(قوله ويجب) الواو للاستئناف لا للعطف لأن جملة «اعلم الخ» إنشائية وهذه خبرية ولا تُعطف إحداهما على الأخرى لما بينهما من كمال الانقطاع، والعاطف يقتضي الاتصال ولا يكون ذلك إلا في المتناسبتين خبرا أو إنشاء.
وعبر بالمضارع دون الماضي وإن كان الحكم قد مضى لأن المضارع يدل على الاستمرار التجددي أي المتجدد في المستقبل وقتا بعد وقت على سبيل الدوام والاستمرار أي عدم الانقطاع، وذلك مناسب للمقام لأن الوجوب المذكور مستمر في المستقبل لا ينقطع أصلا بل يتجدد بتجدد المكلفين، فإذا بلغ زيد عاقلا تعلق به أو عمرو تعلق به وهكذا فتجدده بتجدد المكلفين اقتضى استمراره وعدمَ انقطاعه، ودلالة المضارع على ذلك بالقرينة ككونه مناسبا للمقام لا بالوضع لأنه موضوع لمجرد الحدوث في المستقبل ولو مرة واحدة.
(قوله على كل مكلف) أي: على كل فرد فرد من أفراد المكلفين،
وإنما عبر بلفظ (كل) دلالة على الاستغراق للإشارة إلى أن المطلوب المعرفة ولو بالدليل الجملي لا التفصيلي لأنه يستحيل عادة أن يقدر عليه كل أحد.
(قوله شرعا) منصوب إما على نزع الخافض وإن كان غير مقيس أي بسبب الشرع، والمراد بالشرع على هذا بعثة الرسل لا الأحكام الشرعية المعبر عنها بقولهم وضع إلهي الخ لأنه يصير المعنى حينئذ ويجب بالأحكام ومعلوم أن من جملة الأحكام الوجوب المذكور فيلزم وجوب الشيء بنفسه وهو باطل
وإما على المفعولية المطلقة فيكون صفة لموصوف محذوف أي وجوبا شرعا أي شرعيا أي مأخوذا من الشرع، والمراد بالشرع على هذه الأوجه الثلاثة الشارع وهو الله تعالى حقيقة أو النبي عليه الصلاة والسلام مجازا،
وإنما قيد بهذا القيد للرد على المعتزلة في تحكيمهم العقل، وإلا فكل الأحكام لا تؤخذ إلا من الشرع لا خصوص الواجب المذكور فهو قيد غير ضروري، وليس مُضِرًّا لما علمت من فائدته.
(قوله أن يعرف الخ) اعلم أن الإيمان يطلق:
على المعرفة أي الجزم المطابق...إلخ
وعلى حديث النفس التابع للمعرفة، وحديثُها هو الإذعان أي قولها بعد المعرفة آمَنْتُ وصدَّقت فهو من قبيل الكلام النفسي لا من قبيل العلوم والمعارف، وهذا هو الصحيح لأن الكفار الذين كانوا في عهده عليه الصلاة والسلام عندهم معرفة أي جزم حقيقةً بما جاء به ﷺ مع أنهم ليسوا مؤمنين فمجرد المعرفة غير كاف في الإيمان، فكيف يقتصر المصنف عليها، إلا أن يقال إنه استعمل المعرفة في حقيقتها وهو الجزم المذكور ومجازِها وهو الإذعان
ثم إن المعرَّف بما ذكر هو أصل الإيمان إن قلنا: إن المقلد كافر، والإيمانُ الكاملُ إن قلنا إنّه مؤمن وعليه، فيعرَّفُ أصل الإيمان بأنه حديثُ النفسِ التابعُ للاعتقاد الجازمِ وإن لم يكن عن معرفة لأن المعرفة لا تكون إلا ناشئة عن دليل بخلاف الاعتقاد الجازم.
وقوله (ما يجب) أي: عقلا أو شرعا أي ما ثبت وجوبه بالشرع أي بالدليل السمعي فقط كالسمع والبصر والكلام ولوازمها أو بالعقل أي بالدليل العقلي سواء وجب بالدليل السمعي أيضًا أم لا كغير المذكورات من بقية الصفات
و(ما) من صيغ العموم أي جميع ما يجب لله تعالى لكن
- ما نصت الأدلة العقلية أو النقلية على عينه كالعشرين صفة يجب علينا أن نعرفه بعينه
- وما لم تنص الأدلة على عينه بل إنما نصت على أنه اتصف بكمالات لا نهاية لها وإن لم نعرف أعيانها
وبين (يجب، ويجب) في كلامه الجناس التام لاتفاقهما لفظا مع اختلافهما معنًى لأن الأول معناه يفرض والثاني معناه ما لا يتصور عدمه عقلا أو شرعا.
(قوله في حق مولانا) متعلق بـ«يجب» أو حال من «ما».
والحق يطلق على أمور:
منها القول والفعل
ومنها الحقيقة وهو عليه تعالى جائز، قال في جمع الجوامع وشرحه: (حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق، قال المحققون ليست معلومة الآن أي في الدنيا للناس، وقال كثير إنها معلومة الآن لأنهم مكلفون بالعلم بوحدانيته وهو متوقف على العلم بحقيقته.
وأجيب: بمنع التوقف على العلم به بالحقيقة، وإنما يتوقف على العلم به بوجه، وهو تعالى يعلم بصفاته كما أجاب به موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام فرعون السائل عنه تعالى كما قص علينا ذلك بقوله تعالى ﴿قال فرعون وما رب العالمين الخ﴾
واختلفوا أي: المحققون هل يمكن علمها في الآخرة؟
فقال بعضهم نعم لحصول الرؤية فيها كما سيأتي
وبعضهم لا لأن الرؤية لا تفيد الحقيقة) انتهى بحروفه.
(قوله وما يستحيل) أي: شرعا أي بالدليل السمعي في أضداد السمع والبصر والكلام ولوازمها أو عقلا أي بالدليل العقلي وحده أو مع السمع في بقية الأضداد.
وقوله (وما يجوز) أي: عقلا أي بالدليل العقلي وحده لأن ما يجوز دليله عقلي فقط كما سيأتي
وحذف المصنف متعلق ما يستحيل وما يجوز أعني (في حقه تعالى) للعلم به مما قبله، وليس ذلك من التنازع في العمل لأنه لا يجوز في المعمول المتوسط عند الأكثرين.
