الدكتور عزت السيد أحمد
هذه المقالة مقدمة كتاب: لماذا أخفقت النَّهضة العربية
سأبدأ هٰذه المقدمة وهٰذا الكتاب بما يشبه الطرفة أو النكتة، الأعلام اللممثلون لأسباب إخفاق النَّهضة العربيَّة وسقوطها في هٰذا الكتاب سبعة أعلام، لم يتماختيارهم وفق أي طريقة أو منهجيَّة علىٰ الإطلاق. كلُّ ما في الأمر أَنَّهُم الأعلام الذين كتبتُ عنهم أبحاثاً مطوَّلة وموسَّعة لمناسبات متعدِّدة أبرزها المؤتمرات والنَّدوات التي شاركت فيها بهذه الأبحاث.
لم توجد أي نية في اختيارهم، المصادفة وحدها التي جعلتني أكتب عنهم أبحاثاً مطولة. أعني وأؤكِّد من جديد أنِّي لم أنتقهم للإجابة علىٰ سؤالي لماذا أخفقت النَّهضة. إِنَّهُم عيِّنة أو نماذج غير منتقاة علىٰ أيِّ أساس، إلا المصادفة التي جعلتني أكتب عنهم أبحاثاً موسَّعة.
كتبت هٰذه الأبحاث كلَّها عن الأعلام والفصل الذي يتناول إخفاق النَّهضة العربيَّة ما بَيْنَ عامي 1999م و2006م. وكانت في تلك الفترة لدي نيَّة للكتابة عن سائر أعلام النَّهضة العربيَّة بهذا التَّوسُّع في إطار عمل موسوعيٍّ، إلىٰ جانب مجموعة من الأفكار في تناول عصر النَّهضة العربيَّة، ولٰكنَّ الأمر لم يكتب له المتابعة لأسباب كثيرة، علىٰ رأسها أولويَّات أكبر من هٰذا المشروع وأكثر منه أهميَّة لدي.
المهمُّ في الأمر أنِّي كتبت عن إخفاق النَّهضة العربيَّة ولم تكن هٰذه النَّماذج في بالي، وإنَّمَا الأمر أمر تصور عمَّا حدث وانتهت إليه النَّهضة، وعندما انتهيت من إنجاز موسوعة أعلام عصر النَّهضة العربيَّة بقيت هٰذه الأبحاث السَّبعة المطولة التي لم يكن من اللائق نشرها كما هي في الموسوعة مع الأعلام الآخرين الذين لم يحظ الواحد منهم إلا بما بَيْنَ صفحتين وثماني صفحات علىٰ الأكثر، فوجدت أن أنشرها معاً في كتاب يحمل عنوان إخفاق النَّهضة العربيَّة، بوصفهم نماذج نستشف من خلالها أسباب إخفاق النَّهضة العربيَّة.
من الطَّبيعي إذن أن تجد عند هٰؤلاء الأعلام أفكاراً نيرة، وجميلة، ومهمة جدًّا... لم يكن الهدف من الكتابة عليهم إبراز المساوئ، ولا انتقادهم، ولا إبراز أسباب إخفاق النَّهضة، وإنَّمَا عرضت أفكارهم بأمانة وموضوعيَّة للمؤتمرات والنَّدوات التي شاركت فيها بهذه الأبحاث. ومع هٰذه الأمانة والموضوعية سنجد فيهم ومن خلالهم أسباب انهيار مشروع النَّهضة العربيَّة وانتهائها نتائج كارثية علىٰ الأمَّة العربيَّة.
ليس من باب المضادفة أبداً أن يكون هٰؤلاء السَّبعة من بَيْنَ أكثر من مئة مفكر نهضوي ممثلين لأسباب إخفاق النَّهضة العربيَّة علىٰ الرَّغمِ من عدم الكتابة عنهم انتقائيًّا بقصد التبيان. فالحقيقة المرة والقاسية أن أكثر من 95 بالمئة من مفكري عصر النَّهضة العربيَّة لم يقدموا فكراً نهضويًّا وإنَّمَا حملوا معاول الهدم في وحدة الأمَّة ووضعوها أمام المسارات التي تكرس التفتيت والانهيار والاستبداد ومحاربة الحريات وتكريس الصَّوت الواحد والمصيبة الكبرى أنَّ هٰذا الصوت الواحد ضد الأمة؛ ضدَّ مستقبلها مثلما هو ضد ماضيها. هٰذه هي الحقيقة.
