قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) ابتدأ بالبسملة والحمدلة؛ لأن هذا الكتاب من الأمور ذوات البال، وكل ما كان كذلك يطلب الابتداء فيه بهما.
والكبرى مسلمة،
والصغرى يتوجه عليها المنع بأن يقال: لا نسلم أنه من ذوات البال، وهذا من قبيل النقض التفصيلي، والناقض نقضا تفصيليا يجاب بإثبات المقدمة الممنوعة.
فيقال في إثباتها هنا: هذا الكتاب مؤلف في المقولات وهي من الأمور ذوات البال؛ لأنها مما ينتفع بها في العلوم، وكل ما ألف فيما ينتفع به في العلوم فهو من ذوات البال، فهذا الكتاب من ذوات البال.
ويمكن معارضة الصغرى أيضا بأن يقال: هذا الكتاب مؤلف في علم اختلف في جواز تعاطيه، وكل ما كان كذلك فليس من ذوات البال.
والكبرى مسلّمة، وتمنع الصغرى بمنع الاختلاف في شخص ما ألف فيه هذا الكتاب وتصحيح حل تعاطيه بما هو مبسوط في الأصل.
وهذا الكلام بفن الآداب أليق، لكن ارتكبناه لمناسبة ما، وتكلمنا على البسملة بما يناسب في الحواشي الكبرى.
ثم ظهر لنا كلام بعد تدوين الحاشيتين، وبعد ما قررناه هنا أحببنا ذكره؛ مخافة ضياعه، وهو:
أن البسملة باعتبار لفظها مندرجة تحت مقولة الكيف، فهي من الكيفيات المحسوسة، وباعتبار معاني ألفاظها –من حيث هي معان أي: صور ذهنية قصدت باللفظ- مندرجة فيه أيضا؛ لأنها من الكيفيات النفسانية، ومن المعقولات الأولى، فإن نظر لما يعرض لهذه المعاني من الكلية والجزئية مثلا كان ذلك العارض من المعقولات الثانية.
والفرق بينهما على ما حققه السيد قدس سره في «حواشي شرح التجريد»:
أن المعقولات الأولى هي طبائع المفهومات المتصورة من حيث هي هي،
وما يعرض للمعقولات الأولى في الذهن ولا يوجد في الخارج أمر يطابقه؛ كالكلية والجزئية والذاتية والعرضية ونظائرها، وكمفهوم الكلي والذاتي وغيرهما، يسمى معقولات ثانية؛ لوقوعها في الدرجة الثانية من التعقل؛ إذ لا يمكن تعقل الكلية إلا بعد تعقل أمر تعرض له الكلية في الذهن، وليس في الخارج أمر يطابق الكلية كما أن للسواد المعقول ما يطابقه في الخارج، وإذا تعقل مفهوم الكلية في الدرجة الثانية، واعتبر صدقه على كثيرين عرض لمفهوم الكلي كلية أخرى هي في الدرجة الثالثة من التعقل،
فبعضهم يسمى نظائرها معقولات ثالثة، وهكذا يثبت معقولات رابعة وما بعدها.
وبعضهم يجعل ما بعد المرتبة الأولى مطلقا معقولات ثانية.
وبالجملة المعتبر في المعقولات الثانية أمران:
أحدهما: أن لا تكون معقولة في الدرجة الأولى بل يجب أن تعقل عارضة لمعقول آخر في الذهن.
وثانيهما: أن لا يكون في الخارج ما يطابقها.
فكل ما يعقل في الدرجة الأولى فهو معقول أول، موجودا كان أو معدوما، مركبا أو بسيطا، وكذا ما لا يعقل إلا عارضا لغيره إذا كان في الخارج ما يطابقه؛ كالاضافات.
إذا قيل: بتحققها في الخارج، إما باعتبار كون مدلول لفظ الجلالة: ذات الرب تبارك وتعالى، وكذلك الرحمن الرحيم، فمما يجب صون اللسان عن الكلام فيه من مثل هذه الأمور؛ فإن المقولات أجناس عالية للجوهر والعرض، والواجب تقدس وتعالى يستحيل اتصافه بواحد منهما.
وبقي النظر في الضمير المستتر في «الرحمن الرحيم»، وقد اضطرب في الضمائر المستترة كلام الفضلاء:
فقال الجامي في «الفوائد الضيائية»: إن الضمير المستتر ليس من مقولة الحرف والصوت أصلا ولم يوضع له لفظ اهـ.