(قوله وكذا يجب عليه أن يعرف الخ) أتى باسم الإشارة مرتين؛ فالأول إشارة إلى أن هذا الوجوب أيضا بالشرع خلافا للمعتزلة، والثاني إشارة إلى أن المطلوب معرفته هنا هو الواجب والمستحيل والجائز كما في الأول أي كما أنه تعالى يجب في حقه واجبات ويستحيل في حقه مستحيلات ويجوز في حقه جائزات كذلك الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وقد علمت أن الأقسام الثلاثة السابقة بعضها عقلي وبعضها سمعي وكذا الأقسام اللاحقة منها ما هو عقلي وهو الصدق فيما يخبِرُ به عن الله تعالى بناء على أن دلالة المعجزة على صدق الرسول عقلية وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
ومنها ما هو سمعي وهو غيره، ومنها الصدق فيما يخبِرُ به عن غيره تعالى كقيام زيد
وأقحم لفظ (مثل) إشارة إلى أن الواجب في حق الرسل غيره في حقه تعالى وكذا المستحيل والجائز ولو أسقطها لتوهم أنه عينه.
(قوله في حق الرسل) لعله سكت عن الأنبياء نظرا إلى أن جميع الأحكام الآتية التي من جملتها التبليغ خاص بالرسل أو بناء على القول بالترادف بين الرسول والنبي.
(قوله يجب ويلزم ويفرض بمعنى واحد) أي: فإذا رأيت ببعض بعضا عبر بيفرض أو بيلزم فلا تعتقد التنافي وتعترض على المصنف بمخالفته له.
والباء للملابسة
والمعنى الواحد هو ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه.
(قوله والمكلف البالغ العاقل) أي: الذي فيه أهلية النظر وقد بلغته الدعوة، ولعله إنما سكت عن الأول من هذين لأنه يرى أن كل من بلغ عاقلا فيه أهلية النظر، لأن الواجب هو الدليل الجملي كما سيذكره، وعن الثاني إما لأن دعوته عليه الصلاة والسلام عمت جميع الأقطار ولم يخل أحد عن العلم بها فتكون زيادة ذلك كتحصيل الحاصل، وإما لأنه جرى على قول من يقول إنّ الدعوة لا تشترط بعد أول رسول وهو الماتريدية فيكفي في التكليف بالعقائد عندهم بعثة أول رسول وهو آدم عليه الصلاة والسلام لأن العقائد يجمع مجمع عليها بين الرسل فلا فترة فيها، وإنما تقع الفترة في عدم الأحكام الفرعية.
قال البقاعي في تفسير قوله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ فمن بلغته دعوة رسول سواء أرسل إليه أم لا وخالف أمره واستكبر عن اتِّباعه عذبناه بما يستحقه وهذا أمر قد تحقق بإرسال آدم عليه الصلاة والسلام ومن بعده من الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام في جميع الأمم كما قال تعالى ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا﴾ و﴿إن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ فإن دعوتهم إلى الله تعالى قد انتشرت وعمت الأقطار واشتهرت.
وانظر إلى قول قريش الذين لم يأتهم نبي بعد إسماعيل عليه السلام {بهذا في الملة الآخرة} فإنه يفهم أنهم سمعوها في الملة الأولى فمن بلغته دعوة أحد منهم بوجه من الوجوه فقصر في البحث عنها فهو كافر مستحق للعذاب فلا تغتر بقول كثير من الناس بنجاة أهل الفترة مع أخبار النبي ﷺ أن آباءهم الذي مضوا في الجاهلية في النار، وقال ابن عطية في قوله تعالى ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ معناه أن دعوة الله قد عمت جميع الخلق وإن كان فيه من لم تباشره النذارة فهو ممن بلغته الدعوة لأن آدم بعث إلى بنيه ثم لم تنقطع النذارة إلى وقت محمد ﷺ، والآية التي تضمنت أن قريشا لم يأتهم نذير معناها نذير مباشر
وما ذكره المتكلمون من عذر أصحاب الفترة ونحوهم فعلى سبيل الفرض أي بفرض أن صاحب الفترة آدمي لم يصل إليه أن الله بعث رسولا ولا دعا إلى دين وهو قليل الوجود إلا أن ينشأ في أطراف المواضع والمواضع المنقطعة عن المعران وليس مرادهم أنه توجد أمة لم تعلم أن في الأرض دعوة إلى عبادة الله انتهى ببعض تغيير.
ونقل عن الحليمي ما يقرب من كلام ابن عطية ونقل عن الشافعي أنه قال «ولم يبق أحد لم يبلغه الدعوة» هكذا نقله شيخنا العدوي عن شيخه الصغير والذي رجحه بعض مشايخنا الشافعية أن أهل الفترة ناجون وإن غيروا أو بدلوا أو عبدوا الأوثان لعذرهم ويعطيهم الله تعالى منازل من جنات الاختصاص لا من جنات الأعمال لعدم عملهم كالمجاذيب الذين لا أعمال لهم وهم من لم تبلغهم دعوة النبي السابق ولم يرسل إليهم النبي اللاحق كمن بَيْنَ موسى وعيسى من بني إسرائيل ومن بين إسماعيل ومحمد ﷺ من العرب إذ لم يرسل إليهم نبي بعد إسماعيل إلا نبينا عليه الصلاة والسلام.
فالعرب أهل فترة حتى في زمن أنبياء بني إسرائيل لأنهم لم يؤمروا بدعائهم إلى الله تعالى ولم يرسل بعد إسماعيل رسول، وإسماعيل انتهت رسالته بموته كبقية الرسل لأن ثبوت الرسالة بعد الموت من خصائص نبينا ﷺ
وإخباره عليه الصلاة والسلام عن بعضهم كامرئ القيس وحاتم الطائي ونحوهم بأنهم في النار إنما هو لمعنى يعلمه الله تعالى فيهم لا لعبادتهم الأوثان فلا يدل على الحكم على جميعهم بأنهم غير ناجين إذ لم يقع منه عليه الصلاة والسلام إخبار بأن جميع من كان من أهل الفترة في النار.
ثم اعلم أن التعريف المذكور خاص بالنوع الإنساني دون الجن والملائكة إذ لا يظهر فيهم البلوغ بالمعنى الشرعي، وأيضا فالجن مكلفون من أصل الخلقة ونبينا عليه الصلاة والسلام مرسل إليهم إجماعا، ومثلهم آدم وحواء.
وأما الملائكة فهم مجبولون على المعرفة والطاعة فليسوا مكلفين على التحقيق إذ لا يكلف إلا من كان من جنس من يتصور منه المخالفة، وإرسال نبينا عليه الصلاة والسلام لهم إرسال تشريف لا تكليف.
وقيل إنهم مكلفون من أصل الخلقة كالجن ونبينا مرسل إليهم إرسال تكليف.
(قوله وهو إلزام ما فيه كلفة) يصدق بالواجب والحرام ويخرج المندوب والمكروه إذ لا إلزام فيهما فليس مكلفا بهما على هذا التعريف بخلاف التعريف الآتي فإنه يشملها لأن فيهما طلبا
وأما المباح فهو خارج عن كل من التعريفين فليس مكلفا به إلا من حيث وجوب اعتقاد إباحته.
