خاتمة
نسأل الله حسنها ذهب المبطلون إلى أن السموات كرية محيطة بالكون كالبيضة ومنعوا الخرق والالتيام فأحلوا الإسراء بناء على أنها أعني السموات هي هي الأفلاك وقيل أنها غيرها ومقتضى كلام بعض الأفاضل أن الخلاف عام لكن لا مع منع الخرق والاتئام المرتب عليه ما ذكر وأنه صحيح كل من القولين ووأن الراجح أن السموات غير الأفلاك وهو كذلك لأنه الملائم للشرع الصادق فإن الأفلاك أكثر ملتفة كطباق البصل كل فلك منها يشتمل عليه ما فوقه ويشتمل هو على ما تحته كذا قيل والفرق بين السماوات والأفلاك أيضا أن السماوات فوق الأفلاك وهي تحتها على التحقيق من أن السموات أطرافها على جبا قاف كأطراف الخباء والأفلاك تحتها وتأمله مع المشهور من أن الشمس في السماء الرابعة والقمر في سماء الدنيا وأن الأفلاك أجسام لطيفة والسماوات أجسام كثيفة وأن الأفلاك تسعة والسماوات سبعة وأن الأفلاك موضع الكواكب والسماوات موضع الملائكة وأن الأفلاك متحركة والسماوات الأولى (لعله سقط ثابته)
الكواكب على قسمين سيارة وهي سبع زحل وعطارد والمريخ والمشترى والزهرة والشمس والقمر فانظر تفاوتها في الحركات في المطولات.
ومما ذكره العلامة اليوسي في حواشي الكبرى ولكل واحد فلك مختص به من الأفلاك التسع وثوابت بمعنى أنها لا سرعة لها وإلا فهي تتحرك من المغرب إلى المشرق حركة بطيئة جدا تقطع في كل أربع وسبعين سنه وشهر وسبع وعشرين يوما درجة وهذه الثوابت لا يعلمها إلا الله تعالى وغاية ما وصل إليه الميقات ألف واثنان وعشرون نجما عليها أعمال أهل الميقات من اماضي والباقي ونحو ذلك وأما السيارة غير الشمس والقمر فلا تنضبط لكونها تارة ترجع القهقهرى وتارة تسير معتدلة وتارة تخنس في غروبها فلأجل ذلك لا يصح أخذ عمل منها وإليها الإشارة بقوله تعالى﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ الآية وجميع الثوابت في فلك واحد وهو والثامن فوق السبعة وأما التاسع فلا نجم فيه وهو أعظمها وله في كل يوم وليلة دورة من المشرق إلى المغرب ويدور يدور أنه كل ما يحويه من فلك وكوكب الثانية.
اختلف المتقدمون في حركة الكواكب فقيل أن الجرم الفلكي ساكن والحركة للكواكب خارقة له وقيل أن الفلك متحرك والكواكب كذلك على خلاف حركته وقيل المتحرك إنما هو الفلك الثالثة عطارد والزهرة والقمر أصغر من الشمس والشمس أعظم من الأرض بأضعاف والقمر أصغر منها بدليل الخسوف وأصغر كوكب من الثوابت أعظم من الأرض وجميع الكواكب نوره ذاتي إلا القمروكون النجوم في السماء الدنيا أو غيرها وموضعها لم يرد شرعا.
((الخَاتِمَةُ))
قَوْلُهُ: (فَأَحَالُوا الإِسْرَاءَ) صَوَابُهُ المِعْرَاجُ هَذَا وَالحَقُّ أَنَّ مَنْكِرَ المِعْرَاجِ لَا يُكَفِّرُ بَلْ يُفْسَقُ؛
وَإِنَّمَا كَفَرَتِ الفَلَاسِفَةُ بِمَنْعِهِمْ خَرْقَ الْأَفْلَاكِ وَالتِآمِهَا لِمُعَارِضَتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوابا )،
(يَوْمَ نطْوِي السَّمَاء).
قَوْلُهُ: ( هِيَ الأَفْلَاكُ) أَيْ: الَّتِي قَالُوا بِإِحَالَتِهَا الخَرْقِ وَالالتَامِ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (أَنَّ الخِلَافَ عَامٌ حَتَّى بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ الخِلافَ عَامٌ) أَيْ : أَنَّ الخِلَافَ فِي كَوْنِ السَّمَاوَاتِ هِيَ الْأَفْلَاكَ، أَوْ غَيْرَهَا عَام يَعْنِي : عِنْدَ الفَلَاسِفَةِ، وَأَهْلِ السُّنَّةِ.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ لَا مَعَ مَنْعِ الخَ) أَيْ: أَنَّ الخِلَافَ وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لَكِنْ لَا يَقُولُونَ بِمَنْعِ الخَرْقِ وَالالتَامِ عَلَى الأَفْلَاكِ المُرْتَبِ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ مِنْ أَحَالَ المعراج.