وقال عبد الغفور: لا أدري من أي مقولة هو.
وقال الفاضل العصام: إنه ليس من مقولة معينة، بل تارة يكون واجبا، وتارة يكون ممكنا، جسما أو عرضا، وتارة يكون من مقولة الصوت؛ كما إذا رجع الضمير للصوت اهـ.
ولا يخفى أنه التفات منه إلى مدلوله يشعر بذلك قوله: «كما إذا رجع الضمير للصوت»، فلذلك قال بعض من حشاه: إنه ليس بموجود أصلا، بل هو أمر اعتباري محض، جعل في حكم اللفظ الحقيقي من حيث إجراء أحكامه عليه.
وللفاضل عبد الحكيم في حواشي عبد الغفور كلام أحببت ذكره لعزة الوقوف على تلك الحاشية، قال رحمه الله تعالى: «تحقيق الكلام أنه لا شك أن ضرب في «زيد ضرب» دل على الفاعل ولذا يفيد التقوي بسبب تكرار الإسناد، بخلاف ضرب زيد، فلا يقال: إن فاعله هو المتقدم كما ذهب إليه البعض، ومنعوا وجوب تأخير الفاعل.
فإما أن يقال: الدال على الفاعل الفعل بنفسه من غير اعتبار أمر آخر معه، وهو ظاهر البطلان، وإلا لكان الفعل فقط مفيدا لمعنى الجملة، فلا يرتبط مع الفاعل في نحو: ضرب زيد.
فلابد أن يقال: إن الواضع اعتبر مع الفعل حين عدم ذكر الظاهر أمرا آخر عبارة عما تقدم كالجزء والتتمة له، واكتفى بذكر الفعل عن ذكره؛ كما في الترخيم بجعل ما أبقى دليلا على ما ألقى –نص عليه الرضي- فيكون كالملفوظ.
ولذا قال بعض النحاة: إن المقدر في نحو: «زيد ضرب» ينبغي أن يكون أقل من «ألف» ضربا؛ نصفه أو ثلثه؛ ليكون ضميرا لمفرد أخف من ضمير التثنية.
ولما لم يتعلق غرض الواضع في إفادة ما قصد من اعتباره بتعينه بنفسه لم يعتبره بخصوصية كونه حرفا أو حركة أو هيئة من هيآت الكلمة، بل اعتبره من حيث إنه عبارة عما تقدم وكالجزء له، فلم يكن داخلا في شيء من المقولات، ولا يكون من قبيل المحذوف اللازم حذفه؛ لأنه معتبر بخصوصه.
وبما ذكرنا لك ظهر دخوله في تعريف الضمير المتصل؛ لكونه لفظا حكميا موضوعا لغائب تقدم ذكره وكالجزء مما قبله اهـ.
وما قيل في البسملة يقال في الحمدلة فتدبّر.
قوله: ((حمدا)) منصوب على أنه مفعول مطلق بعامل محذوف وجوبا، والتقدير: أحمد حمدا، أو حمدت حمدا، أو نحو ذلك.
فإن المفعول المطلق إذا لم يأت بعده ما يبينه ويعين ما تعلق به من فاعل أو مفعول، إما بحرف جر أو بإضافة المصدر إليه، فلا يجب حذف الفعل، بل يجوز أن تقول: سقاك الله سقيا، ورعاك الله رعيا، وشكرت شكرا، وحمدت حمدا.
أما ما بين فاعله بالاضافة نحو: كتاب الله وصبغة الله، أو بين مفعوله بالاضافة نحو: ضرب الرقاب وسبحان الله، أو بين فاعله بحرف جر نحو: بؤسا لك أي: شدة وبعدا لك، أو بين مفعوله بحرف جر نحو: شكرا لك وحمدا لك وعجبا منك، فيجب حذف الفعل في جميع ذلك ما لم يكن المصدر لبيان النوع نحو: قوله تعالى: ﴿وَسَعَى لَـهَا سَعْيَهَا﴾ ﴿مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾، فإن العامل يذكر.
وقد نص السيد قدس سره على أن المفعول المطلق هو الحاصل بالمصدر أي: الأثر، لا المصدر الذي هو التأثير، وإطلاق المصدر على المفعول المطلق بضرب من المسامحة وعدم التمييز بين التأثير والأثر.
