والحكمة العملية أيضا على أقسام؛ لأنها باحثة عن أحوال أمور وجودها بقدرتنا واختيارنا، وتلك الأمور أيضا على أقسام:
-فمنها أمور تتعلق بمصالح شخص واحد ليعلمها ويعملها لإصلاح معاشه ومعاده، ويتحلى بالفضائل ويتخلى عن الرذائل،
-ومنها أمور تتعلق بمصالح جماعة مشتركة في المنزل كمثل ما يجب ما بين الوالد والمولود والمالك والمملوك،
-ومنها أمور تتعلق بمصالح جماعة مشتركة في المدنية والملك كمثل ما يجب ما بين الرئيس والمرؤوس والملك والرعية،
فإن كانت الحكمة العملية علما بالقسم الأول سميت: تهذيب الأخلاق كالعلم بالحسنات لتكتسب والعلم بالسيآت لتجتنب،
وإن كانت علما بالقسم الثاني سميت: بتدبير المنزل،
وإن كانت علما بالقسم الثالث سميت: بالسياسة المدنية،
وقد ضرب الناس صفحا عن مزاولتها، وأعرضوا إلا قليلا عن محاولتها؛ فإن الملة الحنيفية البيضاء والشريعة المصطفوية الغراء قد قضت الوطر منها على وجه هو أتم تفصيلا، والوحي الإلهي الرباني قد أغنى عن أعمال الفكر الإنساني فيها بما هو أكثر نفعا وأكبر تفضيلا،
وكذا عن الحكمة الرياضية بأقسامها الأربعة التي هي: الحساب والهندسة والهيأة والموسيقى مع كثرة منافعها وفوائدها ووثاقة أصولها وقواعدها وكون أكثر مسائلها يقينية وأكثر دلائلها قطعية لا تخمينية، وذلك لابتنائها غالبا على التخييل،
فلما لم يكن لأعمال الفكر والروية فيها مدخل وسبيل، بخلاف الحكمة الطبيعية والإلهية أعرضوا عنها إلا قليل، وآثروها بالتحصيل،
فنحن في هذا المختصر بصدد الحكمة الطبيعية متوكلين على الله ونعم الوكيل
اعلم أن في هذه الرسالة مقدمة وثلاثة فنون: