بسم الله الرحمن الرحيم
أكتب عن عمر ولا أدري من أين ابدأ وأين انتهي فالماضي حاضر في القلوب و راسخ في الذاكرة صور و أصداء تترأى أمامي عياناً بياناً يهتز لها قلبي ويهفو لها و كأن الماضي لم يمضي حاضر في القلوب و الوجدان
أبدأ بزمالتي لعمر في فترة الدراسة بعد رجوعه من الجزيرة تنقسي عام الفيضان سنة ١٩٤٦ عندما كان يقيم مع جدتنا لوالدتنا و بدأ دراسته في مدرسة تنقسي الأوليه جاء عمر بعدي ليزاملني في مدرسة الأهلية ورغم ان الفارق بيني و بين عمر أكثر من أربع سنوات إلا أنه بجهده ونبوغه طيلة المراحل الدراسية أستطاع أن يتجاوز عدد من المراحل ليكون الفارق بيننا سنتين دراسيتين فكنت أنا بالصف الرابع و هو في الصف الثاني؛ ظللنا هكذا في المرحلة الاوليه و المرحلة الوسطى ومرحلة الثانوية وكذلك في الجامعة
لقد كانت المصاعب في البداية في المرحلة الأولية حيث كنا ندرس في مدني و نقيم في مرِنجان و قد كانت بركات و مرِنجان تمثل رئاسة مشروع الجزيرة و التي أقامته الشركة الزراعية البريطانية و رغم عظمة هذا المشروع إلا أن المستثمر لم ينشأ أي منشأة تعليمية في المنطقة و لا حتى في القرى الخمسة المجاورة أيضاً لمن يكن هناك أي وسيلة للمواصلات بين مدني و مرِنجان مما تعذر على أبناء العاملين مواصلة دراستهم، و لم تستطع معظم الأسر مواصلة تعليم الأبناء فيما عدا اسرة عبدالرحمن حاكم والتي انتقلت الي مدني.
وبقينا أنا وعمر نواصل دراستنا عن طريقة وسائل نقل مختلفة بدأ بركوب الحمار و راجلين ذهاباً و إياباً ولم نتمكن من استعمال العربة إلا بعد إلتحاقنا بمرحلة الوسطى كانت عربة متهالكة لم تدم طويلاً فأضطررنا الى الإنتقال إلى مدني لمواصلة تعليمنا؛ كان يومنا يبدأ قبل طلوع الشمس لنعود بعد العصر الى المنزل
انتقلنا بعد ذلك إلى حنتوب لدراسة الثانوية و كنا نقيم في الداخلية تزاملنا فيها لمدة سنتين و كانت من أجمل الأيام وبعدي بسنتين ألتحق عمر بالجامعة وذلك بعد أن تحصل على جائزة مشروع الجزيرة و التي كانت تُمنح لأميز طالب من منطقة الجزيرة والمناقل وعلى شهادة كامبريدج و التي أهّلته للدخول لجامعة الخرطوم كلية الطب و قد كانت قيمتها ٣٠ جنيه كل سنة وقد كان مبلغاً كبيراً آنذاك كان يشاركني به دائماً
مراحل دراسيه طويله جعلتنا أقرب ما يكون لبعضنا البعض ومكنتنا من مشاركة أدق تفاصيل حياتنا و أسرار وأصدقاء كل منا وتوطيد علاقتنا ببعض
في عام ١٩٦٧ وبعد عودتي من الولايات المتحدة الأمريكية غادر عمر لبريطانيا و ذلك للتخصص في الجراحة و أذكُر أن منحني جزء من أثاث منزله مما ساعدني لأبدأ بألاستقرار في الخرطوم سريعاً إلا أن عمر عاد بعد أقل من سنة من بريطانيا بعد ان أحرز في فترة وجيزة زمالة الجراحة وقد وصل الخرطوم صباحاً في يوم وقفة العيد إلى مطار الخرطوم ثم إلى منزلنا بشمبات وبعد التهاني و التحيات والسلام أصر ّ عمر أن يذهب في ذات اليوم إلى مدني للقاء العائلة وقد كان على عجلة من امره وقلت له "لندن دي نفعت معاك رجعت صحتك كويسة" وقد رد علي "لا تحسب الشحم في من شحمه ورم" وقتها لم اعر رده انتباهاً لأن كثيراً ما كان يرد بأبيات الشعر و الأمثال، و ذهبنا إلى مدني وفي يوم العيد
