إيسَاغُوجِي
اللَّفْظُ الدَّالُّ بالوضع يدل:
- عَلَى تَمَامِ مَا وُضِعَ لَهُ بِالْمُطَابقَةِ
- وَعَلَى جُزْئِهِ بِالتَّضَمُّنِ إِنْ كَانْ لَه جُزْءٌ
- وَعَلَى مَا يُلاَزمُهُ فِي الذِّهْنِ بالالْتزامِ
كالإِنْسَانِ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ:
- عَلَى الحَيَوَانِ النَّاطِقِ بِالمُطَاَبقَةِ
- وَعَلَى أَحَدِهِمَا بِالتَّضمُّنِ
- وَعَلَى قَابِلِ التَّعَلُّمِ وَصَنْعَةِ الكِتَابةِ بالالْتزَامِ.
أَقُولُ اعلم أَنَّ لِلْمَنْطِقِيِّينَ اصْطِلاحَاتٍ يَجِبُ استحضارُها على المُبْتَدِيءِ إذا أَرَادَ أَنْ يَشْرَعَ في شيءٍ من العلومِ، ومنها إِيسَاغُوجِي وهو لفظٌ يُونَانِيٌّ قديمٌ يُرَادُ به الكُلِّيَّاتُ الخَمْسُ وهي الجنسُ والنوعُ والفصلُ والخاصَّةُ والعَرَضُ العامُّ وهذه يَتَوَقَّفُ معرفتُها علي بيانِ الدلالاتِ الثلاثِ المُطَابَقَةِ والتَّضَمُّنِ والالْتِزَامِ وعلى أقسامِ اللفظِ
والدلالةُ هي كَوْنُ الشيءِ بحالةٍ يلزمُ من العلمِ به العلمُ بشيءٍ آخَرَ، الأَوَّلُ هو الدَّالُّ والثاني هو المدلولُ
فَمِنْ هذا عَرَفْتَ أن الدليلَ هو الذي يلزمُ من العلمِ به العلمُ بشيءٍ آخَرَ،
وكذا عَرَفْتَ أَنَّ المدلولَ هو الذي يلزمُ من العلمِ بشيءٍ آخَرَ العلمُ به،
والدلالةُ تَنْقَسِمُ إلى أقسامٍ ثلاثةٍ طَبَعِيَّةٍ وعقليةٍ وَوَضْعِيَّةٍ
فالدلالةُ الطبعيةُ أن تكون بحسب اقتضاء الطبع كدلالة أُحْ أُحْ على وَجْعِ الصَّدْرِ فإنَّ طَبْعَ اللافِظِ يقتضي التَّلَفُّظَ به عند عُرُوضِ الوَجَعِ
والدلالةُ العقليةُ أن تكون بحَسَبِ اقتضاءِ العَقْلِ كدلالةِ لفظ دَيْز المسموعِ من وَرَاءِ الجدارِ على وجودِ اللافظِ والمرادُ من الدلالةِ هَهُنَا الدلالةُ اللفظيةُ الوَضْعِيَّةُ التي تكونُ بحسبِ وَضْعِ اللَّفْظِ الدَّالِّ على المَعْنَى،
وهي ثلاثةُ أقسامٍ لأَنَّ اللفظَ الدالَّ على المَعْنَى لايَخْلُو من أن يَدُلَّ على تمامِ ما وُضِعَ له أو يَدُلَّ على جُزْئِهِ أو على ما يُلازِمُهُ في الذِّهنِ فإِنْ كان الأَوَّلَ فالدلالةُ دلالةٌ بالمُطَابَقَةِ وإِنْ كان الثَّانيَ فالدلالةُ دلالةٌ بالتَّضَمُّنِ وإِنْ كان الثَّالِثَ فالدلالةُ دلالةٌ بالالتزامِ
مثالُ الدلالةِ بالمطابَقةِ كالإنسان فإِنَّهُ يَدُلُّ على الحيوانِ الناطقِ بالمُطَابَقَةِ لكونِهِ تمامَ ما وُضِعَ له الإنسانُ، وإِنَّما سُمِّيَتْ هذه الدلالةُ مُطَابَقَةً لأَنَّ اللَّفْظَ مُوَافِقٌ لِتَمَامِ ما وُضِعَ له وذلك مأخوذٌ من قولهم تَطَابَقَ النَّعْلُ بالنَّعْلِ إذا توافقتا
ومثالُ الدلالةِ بالتَّضَمُّنِ كالإنسان إذا دَلَّ على أَحَدِهِمَا أي على الحيوانِ أو على الناطقِ، وإِنَّما سُمِّيَتْ هذه الدلالةُ تَضَمُّنًا لأنهُ يَدُلُّ على الجزءِ الذي في ضِمْنِهِ
ومثالُ الدلالةِ بالالتزامِ كالإنسان إذا دَلَّ على قابِلِ العِلْمِ وصَنْعَةِ الكتابةِ، وإِنَّما سُمِّيَتْ هذه الدلالةُ التِزَامًا لأَنَّ اللفظَ لايَدُلُّ على كُلِّ أمرٍ خارجٍ عنه بل يدلُّ على الخارجِ اللازمِ له في الذِّهْنِ
وإِنَّما قَيَّدَ قولَهُ على ما يُلازِمُهُ بقولِهِ في الذِّهْنِ لأَنَّ الملازمةَ الخارجيةَ لو جُعِلَتْ شرطًا لم يَتَحَقَّقِ الالتزامُ بدونِهَا لامتناعِ تَحَقُّقِ المشروطِ بدونِ تَحَقُّقِ الشرطِ واللازمُ باطلٌ فكذا الملزومُ لأَنَّ العَدَمَ كالعَمَى يَدُلُّ على الَملَكَةِ كالبَصَرِ التزامًا لأَنَّ العَمَى عدمُ البصرِ عمَّا من شَأْنِهِ أَنْ يكونَ بصيرًا مع أَنَّ بينهما مُعَانَدَةً في الخارجِ
لا يُقالُ هذه الدلالةُ تضمنيةٌ
لأنا نقولُ العمى عبارة عن عدمٍ مُضَافٍ إلى البصرِ فيكون البصرُ خارجًا عنه فيَمْتَنِعُ أن يكون دلالةً تضمنيةً