قَوْلُهُ: (مُلْتَفَةٌ) أَيْ: مُلْتَفٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ.
قَوْلُهُ: (كَذَا قِيلَ) مَرَّضَهُ تبْراً مِنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الهَيْئَةِ والحُكَمَاءِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِمُغَايَرَةِ الأَفْلَاكِ لِلسَّمَاوَاتِ قَالَ: إِنَّ الفَلَكَ مَحَلُّ لِلْكَوَاكِبِ تَجُرُّهُ بِهِ المَلَائِكَةُ، فَهُوَ كَالمِحفَّةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).
قَوْلُهُ: ( والأَفْلَاك) عَلَى القَوْلِ بِتَغَايُرِهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَتَأَمَّلْهُ) أَيْ : تَأَمَّلْ قَوْلَهُ: والأَفْلَاكُ تَحْتَهَا.
قَوْلُهُ: (تَأَمَّلْهُ الخَ) تَأَمَّلْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْأَفْلَاكَ حِينَئِذٍ تَكُونُ تَحْتَ السَّمَاءِ الخَامِسَةِ وَفَوْقَ الرَّابِعَةِ إِلَّا فَلَكَ القَمَرِ ، فَإِنَّهُ تحْتَ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، وَفَوْقَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ: (والقَمَرُ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا) أَيْ: وَكُلُّ مِنْهُمَا فِي فَلَكٍ.
قوله: ( وإنَّ الأفلاك) عطف على قوله : إنَّ السماوات.
تتمات
قَوْلُهُ: (سَيَّارَةِ) نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى طَرِيقِ التَّدْلِي
فَقَالَ:زحل شرى مريحه مِنْ شَمْسِهِ فَتَزَاهَرَتْ لِعُطَارِدِ الأَقْمَارُ
قَوْلُهُ: (فِي حَوَاشِي الكُبْرَى فَالشَّمْسُ تَتَحَرَّكُ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ دَرَجَةً، والقَمَرُ اثْنَا عَشْرَ وَثُلث).
قَوْلُهُ: (وَثَوَابِتْ) عَطْفٌ عَلَى سَيَّارَةِ.
قَوْلُهُ: (وَهَذِهِ الثَّوَابِتُ لَا يَعْلَمُهَا) أَيْ: لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا إِلَّا اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (أَهْلُ المِيقَاتِ) أَيْ: مِنَ العِلْمِ بِهِ.
قَوْلُهُ : ( مِنَ المَاضِي) أَيْ: مِنْ اللَّيْلِ (والبَاقِي) أَيْ: مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (مِنَ المَاضِي) أَيْ : مِنْ اللَّيْلِ (والبَاقِي) أَيْ: مِنْهُ.
قوله ( فَلَا أُقْسِمُ بِالْخَنَّس ) جَمْعُ خَانِسٍ ، أَيْ: بِالكَوَاكِبِ الَّتِي تَخْنُسُ وَتَبْطُلُ فِي غُرُوبِهَا.
قوله: (بِالخُنَّسِ) أَيْ: بِالكَوَاكِبِ الَّتِي تَخْنُسُ فِي سَيْرِهَا، أَيْ: تَرْجِعُ فِيهِ فَتَرَاهَا فِي آخِرِ البُرْج فيتناهى كَذَلِكَ إِذَا رَجَعَتْ لأوله بالقهقرى،
والكُنَّسُ: الَّتِي تَكْنِسُ أَي: تَغِيبُ كَنَاسِهَا وَهُوَ المَوْضِعُ الَّذِي تَغِيبُ فِيهِ.
قَوْلُهُ : (وَهُوَ الثَّامِنُ) أَيْ: وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا زَيَّنَا السَّمَاةَ الدُّنْيَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ ) فَيَجَابُ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِ صُوَرِهَا فِيهَا.
قَوْلُهُ: (فَوْقَ السَّبْعَةِ) أَيْ: السَّيَّارَةِ؛ فَإِنَّ زُحَلَ فِي الفَلَكِ السَّابِعِ، والمُشْتَرِي فِي السادس، والمريخَ فِي الخَامِسِ، وَالشَّمْسَ فِي الرَّابِعِ، وَالزُّهَرَةَ فِي الثَّالِثِ، وَعُطَارِدَ فِي الثَّانِي، والقَمَرَ فِي الأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا التَّاسِعُ) أَيْ: الفَلَكُ التَّاسِعُ الخ.
