد.
وفيه أنه قد يؤتى بعدها بالسبب الحامل على التأليف مثلا لأنها موضوعة للانتقال من أسلوب أي فن ونوع من الكلام إلى آخر أعم من أن يكون مقصودا أو لا، إلا أن يقال المراد المقصود حقيقة أو حكما وسبب التأليف مثلا في حكم المقصود باعتبار كونه سببا له مثلا فيسمى مقصودا تجوّزا باعتبار تلك السببية أو غيرها.
بقي أن «أما بعد» لا تدل على الشروع بالفعل لجواز أن يقول «أما بعد» ويسكت، إلا أن يقدر مضاف في كلامه أي: قصدِ الشروع أو أن المراد غالبا.
قوله: (ونبه ... إلخ) هذا بيان لنكتة مخالفة المصنف لغيره في تعبيره بـ«اعلم» دون «أما بعد» فهو جواب عن سؤال، حاصله أن الاتِّباع خير من الابتداع.
وحاصل الجواب: أن ذلك الابتداع لنكتة حسنة وهي التنبيه المذكور فكأنه قال: «للتنبيه» إلخ. والمراد بالتنبيه الإشارة، ووجه الإشارة أن الأمر بالشيء نهي عن ضده.
والمراد بالعلمِ العلمُ المطلوبُ في هذا الفن وهو الاعتقاد الجازم الناشئ عن دليل، وغيرُهُ هو التقليدُ والظنُّ والشكُّ والوهمُ والجهلُ المركب فإن هذه لا تكفي في هذا الفن بل لابد فيه من العلم لأن الجاهل المذكور والشاكّ والمتوهِّم والظانّ لا إيمان لهم فهم كفار، وأما المقلِّدُ فمختلَفٌ في كفره كما سيأتي وإن كان الصحيح أنه مؤمن عاص إن كان فيه أهلية النظر.
فقوله: «لا يبتغي» أي: لا يطلب أن يكون سببا لمعرفة العقائد لأنه حرام إما كفر أو غيره.
وإنما قلنا: المراد بالتنبيه الإشارة لما ذكر لأن متعلق العلم المذكور في كلامه هو حصر أقسام الحكم العقلي في الأقسام الثلاثة، فمعنى «اعلم» المستفادُ منه صريحا أَطْلُبُ منك تحصيلَ ما ذكر بطريق العلم بحيث تبحث عن دليل حصر القسمة في الثلاثة وتفهمُ دلالته على ذلك ويؤخذ منه بطريق الإشارة والتلويح ما قلنا، ووجه الأخذ أنه إذا كان هذا لابد فيه من العلم ولا يكفي فيه غيره فالعقائد الدينية من باب أولى.
ويصح أن يراد بالعلم أحد العلوم المدونةِ وغيره هو الِحرَفُ والصنائع مثلا، والمعنى أن غير الاشتغال بالعلم لا يطلبه العاقل ولا يرضاه سببا أي: حرفة وصنعة لأن في الاشتغال بالعلم مع الإخلاص سعادة الدارين خصوصا العلم الموصل إلى معرفة الله تعالى، وقد علمت أن عطف «ونبه» على «نزل» من عطف العلة على المعلول.
قوله: (والحكم إثبات ... إلخ) اعترض هذا التعريف بأمور أربعة:
الأول: أنه غير مانع لصدقه بقولك «زيد لازيد» فإن الأول إثبات أمر والثاني نفيه مع أن ذلك ليس من الحكم في شيء.
وأجيب بأن في العبارة حذفا والتقدير: إثبات أمر لأمر أو نفي أمر عن أمر.
الثاني: أنه غير جامع، لأن قوله: «أو نفيه» عائد على الأمر الأول فيخرج قولك: «زيد ليس بقائم» من أول الأمر من غير أن يتقدمه إثبات القيام له.
وأجيب بأن الضمير عائد على الأمر من حيث هو الأمر لا على الأمر الذي جرى عليه الإثبات فيكون فيه استخدام وهو أن يذكر الشيء بمعنى ويعاد عليه الضمير بمعنى آخر، كقوله:
إذا نزل السماء بأرض قوم
رعيناه وإن كانوا غضابا
فإن المراد بالسماء الغيث وبالضمير في رعيناه النبات بخلاف شبه الاستخدام فإنه ذكر الشيء بمعنى ثم ذكره ثانيا بمعنى آخر كقولك: «لي عين أنفق من العين» فإن المراد بالعين الأولى الباصرة وبالثانية عين الذهب مثلا، وليس هذا من قبيل «عندي درهمٌ ونصفُهُ» كما توهمه بعضهم لأن الضمير في «ونصفه» لا يصح عوده على الدرهم الأول ولا على الدرهم من حيث هو لصدقه بالأول وهو فاسد بل على درهم آخر أي: نصف درهم آخر مثل الأول، نعم يصح أن يكون من قبيل ذلك باعتبار عدم كون الضمير عائدا على الأول فقط.
الثالث: أن ذكر «أو» في الحدود ممنوع.
وأجيب: بأن محل المنع إذا كانت للشك أما إذا كانت للتنويع فيجوز دخولها في الرسوم كما هنا لا في الحدود الحقيقية وهي التي تكون بالذاتيات لما يلزم عليه من كون فصل الماهية مساويا لها وأخص منها، مثاله: «الإنسان حيوان ناطق أو ضاحك» إذا فرض أن «ضاحكا» فصل ذاتي فـ«ناطق» من حيث كونه فصلا للماهية مساو لها ومن حيث إنّ المميز هو الفصل الآخر أخص منها وهي أعم منه لتحققها بالفصل الآخر.
الرابع: أن الكلام في الحكم العقلي فأي داع إلى تعريف مطلق الحكم أولا ثم تقسيمه وتعريف كل قسم على حدته.
وأجيب: بأن الحكم العقلي أخص من مطلق الحكم، ومعرفة الأخص متوقفة على معرفة الأعم كتوقف معرفة الإنسان على معرفة الحيوان مثلا، وأيضا فلما ذكر المصنف الحكم وقيده بالعقل علم منه أن هناك حكما غير عقلي فتشوقت النفس إلى بيان ذلك الغير فاحتاج الشارح إلى بيان الحكم من حيث هو وتقسيمِه إلى الأقسام الثلاثة ليتوصل بذلك إلى معرفة ذلك الحكم المقيد بالقيد المذكور ومعرفة غيره من بقية الأقسام.
واعلم أنك إذا قلت: «زيد قائم» مثلا فقد اشتمل هذا التركيب على محكوم عليه وهو زيد، ومحكوم به وهو القيام، ونسبة وهي ثبوت القيام لزيد، وإدراك كل من هذه الثلاثة يسمى تصوّرا، وإدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة يسمى تصديقا وحكما.
وظاهر عبارة الشارح أن الحكم فعلٌ حيث عَرَّفَهُ بالإثبات الذي هو فعل من أفعال النفس وهو أحد أقوال ثلاثة
والصحيح أنه كيفية، ويمكن حمل كلامه عليه بأن يراد بالإثبات إدراك الثبوت من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم
قال السيد في حواشي الشمسية وما يتوهم من قولهم: الإثبات والإيقاع والانتزاع والإيجاب والسلب من أن للنفس فعلا فليس مرادا بل المراد من جميع ذلك كله هو الإدراك.
واختلف في الإدراك فقيل: انفعال، وقيل: كيفية وهوالصحيح.
فيكون الصحيح أن الحكم أيضا من قبيل الكيف
ويمثل الثلاثة بوضع الخاتم على ... فوضعه فعل وتأثرها أي قبولها للتأثير انفعال والهيئة الحاصلة كيفية. انظر نهاية كلام السيد
ثم اعلم أنه لا فرق في الإثبات بين أن يكون على جهة الحمل أي: الإخبار نحو: «العالم حادث» أو على جهة الصحبة أو اللزوم كقولك: «كلما كان العالم متغير كان حادثا» أو على جهة العناد كقولك: «الموجود إما قديم أو حادث»، وكذا يقال في النفي نحو: «العالم ليس بقديم» أو «ليس كلما كان العالم متغيرا كان القديم وصفا له» أي: لا تلازم بينهما أو «ليس الموجود إما حادث أو ممكن» فالمسلوب في الأول الحكم وفي الثاني التلازمُ والربطُ وفي الثالث العنادُ.
قوله: (والحاكم بالإثبات ... إلخ) ظاهره أن الإثبات أو النفي محكوم به وقد تقدم أنه الحكم فيلزم اتحاد المحكومِ به والحكمُ وهو باطل، وأيضا فالحاكم إنما يحكم بالثبوت أو الانتفاء الذي هو النسبة لا بالإثبات أو النفي.
وحاصل الجواب: أن في كلامه حذف مضاف أي: بمتعلق الإثبات وهو الثبوت أو المحكوم به أو أنه أطلق الإثبات والنفي وأراد الثبوت أو الانتفاء.
قوله: (إما الشرع ... إلخ) اعترض بأن الشرع هو الأحكام الشرعية المعرَّفَةُ بأنها وَضْعٌ إلهيٌّ أي: أحكام وضعها الله تعالى للعباد...إلخ، ولا معنى للحكم بتلك الأحكام.
وأجيب: بأن المراد به الشارع من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل أو أنه على حذف مضاف أي: ذو الشرع وهو الله تعالى إذ هو الشارع حقيقة قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ﴾ الآية أو الرسول ﷺ مجازا لأنه المبلِّغ.
قوله: (وإما العقل) اعترض بأن الحاكم أي: المدرك حقيقة إنما هي النفس الناطقة، والعقل صفة لها وآلة لإدراكها.
وأجيب: بأن إسناد الحكم إليه مجاز من باب الإسناد إلى السبب والمنشأِ كما يقال: قدرة الباري تعالى موجدة للأشياء ومؤثرة فيها مع أن الباري جل وعلا هو المؤثر حقيقة بقدرته، والقدرة إنما هي منشأ للتأثير، ويقدّر مضاف أي: ذو العقل وهذا كله بناء على الصحيح من مغايرة العقل للنفس، أما على الآخر عند الحكماء من أنهما شيء واحد فلا حاجة إلى ذلك، واختار هذا القولَ القرافيُّ حيث قال: الحق أن العقل والروح والنفس بمعنى واحد، ولذا قيل: إن العقل إذا زال لم يعد وحينئذ فالمراد بزواله في كلام العلماء استتاره.
قوله: (العادة) هي ما اعتاده الناس أي ما تكرر عندهم مرة بعد أخرى وليس ذلك بحاكم بل الحاكم هو النفس، فإسناد الحكم إليها مجاز من الإسناد إلى السبب أو يقدر مضاف أي: أهل العادة أو يراد بالعادة أهلُها.
قوله: (فلذلك انقسم الحكم) استُشْكِل بأن انقسامه إلى عادي وعقلي ظاهر لأن كلا منهما جزئي من جزئياته، وأما انقسامه إلى شرعي فليس بظاهر لأن الحكم إثبات أمر أو نفيه والإثبات أو النفي إما إدراك أو فعل من أفعال النفس وكل منهما لا يصدق على الشرعي،
أما على الأول فلأن الشارح فسر الشرعي بأنه خطاب الله تعالى أي: كلامه، والكلام غير الإدراك
وأما على الثاني فلأن الفعل حادث والخطاب كلام قديم ولا يصدق الحادث على القديم، والمَقْسِمُ يجب صدقه على جميع أقسامه.
وأجيب: بأن في التعبير بالانقسام مسامحة وأن مراده أن الحكم يطلق بإزاء معنيين أحدهما المعنى الأول والآخر المعنى الثاني وهو الكلام
ويطلق أيضا على النسبة وعلى المحكوم به وعلى المحكوم عليه.
وأجيب أيضا: بأن خطابه تعالى إما أمر أو نهي أو تخيير أو وضع، وكل منها وإن كان من قبيل الإنشاء لكنه يتضمن الخبر، مثلا: ﴿أَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ يستلزم قولنا: الصلاة واجبة، وهو مشتمل على إثبات الوجوب للصلاة فصح كون الخطاب المذكور من أقسام الحكم باعتبار لازمه،
وأما إطلاق الفقهاء على إثبات الوجوب للصلاة مثلا أنه حكم شرعي فإطلاق مجازي باعتبار اللزوم المذكور وإن صار ذلك حقيقة عرفية لهم.
فالجواب: بأن الحكم يطلق عند الفقهاء على إثبات الوجوب للصلاة مثلا فيكون من جزئيات الحكم المعرَّف بما مر يرجع للجواب المذكور.