وقوله «من الأوامر والنواهي» جمع أمر ونهي بمعنى الطلب والمراد المأمورات والمنهيات.
(قوله على قول) متعلق بقوله وهو إلزام الخ أي: أن معنى التكليف ما ذكر على قول وهو الراجح كما في جمع الجوامع، وعليه فالصبي غير مكلف بخلافه على القول الثاني وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني فإنه مكلف لأنه مخاطب بالمندوبات، هذا عند الإمام مالك.
أما عند الشافعي فليس مكلفا بشيء على كل من القولين بل المكلف وليه فيخاطب بأداء ما وجب في ماله كالزكاة وضمان المتلف كما يخاطب صاحب البهيمة بضمان ما أتلفه حيث فرط في حفظها لتنزل فعلها حينئذ منزلة فعله
وصحة عبادته كصلاته وصيامه المثاب عليها ليس لأنه مكلف بها وإنما المكلف بها وليها بأن يأمره بها بل ترغيبا في فعل العبادة ليعتادها فلا يتركها بعد بلوغه إن شاء الله تعالى، ومثله المجنون في نحو الضمان.
(قوله احتراز الخ) أي: بناء على أن شرعا متعلق (فيجب) لا بقوله (مكلف)، وهما احتمالان في مثل هذه العبارة، والأول منهما أولى لإفادته نفي مذهب المعتزلة كما في الشارح لأن النزاع بينهم وبين أهل السنة إنما هو في الوجوب لا في التكليف.
(قوله إن معرفة الله وجبت بالعقل) ظاهره أن العقل هو الموجِب عندهم وليس كذلك بل المراد أن العقل هو المدرِك للوجوب والموجِب هو الله عز وجلّ، والحاصل أن الموجب هو الله تعالى باتفاق منا ومنهم إلا أنا نقول إدراك ذلك لا يتلقى إلا من الشرع لأن عقولنا لا تدرك الأحكام استقلالا فلا حكم قبل الشرع ولا تكليف بشيء قبل مجيئه وهم يقولون يتلقى من العقلِ، والشرعُ مؤكِّدٌ،
فحكَّموا العقل في الأفعال قبل البعثة، فما حكم به في شيء منها ضروري كالتنفس في الهواء أو اختياري بأن أدرك فيه مصلحة أو مفسدة أو انتفاءهما فأمر حكمه ظاهر وهو أن الضروري مقطوع بإباحته والاختياري ينقسم إلى الأقسام الخمسة الحرام وغيره لأنه إن اشتمل فعله على مفسدة فحرام كالظلم أو تركه على مفسدة فواجب كالعدل أو فعله على مصلحة فمندوب كالإحسان أو تركه على مصلحة فمكروه، وإن لم يشتمل على مصلحة ولا مفسدة فمباح، فإن لم يحكم العقل في بعض منها بأن لم يدرك فيه شيئا مما تقدم كأكل الفاكهة فالصحيح الوقف عن الحظر والإباحة وإن كان في الواقع لا يخلو عن واحد منهما لأنه إما ممنوع منها فمحظور أو لا فمباح، وهذا معنى قولهم «إن العقل يحسن ويقبح» أي يدرك حسن الحسن وقبح القبيح لأن في الفعل مصلحة أو مفسدة يتبعها حسنه أو قبحه عند الله تعالى فيدرك العقل فيه ذلك إما بالضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار أو بالنظر كحسن الكذب النافع وقبح الصدق الضار ويجيء الشرع مؤكدا لذلك أو باستعانة الشرع فيما خفي على العقل كحسن صوم آخر يوم من رمضان وقبح صوم أول يوم من شوال فإنهما متماثلان في أن كلا منهما زمن فلا يدرك العقل فيهما مفسدة ولا مصلحة بل يتوقف على أمر الشارع بأحدهما ونهيه عن الآخر.
فطرق إدراك العقل للحكم أي الحسن والقبح عندهم ثلاثة:
- الضرورة
- والنظر
- واستعانة الشرع
ونحن نوافقهم على الأخير لكن نقول العقل يدرك الحكم من حسن أو قبح بواسطة الشرع وإن لم يدرك أن فيه مصلحة أو مفسدة، وهم يقولون لا يدرك ذلك إلا إذا أدرك فيه مصلحة أو مفسدة
فالحسَن عندنا ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع وإن لم يعرف أن فيه مصلحة أو مفسدة عند الله تعالى ولا حكم قبله أصلا،
والحسن عندهم ما حسنه العقل والقبيح ما قبحه العقل بسبب إدراك مصلحته أو مفسدته عند الله تعالى ثم يجيء الشرع مؤكِّدا
وبما تقرر من أنه لا حكم قبل الشرع خلافا للمعتزلة يعلم رجحان ما تقدم من القول بنجاة أهل الفترة لأن أفعالهم لا توصف بحل ولا بحرمة فلا يعاقبون عليها ولا يثابون وإن عبدوا الأوثان وسواء في ذلك الأحكام الأصلية والفرعية كما هو ظاهر إطلاقهم وعبارة السُّحَيْمِيّ بعد أن نقل ما تقدم من تقرير كلام المعتزلة
(وقالت الأشاعرة: لا تجب المعرفة والفروع إلا بالشرع لقوله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ وحمل الرسول على العقل خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا بموجِب وهو منتفٍ هنا
ويترتب على الخلاف أن من مَيَّزَ وكان عاقلا ومضى عليه زمن يسع النظر في المخلوقات والاستدلال بها على أن لها خالقا ولم ينظر يوما يموت كافرا ويخلد في النار على قول المعتزلة والماتريدية سواء كان من أهل الفترة أو من هذه الأمة، وبنى عليه ملا عَلِي قارئ كفر أبوي النبي ﷺ بناء على ما مر من أن المراد بالرسول العقل أو على ظاهره وقد تحقق بإرسال آدم ومن بعده من الأنبياء في جميع الأمم، وقالت الأشاعرة من مات قبل البلوغ أو لم تبلغه الدعوة أو كان من أهل الفترة يموت ناجيا ويدخل الجنة وإن عبد الأصنام وغير وبدل، والرسول في الآية محمول على حقيقته ولا يكتفى بأول رسول وإنما يكتفى بكل رسول بالنسبة إلى أمته في حياته، وأهل الفترة من بين بعد موت الرسول وبعثة من يليه.
وأما الأحاديث الصحيحة التي وردت بتعذيب بعض أهل الفترة فأخبار آحاد لا تعارِض القاطع أو قاصرة على من وردت فيهم لأمر يعلمه الله تعالى ورسوله أو مؤولة أو خرجت مخرج الزجر للحمل على الإسلام انتهى باختصار.
