قد عرفت تعريف الحكمة الطبيعية، وهي أنها: علم بأحوال أمور تفتقر في الوجودين إلى المادة،
وموضوعها: الجسم الطبيعي من حيث إنه صالح للحركة والسكون، ومن حيث اشتماله على قوة التغيير أو من حيث إنه ذو مادة أومن حيث إنه ذو طبيعة،
وإنما قيدنا (الجسم) بـ(الطبيعي)؛ لأن الجسم يطلق بالاشتراك على معنيين:
الأول: هذا الجوهر المحسوس المعلوم وجوده بالضرورة، ويسمى: بالجسم الطبيعي؛ لاشتماله على الطبيعة، وستعرفها إن شاء الله تعالى،
والثاني: الكمية السارية في الجسم الطبيعي الممتدة في الجهات الثلاث، أعني: الطول والعرض والعمق، ويسمى: بالجسم التعليمي؛ لكونه موضوعا للحكمة التعليمية، أعني: الحكمة الرياضية،
والذي يدل على تغاير المعنيين أنك إذا أخذت شمعة بعينها وشكلتها بأشكال مختلفة بأن جعلتها تارة كرة وتارة مكعبا وتارة اسطوانة مثلا- فالجسم الطبيعي باق بعينه، وقد تغيرت كميته السارية في تغيرات شتى،
أو أخذت ماء بعينه فجعلته تارة في كوز وتارة في قصعة وتارة جهاته في إناء آخر- فالماء وهو الجسم الطبيعي باق بعينه، وقد تغيرت كميته السارية في جهاته على حسب تبدل ظروفه، وغير المتبدل غير المتبدل، فالجسم الطبيعي غير الجسم التعليمي،
ولما كان موضوع هذا العلم هو: الجسم الطبيعي بالحيثيات التي ذكرنا، -وقد تحقق في فن البرهان أن الموضوع وأجزاءه التي يتألف هو منها، وتحقيق حقيقته يكون مفروغا عنها في العلم- فتحقيق ماهية الجسم -أنه هل هو مركب من الأجزاء التي لا تتجزأ، أو هو مركب من المادة والصورة، أو هو جوهر بسيط متصل في نفسه، أو هو مركب من جوهر وعرض هو المقدار- ليس من مسائل الحكمة الطبيعية، وإنما هو من مسائل الحكمة الإلهية كما سنذكر إن شاء الله تعالى،
ولكن قد جرت العادة بذكر هذه المسائل في فواتح الحكمة الطبيعية لتوقف أكثر مسائلها على تلك المسائل، فلا يستيقن أكثر مسائل هذا العلم حق الاستيقان ما لم تحقق حقيقة الجسم الطبيعي، فلا جرم قدمنا تحقيق حقيقته على البحث عن عوارضه لذاتية، والأحوال المنسوبة إليه ليكون المتعلم على بصيرة ويقين وعقدنا لبيانه فصولا