المقولة الرابعة
الأين
الأين
(١)
في هذا الموضع من مختصر الشرح وضعنا هذه العبارات من كلام الشارح
(وذهب المعتزلة إلى أن الجسم هو الطويل العريض العميق.
وذهب المحققون من المتكلمين إلى أنه الجوهر القابل للانقسام من غير تقييد بالأقطار الثلاثة فلو فرضنا مؤلفا من جوهرين فردين كان الجسم هو المجموع لا كل واحد منهما.
أفاد ذلك كله في شرح المقاصد).
فأخرناها عن مكانها مع عكس ترتيبها ليناسب المختصر
(٢)
ما بين المعكوفتين [ ] استبدلناه في المختصر بهذه العبارات
[فذهب ارسطو إلى أنه (السطح الباطن للحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي)،
والسطح عنده عرض حال في الجسم متعلق بأطرافه دون أعماقه.
وذهب شيخه أفلاطون إلى أنه (بُعْدٌ أي: امتداد موجود ينفذ فيه الجسم بنفوذ بُعْدِهِ القائم به في ذلك البُعْدِ بحيث ينطبق عليه).
وقال المتكلمون هو (بُعْدٌ مفروض موهوم)]
قوله: ((حصول الجسم إلخ)) هذا أحد تعريفين له ثانيهما ما سيأتي أنه هيئة تحصل إلخ، ولعل الثاني أولى؛ لأن فيه اعتبار النسبة من أول الأمر المناسب لكون هذه الأعراض نسبية، بخلاف ما هنا؛ فإن النسبة لازمة للحصول.
واعلم أن الجسم يطلق على الطبيعي والتعليمي بالاشتراك اللفظي كما نص عليه القاضي مير، ولهذا احتاج المصنف لتقييده بالطبيعي فقال أي: الطبيعي، إلا أنه يرد عليه مؤاخذة وهي استعمال اللفظ المشترك في التعريف، وجوابه: تحويز ذلك مع القرينة وهي هنا لفظ حصول؛ فإن الحصول في المكان من لوازم الطبيعي لكونه جوهرا. والطبيعي منسوب للطبيعة، والطبيعة والصورة النوعية والقوة واحد بالذات مختلف بالاعتبار.
قال منلا زاده: لكل من الأجسام صورة أخرى غير صورته الجسمية بها صار ذلك النوع، ولهذا سميت صورة نوعية أي: منسوبة إلى النوع بالتحصيل؛ لتحصيله بها، وتسمى طبيعية أيضا باعتبار كونها مبدأ للحركة والسكون الذاتيين، وقوة أيضا باعتبار تأثيرها في الغير» اهـ.
قال بعض حواشيه: وإنما قلنا إنها مؤثرة في الغير؛ لكونها مبدأ الآثار المختلفة، وذلك لأن الأجسام تختلف بحسب آثارها، فمبدأ الآثار ليس هو الجسمية؛ لاشتراكها، ولا الهيولي؛ لأنها قابلة فلا تكون فاعلة، فتعين أن يكون أمرا آخر وهو الصورة النوعية.
قوله: ((وهو لغة إلخ)) رأيت بخط المصنف في هامش مقولات السيد البليدي ما نصه: واعلم أن اللغويين اختلفوا في تفسير الجسم، فقال ابن دريد: إنه كل شخص مدرك، وقال الأزهري في التهذيب الجسم مجمع البدن وأعضاؤه من الناس والإبل والدواب ونحو ذلك مما عظم من الخلق الجسيم، فعلى قول ابن دريد يكون الجسم حيوانا وجمادا ونباتا، وعلى قول الأزهري يختص بالحيوان مطلقا.
وقال أبو زيد الجسم الجسد، فعليه يكون خاصا بالعاقل؛ لأن الجسد لا يقال إلا للحيوان العاقل وهو الإنسان والملأ الأعلى والملائكة والجن، وإطلاقه على غيره مجاز علاقته المشابهة كما في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾ كذا يؤخذ من مواضع من المصباح اهـ ما وجدته، وفيه مخالفة لما هنا، فحرره فإنه ليس عندي وقت كتابة هذه الحاشية شيء من كتب اللغة.
قوله: ((من غير تقييد)) ليس له دخل في التعريف، بل هو بيان للاقتصار على قولهم إنه جوهر قابل للانقسام، فيصدق بانقسامه ولو في جهة واحدة، ولذا فرع عليه قوله «فلو فرضنا مؤلفا إلخ».
قوله: ((هو المجموع لا كل واحد منهما)) إشارة إلى الخلاف في ذلك.