ومنه يعلم أن ما ذكره شيخنا تبعا لظاهر الآيات السابقة مبني على مذهب الماتريدية هذا وفي بعض العبارات ما يقتضي أن المعتزلة يقولون إن العقل موجِب نفسه وحينئذ فيكون كلام الشارح على ظاهره ولا يحتاج إلى تأويله بما مر.
(قوله وقوله أن يعرف) مبتدأ خبره محذوف، تقديره معناه ما سأبينه لك ثم بينه بقوله (حقيقة المعرفة إلخ) فهو على حذف فاء التفريع
والجزم هو الاعتقاد أو الإدراك الجازم سقط ليس معه تردد.
فإن قيل: كيف تجب المعرفة بالمعنى المذكور مع أنها ليست في وسع المكلف لتوقفها على النظر في الدليل؟
قلنا: وجوبها باعتبار وجوب النظر الموصل إليها فهو أول واجب وسيلةً وهي أول واجب مقصدًا، وبهذا يجمع بين القولين في أن أول واجب ما هو.
(قوله المطابق) أي الموافق للحق، والحق كما قال السعد هو الحكم المطابق للواقع أي لما في الواقع ونفس الأمر لعل سقط ونفس الأمر
قيل: علم الله تعالى،
وقيل: اللوح المحفوظ،
والمراد بالحكم النسبة الكلامية أي الحق هو النسبة المفهومة من الكلام المطابق للنسبة التي في علم الله تعالى أو في اللوح المحفوظ، فيصير المعنى حينئذ المعرفة هي الجزم الموافق للنسبة الكلامية الموافقة للنسبة التي في علم الله تعالى أو اللوح المحفوظ.
ولا يخفي ما في ذلك من الركاكة والمخلص ارتكاب التجريد في الحق بأن يراد به الواقع فقط أي النسبة التي في علم الله تعالى أو اللوح المحفوظ ويجرد عن اعتبار المطابقة فيصير المعنى حينئذ المعرفة هي الجزم المطابق للنسبة التي في علم الله تعالى إلخ.
(قوله عن دليل) صفة للجزم أي الناشئ عن دليل خرج بذلك الناشئ ضرورة فإنه يسمى علما لا معرفة فهو أعم منها كما هو مقتضى كلامه تبعا للمصنف في بعض كتبه، والتحقيق أنهما مترادفان وإن كانت المعرفة لا تطلق على الله تعالى لإشعارها بسبق الجهل فيكون كل منهما ضروريا كمعرفة أن الواحد نصف الاثنين وكما لو وقع بصرك على جسم من غير قصد فحصل لك معرفة أنه جدار أو حجر أو نظريا كمعرفة الله تعالى وصفاته ورسله وحينئذ فيكون تعريف المعرفة غير جامع وتعريف التقليد غير مانع لخروج ما كان عن ضرورة من الأول ودخوله في الثاني.
وأجاب بعضهم بأنه إنما قيد بالدليل نظرا لخصوص المعرفة لأن معرفة الله تعالى وصفاته ورسله لا تحصل إلا عن دليل وليس شيء منها ضروريا فلا ينافي أن المعرفة تارة تكون عن دليل وتارة تكون عن ضرورة كما مر، وفيه نظر، لأن الحد يجب أن يكون مطردا أي: شاملا لجميع الأفراد.
فالأولى ما أجاب به السكتاني من أن المراد بالدليل السبب أي المرشد الذي لا يحتمل النقيضَ بوجه فيتناول الضرورة والبرهان، وبقولنا الذي لا يحتمل النقيض بوجه اندفع ما يقال من أن قول الغير سبب في تحصيل الاعتقاد فيكون داخلا في الدليل بالمعنى المذكور ويكون تعريف المعرفة شاملا للتقليد وذلك فاسد، لكن يرد عليه أن إطلاق الدليل على ما ذكر مجاز، والحدود تُصَانُ عنه.
(قوله فإنها كلها لا تكفي) ظاهر كلامه أن كلا من الشاك والظان والمتوهم عاص فقط وليس كذلك بل هو كافر، فكان الأولى أن يقول فإن المتصف بها كافر.
لا يقال: إن الظن الذي لا يخطر معه احتمال النقيض يكفي هنا كما ذكره صاحب المواقف وتبعه السيد.
لأنا نقول: المراد هنا بالظن الذي لا يكفي وإن التقليد كافر على ما سيأتي.
(قوله بل هو جهل) أي: مركب لتركبه من جهلين
- جهل صاحبه بما في الواقع
- وجهله بأنه جاهل لزعمه أنه عالم
ومحل الاحتياج للتقييد بالمركب إن قلنا: إن الجهل مشترك بينه وبين البسيط فإن قلنا إنه حقيقة في المركب كما قال بعضهم فلا حاجة للتقييد المذكور.
(قوله كجزم النصارى بالتثليث الخ) اعلم أنهم اختلفوا في النقل عن النصارى فنقل علماء الكلام عنهم أنهم يقولون الإله جوهر واحد مركب من ثلاثة أقانيم أي صفات وهي الوجود والعلم والحياة ويعبرون عن الأول بالأب وعن الثاني بالابن والكلمة وعن الثالث بروح القدس ويقولون إن أقنوم العلم اتحد بجسد عيسى عليه الصلاة والسلام، ويعبرون عن ذلك بقولهم اتحد اللاهوت بالناسوت، فاللاهوت العلم والناسوت جسد عيسى عليه السلام، ويعنون بالجوهر القائمَ بنفسه وبالأقانيم الصفات لأن الأقنوم كلمة يونانية والمراد بها في تلك اللغة أصل الشيء ومرادهم الأصل الذي كانت منه حقيقة إلههم وهو تلك الصفات والتعبير عنها بالأب والابن وروح القدس مجرد اصطلاح،
ولا يخفى ما في كلامهم من المناقضة لأن قولهم جوهر ينافي تركبه من الصفات، وتفسيرهم الجوهر بما قام بنفسه ينافي أيضا تركبه منها لأن المركب من غير القائم بنفسه كالصفات غيرُ قائم بنفسه.
ويلزم على كلامهم أيضا كون الصفات عين الذات وذلك لا يعقل، وقولهم واحد ينافي كونه مركبا من ثلاثة، وقولهم باتحاد العلم بجسد عيسى عليه السلام إن عنوا به القيام كقيام العرض بالجوهر فهو باطل ضرورة لأن المعنى الواحد لا يقوم بذاتين وإن عنوا به الاختلاط والامتزاج كاختلاط الخمر بالماء فباطل أيضا لأن ذلك من صفات الأجسام فلا يعقل وجوده في العلم الذي هو معنى من المعاني مع جسد عيسى عليه السلام، ولذا قالوا إنهم أبلد الفرق
وعلى هذا فمعنى التثليث كون الإله ذا أجزاء ثلاثة مركب منها.