وقوله: ((لمن تنزه إلخ)) بيان للمفعول به، وهو خبر لمبتدأ محذوف، فإن الجار والمجرور بعد هذه المصادر في محل رفع على أنه خبرا لمبتدأ الواجب الحذف ليلي الفاعل والمفعول المصدر الذي صار بعد حذف الفعل كأنه قام مقام الفعل كما كان ولي الفعل، والمعنى هو لك أي: هذا الحمد لك ونحوه.
و«من» هذه وإن كانت لفظا مبهما؛ لأنه اسم موصول بمعنى الذي، وهو من المبهمات؛ لاحتياجه لأن يتعين بالصلة، قد يتوقف في إطلاقها على ذاته تعالى، لكن صحح حفيد السعد صحة الإطلاق واستدل على أنه ورد الإطلاق كما في الحديث: «يا من إحسانه فوق كل إحسان» «يا من لا يعجزه شيء».
وقد منع ذلك صاحب البسيط، فقال: «لم يرد إذن شرعي في إطلاق المبهمات على ذاته تعالى.
و«التنزه» التباعد، ففي القاموس: تنزه الرجل تباعد عن كل مكروه اهـ، فتنزهه تعالى تباعده عن صفات النقص أي: عدم اتصافه بها تعالى علوا كبيرا.
قوله: ((عن سمات المخلوقات))
«السمات» جمع سمة بمعنى العلامة.
و«المخلوقات» جمع مخلوقة أي: ذات تعلق بها الخلق أي: الإيجاد اللازم له الحدوث.
والحدوث عند المتكلمين هو: حصول الشيء ووجوده بعد عدم.
وعند الحكماء يطلق على: سبق الشيء بالزمان، ولذلك قالوا: كل حادث حدوثا ذاتيا فهو مسبوق بمادة ومدة، يسمى هذا عندهم حدوثا زمانيا.
ويطلق على: استناد الشيء لغيره في الوجود، ويسمونه حدوثا ذاتيا، فالعالم عندهم يوصف بالحدوث الذاتي، وهو لا ينافي قولهم بقدمه على تفصيل في ذلك عندهم.
والمراد بعلامات المخلوقات هو: ما يعرض للممكنات من تعاقب الأعراض عليها، وافتقارها لقيامها بها، فإن هذه أمارات حدوثها، وقد تقرر أن كل ما قام به الحادث فهو حادث، والحادث لا يكون إلا ممكنا، فقد استلزم وصفه تعالى بالتنزه عن علامات الحدوث وصفه بوجوب الوجود، فكأنه قال: حمدا لمن وجب وجوده.
قوله: ((تقدّس)) التقديس: التطهير، والتطهير: النظافة والخلوص من الأدناس؛ حسية أو معنوية، فالتقدس يرجع للتنزه.
و((الكم والكيف)) من قبيل الأعراض، وقد ثبت استحالة قيام العرض بذاته تعالى، وسيأتي معنى الكم والكيف.
وقوله: ((وسائر المنقصات)) جمع منقص أي: وصف منقص، فهو وصف لغير العاقل، أو جمع منقصة بمعنى صفة منقصة، وعطفه على ما قبله من عطف العام على الخاص، إن فسر «سائر» بجميع، أو عطف مغاير إن فسر «سائر» بباقي.
قوله: ((وصلاة وسلاما)) كلاهما منصوبات على المفعولية المطلقة أي: أصلي صلاة وأسلم سلاما، وتعدية الصلاة بـ«على»؛ لأنها تضمنت معنى العطف،
فلا يقال: إن الدعاء إذا تعدّى بـ«على» يكون للمضرة؛ لأن الصلاة ليست بمعنى الدعاء، بل بمعنى: العطف، ولو سلم أنها بمعنى الدعاء فلا يلزم من كون لفظ بمعنى لفظ آخر أن يتعدّى بما يتعدّى به ذلك اللفظ الآخر.
قوله: ((للحِكَم)) جمع حكمة، فسرت بتفاسير يصح إرادتها هنا كلها، ومن بعض تلك التفاسير أنها العلم النافع، وقد جمع ﷺ علوم الأولين والآخرين أي: ما يمكن حصوله للبشر، فلا يلزم مساواة علمه ﷺ لعلم الله تعالى، فإن الحادث لا يساوي القديم.