قَوْلُهُ: (مِنْ المَشْرِقِ إِلَى المَغْرِبِ الخ) قَالَ بَعْضُهُمْ:
أَرْبَعٌ نَحْوَ غَرْبٍ ندُورُ يَا مَنْ بِسَائِلٍ مَحْدُودٌ وَمُدَبِّرٌ وَجَوْزُ زُهَرُ وَمَائِلٌ،
فَالمُحَدِّدُ هُوَ: الفَلَكُ التَّاسِعُ.
قَوْلُهُ: (فِي حَرَكَةِ الكَوَاكِبِ) أَيْ: هَلْ يَتَحَرَّكُ بِذَاتِهِ أَوْ لَيْسَ لَهُ حَرَكَةٌ ذَاتِيَةٌ، وَإِنَّمَا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ؟
قَوْلُهُ: (إِنَّهُ الجِرْمُ الفَلَكِيُّ) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ كَوْكَبًا أَوْ فَلَكًا.
قَوْلُهُ: (والحَرَكَةُ لِلْكَوَاكِبِ خَارِقَةٌ لَهُ) أَيْ: فَالفَلَكُ جِسْمٌ لَطِيفٌ كَالمَاءِ يَخْرُفُهُ الماشي فيه.
قَوْلُهُ: (والكَوَاكِبُ كَذَلِكَ) أَيْ: والفَلَكُ حَرَكَتُهُ مِنْ المَشْرِقِ لِلْمَغْرِبِ والكَوْكَبُ مِنْ المَغْرِبِ لِلْمَشْرِقِ.
قَوْلُهُ: ( وَالثَّلَاثَةُ الْآخِرُ) وَهِيَ : زُحَلُ والمُشْتَرِي والمريخ.
قَوْلُهُ: (أَعْظَمُ مِنْ الشَّمْسِ) وَإِنَّمَا رُؤيَتِ الشَّمْسُ أَعْظَمَ مِنْ الثَّلَاثَةِ لِبعْدِهَا عَنْهَا.
قوله: (والقَمَرُ أَصْغَرُ مِنْهَا) أَي مِنْ الأَرْضِ.
وَقَوْلُهُ: (بِدَلِيلِ الخُسُوفِ) أَيْ: فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَرْضَ أَكْبَرُ مِنْ القَمَرِ ؛ لِأَنَّهَا مَنَعَتُهُ عَنْ مُقَابِلَتِهِ الشَّمْسِ.
قَوْلُهُ: (وَأَصْغَرُ كَوْكَبِ الخ) وَإِنَّمَا رُؤْيَتْ صَغِيرَةً؛ لِيُعْدِهَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَالنَّجْمُ مُسْتَصْغَرٌ فِي عَيْنِ نَاظِرِهِ وَالذَّنْبُ لِلْعَيْنِ لَا لِلنَّجْمِ فِي الصَّغَرِ
قوله: (إلا القمر) أي : فإنه جرم مظلم، ونوره مستفاد من نور الشمس.
قوله: (أو غيره) كما تقدم عن الحكماء.
قوله: (لم يرد شرعًا) أي بدليل قاطع، وإلا فالمتبادر من قوله تعالى (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) أَنَّهَا فِيهَا، وَهَلْ هِيَ مُصْمَتةٌ فِيهَا أَوْ مُعَلَّقَةٌ بِسَلَاسِلَ،
فِيهِ خلاف.
وَاعْلَمْ أَنَّ الخُسُوفَ لَا يَقَعُ إِلَّا لَيْلَةَ أَرْبَعَةَ عَشْرَةَ، كَمَا أَنَّ الكُسُوفَ لَا يَقَعُ إِلَّا يَوْمَ تِسْع وَعِشْرِينَ، وَأَنَّ الشَّمْسَ فِي الفَلَكِ الرَّابع، والقَوْلُ بِأَنَّهَا فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَفْلَاكَ هِيَ السَّمَاوَاتِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ المَغْرِبَ أَسْفَلُ بِالنِّسْبَةِ لِمِصْرَ، كَمَا أَنَّ مِصْرَ أَسْفَلُ بِالنِّسْبَةِ لِمَكَّةَ، وَمَا كَانَ شَرْقِيَّهَا.
وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.