ونقل علماء التفسير عنهم أنهم يقولون الله تعالى إله وعيسى إله ومريم إله أخذا من ظاهر قوله تعالى ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ وقوله تعالى ﴿ولا تقولوا ثلاثة انتهوا﴾ أي عن قولكم الآلهة ثلاثة
ومعنى التثليث حينئذ جعل الآلهة ثلاثة،
ويمكن الجمع بأن النصارى فرق مختلفة فرقة تقول بالأول وفرقة بالثاني ثم وجدت ذلك مسطورا.
(قوله والمجوس) قيل: هو في الأصل النجوس بالنون لأن الميم والنون يتعاقبان، سموا بذلك لاعتقادهم إباحة استعمال النجاسة وأنها لا تضر في دينهم.
وقوله بإلهين اثنين أي: لأن فعل الخير يجب أن يكون له باعث يباين الباعث على فعل الشر وإذا تباينا لم يمكن اجتماعهما في ذات واحدة فوجب التعدد في ذات الإله فيلزم إثبات إلهين مستقلين أحدهما يفعل الخير ويسمى رزدان والنور وهو الله وثانيهما يفعل الشر ويسمى أهرمن والظلمة وهو الشيطان
ويلزمهم على مقتضى هذا النظر الفاسد إثبات إله ثالث يفعل من الممكنات ما ليس بخير ولا بالشر، فإن نفوا هذا القسم كان محض عناد ومكابرة.
وأيضا فيلزمهم في الشاهد أن فاعل الخير لا يمكن أن يفعل الشر وبالعكس والمشاهدة تكذب ذلك، فالنور إله الخير ولذلك يستديمون وقود النار والظلمة إله الشر هكذا قال بعضهم.
وقال ابن قاسم في شرح الورقات إن النور والظلمة عندهم قديمان وتولد العالم من امتزاجهما وعليه فالمراد بالنور والظلمة خلاف ما ذكر وخلاف المتعارف فيهما أيضا وإلا فالمتعارف أنهما عرضان لا يقومان إلا بالجسم فلا يمكن قيامهما بنفسهما ولا قدمهما إذ الظلمة عدم الضوء عما من شأنه أن يكون مضيئا والنور ما قام بالمضيئ لغيره كالقمر بخلاف ما قام بالمضيء لذاته كالشمس فهو ضوء، فإذا قوبل الضوء بالنور أريد بهما هذان المعنيان وإن اقتصر على أحدهما أريد به ما يشمل الآخر فهما كالفقير والمسكين انتهى بإيضاح ولعل تسميتهما حينئذ إلهين باعتبار اختلاف تأثيرهما.
(قوله لا عن دليل) هذا يشمل العلم الضروري لأنه مطابق لا عن دليل مع أنه لا يسمى تقليدا بل معرفة كما مر.
(قوله فإنه يسمى تقليدا) اعترض بأن ظاهره أن التقليد لا يكون إلا موافقا للحق مع أن تعريفه الآتي يشمل ما كان موافقا وما لم يكن موافقا.
ورد بأنا لا نسلم ذلك غايته أنه احترز بالدليل عن أحد فَرْدَيِ التقليد وأما الفرد الآخر فهو من الجهل وقد خرج، ولذا أظهر في قوله «والتقليد أن تتّبع الخ» إشارة إلى أن المراد به ما هو أعم مما قبله لأن اتّباع الغير في قوله مثلا اعتقاد حقيقة مضمونة سواء كان حقا في الواقع أم لا.
(قوله أن تتبع غيرك الخ) هذا تعريف للتقليد من حيث هو لا لخصوص التقليد في هذا الفن فيشمل التقليد في الفروع ويشمل أيضا اتباع العامي للمفتي والقاضي للشهود والمجتهد لمجتهد آخر حيث جوزناه ولا يشمل اتباع النبي ﷺ في الأحكام الفرعية وكذا في العقائد التي دليلها سمعي وهي التي لا تتوقف عليها دلالة المعجزة على صدق الرسول كالسمع والبصر والكلام ولوازمها وبقية السمعيات كالحشر والنشر فلا يسمى ذلك تقليدا لأن التقليد أن تتبع الغير بدون معرفة دليله ولا شك أن قوله ﷺ أو فعله أو تقريره عين الدليل.
وأما التي دليلها عقلي وهي التي تتوقف عليها دلالة المعجزة على صدق الرسول كالقدرة والإرادة ونحوهما فإن تبعه فيها بعد تصديقه بأنه رسول لم يسم الاتباع المذكور تقليدا أيضا لأن التصديق برسالته فرع عن التصديق بثبوت تلك الصفات له تعالى إذ لا يكون رسولا إلا من ظهرت المعجزة على يده ولا توجد المعجزة إلا ممن كان متصفا بتلك الصفات وحينئذ فيكون الاعتماد في ثبوتها له تعالى عن الدليل العقلي وهو قولنا «ولا توجد المعجزة إلخ» ويكون قول الرسول أو فعله أو تقريره مؤكِّدا لذلك، وأما إن لم يصدق برسالته بل الرسول عنده كواحد من الناس فتبعه من حيث كونه كآحاد الناس فيسمى اتباعه في ذلك تقليدا.
قال الغزالي ولا تظن أن معرفة النبي ﷺ أمور الدنيا والآخرة تقليد لجبريل بل انكشفت له الأشياء وشاهدها بنور البصيرة كما شاهدتَّ أنت المحسوسات بالعين الظاهرة.
وقوله «في قوله» المراد بالقول ما يعم الفعل والتقرير إما تغليبا كما قاله سعد الدين في حواشيه وإما لأن القول يطلق على الرأي والاعتقاد إطلاقا شائعا حتى كأنه حقيقة عرفية في ذلك، ورَأْيُ الغير هو مذهبه قولا أو غيره، فاندفع الاعتراض بأن القول لا يشمل الفعل والتقرير فلا يكون الاتباع فيهما تقليدا.
واعترض أيضا بأن التقييد بقول الغير يخرج ما لا يختص بالغير كالمعلوم من الدين ضرورة فلا يكون أخذه تقليدا كما قاله زكريا، قال اليوسي وفيه بحث انتهى.
ولعل وجهه أن إضافة القول للغير لا تقتضي اختصاص القول به بل المراد به القول الصادر عنه وإن كان مدلوله معلوما من الدين بالضرورة فإذا تبعه أحد فيه من حيث صدوره عنه سمي اتباعه تقليدا فمرجع الاعتراضين المذكورين إلى كون التعريف غير جامع لعدم شموله اتباع الغير في الفعل والتقرير والمعلومِ من الدين ضرورة، وقد علمت جوابهما
وقوله «أو اعتقادِه» أي: معتقَدِه.