فعرفت انه كان يشكو من (نزلة برد) وحسبت ان السبب تغير الجو عليه، و اذكر اني عندما جلست بقربه سألني مشيرا الى اللوحة المعلقة في الحائط امامنا ( بتقدر تقرا الكلام المكتوب في اللوحة دي؟) ورديت عليه ( بأن كلامها واضح) معتقدا انه يحاول ان يمتحن نظري وايضا لم اعر تعليقه اهتماما وقتها، وايضا مما شد انتباهي ان عمر رفض ان يتم فحص دمه في مدني ورجعنا الى الخرطوم واذكر انه استقبل في القسم الجنوبي بمستشفي الخرطوم.
وتجمع زملائه الأطباء وكنت أظن أنهم يعيرونه إهتماماً زائداً بسبب الزمالة الي أن خرج من الغرفة صديقه من الثانوي الدكتور سعد سعيد وهو يبكي، عندها أحسست أن الوضع خطير و كان القرار أن نرجع إلى لندن فوراً الأمر الذي رفضه عمر تماماً في البدايه ،الا أن بروفيسور داؤود مصطفي تمكن من إقناعه و بحمد الله تمكنّا من السفر في ذات اليوم في منتصف الليل في يوم ٣١ ديسمبر ١٩٦٨ لنصبح في اليوم الاول من عام ١٩٦٩ في لندن و أستقبلونا بإسعاف في المطار نقلنا لمستشفى جامعة لندن وكُنّا برفقته أنا وزوجته نجاة الكارب وصديقه الحميم شقيق نجاة التجاني الكارب. وصل الطبيب المشرف علي علاج عمر ليبدأ بعدها رحلة العلاج الطويلة و أترك ذلك لما فصّله عمر في كتابه هذا
ولكن هنالك حادثة لابد من ان ادخل في تفاصيلها كنت ذهبت لعمر صباحا في المستشفى كالعادة و وجدته في ذلك اليوم جاهزا للخروج و طلب مني ان نذهب سويا الى ترافالقار اسكوير و كان ذلك بعد عمليه إزالة الكلى و الاعتماد علي غسيل الكلى البريتوني. ترددت في الاول ولكنه عمر اصر فخرجنا سويا من المستشفى و ذهبنا الى حيث اراد و اصر ان نأكل سندوشات شاورما و في الرجوع وفي بداية شارع بادينقتون المؤدي إلي مستشفي سانت ميري وبجوار مارك اند سبنسر كان هنالك مكان مشهور لعرض البدل الرجالية دخل عمر الى ذلك المتجر و تبعته و اختار بدلة اصر علي ان اشتريها و رغم اصراره رفضت لاني لم اكن ارى ان الوقت مناسبا للتسوق و قد حسم الموضوع بأن قال لي (الصراحة بدلتك ما عاجباني) فاستجبت لطلبه وأشتريتها وما زالت بعد اكثر من خمسين عاماً محتفظا بها
إن نبوغ عمر المبكر و حيويته وحبه للناس وقوة شخصيته وعمق إيمانه وحضوره الذهني مكنه دائماً من اتخاذ القرار المناسب وتصالحه مع نفسه و إبتسامته الدائمة وكل هذه الصفات الحميدة التي لازمته منذ الصغر وزينت شخصيته في الكبر الى أن اوصلته ليكون مدير جامعة الخرطوم كل ذلك عطر ذكراه عندما غاب عن النظر
أن غياب عمر في صغره عن المنزل ونشاته لدي جدتنا بالشمالية وعودته الي مرِنجان من بعد ان صار صبياً جعلته أقرب إلى الوالد منا وكُنا نستغله لإجابة مطالبنا أمام الوالد فقد كان الوحيد الذي يستطيع مناقشته وجداله كانت علاقتهم تشبه الصداقة في بعض الاحيان! اذكر أنه كان يحب السباحة ويشترك في المسابقات بحنتوب الثانويه ويقطع النيل من مدني الي حنتوب وفي مرة في إجازة في مرِنجان في نهار رمضان اقترح عمر ان نطلب من الوالد ان يسبح معنا فقلت له "بالغت يا عمر، كيف يعني تقول كده لابوي ؟" وظننت أنه يمزح و ذهبت لأنام وقبل المغرب أستيقظت ووجدت الوالد وعمر فعلاً ذهبا للنيل للسباحة ورجعوا قبل موعد الافطار! كانت له علاقة خاصة بكل من أخواته وأخوانه وكان صديقا مقرباً لكل واحد منا علي حِده صغيراً او كبيراً. وأرتبط في ذهن أخواته بانه المعلم والمحفظ للقرآن
الكلام عن عمر يطول والذاكرة مليئة بالكثير ولا اعرف أين انتهي فلذلك اقول
PENS DOWN
وختاماً أقول اللهم اكرم نزل أخي الحبيب عمر مع الصالحين .... آمين