قوله: (إلى ثلاثة أقسام) لكن المناسب منها في المقام هو العقلي لأنه الذي ذكره المصنف، وإنما اقتصر عليه لأن له دخلا في إثبات جميع العقائد وبه يحصل التوحيد بلا قيد، وأما الشرعي فذكره لأنه قد يكون عاضدا للعقلي وقد يكون مستقلا في إثبات الصفات التي لا تتوقف دلالة المعجزة على صدق الرسول عليها وهي السمع والبصر والكلام ولوازمها، وذكر العادي تتميما للأقسام
والعناد بين الثلاثة حقيقي إذ لا يمكن اجتماعها ولا اثنين منها في شيء واحد.
قوله: (خطاب الله ... إلخ) حقيقة الخطاب توجيه الكلام إلى المخاطب، والمراد به هنا اسم المفعول أي: المخاطب به أي: الكلام المفهِم بالفعل بناء على أنه يشترط في تسمية الكلام خطابا وجودُ المخاطبين بالفعل بصفات التكليف حالة الخطاب، وعليه فلا يسمى كلامه تعالى في الأزل قبل وجود المخاطبين خطابا، أو الذي يقصد به إفهام من علم الله وجوده ممن هو أهل للفهم بناء على أنه لا يشترط فيه ذلك، وعليه فيسمى كلامه تعالى في الأزل خطابا.
فالخلاف في تسمية الكلام في الأزل خطابا وعدمها مبني على الخلاف في أنه هل يشترط في تسميته خطابا وجود المخاطبين بالفعل أو لا،
وينبني على ذلك أيضا خلاف آخر هل الحكم الشرعي حادث أو قديم.
فعلى الأول هو حادث لأنه الكلام المفهِم بالفعل، وإن شئت قلت: المتعلق تعلقا تنجيزيا ولا يكون مفهوما بالفعل ومتعلق تعلقا تنجيزيا إلا فيما لا يزال بعد وجود المكلفين وبعثة الرسل إليهم فهو كلام الله تعالى المقيد بالإفهام بالفعل أو بالتعلق التنجيزي، والهيئة المركبة من القديم والحادث حادثة لتجددها بعد عدم، لأن الحادث وإن كان حقيقة في الموجود بعد عدم يطلق مجازا على المتجدد بعد عدم
وعلى الثاني قديم لعدم اعتبار الإفهام بالفعل والتعلقِ التنجيزي في مفهومه
و(خطاب) كالجنس للحكم، وخرج بإضافته إلى الله تعالى خطابُ غيره كالملوك والآباء والأمهات والمشايخ وغيرهم من الإنس والجن والملائكة فلا يسمى خطابهم حكما شرعيا، وإنما سمي خطاب الرسل بالتكاليف حكما شرعيا لأنهم مبلغون عن الله تعالى معصومون في تبليغهم عن الكذب عمدا وسهوا.
فإن قيل: إذا كان الخطابُ الكلامَ المخاطَبَ به القائمَ بذات الله تعالى فمن أين يعلم حتى يعرف الخطاب الداخل في التعريف والخارج منه.
أجيب: بأنه يدل عليه الكتاب والسنة ونحوهما.
فإن قيل: أخذهم الخطاب جنسا للحكم يقتضي أن الحكم الثابت بنحو القياس أو السنة أو الإجماع لا يسمى حكما شرعيا إذ لا خطاب له مع أنه حكم شرعي فلا يكون التعريف جامعا.
لأنا نقول نحو القياس كاشف عن خطابه تعالى ومعرِّف له وهو معنى كونه دليلَ الحكم.
وقوله: «المتعلق» صفة كاشفة ليست للاحتراز عن شيء لأن كلامه تعالى لا يكون إلا متعلقا إما تعلقا تنجيزيا بالنسبة للأمر والنهي أو ما هو أعم بالنسبة لغيرهما، وإنما ذكره ليعلق به قوله: «بأفعال» إلخ، وتعلقه تعلق دلالة بمعنى أنه لو أزيل عنا الحجاب لوجدناه دالا على جميع أقسام الحكم العقلي من الواجبات والجائزات والمستحيلات، ومعلوم أن المتعلِّق والمخاطَب به هو الكلام النفسي سواء قلنا إن الحكم قديم أو حادث لا اللفظيُّ لعدم ما ثبته هنا.
وقوله: (بأفعال المكلفين) خرج به خطاب الله تعالى المتعلق بذاته وصفاته وذوات المكلفين وصفاتهم والجمادات كمدلول ﴿ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ﴾ ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ﴾ أي: ذواتِكم وصفاتِكم ﴿وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ ٱلۡجِبَالَ﴾ فلا يسمى ذلك حكما شرعيا، وكذا المتعلِّق بذوات الحيوانات وأفعالها وصفاتها كقوله تعالى: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٖ مِّن مَّآءٖ﴾ وقوله: ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ﴾
وبقي في الحد قصص أفعال المكلفين والأخبار المتعلقة بأفعالهم، كقوله تعالى: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ﴾ وقوله: ﴿ فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَانَتۡ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡفِرۡدَوۡسِ نُزُلًا﴾ فأخرجهما بقوله: «بالطلب» على ما سيأتي.
والمراد بفعل المكلف: ما صدر عنه سواء كان من أفعال الجوارح أو اللسان أو القلب فيشمل القول والنية، والمراد بالصدور: أن يكون مكتسبا له إما بذاته كالحركة مثلا أو باعتبار أسبابه كالإيمان بالله تعالى ورسله فإنه مكتسب باعتبار أسبابه كالنظر مثلا أما ذاته فليست مكتسبة لأنها ليست فعلا اختياريا سواء قلنا إن الإيمان هو المعرفة أو حديث النفس التابع لها، أما على الأول فظاهر لأن المعرفة من مقولة الكيف وأما على الثاني فلأن حديث النفس التابعَ لذلك هو قولها بعد المعرفة «آمنت وصدقت» وقولها المذكور كلامها النفسي والكلام النفسي كيفية لا فعل لأن الصحيح أنه ليس للنفس فعل وإنما لها مجرد الإدراك، وأما قولهم: إيجاب وسلب وإيقاع وانتزاع ونحو ذلك فعباراتٌ المرادُ منها غير ظاهرها وهو الإدراك لا الفعل كما ذكره السيد في حواشي الشمسية وتقدم أن الإدراك كيفية على الصحيح، ويعبر عن حديث النفس المذكور في فن الكلام بالتصديق والإذعان، فالمراد منهما واحد وهو حديث النفس أي: قولها «آمنتُ وصدقتُ» بخلاف التصديق والإذعان في المنطق، فإن المراد بهما مجرد الإدراك، وما وقع في عبارة التهذيب من قوله: «إن كان إذعانا للنسبة فتصديق وإلا فتصور» فالمراد بالإذعان في ذلك الإدراكُ، فالتصديق الكلامي غير التصديق المنطقي كما قرره شيخنا العدوي مرارا خلافا لما يفيده كلام السعد وغيره في بعض المواضع.
وقد علم مما تقرر أن الإيمان ليس مكلفا به باعتبار ذاته لأن التكليف لا يتعلق إلا بالفعل وهو كَيْفٌ كما علمت، فالتكليف إنما هو باعتبار أسبابه كالنظر كما مر، وفيه أن النظر إنما هو سبب للمعرفة لا لحديث النفس الذي هو الإيمان على التحقيق فالأولى الجواب بأن مرادهم بالفعل ما قابل الانفعال فيشمل الكَيْفَ.
واعترض التعبير بـ«أفعال المكلفين» بصيغة الجمع في الموضعين بأنه يخرج عنه ما هو متعلق بفعل مكلف واحد كخصائص النبي ﷺ والحكم بقبول شهادة خزيمة وحده وبأنه يلزم على ذلك عدم تناول التعريف لشيء من الأحكام إذ لا يصدق على حكم منها أنه متعلق بجميع أفعال المكلفين.
وأجيب: بأن «أل» للجنس على حد «فلان يركب الخيل» وإن لم يركب إلا واحدًا منها فالمراد أن ركوبه متعلق بجنس هذا الجمع لا بجنس الحمار، وكذلك هنا فالمراد تعلق الحكم بفعل منها لا بجميعها، ويدخل في ذلك الفعلِ الخواصُّ وغيرُها.
واعترض: التعبير بـ«المكلفين» أيضا بأنه مشكِل مع قوله في التعريف «أو الوضع لهما» فإن خطاب الوضع يتعلق بالصبي والمجنون بدليل أنهما يضمنان متعلقاتِهما ولعله ذكر ذلك تبعا لغيره نظرا للغالب من تعلق الخطاب بالمكلفين فإن خطاب التكليف خاص بهم وخطاب الوضع مشترَك بينهم وبين غيرهم وإذا كان للغالب فلا مفهوم له.
قوله: (بالطلب) متعلق بخطاب والباء للملابسة من ملابسة الجنس لأنواعه الاعتبارية، وذلك أن كلامه تعالى واحد من حيث ذاته لكنه يتنوع إلى الأنواع المذكورة من حيث دلالته وتعلقه فمن حيث دلالته على طلب الفعل أو الترك جازما كلٌّ منهما أو غيرَ جازم يسمى طلبا، ويسمى أيضا إيجابا إن كان طلب الفعل جازما، وندبا إن كان غير جازم، وتحريما إن كان طلب الترك جازما، وكراهة إن كان غير جازم، ومن حيث دلالته على التخيير يسمى إباحة، فدخل تحت الطلب أربعة أحكام:
(الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة)
والطلب في الأولين يسمى أمرا، وفي الآخرين يسمى نهيا، والخامس للإباحة، وتسمى الخمسة المذكورة أحكاما تكليفية.
ومن حيث دلالته على أن الشئ سبب أو شرط أو مانع أو صحيح أو فاسد يسمى وضعا. وتسمى الخمسة المذكورة أحكاما وضعية. ومن حيث دلالته على غير ذلك يسمى خبرا.
لكن يلزم على تعلقه بالخطاب وصف المصدر قبل عمله.
وأجيب: بأنه يغتفر في الجار والمجرور ما لا يغتفر في غيره، على أن الإيراد منتف من أصله لأن المصدر هنا بمعنى اسم المفعول كما مر، ويصح أن يكون متعلقا بالمتعلِّقُ، و«الباء» للسببية أي: المتعلق بسبب تعلق الطلب وذلك أن الخطاب كلي، والطلب والإباحة والوضع جزئيات له أي: أنواع كما مر والمتعلق في الحقيقة هو تلك الجزئيات، وتعلق الكلى إنما هو بسبب تعلق الجزئي فيتسبب على تعلق الجزئي تعلق الكلي، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف
ويحتمل أن يكون في موضع الخبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: «وذلك الخطاب ملتبس بالطلب» إلخ.
قوله: (أو الوضع) معطوف على «الطلب» لأن المعاطيف إذا لم تكن بحرف مُرتِّبٍ تكون معطوفة على الأول بخلاف ما إذا كانت بحرف مرتِّب فإن كل واحد على ما يليه، أو معطوف على «الإباحة» لما بينهما من المناسبة في أن كلا منهما ليس بطلب، والتقدير على كل: أو الخطاب الملتبس بالوضع أي: بالخطاب المتعلق بـجعل الشيء سببا إلخ من ملابسة الجنس لنوعه كما مر.
واعترض: الإتيان بـ«أو» في هذا التعريف من وجهين:
الأول: أنها للشك المقتضي للإبهام وذلك لا يناسب في مقام التعريف إذ المقصود منه البيان.
وأجيب: بأنها للتنويع، كقولك: العدد إما زوج أو فرد أي: الحكم الشرعى يتنوع إلى هذه الأنواع كما مر،
الثاني: أنها مشتركة بين معان والمشترك لا يقع في الحد.
وأجيب: بأن كلا من المشترك والمجاز يجوز دخوله فيه إذا دل السياق أو القرائن على تعيين المجاز أو المشترك وقرينة الحال هنا ظاهرة في أنها للتنويع.
قوله: (لهما) أي: للطلب والإباحة.
وعرف بعضهم الوضع بأنه نصب الشارع أي: جعله الشيء
(سببا، أو شرطا، أو مانعا)
كجعل الزوال سببا لوجوب الظهر والوضوء شرطا لإباحة الصلاة والحيض مانعا من وجوبها.
واعترض عليه بأن ظاهره أنه ليس نوعا من الخطاب أي: الكلام النفسي، وإنما هو صفة فعل لأن الجعل حادث وليس كذلك. فقد قال السيد: الحكم الوضعى هو الحكم الشرعى الذى لا يدل على الطلب ولا على التخيير، فكان حق العبارة أن يقول: «هو خطاب الله المتعلق بجعل الشيء سببا» إلخ أي: من حيث تعلقه بذلك.
وأجيب بأن قرينة السياق وجعل الوضع وما قبله أنواعا للخطاب كالتقسيم له يفيد هذا المعنى، وغاية الأمر أنه مجاز في التعريف ولعله من إطلاق المتعلَّق بفتح اللام وهو «الجعل» المذكور على المتعلِّق بكسرها وهو «الخطاب» وهو شائع إذا دل السياق أو قرائن الأحوال على تعيين المجاز كما مر، وتخصيص هذا النوع من الأحكام باسم الوضع محض اصطلاح وإلا فالأحكام كلها بوضع الشرع من حيث التعلقات التنجيزية ولا مجال للعقل ولا للعادة في شيء من ذلك.
والسبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته فهو يؤثر بطرف الوجود في الوجود وبطرف العدم في العدم.
والمراد بالتأثير الاقتران لا حقيقته لأن المؤثر هو الله تعالى.
وقولنا: «لذاته» راجع للجملتين، أما الأولى فللاحتراز عن خروج السبب الذي اقترن به مانع أو انتفى عنه شرط كالحيض والجنون عند دخول الوقت فإنه لم يلزم من وجوده الوجود لكن لا لذاته بل لما ذكر من اقتران المانع أو انتفاء الشرط ولو نظر إليه يلزمه ذلك.
وأما الثانية فللاحتراز أيضا عن خروج سبب الشيء الذي له سبب آخر يخلفه عند عدمه كالشمس فإنها سبب في الضوء مع أن له سببا آخر وهو النار فإذا انعدمت الشمس ووجد الضوء لم يلزم من عدمها العدم لكن لا بالنظر لذاتها
هذا إن نظر إلى ذلك السبب بعينه فإن أريد جنس السبب الصادق بالواحد والمتعدد بأن قطع النظر عن سبب بعينه كان راجعا للأولى فقط لأن السبب من حيث هو أي: جنسه وماهيته المتحققة في أي فرد كان يلزم من عدمها العدم
وأورد على ذلك المتساويان كالإنسان والناطق واللازم والملزوم المتساويان فإنه يلزم من عدم أحدهما عدم الآخر فيكون داخلا في تعريف السبب.
وأجيب بأنه تعريف بالأعم وهو جائز عند المتقدمين من المناطقة.
والشرط: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، كالطهارة للصلاة فهو يؤثر بطرف العدم في العدم فقط.
وقولنا: «لذاته» راجع للثانية بجزئيها أي: فلا يلزم من وجوده الوجود بالنسبة لذاته وقد يلزم من وجوده الوجود لا بالنسبة لذاته بأن وجدت الأسباب وانتفت الموانع ولا يلزم من وجوده العدم بالنسبة لذاته وقد يلزم من وجوده العدم بالنسبة لغيره بأن انتفى السبب أو وجد المانع.
وأورد على التعريف المذكور صلاة فاقد الطهورين ونحوه فإنها تصح مع عدم الطهارة فلم يلزم من عدمها عدم الصلاة.
وأجيب بأن الطهارة ليست شرطا مطلقا بل عند إمكانها وهي غير ممكنة في حق من ذكر فليست شرطا في حقه، أو يجعل قوله: «لذاته» راجعا للأولى أيضا ف وقد يلزم من عدمه العدم لعارض كفاقد الطهورين.
وأورد عليه أيضا: اللازم الأعم بالنسبة لملزومه فإنه ينطبق عليه التعريف المذكور.
وأجيب بما مر من أنه تعريف بالأعم.
وأورد عليه أيضا: جزء العلة وجزء المركب فإنه يلزم من عدمهما العدم ولا يلزم من وجودهما وجود ولا عدم.
وأجيب بالتزام أنهما شرط في وجود العلة والمركب فلا إيراد، أو أن هذا تعريف بالأعم، أو أن (ما) بمعنى خارج بقرينة ما اشتهر أن الشرط خارج لا داخل.
والمانع: ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته كالحيض.
وقولنا: «لذاته» راجع للثانية بجزئيها أى فلا يلزم من عدمه الوجود بالنسبة لذاته وقد يلزم من عدمه الوجود بالنسبة لغيره بأن وجدت الأسباب والشروط، ولا يلزم من عدمه العدم بالنسبة لذاته وقد يلزم من عدمه العدم بالنسبة لغيره بأن انتفت الأسباب والشروط.
هذا هو المشهور في تقارير التعاريف الثلاثة،
والتحقيق أن قيد «لذاته» فيها مستغنًى عنه بـ«من» في قولنا: «من وجوده ومن عدمه« لأنها للابتداء أو السببية فتفيدان اللزوم من ذات السبب مثلا فإن وجد بعد ذلك تخلف لم يكن من ذات السبب أو الشرط أو المانع بل من غيره، فالضوء مثلا عند فقد الشمس ليس ناشئا عن فقدها بل من النار وهكذا، ففي الكلام ما يغني عن القيد المذكور، نعم إن جعلت «من» بمعنى «عند» كان ذلك القيد محتاجا إليه
وقد علم مما تقدم أن الأحكام التكليفية خمسة وكل واحد منها له أسباب وشروط وموانع
فالوجوب كوجوب صلاة الظهر، سببه: الزوال، وشرطه: البلوغ والعقل، ومانعه: الحيض والإغماء.
والندب كندب صلاة الضحى، سببه: دخول وقتها وهو ارتفاع الشمس قدر رمح، وشرطه: العقل، ومانعه: الحيض أو وقتُ المنع.
والتحريم كتحريم أكل الميتة، سببه: خبثها، وشرطه: عدم الاضطرار، ومانعه: الاضطرار.
والكراهة ككراهة صيد البر، سببه: اللهو، وشرطه: عدم الحاجة، ومانعه: الاضطرار.
والإباحة كإباحة البيع، سببها: الاحتياج فإنه سبب في إباحة المبيع، وشرطه: الانتفاع به مثلا، ومانعها: وقوعه وقت نداء الجمعة مثلا.
قوله: (إثبات ربط ... إلخ) مقتضى الظاهر حيث عرف الحكم الذى قسمه إلى الأقسام الثلاثة بإثبات أمر أو نفيه أن يقول: فحقيقته «إثبات أمر أو نفيه» إلخ فإن المتبادر من كلامه أوَّلا أن المراد بالأمر المحمولُ المثبَت أو المنفي ومن كلامه هنا أن المراد بالربط: النسبة الحكمية التى تعلق بها الإثبات فمتعلق الإثبات فيهما مختلف ولا شك في المغايرة بينهما بحسب الظاهر وإن كان إثبات الربط بين أمرين مستلزما لثبوت أحد الأمرين للآخر فيوافق ما مر.
والإثبات في الأصل مصدر وهو مضاف لمفعوله أي: إثباتك الربط وليس المراد به هنا المصدر بل المراد به التصديق لأن الإدراك والتصديق من قبيل الكيف لا الفعل كما مر ونقله يٓس هنا.
والمراد بالربطِ النسبةُ الحكمية أي: ثبوت المحمول، وبالآخَرِ الموضوعُ فمتى أريد بأحدهما أحدُهما أريد بالآخر الآخر.
وقوله: (وجودا أو عدما) تمييزان للربط بالمعنى المذكور أي: إثباتك الربط أي: النسبة الحكمية بين الموضوع والمحمول أي: التصديق بها من جهة وقوعها فتكون القضية موجبة كقولنا: «الأكل مشبع» فالنسبة فيه وهي ثبوت الإشباع للأكل مصدق بها من جهة وقوعها، أو من جهة عدم وقوعها فتكون سالبة كقولنا: «ليس عدم الأكل مشبعا» فالنسبة فيه وهي ثبوت الإشباع لعدم الأكل مصدق بها من جهة عدم وقوعها فالنسبة في كل من الموجبة والسالبة واحدة على التحقيق وهي الثبوت لكنها في الموجبة مصدق بها من جهة وقوعها وفي السالبة مصدق بها من جهة عدم وقوعها.
ويصح أن يكون ذلك حالا أي: حال كون هذا الربط أي: النسبة وجودا أو عدما أي: ملاحظا وجودها أي: ثبوتها أو عدمها، وهذا التقرير هو المطابق لكلام أهل المعقول
والمطابق لما ذكره في شرح المقدمات أن المراد بالربط الاقتران والتلازم العرفي وأن قوله: «وجودا أو عدما» تمييزان من أمر وأمر على البدل أي: إثبات الربط بين أمر من جهة وجوده أو عدمه وبين أمر آخر من جهة وجوده أو عدمه
وإن شئت جعلتهما محوّلين عن المضاف والتقدير: بين وجود أمر أو عدمه أو وجود أمر آخر أو عدمه
ويحتمل أن يكونا حالين من أمر وأمر، والتقدير: بين أمر وأمر حال كونه وجودا أو عدما أي: ذا وجود أو ذا عدم أو موجودا أو معدوما، لكن مجيء الحال مصدرا غير مقيس، وأيضا شرط مجيئها من المضاف إليه كون المضاف مقتضيا للعمل فيه أو جزئه أو كجزئه ولم يوجد ذلك هنا.
وعلى كل حال فالعبارة شاملة لأقسام الربط الأربعة وهي:
- ربط وجود بوجود كربط وجود الشبع بوجود الأكل
- وربط عدم بعدم كربط عدم الشبع بعدم الأكل لأن العدم وإن لم يحس بنفسه لكنه يحس باعتبار ما يضاف إليه، إذ الكلام في العدم الإضافي لا المحض لعدم تأتي الربط فيه.
- وربط وجود بعدم كربط وجود الجوع بعدم الأكل
- وربط عدم بوجود كربط عدم الجوع بوجود الأكل،
وهذا على القول بنفي الأحوال أي: الواسطة بين الوجود والعدم، وأما على القول بثبوتها فالأقسام تسعة قائمة من ضرب ثلاثة الوجود والعدم والحال أي: الثبوت في مثلها، فكان عليه أن يزيد وجودا أو عدما أو حالا، هكذا قيل.
وفيه نظر لأن الكلام في الحكم العادي
وربط الحال بالوجودِ أو العدمِ أو الحالِ،
أو الوجود بالحال،
أو العدم بالحال عقلي.
فربط الحال بالوجود كالربط بين قيام العلم بمحله وكون ذلك المحل عالما،
أو بالعدم كالربط بين الكون جاهلا وعدم العلم،
أو بالحال كالربط بين الكون قادرا والكون حيا،
أو عكس الأولين أي: ربط العدم بالحال كالربط عدم العلم بكونه جاهلا، وربط الوجود بالحال كربط وجود العلم بكونه عالما عقلي لا عادي كما أن الربط بين زوال الشمس ووجوب الظهر مثلا شرعي فهذان الربطان لا يسمى واحد منهما عاديا لعدم توقفه على تكرر فسقط خمسة أقسام من التسعة يبقي أربعة وهي التي تقدم الكلام عليها فلا حاجة إلى الزيادة المذكورة.
قوله: (بواسطة) متعلق بـ«إثبات» إلخ أي: إنما جاء هذا الإثبات أو النفي بواسطة وهي (التكرر) فالإضافة للبيان، وأقل ما يحصل به التكرر وقوع الشيء مرتين فإن لم يقع إلا مرة واحدة فليس بعادي وإنما هو داخل فى الحكم العقلي الجائز، وكون التكرر مستَندَ الحكم أعم من أن يكون على الحاكم نفسه أو على غيره ممن يقلده في ذلك كحكم الواحد منا بأن شرب السكنجبين مسكن للصفراء تقليدا للأطباء لتكرره عليهم.
قوله: (مع صحة) أي: جواز التخلف أي: مع كون تخلف الربط جائزا عقلا فيصح عقلا تأخر الإحراق عن النار مثلا،
وهذا وما بعده ليسا من تتمة التعريف بل إنما ذكرهما لينبه على أن هذا الربط الذي حصل في الحكم العادي ربط اقتران ودلالة جعلية لا ربط لزوم عقلي ولا ربط تأثير من أحدهما في الآخر خلافا لمن اعتقد ذلك.
فقوله: (مع صحة التخلف) أي: وأما إذا اعتقد عدم صحة التخلف بأن اعتقد الملازمة العقلية بين الأسباب العادية ومسبباتها فهو فاسق وهذا الاعتقاد يؤول به إلى الكفر لأنه يلزم إنكار كل ما خالف العادة كمعجزات الرسل وإحياء الموتى الآن، ولازم المذهب ليس بمذهب.