واعترض بأن اعتقاد الغير خفي لا يطلع عليه فلا يمكن اتباعه فيه فكان الأولى حذفه، فإن قلت: يمكن الاطلاع عليه بقوله «أنا معتقد» كذا قلنا هو حينئذ داخل فيما قبله وهو القول بمعنى مقابل الفعل والتقرير لا بالمعنى السابق.
والجواب: أن الأمور تختلف بالاعتبار،
فالمراد باتباع القول اتباعه فيه من حيث كونه قولا أي بالنظر إلى ذلك كمن سمع أحدا يقول «لا إله إلا الله» فقلده في النطق بهذه الجملة نظرا إلى كونها قولا،
والمراد باتباع الاعتقاد اتباعه من حيث كونه اعتقادا أي: بالنظر إلى ذلك وإن كان مدلولا عليه باللفظ فاللفظ وإن وجد فيها لكن الحيثية مختلفة.
(قوله أما إذا عرفت دليله) احترازا عما إذا قلد في الدليل أيضا فهو كالتقليد في المدلول كأن قلده في دليل الوحدانية وهو أنه لو كان هناك ثان في الألوهية لفسدت السموات والأرض ولم يعرف هذا الفساد فهو مقلد في الدليل كما أنه مقلد في المدلول الذي هو صفة الوحدانية، وكما لو قلده في دليل أن العالم له صانع وهو أنه حادث وكل حادث له صانع ولم يعرف حدوثه فهو مقلد في الدليل كالمدلول الذي هو صفة صانعيته تعالى للعالم، وكذا بقية صفاته تعالى، وكما لو قلده في دليل حدوث العالم وهو تغيره وملازمته للأعراض الحادثة ولم يعرف ذلك فهو مقلد في الدليل كالمدلول الذي هو صفة العالَم وهي حدوثه فالتقليد في الدليل مذموم كالتقليد في المدلول الذي هو الصفات المذكورة ونحوها.
فإن قلت: إذا كان التقليد فيهما مذموما ولا طريق للعلم إلا بالأخذ، والأكثر أنه من أفواه المشايخ فالمحمود حينئذ من لم يقلد أحدا وذلك متعذر غالبا.
قلت: يجاب عن ذلك بما ذكره المصنف في شرح القصيدة أي الجزائرية.
وحاصله بضرب مثال لما أُخِذَ عن الغير وبقي على التقليد أو صار عارفا وهو أنه لو اجتمع أناس يطلبون رؤية الهلال وسبقهم رجل إلى رؤيته فرآه قبلهم وصار يرشدهم إلى رؤيته بالأمارات أي العلامات الدالة عليه كبياض بجانبه فمن رأى العلامات ولم ير الهلال بل قلد فيه الرائي فهو مقلد له ومن لم ير العلامات أصلا فكذلك، إلا أن الأول مقلد في المدلول والثاني مقلد في الدليل وهو العلامات المذكورة وفي المدلول أيضا من باب أولى ومن تمادى مع الرائي حتى ظهر له الهلال بالعلامات فهو العارف وإن وصل إلى معرفته بالتقليد، فالتقليد المذموم هو الباقي بعد التعليم لا الحاصل الزائل بدليل أن من رأى الهلال لو سئل عنه يقول «رأيته» ولا يقول (كذا قالوا) أو ربما يستغني عن التعليم كمن رآه قبله ومن لم يره يقول رآه فلان مثلا.
(قوله عن جميع ما تقدم) أي: من الظن وما بعده.
(قوله وقد اختلف الخ) لما كان يتوهم مما قبله أن التقليد حرام بلا نزاع دفعه بقوله «وقد اختلف الخ» وجملة ما ذكره أربعة أقوال، وأما قول السعد أنه لا يوجد مقلد أصلا فأجيب عنه: بأنه بحسب بلاده الذين يعتنون بالعقائد وإقامة الأدلة عليها
وقوله (في عقائد التوحيد) احترز به عن التقليد في الفروع فهو واجب على من لم يبلغ درجة الاجتهاد إذ لا يشترط فيها المطابقة في نفس الأمر لأن الذي أفاده المقلَّد بفتح اللام وهو المجتهد إنما هو حكم ظني يحتمل أن يكون مطابقا لما في نفس الأمر وأن يكون فأولى مقلِّده فيه.
فإن قيل: وإن كان غير مطابق فكيف يجب اتباعه وفيه الخطأ وهو لا يتبع.
أجيب: بأن الممتنع اتباع الخطأ من حيث هو خطأ لا اتباعه من حيثية أخرى وهي هنا حيثية كونه حكما من أحكامه تعالى أدى المجتهدَ اجتهادُه إلى أنه حق
أما من بلغ درجة الاجتهاد فيحرم عليه التقليد في الفروع كالعقائد.
(قوله هل يكفيه تقليده الخ) وعليه يكون النظر الموصل للمعرفة مستحبا فإذا أتى به وقع واجبا بمعنى أنه يثاب عليه ثواب الواجب كما قاله يس.
وقوله «إذا كان جازما» هذا لا حاجة إليه لأن التقليد هو الجزم بقول الغير فالجزم داخل في مفهومه، وقوله «دون عصيان» هو محط الفائدة.
(قوله أو يعصي بتركه النظر) أي: سواء كان فيه أهلية النظر أم لا
ورد بأن فيه تكليفَ ما لا يطاق وقد رفعه الله تعالى عن الأمة بقوله تعالى ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ فهو غير واقع.
وأجيب بمنع عدم وقوعه بل هو واقع في أصول الدين، سلمنا أنه لم يقع لكن صاحب هذا القول يرى أن الأهلية حاصلة لكل أحد لأن المطلوب هو النظر الجملي وهو متيسر لمن عنده أدنى تمييز
والنظر الموصل للمعرفة على هذا القول واجب وجوب الفروع بمعنى أنه إذا قلد يكون مؤمنا عاصيا لأن ترك النظر حينئذ من الكبائر.
(قوله وبعضهم قيد العصيان الخ) هذا هو المعتمد وإن كان معترَضا بأن المطلوب المعرفة بالدليل الجملي وهو متيسر من كل أحد
وأورد عليه أيضا أنهم عرفوا الإيمان بأنه حديث النفس التابع للمعرفة، والمعرفة لا تكون إلا عن دليل.
وأجيب: بأن هذا تعريف للإيمان الكامل، وأما أصل الإيمان فهو حديث النفس التابع للاعتقاد الجازم سواء كان ذلك الاعتقاد ناشئا عن دليل وهو المعرفة أو عن قول الغير مثلا وهو التقليد.