February the 6th, 2021 marks 30 years since my father passed away. We are relaunching his memoir, Two Lives on the anniversary of his passing to share it with the younger generations who did not know the man behind the name. I too say Alhamdullilah for all the blessings and beauty that was my Father.
My father chose to live every day of his second life with an appreciation for the gift of simply living. His positive energy touched all those who were in his presence. His laughter was infectious and could brighten even the darkest of days as you often couldn’t help but laugh with him. He never shied away from expressing his emotions and crying real tears whenever tragedy struck in life. However, despite any hardships he would always remind us to say “Alhamdullilah” and never grieve for too long always celebrating the gift of life.
He always managed to be the best dad, a loving husband, a devout son, a supportive brother, a loyal friend, a caring doctor, and a dedicated teacher. These were the so many parts of him that he gave fully to each and every one of us.
I’ll never forget the subtle parts of him that were the most special to me. I often think back to his serenity in worship and his resentment of sleep as it robbed him of hours of living. He always used to say, “life is too short to miss out on the good times”. He would wake me and my siblings up early to revise for exams and took pride in all our achievements. He always encouraged us and let us believe that no dream was too big or too far out of reach. No one was happier than him when I was accepted into Medical School. I was privileged to experience him as both my father and my professor. I remember him picking me up and spinning me around when I graduated! Most of all, I loved the way he was at peace with the man he was. He taught us the importance of family and that success in our careers was nothing without the love and support of our loved ones. My father epitomized generosity and humility. I often warmly remember his deep appreciation for art and music. Our home was regularly infused with the melodic sounds of Abdelaziz Dawoud, Aster Aweke, Earth Wind and Fire and Sufi songs praising the Prophet (ﷺ). I will forever remember his face lit with joy as he praised Allah with thanks when leading our prayers in our visits to Mecca.
To my Father:
Not a day goes by where I don’t miss your physical presence, even though I’ve always kept you close to my soul. You would have been proud to see how my mother steered us in the direction you pointed always keeping us strong and focused. I feel your presence in my siblings; Selma, Tanweer, Mohammed, and in all your grandchildren who grew up inspired by you.
Alhamdulillah, Alhamdulillah, Alhamdullilah.