وقوله: (وعدم تأثير ... إلخ) أي: وأما إذا اعتقد التأثير فتارة بالقوة وتارة بالطبع فإن اعتقد أن الأسباب العادية تؤثر بطبعها فهو كافر، وحكى بعضهم الإجماع على كفره أو بقوة ففي كفره قولان والصحيح عدم كفره.
﴿وحاصل﴾ ما قرره المصنف في بعض كتبه وسيأتي أيضا أن من اعتقد أن الأسباب العادية تؤثر بطبعها فهو كافر. وحكى بعضهم الإجماع على كفره أو بقوة، ففي كفره قولان، والصحيح عدم كفره أو اعتقد أن المؤثر هو الله وحده إلا أنه اعتقد الملازمة العقلية بينهما فهذا الاعتقاد يؤول به إلى الكفر لأنه يلزمه إنكار ما خالف العادة، والاعتقاد الحق أن يعتقد أن المؤثر هو الله مع إمكان التخلف.
واعلم أن قوله: «مع صحة التخلف» لا يغني عن قوله: «وعدم تأثير» لجواز القول بالتأثير مع صحة التخلف كما هو مذهب المعتزلة في المولَّدات كما في حركة الأصبع وحركة الختم فإن اللزوم بينهما عادي عندهم يصح تخلفه ومع ذلك يعتقدون أن حركة الأصبع مؤثرة في حركة الخاتم، وأيضا فلا يلزم من صحة التخلف نفي الطبيعة فقد يصح التخلف مع وجودها لفقد شرط أو وجود مانع
وكذا لا يغني قوله: «وعدم تأثير» إلخ عن قوله: «مع صحة التخلف» لما مر من أنه رد بذلك على من يعتقد عدم صحة التخلف مع عدم التأثير.
وقوله: (أحدِهما) أي: أحد الأمرين المرتبطين فالنار لا تؤثر في الإحراق والأكل لا يؤثر في الشبع وهكذا.
وقوله: (ألبتة) أي: قطعا من البتِّ وهو القطع يقال: «بت الشئ يبته» بضم الموحدة وكسرها إذا قطعه، وهو منصوب على أنه مفعول مطلق أي: أقطع بذلك قطعا فـ«أل» فيه زائدة وهمزته للقطع ولا يستعمل إلا بالألف واللام مع قطع الهمزة كما قال سيبوبه وأجاز الفراء تنكيره وحكى أنهما لغتان وأجاز بعضهم كون همزته للوصل.
قوله: (والحكم العقلي ... إلخ) إنما أضيف هذا الحكم للعقلي وإن كانت الأحكام كلها لا تدرك إلا به لأن مجرد العقل بدون فكرةٍ أو معها كاف في إدراك هذا الحكم قاله المصنف.
قوله: (إثبات أمر) أي: لأمر كقولك: «زيد قائم» (أو نفيه) أي: نفي أمر عن أمر كقولك: «زيد ليس بقائم».
قوله: (من غير توقف على تكرر) خرج العادي.
وقوله: (ولا وضع واضع) خرج الشرعي فإن الحكم الشرعي متوقف على جعل الجاعل وهو الله تعالى وفي كون الحكم الشرعي موضوعا أو مجعولا نظر لأنه إن فسر بالتعلق التنجيزي وهو أن يكون الشخص إذا وجد مع شروط التكليف مطلوبا بالفعل كما هو عُرْفُ الفقهاء فهو حادثا، وكذا إن فسر بأنه خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين فهو حادث باعتبار الهيئة المجتمعة من الخطاب والتعلق التنجيزي كما مر، لكن إطلاق الحادث على كل من المعنيين بالمعنى المجازي وهو المتجدد بعد عدم لا الحقيقي وهو الموجود بعد عدم فإن الحادث يطلق حقيقة على الموجود بعد عدم ومجارا على المتجدد بعد عدم، ولا شك أن التعلق التنجيزي حادث بالمعنى الثاني لا الأول لأنه أمر اعتباري كالأبوة والبنوة وكذا الهيئة الاجتماعية متجددة بعد عدم لا موجودة بعد عدم، وإذ كان الحكم بمعنييه حادثا بالمعنى المذكور فلا يتعلق به الوضع والجعل لأنه إنما يتعلق بالأمور الموجودة وهو أمر اعتباري كما مر فلا تتعلق به القدرة فكيف يخرج بقوله: «ولا وضع واضع» إلا أن يراد من الوضع والجعل لازمه وهو الحدوث فكأنه قال: «ولا حدوث» فخرج الحكم الشرعي فإنه حادث بالمعنى المجازي السابق، على أنه قد يقال لا حاجة في إخراجه إلى ما ذكر لأنه خارج من قوله: «إثبات أمر أو نفيه» فإنه ليس إثباتا ولا نفيا.
قوله: (أخرج به) في العبارة مسامحة إذ الإخراج بالصفة فقط وهي العقلي لا بمجموع الصفة والموصوف أي: الحكم العقلي.
قوله: (ومعنى انحصاره ... إلخ) جواب عما تقدم إيراده من أنه لا يصح أن يكون من حصر الكل في أجزائه ولا الكلي في جزئياته، وحاصل الجواب ما سبق تقريره.
قوله: (من إثبات أو نفي) ظاهره أن العقل يحكم بالإثبات أو النفي مع أن ذلك نفس الحكم كما مر فكيف يكون محكوما به.
وحاصل الجواب أن في العبارة حذفا، والتقدير: من بعض متعلَّق إثبات أو نفي وهو المحمول أو النسبة فإن ذلك هو المحكوم به،
وقوله: «يرجع إليها» من رجوع الشيء إلى وصفه فالقدرة في ... قولك الله قادر وصفها الوجوب.
قوله: (إما أن يقبل الثبوت والنفي) كقولك: الله رازق فما حكم به العقل وهو الرَّزق بفتح الراء يقبل الثبوت والنفي فهو جائز ووصفه الجواز، وكما أن الرزق الذي هو المحمول يتصف بالجواز كذلك نسبته إلى الله تعالى تتصف به فيقال ثبوت الرزق لمولانا جل وعز جائز، وهو ظاهر إذا كان الحكم برازق كما تقرر، أما لو قلت: رزق الله جائز وحكمت بالجواز كانت نسبته واجبة إذ الجواز لا يقبل الانتفاء عن الرزق فيكون واجبا، وكذا نسبته له واجبة فالرزق وصفه الجواز لأنه محكوم به عليه وذلك الجواز وصفه الوجوب لأنه لا يقبل الانتفاء إذ لو قلة الرزق متصفا بالوجوب مثلا وذلك باطل، ومثله قولك: بعثة الرسل جائزة.
وقوله: «وإن كان لا يقبل إلا الثبوت» كقولك: «الله قادر» فالقدرة لا تقبل إلا الثبوت فيكون وصفها الوجوب وكذلك نسبتها لله تعالى،
وقوله: «وإن كان لا يقبل إلا النفي» كقولك: «شريك الباري موجود» فوجود الشريك لا يقبل إلا النفي فيكون وصفه الاستحالة وكذلك نسبته للشريك، فتلك القضية كاذبة.
قوله: (ثم عرف ... إلخ) جواب عما يقال إنه ترك تعريف الوجوب وأخويه وقد ذكرها، وذكر تعريف الواجب وأخويه ولم يذكرها وهو غير مناسب.
وحاصل الجواب: أنه استغنى عن تعريف الوجوب وأخويه بتعريف الواجب وأخويه لأنه مشتق كأخويه مما ذكر، فالواجب مشتق من الوجوب والمستحيل من الاستحالة والجائز من الجواز ومعرفة المشتق تستلزم معرفة المشتق منه لأنه جزؤه ومعرفة الكل متوقفة على معرفة أجزائه على ما سيأتي.
وقوله: (بما اشتق منه) قضيته أنه عرف الوجوب بالواجب والاستحالة بالمستحيل والجواز بالجائز، وليس كذلك.
وأجيب بأن المراد أنه استغنى بتعريف المشتق عن تعريف المشتق منه كما مر،
وأما الجواب بأن في العبارة حذفا والتقدير: ثم عرف كل واحد بتعريف ما اشتق منه فلا يصح لأن مقتضاه أنه قال: «فالوجوب ما لا يتصور في العقل عدمه» إلخ وهو لم يقل ذلك مع أنه باطل في نفسه فـ«الباء» للسببية لا للتعدية،
وإنما عدل عن تعريف الوجوب وأخويه إلى تعريف الواجب وأخويه لأنه المحكوم به في القضية أي: المحمول فيها حمل مواطأة،
فيقال: القدرة واجبة والشريك مستحيل والرزق جائز،
وحمل المواطأة هو الحمل الذي لا يحوج إلى تأويل كقولك: زيد قائم، ويقابل حمل الاشتقاق وهو ما يحوج إلى ذلك كقولك الشافعي أو مالك علم أي: ذو علم أو عالم والقطن بياض أي: ذو بياض أو أبيض.
فإن قلت: هلا قال من أول الأمر «وينحصر في ثلاثة الواجب» إلخ لأنه المحمول حمل مواطأة كما علمت.
قلت: لأن الوجوب وأخويه هو المقصود والملتفَت إليه من ذلك المحمول.
ثم اعلم أن في مرجع الضمير في قوله: «بما اشتق منه» إشكالا مشهورا في نظير هذه العبارة،
حاصله أنه لا يصح أن يعود على المضاف أعني «كل» لأنه يقتضي أنه عرف كل واحد من الأمور الثلاثة بالشيء الذي اشتق من كل واحد منها فيلزم عليه أنه عرف الوجوب بما اشتق منه وبما اشتق من الاستحالة وبما اشتق من الجواز، وكذا البقية، وهو باطل.
ولا على المضاف إليه أعني «واحد» من حيث هو لأنه يصير المعنى لأنه عرف كل واحد بالشيء الذي اشتق منه أيُّ واحدٍ كان فيقتضي أنه عرف الوجوب بالذي اشتق إما منه أو من غيره، وكذا البقية، وهو باطل أيضا.
وحاصل الجواب أنه عائد عليه من حيث تعيينه أي: بما اشتق من ذلك الواحد المعين المناسب له في الاشتقاق بناء على أن في الضمير استخداما أو جريا على القول بأن الضمير العائد إلى النكرة معرفة أي: مرادٌ به معينٌ، والأحسن الجواب بأن العموم المستفاد من (كل) ملاحظ بعد إرجاع الضمير لواحد فكأنه قال: عرف واحدا بما اشتق منه ثم أدخل لفظ «كل» لإفادة التعميم فصار «كل واحد» إلخ.
قوله: (لأن المشتق أخص) فالواجب ذات ثبت لها الوجوب ففيه ما في الوجوب وزيادة فيلزم من وجوده وجود الوجوب بخلاف وجود الوجوب لا يلزم منه وجود الواجب، فإنك تقول الوجوب ثابت لله تعالى فقد وجد الوجوب في هذا بدون الواجب لعدم دلالة ذلك على الذات التي هي من جملة معنى الواجب.
فالمراد بالخصوص قلة الأفراد لأن الواجب لا يتحقق بدون الوجوب بخلاف الوجوب فإنه يتحقق بدون الواجب كما في المثال المتقدم، فهما نظير الإنسان والحيوان فإن الإنسان أخص لأنه حيوان ناطق فكلما وجد وجد الحيوان والحيوان أعم فإنه يوجد بدون الإنسان في نحو الفرس والحمار وإن كان الحيوان يصح حمله على الإنسان، بخلاف الواجب لا يصح حمله على الوجوب، هذا.
وبحث في الجواب المذكور بأنه إنما يلزم من معرفة المشتق معرفة المشتق منه إذا عُرِّفَ المشتقُّ من حيث هو مشتق بأن عُرِّفَ مفهومُه الاشتقاقي كتعريف مفهوم الأحمر بأنه شيء ثبت له الحمرة، وأما إن عُرِّفَ ما صدق عليه ذلك المفهوم فلا يلزم ما ذكر كما في كلام المصنف فإنه لم يعرف الواجب مثلا من حيث مفهومه الاشتقاقي بأن يقول هو ذات ثبت لها الوجوب بل من حيث ماصدقاته حيث قال: «ما لا يتصور» أي: شيء لا يتصور في العقل إلخ.
ورد ذلك بأنه يعلم:
- من تعريف الواجب المذكور أن الوجوب عدم تصور العدم أي: عدم قبول الانتفاء
- ومن تعريف المستحيل أن الاستحالة عدم تصور الوجود
- ومن تعريف الجائز أن الجواز صحة الوجود والعدم
فقول المعترِض «إنما يلزم...إلخ» ممنوع.