قد لا يقتنع الكثيرون بذٰلك، وما أكثر النَّاس ولو حرصت بمؤمنين. الأمر طبيعي ولا عجب فيه من النَّاحية الواقعية، هو خلل في المنطق، وتناقض في المنطق، ولٰكنَّهُ واقعيًّا هو القائم. فعلىٰ الرَّغمِ من كلِّ الوضوح اليوم فإنَّ الكثيرين يدافعون عن الباطل الصَّريح الوضوح، يدافعون عن المستبد الذي دمَّر الأمَّة... من السَّهل، والعياذ بالله، أن تشتم الذَّات الإلهيَّة أمام أحدهم، وهو يصلِّي ويصوم، ولا يعترض، وقد يضاحكك في ذٰلك، ولٰكنَّك إذا قدحت بحاكم عاهر استبد بالشَّعب، وقتل الأحرار من دون ذنب، وقتل كل صوت غير الصَّوت المنافق له، ودمَّر الأمة... فإِنَّهُ سيثور عليك ثورة الزير سالم.
بغضِّ النَّظر عن الشُّبهات وعلامات الاستفهام والسُّلوكات المريبة لكثير من أعلام عصر النَّهضة العربيَّة... سأعدُّ أنَّ شيئاً من ذٰلك غير موجود، ولا أساس له من الصِّحَّة. بغضِّ النَّظر إذن عن ذٰلك كلِّه، إذا نظزنا في فكر أعلام عصر النَّهضة العربيَّة، أكثر من تسعين بالمئة منهم، فإنَّ ما قاموا به وفعلوه وكرسوه من أفكار كان يهدف إلىٰ ما يلي:
أولا: إسقاط الخلافة الإسلاميَّة بذرائع مختلفة كالظلم والاستبداد والقوميَّة والعرقيَّة وغير ذٰلك مما كان علىٰ رأس أولويات وأهداف الماسونيَّة وبريطانيا وفرنسا...
ثانياً: محاربة التُّراث العربيِّ والإسلاميِّ بزعم المعاصرة، في حين كانوا يمجِّدون التُّراث الغربي ويقدِّسون فلاسفته وأعلامه.
ثالثاً: محاربة الإسلام بزعم أنَّ فصل الدين عن الدَّولة هو أساس التَّقدُّم والتَّطوُّر.
رابعاً: القضاء علىٰ النِّظام التَّعليمي الإسلامي بزعم تطوير التَّربية والتَّعليم بنظريات التربية المعاصرة فيما هو في الحقيقة والواقع وغالباً في نواياهم إقصاء التعليم الإسلامي وتهميشه؟
هٰذا قليل من كثير مثله، ولتحقيق ذٰلك كان لا بُدَّ من جملة من الافتراءات التي مازالوا يكرِّرونها إلىٰ اليوم وعلىٰ رأسها مظلوميَّة النَّصارىٰ وهٰذا محض افتراء تثبت الحقئق والوقائع تمام بطلانه... فنتج عن ذٰلك:
أولاً: تفتيت الأمَّة الإسلاميَّة ولم ينته الأمر عند ذٰلك بل تَمَّ تفتيت الأمَّة العربيَّة إلىٰ ما يربو علىٰ عشين دولة.
ثانياً: تكريس الفكر الشُّمولي والاستبداد والأنظمة التي تحارب الإسلام وتحارب التراث العربي، وما زالت هٰذه الأنظمة حَتَّىٰ اليوم قائمة منذ تفتيت الأمَّة الإسلاميَّة والدَّولة الإسلاميَّة...
ثالثاً: كانت النَّتيجة الطبيعيَّة لذٰلك كلِّه امتناع قيام نهضة علىٰ أي صعيد من الصُّعد لأَنَّهُ ليس من مصلحة هٰذه الأنظمة قيام أي تطور أو نهوض، ولذٰلك قامت هٰذه الأنظمة بمحاربة الكفاءات والحليولة دون أي تطور.
رابعاً: وكان من الطَّبيعي للفكر الذي طرحوه أن ينتهي إلىٰ كارثة بل كوارث. الفكر الذي ينادي بسلخ الأمَّة هويتها لا يمكن أن يكون فكراً لصالح الأمَّة بحالٍ من الأحوال. والأشنع من ذٰلك أَنَّهُم لم يكتفوا بالمناداة بسلخ الأمة هويتها بل نادوا بدمجها بهوية أعدائها التاريخيين الذين لا يمكن أن يقبلوا لها أي خير تحت أي ظرف. لا يمكن أبداً لمن يرفض ماضي الأمَّة أن يكون مع مصلحة الأمَّة في حاضرها ولا في مستقبلها.
فكيف يمكن أن لا تخفق النَّهضة العربيَّة؟