قال في المواقف: «الجسم عند الجمهور من الأشاعرة مجموع الجزأين المؤلفين لا كل واحد منهما، وعند القاضي الباقلاني وأتباعه إن الجسم هو كل واحد من الجزأين؛ لأنه هو الذي قام به التأليف اتفاقا منا، والتأليف عرض لا يقوم بجزأين على أصول أصحابنا؛ لامتناع قيام العرض الواحد الشخصي بالكثير، فوجب أن يقوم بكل واحد من الجوهرين المؤلفين تأليفا على حدة، فهما جسمان لا جسم واحد اهـ.
أقول: كون التأليف عرضا في حيز المنع بل هو أمر اعتباري فلم يتم الدليل، تأمل.
قوله: ((إلى أنه الجوهر القابل)) هذا التعريف يؤول لما اصطلح عليه المعتزلة وهم كثيرا ما يتشبثون بأذيال الفلاسفة.
ثم في شرح الطوالع أن قبول الأبعاد الثلاثة المتقاطعة على زوايا قائمة من اللوازم الخاصة، لا من الذاتيات، وعرفه بعضهم بأنه جوهر قابل للانقسام في الجهات الثلاث، ونظر فيه القاضي مير في شرح الهداية بأنهم إن أرادوا القابل بالذات للانقسام في الجهات الثلاث، فلا يصدق هذا التعريف على شيء؛ لأن القابل بالذات للانقسام في الجهات الثلاث منحصر في الجسم التعليمي أي: الكم القائم بالجسم الطبيعي الساري فيه الجهات الثلاث، وقد صرحوا بذلك، وإن أرادوا القابل في الجملة، فيصدق التعريف على كل من الهيولي والصورة أيضا اهـ.
وأجاب المحقق اللاري في الحواشي بأنه يجوز أن يراد بالانقسام الانقسام الفعلي وهو ليس من خواص الكم.
فإن قلت: كما أنه ليس من خواص الكم لا يعرض للجسم بالذات بل هو من خواص الهيولي.
قلت المراد من قبول الانفصال قابليته لأن يطرأ عليه الانفصال كما يقال: كل ماهية موجودة قابلة للعدم، ولاشك أن الجسم بالذات كذلك، نعم لو أريد بقبول الانفصال أن يتصف به ويصير الانفصال صفة له فهو من خواص الهيولي.
قوله: ((ومعنى ذلك)) أي: معنى التقاطع على الزوايا القائمة.
ولما كان في هذا المعنى خفاء لابتنائه على مقدمة هندسية مهد له بذكر هذه المقدمة، فقال: إذا قام خط على آخر، ومعنى قيام الخط على الخط أن يقع التماس بينهما على نقطة، ثم أن الخط القائم به تارة يكون غير مائل لجهة من الجهات وتارة يكون مائلا، وعلى كل حال إما أن يقع على طرف الخط أو لا، فإن وقع على طرف الخط حدث زاوية فقط قائمة أو منفرجة أو حادة؛ كهذه الصورة:
حادة منفرجة قائمة
وأما إذا لم يقع على الطرف فإنه يحدث قائمتين أو منفرجة وحادة، ولا يمكن حصول منفرجتين أو حادتين كهذه الصورة:
حادة منفرجة قائمة قائمة
وبهذا التقرير تعلم أنه لا يمكن في مثلث قائمتان، ولا منفرجتان؛ كما برهن على ذلك في الهندسة.
وأما إذا نفذ الخط القائم، وخرج فإنه حينئذ يحصل التقاطع بين الخطين؛ إما على أربعة قوائم كهذ الصورة:
أو حادتين منفرجتين كهذه:
ولا يمكن غير ذلك.
قوله: ((على زوايا قائمة)) إنما قيد الأبعاد الثلاثة بكونها متقاطعة على زوايا قائمة؛ لأن السطح قد تتقاطع فيه أبعاد كثيرة، لكن لا تتقاطع على زوايا قائمة، فإن السطح إذا فرض فيه بعد ثم آخر يقاطعه حصل التقاطع على زوايا قائمة من البعدين فقط، فإذا فرض بعد آخر قاطعهما على زوايا حادة، وهكذا تصير الزوايا حواد، وأما الجسم فإن البعد الثالث المقاطع للاثنين قبله يقاطعهما على زوايا قائمة.
ثم إن هذا القيد وهو التقاطع على زوايا قائمة ليس لإخراج السطح؛ لأنه عرض خارج عن التعريف بلفظ جوهر، فإن السطح من قبيل الأعراض، وإنما ذكر هذا القيد؛ لأجل أن يكون خاصة للجسم، فإنه بدونه لا يكون له خاصة.
قوله: ((كانت إحدى الزاويتين صغرى إلخ)) عرفوا الزاوية المسطّحة بأنها محدب السطح عند تلاقي الخطين الغير المتحدين، وهي على هذا التعريف تكون نقطة لأن الخطين إنما يتلاقيان على نقطة، ومعلوم أن النقطة لا تتفاوت صغرا وكبرا؛ لأنها شيء بسيط غير منقسم وحينئذ يكون الصغر والكبر راجعين لنفس السطح الذي وقعت فيه الزاوية.
وبعضهم عرف الزاوية بأنها سطح أحاط به خطان يلتقيان عند نقطة من غير أن يتحدا، أو هيئة عارضة لذلك السطح، وعلى الأول منهما يعقل التفاوت بالصغر والكبر لرجوع الزاوية لنفس السطح، وعلى الثاني كذلك، لكن بملاحظة ذي الهيئة.
قوله: ((وهذا القيد)) أي: فرض الأبعاد الثلاثة.
قوله: ((أي: في الحيز)) فسره به لترادفهما عند الحكماء على ما صرح به منلا زاده في شرح الهداية ونقله القاضي مير عن الطوسي في شرح الإشارات، لكنه تعقبه بأن المفهوم من كلام الشيخ في الشفاء أن الحيز أعم من المكان.
وأما عند المتكلمين فعن الطوسي في شرح الإشارات كما نقله عنه القاضي مير أيضا أن المكان غير الحيز؛ لأن المكان عندهم قريب من مفهومه اللغوي وهو ما يعتمد عليه المتمكن؛ كالأرض للسرير، وأما الحيز فهو عندهم الفراغ المتوهم المشغول بالمتحيز الذي لو لم يشغله، لكان خلاء؛ كداخل الكوز للماء.
قوله: ((وعرفوه بالنسبة إلى مكانه)) أي: حصوله في مكانه بمعنى أنه متى حصل الجسم في مكان تحقق هناك نسبة بين الجسم والمكان بها يوصف الجسم بأنه متمكن والمكان بأنه حيز له.
قوله: ((وعرفوه أيضا)) أي: كما عرفوه بالتعريف السابق الذي هو حصول الجسم في المكان.
قوله: ((بالنسبة إلى مكانه)) أي: حصوله في مكانه بمعنى أنه متى حصل الجسم في مكان تحقق هناك نسبة بين الجسم والمكان بها يوصف الجسم بأنه متمكن والمكان بأنه حيز له.
قوله: ((وليس هو نفس النسبة إلى المكان)) أي: وليس حقيقة الأين النسبة نفسها لما يلزم عليه من المحذور المذكور في الحاشية.
قوله: ((إذ كون الشيء في مكان)) أي: حصوله فيه، يلزمه ما ذكر أي: النسبة إلى المكان.
قال في شرح الطوالع: «الأين هو حصول الجسم في المكان، ومفهومه إنما يتم بنسبة الجسم إلى المكان الذي هو فيه، فإن نسبته إلى المكان من لوازمه، لا أنه نفس النسبة إلى المكان» اهـ، وهذه العبارة أوضح من عبارة شرح التجريد.
قوله: ((لوقوع كل منهما)) أي: الدار والبلد.
قال الكاتبي في شرح المفصل: «الأين منه ما هو حقيقي، ومنه ما هو غير حقيقي، فالحقيقي هو كون الشيء في مكانه المختص به الذي لا يستغني عنه؛ ككون زيد في موضعه الذي شغله بالمماسة، وأما الغير الحقيقي فهو الذي لا يكون كذلك؛ ككون زيد في البيت، فإن جميع البيت لا يكون مشغولا به على وجه يماس ظاهره جميع جوانب البيت.
ومنه ما هو أبعد من ذلك؛ ككون زيد في الدار،
ومنه ما هو أبعد من هذا؛ ككون زيد في البلد،
ومنه ما هو أبعد من هذا؛ ككونه في الإقليم أو في المعمورة من الأرض أو في الأرض كلها أو في العالم.
فإن هذه أينيات غير حقيقية، فلهذا إذا سئل عنه أين هو، يصح أن يجاب بأي واحد كان من هذه الأينيات، فيقال هو في البيت أو في الدار إلى غير ذلك من الأينيات المذكورة» اهـ.
قوله: ((وإن أنكروا وجود سائر الأعراض النسبية))، واحتجوا على ذلك بأنها لو وجدت الأعراض النسبية في الخارج لوجدت في محلها، وحصولها في محلها نسبة بينها وبين محلها، وتلك النسبة أيضا في المحل، وكانت أيضا غير ذاتها، وذلك الغير أيضا حاصل في المحل ويكون حصوله في المحل زائدا عليه، ويلزم التسلسل، قاله في شرح الطوالع.