قوله: (لأن المشتق أخص من المشتق منه) أي: أقل أفرادا كما مر فالواجب مثلا معناه أمر اتصف بالوجوب ففيه ما في الوجوب وزيادة لتركبه من جزءين: الأمر والوجوب، فيلزم من وجوده وجود الوجوب ولا يلزم من وجود الوجوب وجوده بل قد يوجد بدونه كما في قول المصنف: «وينحصر في ثلاثة أقسام» إلخ.
قوله: (ومعرفة الأخص تستلزم ... إلخ) اعترض ذلك بأنه لا يلزم من وجود الأخص في الذهن وجود الأعم فيه فقد يعرف الإنسان مثلا بأنه الضاحك المتفكر بالقوة مع أنه لا يلزم من ذلك معرفة الحيوان الذي هو أعم منه لعدم ذكره في التعريف حينئذ.
وأجيب بأن محل الاستلزام المذكور إذا عرف الأخص بالكنه أي: الحقيقة بأن ذكرت في تعريفه أجزاءُ الحقيقة إما تفصيلا أو إجمالا فإن ذكرت تفصيلا أي: بالمطابقة كأن قلت في تعريف الإنسان هو جسم نام حساس متحرك بالإرادة متفكر بالقوة لزم منه معرفة الأعم تفصيلا فإن أجزاء الحيوان جسم نام حساس متحرك بالإرادة، وإن ذكرت إجمالا أي: بالتضمن بأن قلت في تعريفه هو حيوان ناطق لزم منه معرفة الأعم إجمالا إذ يفهم منه أن هناك شيئا يقال له حيوان ولا يعرف منه أجزاء حقيقته ما هي بخلاف ما إذا لم يُعرَّف بالكنه كما مر فإنه لا يعلم منه حقيقة الحيوان لا إجمالا ولا تفصيلا.
قوله: (لأن الأعم جزء الأخص) تعليل للاستلزام فالوجوب مثلا الذي هو الأعم جزء الواجب الذي هو أخص لتركب الواجب من جزءين كما مر فهو كل والوجوب جزء ويلزم من وجود الكل وجود كل جزء من أجزائه فإذا عُرِفَ الكل أي: تعقل ولوحظ في الذهن لزم منه معرفة أجزائه بالمعنى المذكور.
قوله: (فالواجب ما) أي: أمر سواء كان ذلك الأمر حكما أو نسبة كثبوت القدرة لله تعالى وثبوت التحيز للجرم أو صفة كالقدرة والتحيز والكون قادرا والكون متحيزا، فكل من النسبة ومتعلَّقِها يتصف بالوجوب، وأما الحكم بمعنى إدراك تلك النسبة فليس بواجب بل جائز.
وقد علم مما ذكر دخول الأحوال الحادثة فهي من الواجب المقيد إذ هي واجبة ولازمة ما دامت عِلَلُها وقد مر أن الواجب قسمان: مطلق ومقيد وهي من الثاني لا من الأول الذي هو المطلق لأنها حوادث وكل حادث مسبوق بالعدم، فقول بعضهم أنها ليست بواجبة على كل حال ليس في محله.
وقوله: (يتصور) بضم الياء مبنيا لما لم يسم فاعله بمعنى يدرك أو بفتحها مبنيا للفاعل بمعنى يمكن، (وعدمه) فاعل على الثاني ونائبه على الأول لأن تصور يستعمل متعديا ولازما يقال تصورتُ الشيءَ عقلته وأدركته وتصور الشيءُ أمكن.
والوجه الثاني أقرب وأسلم من التكلف الآتي لكن الأول هو الظاهر من تقرير الشارح حيث فسره بيدرك، وظاهر تقرير المصنف في الكبرى أيضا،
وأورد عليه أن عدم الوجوب يتصور أي: يدرك لأن العقل يتصور المحال.
وأجيب بأنه أطلق التصور وأراد التصديق والمعنى أن الواجب هو الذي لا يصدق العقل بوقوع عدمه أي: لا يقبله ولا يثبته، لكن فيه أن إطلاق التصور على التصديق إما من قبيل المجاز إن قلنا إن التصور لا يطلق إلا على إدراك المفرد، أو من قبيل الاشتراك إن قلنا إنه يطلق على ما هو أعم من الإدراك المفرد فيشمل التصديق وكل من المجاز والمشترك يحتاج لقرينة ولا قرينة هنا.
وما قيل من أن القرينة ذكر الصحة في تعريف الجائز لأن الصحة مرجعها إلى التصديق فمردود بأن كل تعريف يجب أن يلاحظ على حدته غير مقترن بآخر إذ كل مفهوم يجب أن يعرّف بتعريف يخصه ويمتاز به استقلالا فلا يجب في هذه التعاريف اقتران بعضها ببعض حتى يكون بعضها قرينة لبعض، نعم يمكن أن يقال إن أهل الأصول لا يشترطون في المجاز قرينة فيمكن تخريج كلام المصنف على ذلك أو يقال: إن القرينة ما هو معلوم من أن الواجب قد يتصور نفيه فإن ذلك قرينة على أن المراد بالتصوّرِ المنفيِّ هو التصديق فالقرينة حالِيَّةٌ كما قاله القيرواني.
قوله: (في العقل) متعلق بـ«يتصور» وفيه أن الواجب واجب في نفسه وجد عقلُ عاقلٍ أو لم يوجد فلو حذف ذلك التقييد وقرئ يتصور مبنيا للفاعل بمعنى يمكن فيكون (عدمه) فاعلا لاندفع عنه الاعتراض المذكور واستغنى عن التكلفات السابقة ووافق قول المقاصد والمواقف: الواجب ما يمتنع أو ما لا يمكن عدمه فلم يذكرا لفظ التصور ولا قيداه بالعقل.
ثم الضمير في قوله: «عدمه» عائد على «ما» باعتبار الأفراد لا المفهوم الكلي أي: ما لا يتصور العقل عدم أفراده كالقدرة والإرادة أي: لا يصدق بنفيها وأما الواجب الكلي أي: مفهوم الواجب فليس بواجب لأنه تارة يوجد في الذهن وتارة لا يوجد.
بقي أنه يرد على التعريف المذكور أن الصفات السلبية واجبة مع أنه يتصور في العقل عدمها إذ العقل يتصور أن القدم عبارة عن عدم الأولية وأن البقاء عبارة عن عدم الآخرية وكذا البقية فلم تدخل في التعريف المذكور فيكون غير جامع.
وأجيب بأنه ليس المراد ما لا يتصور عدمه أي: كونه أمرا عدميا بل المراد ما لا يتصور نفيه أي: ما لا يتصور أن ينعدم أي: ينتفي بصدق نقيضه، فالقدم مثلا لا يتصور نفيه بصدق نقيضه وهو الحدوث وإن كان هو في ذاته أمرا عدميا فالمراد بعدم الواجب المذكور في التعريف هو نفيه بصدق نقيضه لا العدم المقابل للوجود، كقوله:
الـتـشـكي مـن الأقـدار
من عدم الـرضا على الـمختار
وكقول حسان:
رب علم أضاعه عدم الـمـا
لِ وجهل غطى عليه النعيم
فإن المراد نفي الرضا ونفي المال بوجود السخط والفقر لا كونهما عدميين.
والعقل عند الشافعي نور روحاني تدرك به النفس العلوم الضرورية والنظرية فهو آلة في الإدراك وعند القاضي بعض العلوم الضرورية فالمعنى على الأول أن العقل لا يكون آلة لتصور عدمه وعلى الثاني أن تصور العدم لا يكون من العلوم أي: لا يكون معلوما، فالظرفية عليها مجازية لانتفاء تحيز العدم وانتفاء احتواء العقل.
قوله: (أي: لا يدرك) تفسير لـ«يتصور» وقد علمت ما فيه،
والمراد من الإدراك: التصديق وإن كان الإدراك شاملا له وللتصور فعمومه غير مراد، ولو قال أي: لا يمكن لكان أسلم كما مر.
قوله: (وذلك) أي: الواجب بدليل تمثيله بقوله: «كالتحيز» وتفسيره بقوله: «وهو ما» إلخ واسم الإشارة مبتدأ والخبر محذوف أي: ثابت.
وقوله: (ضرورة) منصوب إما على المفعولية المطلقة لقيامه مقام مصدر محذوف والتقدير: وذلك ثابت إما ثبوت ضرورة ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب انتصابه أو على الحال بتأويله بضروري أو بتقدير مضاف أي: إما ثابت حال كونه ضروريا أو ذا ضرورة أو على نزع الخافض أي: حال كون ثبوته بالضرورة.
والضرورة وإن كانت في الأصل من أوصاف العلم كالنظرية فإن العلم ينقسم إلى ضروري ونظري كما انقسم إلى تصور وتصديق قد يطلق على متعلقه من المحكوم به والنسبة فكما يقال: العلم بالتحيز ضروري، يقال: التحيز ضروري وثبوته للجرم ضروري.
ويمكن حمل كلام الشارح على الأصل بأن يقدر مضاف أولا وثانيا أي: وعلم ذلك الواجب إما ضروري كالعلم بالتحيز إلخ
ويحتمل أن المشار إليه عدم إدراك العدم أي: وعدم إدراك العدم إما بالضرورة إلخ لكنه يحوج إلى تقدير في التمثيل والتفسير المذكورين.
قوله: (وهو) أي: الواجب الذي لا يدرك عدمه بالضرورة ما أي: نسبة أو متعلقها على ما مر.
وقوله: (في إدراكه) أي: إدراك وجوبه أي: التصديق بذلك والحكم به أي: لا يحتاج العقل في الحكم بوجوبه إلى تأمل إلخ.
وقوله: (ولا نظرٍ) عطف تفسير فالمنفي الاحتياج إلى النظر فقط أعم من أن لا يحتاج إلى شيء أصلا ككون الواحد نصف الاثنين أو يحتاج إلى حدس ككون نور القمر مستفادا من نور الشمس فإن ذلك لا يحتاج إلى نظر لكن يحتاج إلى حدس أي: تخمين، فإن من عرف أن ضوءه يزيد وينقص بحسب بُعْدِهِ من الشمس وقربه منها فإذا قابل نصفَها أضاء نصفُه أو كلها أضاء كله يحكم بذلك أو يحتاج إلى تجرية ككون السقمونيا مسهلة للصفراء والقهوة مذكية للفهم فإن ذلك لا يحتاج إلى نظر لكن يحتاج إلى تجربة.
ولا يصح أن يكون المنفي أصل الاحتياج بأن يقال الضروري هو ما لا يحتاج إلى شيء أصلا لئلا يلزم خروج الحدسيات والتجربيات منه فإنها لا تحتاج إلى النظر ولم تكن حاصلة ابتداء أي: بأول التوجه بل لا بد فيها من حدس أو تجربة فلا تكون ضرورية، وليس كذلك لما مر من أن الحاصل بالحدس أو التجربة من الضروري، وكذا الحاصل بالمشاهدة وهو ما لا يحكم فيه العقل بمجرد تصور طرفيه بل يحتاج إلى المشاهدة بالحس فإن كان الحس ظاهرا سميت حسيات ككون الشمس مشرقة والنار محرقة وإن كان باطنا سميت وجدانيات ككون لنا جوعا وعطشا ولذة وألما.
وأما البديهي فتارة يفسر بأنه ما لا يحتاج إلى شيء أصلا أي: ما يثبته العقل بمجرد التفاته إليه من غير استعانة بحدس أو غيره ككون الواحد نصف الاثنين فيكون أخص من الضروري فكل بديهي ضروري ولا عكس.
وتارة يفسر بأنه ما لا يحتاج إلى نظر واستدلال فيكون مرادفا للضروري بأحد معنييه فإن الضروري يطلق تارة في مقابلة الاستدلالي أي: النظري، ويفسر بما لا يتوقف على نظر واستدلال وإن توقف على حدس أو تجربة مثلا.
وتارة في مقابلة الاكتسابي ويفسر بما لا يكون تحصيله مقدورا للمخلوق، وهذا أخص من الضروري بالمعنى الأول فإن العلم الحاصل بالإبصار المكتسب بالقصد والاختيار كما إذا كان الإنسان مغمضا عينه ففتحهما فرأى الشمس يقال له ضروري على التفسير الأول لأنه مأخوذ في مقابلة النظر، فيدخل فيه الكسبي.
بخلافه على الثاني فإنه في مقابلة الكسبي وهذا مكتسب للعبد بفتح عينيه ومن ثم جعل بعضهم العلم المذكور اكتسابيا أي: حاصلا بمباشرة الأسباب بالاختيار كفتح العينين وبعضهم ضروريا أي: حاصلا بدون نظر واستدلال، وقد علم بما ذكر أن الاكتسابي أعم من الاستدلالي أي: النظري لأن الثاني هو الحاصل بالنظر في الدليل فكل استدلالي اكتسابي ولا عكس، والإبصار الحاصل بالقصد والاختيار الناشئ عن فتح العينين فإنه اكتسابي لا استدلالي.
قوله: (كالتحيز) أي: أو ثبوته فكل منهما واجب مقيد أي: لا يقبل الانتفاء ما دام الجرم، وأما الحكم الذي هو إدراك وقوع هذا الثبوت فليس بواجب كما مر.
قوله: (للجرم) هو شامل للجسم وهو ما تركب من جوهرين فردين فأكثر وللجوهر الفرد كما يستفاد من تفسيره بأنه كل ما ملأ أي: شغل فراغا، وحينئذ فلا حاجة إلى زيادة بعضهم (مَثَلًا) لأجل إدخال الثاني فإنه يتحيز أيضا، إذ الحيز عند المتكلمين هو الفراغ أي: الخلوّ المتوهم الذي يشغله شيء ممتدا كان وهو الجسم أو غير ممتد وهو الجوهر الفرد وإنما كان متوهَّما لأنه يتوهم وجوده وإن كان في الحقيقة عدما محضا يخطر بالبال وليس شيئا موجودا يتعلق به الرؤية.
وأما عند الحكماء فهو أمر موجود ويقال له مكان أيضا فهما مترادفان عندهم، أما عند المتكلمين فالمكان أخص من الحيز لأن الأول هو الذي يحل فيه الجسم فقط بخلاف الثاني فإنه ما يحل فيه الجسم أو الجوهر الفرد كما مر، فكل متمكن متحيز دون العكس إذ يعتبر في التمكن الامتداد دون المتحيز، والراجح ترادفهما،
وإذا علمت أن الحيز عند المتكلمين والحكماء هو الفراغ أي: الخلو تعلم أن ما يجلس عليه من الأرض مثلا لا يقال له حيز ولا مكان.
واعلم أن الخلو إنما هو بحسب نظر الشخص لا في الواقع لأن ما بين السماء والأرض مملوء بالهواء أي: الريح على الراجح لكن أجزاؤه لطيفة فإذا جاء شخص إلى مكان انضم بعضه إلى بعض كالماء ولو فرض عدمه طرفة عين لم يعش حيوان ولم ينبت نبات، والهواء ليس بجوهر فرد ولا عرض بل هو جسم لطيف.
قوله: (ومعنى التحيز أخذ ... إلخ) يعني بحيث يمنع غيره أن يحل محله فلابد من هذه الزيادة وإلا فحقيقة التحيز هو الممانعة على القدر المأخوذ من الفراغ أي: منعك الغير أن يحل في مكانك أي: مدافعتك إياه لا نفس الأخذ ففي العبارة تساهل،
وإضافة (أخذُ) لما بعده من إضافة المصدر لمفعوله بعد حذف الفاعل والأصل أخذه قدر ذاته كما فعل المصنف في شرحه، والضميران يرجعان للجرم.
وقوله: (من الفراغ) متعلق بـ«أخذُ» أي: أن يأخذ من الفراغ بحلوله فيه قدر ذاته بحيث يمنع غيره أن يحل محله والتفسير المذكور تفسير لحاصل قوله: «كالتحيز للجرم» هكذا قاله الغنيمي، وقال يٓس: تفسير للتحيز بالمعنى المصدري ويؤخذ منه تعريف الحيز بأنه الفراغ، انتهى، والأول أقرب.
قوله: (والمستحيل ما ... إلخ) «ما» واقعة على أمر أو معلوم ذهني أو مفهوم ذهني وهي بمنزلة الجنس فتشمل الممتنع بالغير، وما بعدها بمنزلة الفصل مخرج لما يدرك في العقل وجوده بناء على الظاهر من بناء يتصور للمجهول أو ما يمكن وجوده بناء على بنائه للمعلوم على ما سبق.
وقوله: (لا يتصور في العقل وجوده) أي: لا يصدق العقل بوجود أفراده أو لا يمكن وجودها فيه كشريك الباري فالضمير في «وجوده» عائد على «ما» باعتبار الماصدق أي: الأفراد لا المفهوم الذهني أي: الأمر الكلي لجواز وجوده في العقل لأنه يتصور المحال، فقولك: اجتماع النقيضين ممتنع، معناه: أن المعنى الحاصل في الذهن من هذا اللفظ يمتنع أن يوجد في الخارج فرد يطابقه. وكذا قولك: شريك الباري ممتنع، معناه: أن ما يصدق عليه في الذهن أنه شريك الباري يصدق عليه فيه أنه ممتنع الوجود في الخارج.
وأورد على التعريف المذكور أنه غير مانع لدخول الأحوال والسلوب فيه فإن كلا لا يصدق العقل بوجوده لأن الأُولى غير موجودة بل ثابتة فقط والثانية معدومة لا موجودة ولا ثابتة. والمراد السلوب الصادقة نحو: «ليس بجسم» بخلاف «ليس بعالم» فإنها من المستحيل قطعا.
وأجيب بأمور:
منها أن هذا تعريف بالأعم وقد أجازه المتقدمون من المناطقة
ومنها أن «ما» واقعة على ممتنع فتخرج الأحوال والسلوب من أول الأمر
ومنها وهو أحسنها، أن المراد بالوجود الثبوت والتحقق في نفس الأمر فخرجت الأحوال والسلوب لأنها موجودة أي: متحققة في نفس الأمر أي: في نفسها بقطع النظر عن اعتبار المعتبر وفرض الفارض وإن لم تكن موجودة في الخارج أي: خارج الأعيان وإلا فهي موجودة في خارج الأذهان
وبيان ذلك أن هذا الشيء إما موجود في الذهن أي: ثابت ومتحقق فيه وإما موجود في نفس الأمر وإما موجود في الخارج أي: خارج الأعيان بحيث تمكن رؤيته لو أزيل الحجاب، والنسبة بين الأولين العموم والخصوص الوجهي، يجتمعان في ذات المولى وصفاته الوجودية وفي ذواتنا وصفاتنا كذلك فإنها من حيث استحضارها في الذهن يقال لها موجودة أي: ثابتة فيه، ومن حيث وجودها في نفسها يقال لها ثابتة في نفس الأمر أي: في نفسها بقطع النظر عن اعتبار معتبر وفرض فارض، وينفرد الأول في المستحيلات الثابتة في أذهان معتقديها كنبوة مسيلمة والولد والصاحبة له تعالى فإن لها ثبوتا في أذهان من ذكر، وينفرد الثاني في الأشياء الموجودة تحت الأرضين أو فوق السموات التي لم تخطر بذهن أحد فإنها موجودة في نفس الأمر أي: في نفسها لا في الذهن لعدم خطورها فيه.
والنسبة بين الأول والأخير كذلك يجتمعان في الذوات والصفات الوجودية السابقة، وينفرد الأول في المستحيلات السابقة أيضا، والثاني فيما تحت الأرضين مثلا فإنها موجودة في خارج الأعيان لإمكان رؤيتها لو أزيل المانع.
والنسبة بين الأخيرين العموم والخصوص المطلق، إذ كل موجود في الخارج موجود في نفس الأمر دون العكس فيجتمعان في الذوات والصفات الوجودية السابقة وينفرد الثاني في الأحوال وصفات السلوب فإنها موجودة في نفس الأمر أي: ثابتة ومتحققة في نفسها بقطع النظر عن اعتبار معتبر وفرض فارض، لأن نفس الأمر يطلق على ذات الشيء فيكون في قولهم: هذا الشيء موجود في نفس الأمر إظهار في مقام الإضمار والأصل موجود في نفسه بقطع النظر عما مر، ويطلق أيضا على علم الله تعالى أو اللوح المحفوظ وقد علم مما مر أن الوجود الخارجي كما يطلق على الوجود في خارج الأعيان كذلك يطلق على الوجود في خارج الأذهان وهو الوجود في نفس الأمر، وهذا تتصف به الأحوال والسلوب.
فقول المعترض أن كلا منهما لا يصدق العقل بوجوده إن أراد به الوجود خارج الأعيان فمسلم لكنه ليس بمراد وإن أراد الوجود خارج الأذهان فممنوع لأن العقل يصدق بوجودهما كذلك.
قوله: (إما ضرورة) منصوب إما على الحال من «ما» أو من عدم التصور المفهوم من لا يتصور أي: حال كون ذلك ضروريا أو ذا ضرورة أو على نزع الخافض أي: بالضرورة على ما مر.
سقط
وقوله: (كتعري الجرم) مثال لـ«ما لا يتصور» إلخ لا لعدم التصور فلا حاجة إلى أن يقدر في العبارة كعدم تصور تعري الجرم إلخ.
واعلم أن في الحركة والسكون ثلاثة أقوال:
الأول: أن الحركة كونان متواليان في مكانين أي: حصولان واستقراران فيهما والسكون كونان متواليان في مكان واحد أي: حصولان واستقراران فيه فكل منهما مركب لأنه عبارة عن مجموع الحصولين، وحينئذ فيكون بينهما منع جمع لجواز الخلوّ عنهما إذ الجرم في أول حدوثه أي: في أول أزمنة وجوده ليس بمتحرك ولا ساكن فكيف يكون التعري عنهما مستحيلا.
وأجيب بأن المراد الجرم المتقرر في الخارج أي: الذي ثبت له حصول فيه ولا شك أنه لا يعرى عنهما.
القول الثاني: أن الحركة هي الحصول الأول في الحيز الثاني أي: في المكان الثاني، والسكون الحصول الثاني في الحيز الأول، وكذا الحصول الثاني في الحيز الثاني من بابٍ أولى، فكل منهما بسيط، وبينهما منع جمع أيضا لجواز الخلو عنهما إذ الحصول الأول في الحيز الأول لا يقال له حركة ولا سكون فقد خلا الجرم عنهما حينئذ، وأجيب بما مر.
القول الثالث: وهو قول الأشعري أن الحصول الأول في الحيز الأول سكون وكذا الحصول الثاني مثلا من باب الأولى، وأما الحصول الأول في الحيز الثاني فهو حركة وسكون باعتبارين فباعتبار الانتقال إليه حركة وباعتبار الاستقرار فيه سكون، فالجرم إذا كان في مكان فالكون الأول فيه سكون فإن تحرك إلى مكان آخر فأول كون في المكان الثاني سكون فيه وحركة إليه باعتبارين كما مر، وعلى هذا فلا إشكال لأن الجرم لا يخلو عنهما كما أنهما لا يجتمعان فيه، والتقابل بينهما حينئذ تقابل الأخص والأعم لأن كل متحرك ساكن وليس كل ساكن متحركا بخلافه على الأولين فإنه تقابل التباين لعدم اجتماعهما كما مر.
قوله: (إلا بعد النظر) أي: في دليل الوحدانية القطعي لمن لا يكتفي إلا به أو الإقناعي لمن يكتفي به
فالأول كقولك لو اجتمع إلهان لحصل بينهما تمانع بأن يريد أحدهما وجود زيد مثلا والآخر عدمه فلا يخلو إما أن يوجد أو لا إلى آخر ما سيأتي.
والثاني كقولك: لو اجتمع إلهان لحصل الفساد لأنه إذا اجتمع رئيسان في مَرْكَبٍ فَسَدَتْ.
قوله: (والجائز ما يصح ... إلخ) «ما» واقعة على معلوم أو مفهوم أو شيء لكن بمعناه اللغوي لا الاصطلاحي الذي هو الموجود لاقتضاء ذلك أن المعدوم لا يتصف بالجواز وليس كذلك وهي بمنزلة الجنس،
وقوله: (في العقل) أي: عند العقل أو بالعقل متعلق بـ«يصح» وهو بمنزلة الفصل، خرج به المستحيل والواجب فإن الأول لا يصح وجود أفراده والثاني لا يصح عدم أفراده بل هي واجبة الوجود ولو حذف ذلك لكان أولى لأن هذا الأمر ثابت للجائز وجد عقل عاقل أو لم يوجد كما مر.
وقوله: (وجوده) أي: وجود أفراده فالضمير عائد على «ما» باعتبار الماصدق لا المفهوم كما مر.
واعترض بأن الأمور الاعتبارية كالإحياء والإماتة والخلق والرَّزق جائز مع أنها ليست موجودة لأنها عبارة عن تعلق القدرة بالحياة أو الموت أو الخلق أو الرَّزق والتعلق المذكور أمر اعتباري لا يتصف بالوجود فيكون التعريف غير جامع لخروج الأمور الاعتبارية منه وكذا الأحوال والسلوب الحادثة.