أتحدث عن ذلك الطفل الذي أتي من أقصى الشمال، يخترق زحام الأطفال والطلاب في مدارس الوسط ويتفوق عليهم جميعاً ليكون في المقدمة ولايترك لأحد منهم مكانه المتقدم حتي نهاية كل المراحل الدراسية...لكني أري ذلك الأنسان الذي صار ينمو بداخل الطفل حتي كانت تلك الشجرة البازخة الظليلة الوارفة التي إستظلّ بها كل ذلك الزخم من الطلاب والمرضي والمحتاجين والأهل القريب منهم والقصي
لم نكن نعرف بعضنا علي نحو وثيق طوال مراحل الدراسة فهم في مرِنجان ونحن في بركات أو ود مدني وكأنما البعد بينهم نهاية الأميال
برغم أننا درسنا في مدرسة حنتوب الثانوية التي سبقني اليها بعام واحد ثم بعد ذلك بسنوات تخرج هو من كلية الطب في الخرطوم وبدأ عمله بمستشفي الخرطوم وبدأت عملي وتدريبي بمكتب الأستاذ/ محمد أحمد محجوب المحامي
كان هو يسكن في ميز الأطباء أولاً بشارع السكة حديد وثانياً بالميز الثاني بالقرب من مجلس الوزراء، وكنا نلتقي مساء في المقهي الاغريقي الأشهر أتنيّ الذي كان يأمه عدد من خريجي الجامعة المتوظفين حديثأ من أطباء، مهندسين، قانونيين، مثقفين، أدباء كلهم من أبناء الطبقة الوسطى العليا
في تلك الفترة عرّفته وقدمّته الي الأستاذ محمد أحمد محجوب وكان يذهب معي الي مصطبه منزل الأستاذ التي كانت عامرة بالسياسيين والأدباء والمفكرين كذلك عرفته بالشاعر العظيم محمد المهدي المجذوب وكان دائمأ برفقتنا الصديق الشاعر الدكتور عبد الواحد عبد الله ولقد صارا صديقين حميمين. كانت تلك أيامأ زاخرة بالفكر والبهجة والأُنس
من بعض تاريخ عمر لايعرفه الكثيرين أنه سافر الي فلسطين في الضفه الغربية ليساعد في توفير الاحتياجات الطبية للمقاتلين الفلسطينيين
كان عمر احتفالياً يحتفي بكل شئ جميل أو مثير، يحتفي باليوم الجديد باعتباره أنه جديد ويحتفي بكل الظواهر الكونية بالفجر والشروق والغروب، يسعد بسعادة الآخرين، يحب الموسيقى والغناء والرقص والعَرضة
يسهر بالمولد النبوي الشريف في حلقات الذكر والحلوي والمديح ويذهب باسرته وأطفاله الي المولد، كان من بين أصدقائه القريبين مُدّاح الرسول ﷺ وكان يعبر النهر إلي توتي لقضاء بعض الوقت مع صديقه شيخ إبراهيم
عدت من أمريكا إلي الخرطوم لأجد عمر طريح الفراش في المستشفي الجنوبي وذهبت مباشرة الي المستشفي قبل أن أذهب الي البيت. كان مريضاً جدأ ومتعباً، وكان يلتف حوله الجميع من الأطباء زملائه، وكان يشرف عليه الدكتور/ عبد الرحمن محمد موسي
وبدأ بتلك الأيام غسيل الكلى بتوجيه من عمر نفسه ثم كان القرار برجوعه الي لندن، كانت طائرة منتصف الليل عن طريق بيروت، عثمان ونجاة وأنا والتقى بنا في لندن العديد من اصدقاءه الأطباء اذكر منهم سامي خليفة محجوب وعلي كمبال واذكر من الذين جاءوا لزيارته بالمستشفي الجامعي دكتور عبدالحليم محمد وبروفسيور ماكس رئيس جمعية الأطباء الملكية. ومن هُنا دخل عمر في المرحلة الثانية من كتابه حياتين
وأنا أزور قبرك اليوم ٦ فبراير ٢٠٢١ يا عمر، في هذا اليوم وفي كل ما مضي من أيام وفي كل مقبل أيامنا نحن نفتقدك يا صديقي الحبيب...