(قوله وأما القول بأنه كافر الخ) هو رابع الأقوال، واقتصر عليه المصنف في شرح الكبرى ونصره وهو مبني على أن النظر الموصل للمعرفة شرط في صحة الإيمان فيكون واجبا وجوب الأصول أي أن تاركه كافر لا وجوب الفروع وهو ما يكون تاركه عاصيا فقط
وكونه كافرا على هذا القول إنما هو بالنسبة للآخرة فقط أما بالنسبة للدنيا فيحكم له بحكم المسلمين في حرمة دمه وماله مثلا.
قال المصنف في شرح الجزائرية وقيد بعض المشايخ الخلاف المذكور في التقليد بكون المقلد مع كون تقليده مطابقا للحق جازما ذا طمأنينةِ نفسٍ بحيث لو فرض أنه رجع مَنْ قلَّدَهُ لم يرجع هو بل يثبت على الحق الذي قلد فيه، أما لو كان لا طمأنينة عنده في تلك العقائد التي قلده فيها إلى شيء ولو إلى الكفر الصريح والعياذ بالله تعالى رجع برجوعه فهذا لا خلاف في عدم الاعتداد بتقليده بل هو غير مؤمن اتفاقا، ولا شك أن الغالب من حال المقلد المحض هذه الحالة الثانية وهي الرجوع برجوع مقلَّده والثبات بثباته وقلَّ أن تتفق الحالة الأولى إلا لمن سما عن درجة التقليد المحض إلى فهم بعض الأنظار الصحيحة الجميلة التي تطمئن بها النفوس انتهى ببعض تغيير.
قال أبو العباس الغنيمي وهي مسألة حسنة انتهى
وقال بعضهم إن هذا ليس بقيد لأن المقلد الآن ليس في نيته الرجوع في الزمن المستقبل وقد صححنا إيمانه قبل رجوعه فيكون فيه الخلاف المتقدم.
(قوله والدليل المطلوب) أي: طلبا جازما وإلا فالقائل بعدم وجوب المعرفة يقول بطلب الدليل لكن طلبا غير جازم بل على جهة الندب.
ثم ظاهر عبارته أن الإنسان لو أوتي أتى بالدليل التفصيلي لم يكف ولم يكن آتيا بالمطلوب لأنه حصر الطلب في الدليل الجملي وليس مرادا، فالأولى أن يقول والمطلوب من المكلف مطلق الدليل وأقل ما يتحقق ذلك في الدليل الجملي.
﴿واعلم﴾ أن معرفة الدليل التفصيلي واجبة على أهل كل قطر على سبيل فرض الكفاية فإذا قام بها واحد منهم سقط الحرج عن الباقين. فيجب أن يكون في كل مسافة قَصْرٍ عالمٌ بذلك وببقية الأحكام الشرعية وفي كل مسافة عدوي قاض لكثرة الخصومات.
(قوله عن تقريره الخ) تقرير الدليل هو تركيبه بأن تذكر مقدمتين صغرى وكبرى على الوجه المطلوب كأن تقول «العالم حادث وكل حادث له صانع فالعالم له صانع».
وقوله «وحلِّ شبهه» أي: دفعِها كأن يورد الخصم على الدليل المذكور شبهة فيقول «لا نسلم الكبرى وهي كون الحادث له صانع ما المانع أن يكون حدث بنفسه أي خلق نفسه». فترد عليه بأنه لو خلق نفسه للزم أن يكون موجودا معدوما لأن خلقه لنفسه يقتضي وجوده أولا ونفس الخلق يقتضي عدمه إذ لو كان موجودا ما تعلق به خلق وذلك باطل.
ثم إنه اعترض على هذا التعريف بأنه غير جامع لخروج ما إذا عجز عن أحدهما فقط مقتضاه أنه لا يقال له جملي وليس كذلك إلا أن تجعل «الواو» فيه بمعنى «أو» وتكون مانعة خلو تُجَوِّزُ الجمعَ.
(قوله كما إذا قيل الخ) ظاهره أن هذا عبارة عن العجز عن التقرير وليس كذلك إلا أن يقال في كلامه حذف والتقدير ويعجِز عن التقرير المترتب على كيفية دلالتها، والكيفية بمعنى الجهة.
و«مِنْ» في قوله «من جهة حدوثها» زائدة، وإضافة الحدوث للضمير للبيان والتقدير: ويعجِز عن جهة دلالتها.
وقوله «من أنها» أي: جهة الدلالة فهو بيان وتفصيل لها.
وقوله «من جهة حدوثها» أي: هل هي جهة هي حدوثها أي المخلوقات إلخ ولو قال ويعجز عن جهة دلالتها هل هي حدوثها إلخ لكان أوضح.
(قوله من جهة حدوثها الخ) يعني: أنه اختلف المتكلمون في دلالة العالم على الصانع على أقوال أربعة:
أولها من جهة حدوثه أي وجوده بعد العدم
ونظم الدليل عليه أن تقول العالم حادث وكل حادث له صانع فالعالم له صانع.
ثانيها من جهة إمكانه أي: استواء وجوده وعدمه
ونظم الدليل عليه أن تقول العالم ممكن وكل ممكن له صانع فالعالم له صانع.
وثالثها من جهتهما معا.
ورابعها من جهة الإمكان بشرط الحدوث
ونظم الدليل عليهما أن تقول العالم ممكن حادث وكل ممكن حادث له صانع فالعالم له صانع.
لكن الفرق بينهما أن الحدوث أخذ شطرا من الحد الوسط على الثالث وشرطا فيه على الرابع.
فقوله «أو نحو ذلك» إشارة إلى الرابع
والفرق بين الأول والثاني أن العلم بالحدوث يسبق العلم بالصانع على الأول ويتأخر عنه على الثاني، وذلك لأنه لا يلزم من كونه له صانع أن يكون حادثا لجواز أن يكون مصنوعا بالعلة أو الطبع ومصنوعا قديم لعدم مفارقته لهما فيكون قديما بالغير وإن كان ممكنا بالذات فلا يلزم ذلك إلا بعد إبطال كونه تعالى صانعا بالتعليل أو الطبع وإثبات كونه صانعا بالاختيار، وإذا ثبت كونه صانعا بالاختيار لزم أن يكون مصنوعه حادثا وهو معنى قولنا «العلم بالحدوث يتأخر عن العلم بالصانع على الثاني».
وبيان إبطال كونه صانعا بالتعليل أو الطبع أنه لو كان كذلك لكان مصنوعه متحدا كالكرة لعدم التفاوت في مصنوع العلة أو الطبيعة مع أنا وجدناه مختلفا بعضه طويل وبعضه قصير وغير ذلك مما هو مشاهد
وأظهر هذه الأقوال أولها وإن كانت كلها طرقا موصلة إلى المطلوب وهو العلم بالصانع لأن الكلام في الاستدلال بالأثر على المؤثر فلابد من وجود الأثر خارجا ومعلوم أن الحدوث لا يتصف به إلا ما كان موجودا خارجا بخلاف الإمكان فإنه كما يتصف به الموجود يتصف به المعدوم فلا يدل على وجود موصوفه، ويدل على أرجحية ما ذكر اقتصار المصنف عليه فيما سيأتي حيث قال أما دليل وجوده تعالى فحدوث العالم ... إلخ.
