اعلم أن الحكمة: علم بأحوال الموجودات أعيانا كانت أو معقولات على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية،
ومن قيد (الموجودات) في تعريف الحكمة بـ(الأعيان) لم يعد المنطق من الحكمة، والحق أنه منها،
والتقييد بـ(الأعيان) يخرج الفلسفة الأولى، أعني: العلم الكلي الذي هو قسم من الحكمة الإلهية؛ لأن العلم الكلي باحث عن الأمور العامة التي لا وجود لها في الأعيان كالوجود والإمكان؛ إذ لا وجود لهما في الخارج، وإلا لزم التسلسل المستحيل؛ إذ لو كان للوجود مثلا وجود في الخارج لكان لوجوده التسلسل أيضا وجود في الخارج، ولوجود وجوده أيضا وجود في الخارج، وهكذا.
وكذا الإمكان مثلا، لو كان موجودا في الخارج لكان إمكان الإمكان أيضا موجوداً في الخارج، وإمكان إمكان الإمكان أيضاً موجوداً في الخارج، وهكذا إلى غير النهاية، واللازم باطل، فالملزوم مثله،
فالصواب أن لا تقيـد (الموجودات) في تعريف الحكمة بـ(الأعيان)، ويقال: إن المنطق الباحث عن أحوال المعقولات كالكلية والذاتية والعرضية والجنسية والفصلية والموضوعية والمحمولية وكونها قضية أو عكس قضية إلى غير ذلك قسم من الحكمة،
ثم الحكمة لما كانت عبارة عن: العلم بأحوال الموجودات، والموجودات منها أمور وجودها بقدرتنا واختيارنا كأفعالنا وأعمالنا، ومنها أمور ليس وجوده بقدرتنا واختيارنا كالسماء والأرض كانت الحكمة على قسمين:
الأول: عـلم بأحوال أمور ليس وجودها بقدرتنا واختيارنا كالعلم بالواجب سبحانه وصفاته والعلم بالسماء والأرض مثلا،
والثاني: عـلم بأحوال أمور وجودها بقدرتنا واختيارنا كالعلم بحسن العدل وقبح الظلم مثلا،
والقسم الأول يسمى: حكمة نظرية، والقسم الثاني: حكمة عملية،
وغاية الحكمة النظرية والحكمة العملية: تكميل النفس في قوتيها، وذاك أن للنفس قوتين:
-قوة بها تدرك الأشياء وأحوالها، وتسمى: قوة نظرية،
-وقوة على الأعمال بها تتحلى بالفضائل وتتخلى عن الرذائل، وتسمى: قوة عملية،
فالحكمة النظرية وهي: العلم بأمور ليس وجودها بقدرتنا واختيارنا غايتها: أن تستكمل القوة النظرية للنفس بحصول العلوم التصورية والتصديقية بأمور ليس وجودها بقدرتنا واختيارنا، وليس غايتها إدخال شيء في الوجود بل العلم والمعرفة فقط،
والحكمة العملية وهي: العلم بأمور وجودها بقدرتنا واختيارنا غايتها: أن تستكمل القوة النظرية للنفس بحصول العلم التصوري والتصديقي بأمور وجودها بقدرتنا واختيارنا ليعمل ويدخل في الوجود، فتستكمل قوتها العملية بحصول العمل بالفعل،
فتكون الحياة الدنيا سعيدة فاضلة، والحياة الأخروية صالحة كاملة، وتتحلى النفس بالصلاح وتتخلى الفساد، وينتظم بذلك كل ما لها من أمور المعاش والمعـاد،
ثم الحكمة النظرية على أقسام ثلاث؛ لأنها باحثة عن أحوال أمور ليس وجودها بقدرتنا واختيارنا، وتلك الأمور على أقسام:
-فمنها أمور تفتقر في وجودها الخارجي والذهني إلى المادة كالإنسان والحيوان مثلا، فإن الإنسان لا يوجد ولا يتصور إلا في مادة خاصة ذات مزاج خاص؛ إذ لا يوجد ولا يتصور إنسان من خشب أو حديد مثلا،
-ومنها أمور تفتقر في وجودها الخارجي إلى المادة، ولا تفتقر إليها في وجودها الذهني كالكرة والمثلث والمربع، فإنها لا تتوقف على مادة خاصة بل تتصور في أية مادة كانت كالخشب والحديد وغيرهما،
-ومنها أمور لا تفتقر في الوجودين إلى مادة أصلا كالإله الحق جل مجـده، والمفارقات القدسية، والوجود والإمكان وغيرهما من المعقولات العامة والمفهومات الشاملة،
فإن كانت الحكمة النظرية علما بأحوال أمور تفتقر في الوجودين إلى المادة كالعلم بأن الهواء يتكون ويفسد، وأن الفلك متحرك على الاستدارة- فهي: الحكمة الطبيعية،
وإن كانت علما بأحوال أمور تفتقر إلى المادة في الوجود الخارجي دون الذهني كالعلم بأن كل مثلث فإن زواياه الثلاث مساوية لقائمتين- فهي: الحكمة الرياضية،
وإن كانت علما بأحوال أمور لا تفتقر إلى المادة في الوجودين كالعلم بأن الواجب سبحانه عالم قادر، والعلم بأن الوجود من المفهومات العقلية فهي: الحكمة الإلهية، والمنطق قسم منها،