وأجيب بأن المراد بالوجود الثبوت والتحقق في نفس الأمر أعم من أن يصاحبه وجود خارجي أو لا، فيشمل ما ذكر
وإنما قال يصح ولم يقل على قياس ما مر (ما يتصور في العقل وجوده وعدمه) إما للتفنن أو للإشارة إلى أن المراد مجرد إمكان وجوده وعدمه في العقل وإن لم يوجدا فيه بالفعل بأن لم يدرك ذلك ولم يخطر له بل وإن لم يوجد هو بالكلية كما مر، ولو عبر بالتصور لكان المتبادر منه أن المراد تصور الوجود والعدم بالفعل أي: خطورهما بالفعل في العقل مع أن ذلك ليس بلازم فلذا عدل إلى التعبير بالصحة لأنها لغة زوال المرض والبراءة من كل عيب وعدم القطع، فيقال: هذا جلد صحيح أي: غير مقطوع وهو المناسب هنا فالمعنى الجائز ما لا يقطع بوجوده ولا عدمه.
فإن قلت: استعمال الواو في تعريف الجائز من باب استعمال المشترك بدون قرينة تبين المراد من معانيه وذلك أنها تكون للمعية وللتعاقب أي: عطف لاحق على سابق فلا يدري هل المراد الوجود السابق والعدم اللاحق أو بالعكس أو هما على المعية أو كونها بمعنى (أو) ولا يصح لاختلال التعريف لشموله الواجب والمستحيل
وأجاب السكتاني: بأن القرينة علمية وهي أن العقل يأبى المعية لاستحالة اجتماع النقيضين أي: صحة العدم والوجود معا فالمراد الوجود بدل العدم أو العدم بدل الوجود سواء كان الوجود سابقا والعدم لاحقا أو بالعكس.
قال شيخ شيخنا محمد الصغير: والمعية المقتضيةُ للاستحالةِ المترتبُ عليه اجتماعُ النقيضين أو الضدين إنما هي معية الوقوع بالفعل أما معية الصلاحية فلا يصح إرادتها في تعريف الجائز.
قوله: (كحركة الجرم أو سكونه) يعني: أحدهما بعينه أما أحدهما لا بعينه فهو واجب.
قوله: (كتعذيب المطيع) أي: الذي لم يَعْصِ الله تعالى قَطُّ طرفة عين ولو معصوما كنبي وملك فإن ذلك التعذيب جائز نظري لتوقفه على دليل وهو أن الله تعالى مالك للعبد والمالك يفعل في ملكه ما شاء، والكلام في مجرد الجواز العقلي لا الوقوعي فلا ينافي أن ذلك ممتنع شرعا وإلا لزم الخلف في خبره تعالى لأنه ورد في القرآن والسنة ما يدل على القطع بعدم وقوعه بمقتضى وعده الكريم.
قوله: (وإثابة العاصي) أي: ولو كان كافرا لما مر من أن الكلام في مجرد الجواز العقلي فالعاصي المؤمن إثابته جائزة عقلا وشرعا والكافر إثابته جائزة عقلا ممتنعة شرعا، ولهذا قالوا: إن الله لا يغفر أن يشرك به بإجماع المسلمين من أهل السنة والمعتزلة ثم اختلفوا
فقال أهل السنة: إنه يجوز عقلا وإنما علم عدمه بدليل السمع، قال شيخ الإسلام زكريا: وهذا هو الصحيح الذي يجب اعتقاده.
وقالت المعتزلة: يمتنع عقلا لأن قضية الحكمة التفرقة بين المسيء والمحسن وهو مبني على أصلهم الفاسد من التحسين والتقبيح العقليين
والمراد بإثابة العاصي تنعيمه لا الجزاء الواقع في مقابلة شيء.
قوله: (ومعنى التصور الإدراك) هذا تفسير بالأعم لشمول الإدراك التصور والتصديق، فكان الأولى أن يقول: ومعنى التصور في المقام التصديقُ.
قوله: (وإنما بدأ ... إلخ) جواب عما يقال أن المقصود من هذا التأليف معرفة ما يجب له تعالى وما يستحيل وما يجوز، والمصنف ترك البداءة بهذا المقصود وابتدأ بغيره وهو تقسيم الحكم العقلي وتعريف كل قسم مع أنه غير مقصود.
وحاصل الجواب أنه لما توقف المقصود على معرفة هذه الأقسام ناسب البداءة بالتقسيم وتعريف كل قسم، وإنما توقف المقصود على معرفتها لأن صاحب علم الكلام تارة يثبتها وتارة ينفيها كقوله:
- يجب له عشرون صفة
- ويستحيل عليه ضدها
- ويجوز في حقه فعل كل ممكن أو تركه
- ولا يجب عليه فعل الصلاح والأصلح
- ولا يستحيل عليه عقاب المطيع
- ولا يجوز أن يقع في ملكه ما لا يريد،
فمن لم يعرف حقائقها لم يعرف ما أثبته هنا وما نفاه لأن الحكم على الشيء أو به فرع عن تصوره،
فأقسام الحكم العقلي استمداد هذا العلم من حيث تصورها لا من حيث إثباتها أو نفيها لأن ذلك فائدة هذا العلم، ومعرفة استمداد العلم قبل الشروع فيه مما يتوقف عليه الشروع على كمال البصيرة كتصوره برسمه والتصديق بموضوعيةِ موضوعِهِ أي: بأنّ موضوعه كذا، وأما أصل الشروع فإنه يتوقف على تصورِه بوجه ما والتصديقِ بأن له فائدة ما
فهذه الجمل المذكورة المشتملة على بيان أقسام الحكم العقلي من قبيل مقدمة الكتاب إذ هي عبارة عن ألفاظ قُدِّمت أمام المقصود لارتباط له بها وانتفاع بها فيه بخلاف مقدمة العلم فإنها عبارة عن التعريف والموضوع والغاية فهي معان مخصوصة وهي هذه الأمور الثلاثة ومقدمة الكتاب كما مر ألفاظ فيكون بينهما التباين الكلي، هذا إذا نظر إليهما من حيث ذاتهما فإن نظر لمدلول مقدمة الكتاب مع مقدمة العلم أو لدال مقدمة العلم مع مقدمة الكتاب كان بينهما العموم والخصوص المطلق لأن مقدمة الكتاب كما علمت ألفاظ قدمت أمام المقصود سواء كانت دالة على بيان التعريف والموضوع والغاية أو لا، فيجتمعان فيما إذا دلت على هذه الثلاثة مع تقدمها أمام المقصود، وتنفرد مقدمة الكتاب فيما لو دلت على غيرها كأن يقول حيث أقول كذا أو أشيرُ إلى كذا فمرادي كذا، هذا هو المشهور، وقال بعضهم: بينهما العموم والخصوص الوجهي يجتمعان فيما يتوقف عليه الشروع إذا ذكر أمام المقصود وتنفرد مقدمة العلم فيما يتوقف عليه الشروع إذا ذكر في الآخِر وتنفرد مقدمة الكتاب فيما لا يتوقف عليه الشروع إذا ذكر أمام المقصود اهـ.
وفي توقف الشروع على ما يذكر آخِرًا نظر إلا أن يقال على بُعْدٍ أن شأنه أن يتوقف عليه الشروع وإن لم يتوقف عليه حينئذ.
قوله: (بتقسيم الحكم العقلي) اعترض بأن تعليله المذكور يقتضي أن توقف المقصود إنما هو على معرفة الأقسام الثلاثة لا على تقسيمها، فلو قال: وإنما بدأ بتعريف أقسام الحكم العقلي إلخ لكان أولى.
فإن قلت: التقسيم فرع عن التصور.
قلت: نعم، لكن بالنسبة للمُقَسِّم فإنه لا يُقَسِّم شيئا إلا إذا تصوره أما بالنسبة للناظر فلا إذ هو إنما يعرف الأقسام بالتعريف، فالأولى الجواب بأن في عبارته حذفا، والتقدير وإنما بدأ بتقسيم الحكم العقلي موطئا لتعريف الأقسام إلخ.
قوله: (أوّلا) متعلق بـبدأ أو بتقسيم أي: وإنما بدأ في الأول أو بدأ بالتقسيم في الأول، ولا حاجة لها للاستغناء عنها ب(بدأ) فكان الأولى إسقاطُها.
قوله: (لأن المكلف مطلوب) ضمنه معنى ملزوم فعداه بالباء أو مطلوب بمعنى مطالب كما في بعض النسخ أي: مطالب بذلك فإذا تركه كان عاصيا إن قلنا: المقلد مؤمن أو كافرا إن قلنا إنه كافر.
قوله: (بمعرفة) أي: بالتصديق بما يجب في حق الله تعالى من القدرة والإرادة ونحوهما أو ثبوت ذلك لله تعالى.
وقوله: (وما يجوز) أي: وبالتصديق بالذي يجوز كبعثة الرسل أو ثبوتها.
وقوله: (وما يستحيل) أي: بالتصديق بما يستحيل كالشريك أو ثبوته
وظاهره أن الإنسان يصدق بالشريك والولد مثلا وليس كذلك فيقدر مضاف أي: ونفي ما يستحيل. أو المراد المستحيل من حيث نفيه.
وقوله: (ولا يحكم على شيء) أي: كالقدرة أو ثبوتها بأنه واجب أو البعثة بأنها جائزة أو الشريك بأنه مستحيل حتى يعرف حقيقة الواجب والجائز والمستحيل أي: يتصورها لأن الحكم على الشيء أو به فرع عن تصوره كما مر.
وما نحن فيه من الثاني فالمعرفة الأولى مراد بها التصديق، والثانية مراد بها التصور لأنها تطلق عليهما
وقد علم من هذا التقرير أن في عبارته تنافيا لأن قوله: «لأن المكلف مطلوب» إلخ معناه أنه يصدق بالقدرة مثلا لله تعالى ونفي الشريك والبعثة للرسل أي: ثبوت ذلك فالمحمول (قادر، ولا شريك له، وباعث للرسل) لأنه أضاف المعرفة لما يجب وما يستحيل وما يجوز والذي يجب هو القدرة إلخ.
وقوله: (ولا يحكم على شيء ... إلخ) أي: بحيث يقول:
- قدرة الله تعالى واجبة
- وبعثة الرسل جائزة
- والشريك مستحيل
فالمحمول واجب وجائز ومستحيل
فعبارته ليست على سَنَنٍ واحد لأن أولها يقتضي أن متعلق المعرفة القدرة نفسها مثلا فيكون المحمول قادرا وآخرها يقتضي أن متعلقها وجوبها فيكون المحمول واجبا وهكذا والمناسب لكلام المصنف آخرها.
قوله: (واعلم أن معرفة أقسام الحكم العقلي) أي: الواجب والجائز والمستحيل، ومعلوم أن هذه أقسام لمتعلق الحكم لا للحكم إذ أقسامه الوجوب والجواز والاستحالة ففي عبارته تسامح.
واعلم أن الواجب له مفهوم وماصدقات أي: أفراد بعضها ضروري وبعضها نظري، وكذا المستحيل والجائز
فمفهوم الواجب ما لا يتصور في العقل عدمه وماصدقُه الضروري كالتحيز للجرم والنظري كثبوت القدرة لله تعالى.
ومفهوم المستحيل ما لا يتصور في العقل وجوده وماصدقُه الضروري كاجتماع النقيضين فإن استحالته ضرورية والنظري كالشريك لله تعالى.
ومفهوم الجائز ما يصح في العقل وجوده وعدمه وماصدقُه الضروري كالأكل والشرب وثبوت الحرارة للنار والنظري كإثابة العاصي.
فالمراد بمعرفة أقسام الحكم العقلي: تصور معنى الواجب والمستحيل والجائز من حيث مفهومها أي: تصور مفاهيمها المتقدمة
والمعرفة هي نفس العقل عند إمام الحرمين ولازمة له عند غيره، فمن لم يعرفها عند الأول فليس بعاقل بل مجنون لا تجري عليه الأحكام،
ولا يقال: يلزم عليه، أن جميع الناس مجانين لعدم معرفتهم ما ذكر
لأنا نمنع ذلك إذ كل أحد يعلم أن هناك شيئا لا يقبل العدم وشيئا لا يقبل الوجود وشيئا يقبلهما وإن لم يعرف التعبير عن ذلك بالواجب والمستحيل والجائز،
فالمراد بمعرفة الأقسام تصور مفاهيمها الثلاثة وإن لم يعرف أسماءها المذكورة هكذا قال بعضهم واختاره شيخ شيخنا الصغير.
ووجهه ما مر من أن معرفة هذه الأقسام استمداد هذا العلم لأن المتكلم تارة يثبتها وتارة ينفيها وإثبات الشيء أو نفيه فرع عن تصوره، وأيضا فالمكلَّف مطلوب بمعرفة ما يجب وما يستحيل وما يجوز في حق الله تعالى ورسله، ومعرفة ذلك تتوقف على تصور معاني هذه الأقسام.
وقال بعضهم: المراد بالمعرفة التصديق ببعض ماصدقاتها وذلك البعض هو الضروري منها أي: بعض الضروريات كالتصديق بأن الواحد نصف الاثنين وبأن النار حارة وبأن النقيضين لا يجتمعان فإن الأول واجب والثاني جائز والثالث أعني اجتماع النقيضين مستحيل، وكلها ضرورية فالتصديق بذلك عقل عند إمام الحرمين ولازم له عند غيره، فمن لم يعرف ذلك، فهو مجنون عند الأول وهو ظاهر إذ لا شك في جنون من لم يعرف أن النار حارة مثلا
ويستفاد من كلام اللقاني في شرح الجوهرة ترجيح هذا أعني كون المراد بالمعرفة التصديق حيث قال (قال القاضي من أهل السنة أي وتبعه إمام الحرمين: العقل بعض العلوم الضرورية، لأنه لا يخلو إما أن يكون جوهرا أو عرضا، لا جائز أن يكون جوهرا إذ الجواهر متماثلة فلو كان بعض الجواهر عقلا لكان كل جوهر عقلا لأن ما ثبت لأحد المثلين يثبت للآخر، وأيضا لو كان جوهرا لما ثبت به للعاقل حكم لأن الأحكام إنما تثبت للجواهر لا بها فتعين أن يكون عرضا،
لكن لا يجوز أن يكون عبارة عن مجموع الأعراض فإذًا هو بعض الأعراض، وحينئذ فإما أن يكون من العلوم أو من غيرها، لا جائز أن يكون من غير العلوم وإلا لصح أن يتصف بالعقل من لم يعلم فكيف وما من شيء من أجناس الأعراض إلا ويمكن تقدير العقل مع عدمه ما عدا العلوم وما يصححها كالحياة وإذا كان من العلوم، فلا جائز أن يكون كلَّ العلوم لاتصاف الإنسان بالعقل مع تعريته عن معظمها،
وإذا كان بعضَ العلوم فإما أن يكون ضروريا أو نظريا، لا جائز أن يكون نظريا إذ العقل شرط في العلم النظري فلو كان العقل نظريا للزم الدور، وأيضا قد يتصف بالعقل من لم ينظر ولم يستدل أصلا، وأيضا فالنظري قد أخطأ فيه كثير من العقلاء، فتعين أن يكون ضروريا،
وحينئذ فلا يمكن أن يكون مجموعَ العلوم الضرورية فإن العلم بالمحسوسات من جملتها وقد يتصف بالعقل من لم يدرك شيئا منها كالأعمى، وأيضا فأكثر العقلاء لا يعلم كل الضروريات لتوقفها على شيء كحدس أو تجربة بل لا تخطر بباله أصلا، فتعين أنه بعض العلوم الضرورية، وهي الضروريات المتداولة بين العامة كالعلم
- بأن النفي والإثبات لا يجتمعان
- وأن الصنعة لابد لها من صانع
- وأن النقيضين لا يرتفعان والضدين لا يجتمعان
- وأن الجسم قد يكون متحركا وقد يكون ساكنا
- وأن الموجود لا يخرج عن كونه قديما أو حادثا
ونحو ذلك من كل علم ضروري يمتنع خلو الموصوف بالعقل عنه ولا يشاركه فيه من ليس بعاقل انتهى بإيضاح وزيادة.
قوله: (وتكريرها) مبتدأ و(تأنيسٌ) خبر أي: ذو تأنيس أو مؤنس، أو مبتدأ خبره محذوف أي: فيه والجملة خبر عن تكريرها.
وقوله: (للقلب) متعلق بتأنيس والمراد بالقلب العقل، وكذا الفكر الآتي لكن تسمية العقل فكرا من باب تسمية السبب باسم المسبب.
وقوله: (بأمثلتها) متعلق بتكريرُها على أنه حال منه أي: تكريرها ملتبسا بأمثلتها أي: جزئياتها المنطبقة تلك الأقسام عليها وهي ستة حاصلة من ضرب الثلاثة في الضروري والنظري.
والمراد بتكريرها إحضارها في الذهن وإخطارها بالبال مرة بعد أخرى بأن تستحضر في ذهنك أن الواجب ما لا يتصور في العقل عدمه وتطبقه على مثاله النظري كالقدم والقدرة لله تعالى والضروري كالتحيز للجرم وهكذا لا مجرد تلاوة ألفاظها الدالة عليها باللسان من غير استحضار لمعانيها.
ويحتمل أن قوله «بأمثلتها» متعلق بمعرفة وما بينهما اعتراض بين المتعلق به أي: أن معرفة تلك الأقسام الثلاثة ملتبسة بأمثلتها بأن يلاحظها منطبقة على تلك الأمثلة مما هو ضروري إلخ
و(حتى) يصح أن تكون للتعليل، والفعلُ بعدها منصوب بأن مضمرة وهو علة للتكرير أو للتأنيس،
والمعنى على الأول أن تكريرها ملتبسا بأمثلتها مع ملاحظة انطباق مفهوم تلك الأقسام على تلك الأمثلة لأجل عدم حاجة الفكر في استحضار معانيها إلى كلفة
وعلى الثاني إنما قلنا: إن فيه تأنيسا للقلب لأجل أن لا يحتاج، فهو علة للحكم بأن فيه تأنيسا
وإن شئت جعلته علة لحصول التأنيس أي: إنما حصل التأنيس لأجل إلخ أي: أن فائدة حصوله ما ذكر
ويصح أن تكون للغاية أي: وتكريرها من أول الأمر إلى أن يصير لا يحتاج الفكر في استحضار معانيها إلى كلفة فيه من تأنيس إلخ أو يأنس القلب بذلك إلى أن يصير لا يحتاج إلخ.
وقوله: (مما هو ضروري) خبر «أن»، وجملة «تكريرها» إلخ حالية أو معترَضة بين اسم «أن» وخبرها
وأصل التركيب: اعلم أن معرفة هذه الأقسام كائنة من بعض ما هو ضروري على كل عاقل إلخ وتكريرها بأمثلتها حتى لا يحتاج الفكر إلخ تأنيس للقلب
وأفاد بهذا الاعتراض أن تكريرها أي: ملاحظتها مرة أخرى فيه تأنيس للقلب، ولو حذفه لم يستفد منه ذلك
ويحتمل أن يقرر الكلام على وجه آخر بأن يكون قوله: «بأمثلتها» متعلقا بمعرفة كما مر
وقوله: (وتكريرها) معطوف على (معرفة) والضمير للأمثلة لأنها وإن تأخرت لفظا فهي متقدمة رتبة لتعلقها ب(معرفة) كما علمت، أي معرفة تلك الأقسام مع ملاحظة أمثلتها أي: جزئياتها ومع تكريرها.
وقوله: (تأنيس) خبر «أن»، أو مبتدأ محذوف خبره أي: فيه تأنيس للقلب بأمثلتها، والجملة خبر «أن» وحذف متعلقه يعني (بأمثلتها) لدلالة متعلق ال(معرفةَ) عليه، وإن شئت قلت: حذف متعلق ال(معرفةَ) بدلالة متعلق (تأنيسٌ) عليه إن جعل (بأمثلتها) متعلقا ب(تأنيسٌ)
و(حتى) على حالها من كونها تعليلية أو غائية.
وقوله: (مما هو ضروري) متعلق بمعرفة أو خبر ثان إلا أن الوجه الأول أولى.
قوله: (مما هو ضروري على كل عاقل ... إلخ) اعلم أنه إن عدي هذا اللفظ بـ«على» فمعناه الوجوب أو بـ«اللام» فمعناه عدم الانفكاك واللزوم،
ومقتضى ما ذكرناه سابقا وما سيأتي في الإضراب من أن معرفة هذه الأقسام أي: تصورها أو التصديق ببعض جزئيات الضروري منها نفس العقل أو لازمة له أن المراد المعنى الثاني وهو أن هذه المعرفة ضرورية أي: لازمة لكل عاقل، فتعبيره بـ«على» ليس في محله لإيهامه أن المراد المعنى الأول مع أنه غير مناسب لما ذكر.
لا يقال: إن «على» في كلامه بمعنى اللام
لأنا نقول: إن ذلك لا يخلص من الإشكال لأن قوله: «يريد الفوز ... إلخ» وقوله: «وتكريرها تأنيس للقلب ... إلخ» يقتضي أن هذا أمر ممكن وأن هذه المعرفة ليست من الضروريات اللازمة لكل عاقل بل تنفك عنه فينبغي لمن يريد الفوز أن يحصلها ويكرر تلك الأقسام ليأنس بذلك قلبه إلخ، وحينئذ فكان الأولى أن يعبر باللام ويحذف قوله: «يريد الفوز» وقوله: «وتكريرها تأنيس» إلخ حتى يخلص من الإشكال.
والحاصل أنه إن أريد المعنى الثاني وجعلت «على» بمعنى اللام صح الإضراب المذكور وبطل قوله: «يريد الفوز» إلخ وقوله: «تكريرها تأنيس للقلب» إلخ لأنه يفيد الانفكاك. وإن أريد المعنى الأول صح قوله المذكور وبطل الإضراب.
ويمكن أن يجاب بأن المركوز في ذهن كل عاقل تصور هذه المفاهيم في حد ذاتها لا من حيث كونها مفاهيم لهذه الألفاظ أي: مسميات لها فكل عاقل يدرك أن هناك:
شيئا لا يمكن عدمه
وشيئا لا يمكن وجوده
وشيئا يمكن وجوده وعدمه
وإن لم يعرف أنها مفاهيم الواجب والمستحيل والجائز، والذي حث عليه المصنف بقوله: «مما هو ضروري على كل عاقل يريد الفوز» وقوله: «وتكريرها تأنيس» إلخ تصور المفاهيم من حيث كونها مفاهيم لهذه الألفاظ بأن يعرف أن الشيء الذي لا يمكن عدمه يسمى واجبا وهكذا، ولا شك أن ذلك ليس ثابتا لكل عاقل، وقوله بعدُ (بل قال إمام الحرمين: إنها نفس العقل) المراد المعرفة لا من هذه الحيثية أي: حيثية كونها مفاهيم لهذه الألفاظ بل من حيث كونها مطلق مفاهيم، وقد علمت أن تصور مطلق المفاهيم لازم لكل عاقل فهو نفس العقل عند إمام الحرمين ولازم له عند غيره، وهذا الجواب ظاهر إذا أريد بالمعرفة التصور لا التصديق.
قوله: (بل قال إمام الحرمين) إضراب عما قبله فإن قوله: «مما هو ضروري على كل عاقل» يفهم منه أن تلك المعرفة ليست نفس العقل فأعرض عن ذلك ونقل عن إمام الحرمين وجماعة أنها هو.
وإمام الحرمين اسمه عبد الملك بن عبد الله الجويني ولقب بذلك لأنه انحصر إفتاء الحرم المكي والمدني فيه مات سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
قوله: (بمعانيها) كان الأولى حذفه لأن المراد بمعرفة الأقسام الثلاثة معرفة معانيها لا ألفاظها لما مر أن المراد بها إما التصديق ببعض الضروريات أو تصور المفاهيم لا من حيث كونها مفاهيم لهذه الألفاظ، وتلك الضروريات والمفاهيم معان لا ألفاظ.
قوله: (فليس بعاقل) أي: بل هو مجنون لما مر من أن العقل عنده هو تصور المفاهيم السابقة أو التصديق ببعض الضروريات فمن لم يكن عنده ذلك فليس بعاقل، ولكن هذا القول مردود، لأن السُّمَنِيَّةَ ينكرون ما عدا المحسوسات ضرورية كانت أو نظرية والسوفسطائية ينكرون جميع العلوم ضروريها ونظريها محسوسها وغير محسوسها وهم من العقلاء بدليل تعرض الأئمة لبدعتهم والتحيل في مناظرتهم
فالحق أن العقل نور روحاني تدرك به النفسُ العلومَ الضرورية والنظرية، ومقره القلب وله شعاع متصل بالدماغ.