(قوله وعن رد الشبه) جمع شبهة وهي ما يظن دليلا وليس بدليل سميت بذلك لاشتباه أمرها على الناظر، والمراد بها هنا ما يشمل الاعتراضات كالاعتراض الآتي فإنه ليس مسوقا على وجه الدليل بل على وجه كونه اعتراضا على دليل أهل السنة الآتي تقريره
وفي بعض النسخ الشبهة بالإفراد.
وقوله «التي أوردها الملحدة» أي: على دليل أهل السنة الذي استدلوا به على حدوث العالم، وحاصله أن العالم أجرام وأعراض فاستدلوا على حدوث الأعراض بتغيرها وعلى حدوث الأجرام بحدوث الأعراض لأنها ملازمة لها وملازم الحادث حادث.
فقالوا في تقرير الدليل على حدوث الأجرام العالم صفاته أي أعراضه حادثة وكل من كان كذلك فهو حادث ينتج العالم بمعنى الأجرام حادث
وإن شئت قلت: العالم أي الأجرام ملازمة للأعراض الحادثة وكل ما لازم الحادث فهو حادث ينتج العالم حادث.
ثم إن الملحدة اعترضوا كبرى هذا الدليل وقالوا: لا نسلم أن مَنْ صفاته حادثة حادث ولا أن كل ملازم الحادث حادث لأن ذلك إنما يلزم لو كانت الحوادث التي لازمت الأجرام لها مبدأ يفتتح به عددها، ونحن نقول لا مبدأ لها بل ما من حادث إلا وقبله حادث وهكذا لا إلى أول فالأجرام قديمة وقام بها أعراض حادثة لا أول لها، ألا ترى أن السموات قديمة وأعراضها وهي الحركات حادثة لا أول لها، فمراد الشارح بالعالم بعضه وهو السموات إذ هي التي يقولون بقدمها من العالم العلوي وبقدم العناصر الأربعة الماء والتراب والهواء والنار من العالم السفلى.
أما أشخاصنا مثلا فهي حادثة باتفاق منا ومنهم
مراده بأعراضه حركات تلك الأفلاك فعندهم أجرام الأفلاك قديمة حركاتها اللازمة لها أي كل حركة منها حادثة والقديم جنس تلك الحركة ولا يلزم من حدوث تلك الحركات حدوث السموات لعدم مبدأ تفتتح منه تلك الحركات.
أجاب أهل السنة عن ذلك بأجوبة:
منها لزوم التناقض في قولهم حوادث لا أول لها إذ مقتضى كونها حوادث أن يكون لها أوّل ومقتضى لا أول لها عدم الحدوث
ومنها أنه لا وجود للجنس إلا في ضمن أفراده باتفاق منا ومنهم فيلزم من كونها حادثة أن يكون جنسها حادثا وهي لازمة للأجرام فيلزم أن تكون تلك الأجرام حادثة.
ومنها برهان التطبيق وهو أن تفرض حركات من الآن إلى ما لا نهاية له في جانب الماضي ثم تفرض حركات من زمن نبينا ﷺ إلى ما لا نهاية له في جانب الماضي أيضا بأن تقسم الحركات من زمن نبينا إلى الأزل نصفين ثم تزيد على أحدهما إلي زمننا ولا تزيد على الآخر حتى يوجد جملتان حقيقة ثم تطبيق أي تُقابَلُ حركة من الآن بحركة من آن سيدنا محمد ﷺ فإن تساوت تلك الحركات بأن كان كلما أخذت حركة من هذه السلسلة وجدت مقابلها حركة من السلسلة الأخرى لزم مساواة الناقص للكامل وإن لم يتساويا بأن أخذت حركة من هذه السلسلة فلم تجد من السلسلة الأخرى حركة تقابلها لزم تناهي الناقصة ويلزم من تناهيها تناهي الأخرى لأنها لم تزد عليها إلا بقدر متناه، والزائد بالقدر المتناهي يلزم أن يكون متناهيا، والتناهي يستلزم الحدوث وأن يكون لها أول فبطل قولهم حوادث لا أول لها
وبعضهم قرر برهان التطبيق على وجه آخر سيأتي مع زيادة.
(قوله اتصف بالرفعة الخ) إن فسرت الرفعة بالعظمة أي الصفات الدالة على العظمة كالقدرة والإرادة ونحوهما كان قوله «وتنزه الخ» مغايرا له، وأفاد الكلام حينئذ أن مرجع (جل) للصفات مطلقا ثبوتية كانت أو سلبية،
وإن فسرت بالتنزه عن كل نقص مأخوذ من الترفع بمعنى التعالي عن النقائص كان قوله «وتنزه الخ» تفسيرا له وأفاد الكلام حينئذ أن مرجع (جل) للصفات السلبية فقط.
وقوله «انفرد بصفة الجلال» فسر بعضهم صفات الجلال بالصفات السلبية ووجه تسميتها بذلك أنه يقال جل عز عن كذا أي تنزه عنه وحينئذ يكون (عز) مرادفا له على المعنى الأول المتقدم أيضا.
وقد تطلق صفات الجلال أيضا على ما قابل صفات الجمال، فالأُولَى كالقهر والبطش والقبض والانتقام، والثانية كالرحمة والبسط والغفران، هذا
والأحسن أن يراد ب(جل) صفات السلوب وب(عز) صفات الثبوت فيكون من باب تقديم التخلية على التحلية.
(قوله أو غلب) أي: قهر.
وقوله «لأنه الخ» تعليل له، وعلى هذا يكون (عز) مغايرا ل(جلّ).
(قوله أوحى الله إليه الأحكام) أي: سواء كان له كتاب أو نسخ لشرع من قبله أم لا.
واعترض على هذا التعريف بأنه غير جامع لعدم شموله من لم يوح إليه أحكام بل أمر بالعمل بشرع من قبله كزكريا ويحيى وداود وسليمان وغيرهم من رسل بني إسرائيل المبعوثين بعد موسى فإنه لم يوح إليهم أحكام بل أمروا بالعمل بأحكام التوراة، وأما زبور داود فكان مجردَ قصص ومواعظ لا أحكام.
وأجيب: بأن المراد بإيحاء الأحكام ما يشمل إيحاء العمل بها فيدخل من ذكر لأنه أوحى إليهم العمل بما في التوراة.
(قوله فهو نبي) أي: فقط وإلا فالرسول نبي أيضا.