قوله: ((جواهر الفضل)) المراد بـ«الجواهر» هنا المعادن النفيسة؛ كالياقوت واللؤلؤ ونحو ذلك، و«الفضل» الصفات الكاملة؛ كالعلم والكرم والشجاعة ونحوها،
وفي الفضل استعارة مكنية بأن شبه بامرأة حسناء وطوى ذكر المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الجواهر، وهي استعارة تخييلية،
أو هو تشبيه بليغ أي: هم؛ كجواهر الفضل، وحينئذ يقرأ بالرفع على أنه نعت مقطوع للمدح، والجوهر وإن لم يكن مشتقا إلا أنه مؤوّل به؛ لأنه بمعنى النفيس.
ويصح أن يراد بالجوهر: المقابل للعرض، ومعنى كونهم جواهر الفضل أن الفضل قائم بهم قيام العرض بالجوهر، فلا ينفك عنهم.
قوله: ((من بهم)) متعلق بقوله: «انتظم»، قدمه علىه لإفادة الحصر، أي: لا بغيرهم،
و«العقد» الخيط الذي ينتظم فيه اللآلئ،
و«المعارف» جمع معرفة بمعنى معروفة أي: الأمور المعروفة،
و«انتظم» اجتمع، وفي عقد المعارف استعارة مكنية، والانتظام ترشيح.
قوله: ((في سبيل الخيرات)) بلفظ المفرد، وفي نسخة: «سبل الخيرات» بلفظ الجمع وهما بمعنى، فإن سبيل مفرد مضاف فيعم.
قوله: ((أنموذج)) هو بالهمز: ما يدل على صفة الشيء، أو هو مثال الشيء الذي يعمل عليه، وكأنه شبه هذه الرسالة لكون ما فيها بعضا من علم الحكمة يتوصل به لمعرفة غيره بالأنموذج أي: الشيء الذي يجعل علامة على البقية؛ استعارة مصرّحة، والقرينة حالية، ووجه الشبه الإيصال في كل، فكما أن الأنموذج يتوصل به لمعرفة ما جعل أنموذجا له، كذلك هذه الرسالة يتوصل بها لمعرفة مسائل غيرها من فن الحكمة، هذا على المعنى الأول للأنموذج.
وأما على المعنى الثاني فلأن مثال الشيء محاك له في الجملة، فكأن المسائل التي احتوت عليها هذه الرسالة تحاكي وتشابه بقية المسائل الحكمية، فشبهت هذه الرسالة بأنموذج الشيء الذي يعمل عليه أي: المحاكي له والمماثل؛ استعارة مصرحة، ووجه الشبه المحاكاة والمماثلة في كل.
لا يقال: يلزم عليه محاكاة الشيء لنفسه ومماثلته له؛ لأن ما في هذه الرسالة من فن الحكمة؛
لأنا نقول: لما كانت هذه الرسالة سهلة بالنسبة للبقية صح جعلها مثالا لها باعتبار أن مثال الشيء يحصل أولا ثم يطلب تحصيل الشيء الذي يجعل ذلك الشيء مثالا له.
قوله: ((لنظمي المقولات)) فيه استعارة مكنية حيث شبه المقولات أي: المسائل المبحوث فيها عن المقولات باللؤلؤ بجامع النفاسة في كلٍّ، وطوي ذكر المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو النظم.
قوله: ((يتمّم مفاده)) صفة لـ«شرح»، أي: يتمم ذلك الشرح ما يستفاد من النظم، فالمفاد اسم مفعول من أفاد.
قوله: ((ويبين مراده)) وفيه مجاز حذفي أي: مراد مؤلفه.
قوله: ((سالكا سبيل الإيجاز)) حال من «يتمم» أو «يبين».
قوله: ((مع توضيح المراد)) فيه احتراس؛ إذ ربما يتوهم من الإيجاز الخفاء، فاحترس عنه بقوله: «مع توضيح المراد».
قوله: ((وأستعيذ)) بينه وبين أستعين جناس مضارع، وهو: الاتفاق في جميع الحروف والاختلاف بحرفين متباعدين في المخرج؛ كقول الحريري: «بيني وبين كنى ليل دامس وطريق طامس».