بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
أما بعد حمدا لله فيقول أحوج العباد وأخضع العبيد محمد الحسيني الأندلسي البليدي أصولا المصري منشأ الماكي مذهبا أتاح الله له ولإخوانه نيل السعادة وختم له ولهم بالحسنى وزيادة إليك يدي يا من هدانا لنيل السعادات في إتمام المقولات ضارعا إليك بزين عبادك طراز عصبة أنبيائك ذي الأثالة المنتقى لخمود الجهالات أن تصلي وتسلم عليه وعلى آله وأصحابه وأنصاره وأعوانه الراقين في بحبوحة الشرف باتباعه أعلى الدرجات وأن ينفع الطالب ما أشير إليه بقولي وينحصر المقصود من نيل المقصود من نيل السعادات في مقدمة ومقصدين وخاتمة، إنك على ما تشا قدير وبالإجابة جدير وجه الحصر أن المذكور فيها إما أن يكون تابعا وإما أن يكون متبوعا والأول أمران إما أن يكون تأسيسا للمقولات وهو المقدمة أو لا وهو الخاتمة والثاني كذلك إما أن يكون بيانا للمقولات العشر وهو المقصد الأول أو للعقول العشر وهو المقصد الثاني.
وإن شئت قلت قلت المذكور إما تأسيس أو لا الأول المقدمة والثاني إما المقولات وهو المقصد الأول أو العقول وهو المقصد الثاني أو لا ولا وهو الخاتمة.
قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم)
الكلام على البسملة هنا لا يخلو عن مزيد تكلف مع ما فيه من الشناعة التي ارتكبت هنا، وإن دفعناها بما ستسمعه، لكن ذكر شيخنا في الحاشية المنقولة عنه ما نصه: «اعلم أن جملة البسملة من مقولة الكيف؛ لأنها عرض، وأما الذات العلية فليست من مقولة العرض قطعا، وكذا ليست من مقولة الجوهر عند أهل السنة، وأما عند الحكماء فإن مشينا على قول من يقول منهم الجوهر ما قام به الأعراض فلا تكون من مقولة الجوهر، وأما على قول من يقول الجوهر ما لا يحتاج لمحل فإنه يكون من مقولة الجوهر، وعلى كل حال لا يصح إطلاقه عليه تعالى.
الكلام على البسملة هنا لا يخلو عن مزيد تكلف مع ما فيه من الشناعة التي ارتكبت هنا، وإن دفعناها بما ستسمعه، لكن ذكر شيخنا في الحاشية المنقولة عنه ما نصه: «اعلم أن جملة البسملة من مقولة الكيف؛ لأنها عرض، وأما الذات العلية فليست من مقولة العرض قطعا، وكذا ليست من مقولة الجوهر عند أهل السنة، وأما عند الحكماء فإن مشينا على قول من يقول منهم الجوهر ما قام به الأعراض فلا تكون من مقولة الجوهر، وأما على قول من يقول الجوهر ما لا يحتاج لمحل فإنه يكون من مقولة الجوهر، وعلى كل حال لا يصح إطلاقه عليه تعالى.
و«الباء» من البسملة من حيث لفظها من مقولة الكيف، وأما من حيث معناها وهو الاستعانة فإن أريد إعانة الغير فهي من مقولة الفعل، وإن أريد النسبة الكائنة بين المعنى والذات كانت من مقولة الإضافة.
والرحمن الرحيم من حيث لفظهما من مقولة الكيف، وأما من حيث معناهما فإن أطلقا على الله تعالى فيقال فيهما ما قيل في الجلالة، وإن أطلقا على غيره كان ذلك من مقولة الجوهر» اهـ.
أقول قوله «جملة البسملة إلخ» كأنه يريد جملة لفظها أي: لفظها برمته، لا ما هو متعلق البسملة، وإن أوهمه التعبير؛ إذ لا داعي لملاحظته مع كون هذا الحكم يجري في نفس البسملة؛ لأنها لفظ، واللفظ من مقولة الكيف، فهو من الكيفيات المحسوسة.
وقوله «فإن مشينا على قول من يقول إلخ» الذي في شرح المواقف الجوهر ممكن موجود لا في موضوع عند الحكماء، وحادث متحيز بالذات عند المتكلمين، وفي شرح المقاصد أن خروج الواجب عن تعريف الجوهر حيث قيد الموجود بالإمكان ظاهر، وكذلك إذا لم يقيد مثل موجود لا في موضوع، يعني من عرف الجوهر بهذا التعريف؛ لأن معناه ماهية إذا وجدت كانت لا في موضوع، وليس للواجب ماهية ووجود زائد عليها.
وبهذا تعلم ما ذكره من أن للحكماء قولين وتفريع ما ذكره من الشناعة، وهو صحة اندراج الذات العلية تحت مقولة الجوهر تعالى الله وتقدس.
وقوله «فإن أريد إعانة الغير إلخ» إرادة هذا المعنى لا توافق قواعد اللغة، فإن معاني الحروف نسب جزئية، وعلى تقدير صحته في نفسه لا يصح اندراجه تحت مقولة الفعل.
قال في شرح المواقف: «أن يفعل هو التأثير كالمسخن ما دام يسخن، فإن له ما دام يسخن حالة غير قارة هي التأثير التسخيني الذي هو من مقولة أن يفعل، فأن يفعل إذن غير ما هو مبدأ للسخونة أي: المسخن؛ لأنه يبقى بعد التسخين الذي لا بقاء لمقولة أن يفعل بعده، وربما كان ذلك كالمبدأ جوهرا» اهـ، فقد اعتبر في أن يفعل دوام التأثير وما ذكر غير ظاهر فيما ذكره.
وقوله «وإن أريد النسبة إلخ» هذه الإرادة صحيحة إلا أن مجرد كون الشيء نسبة لا يكون من مقولة الإضافة.
قال في شرح المواقف: «اعلم أن الإضافة هي النسبة المتكررة أي: نسبة تعقل بالقياس إلى نسبة أخرى معقولة أيضا بالقياس إلى الأولى كالأبوة فإنها نسبة تعقل بالقياس إلى البنوة، وأن البنوة أيضا نسبة تعقل بالقياس إلى الأبوة، فالإضافة أخص من مطلق النسبة، فإذا نسبنا المكان إلى ذات المتمكن حصل للمتمكن باعتبار الحصول فيه هيئة هي الأين، وإذا نسبناه إلى المتمكن باعتبار كونه ذا مكان كان الحاصل مضافا؛ لأن لفظ المكان يتضمن نسبة معقولة بالقياس إلى نسبة أخرى هي كون الشيء ذا مكان أي: متمكنا فيه، فالمكانية والمتمكنية من مقولة الإضافة، وحصول الشيء في المكان نسبة تعقل من ذات الشيء، والمكان لا نسبة معقولة بالقياس إلى نسبة أخرى فليس من هذه المقولة، وبهذا الذي صورناه لك يمكنك الفرق بين النسبة التي ليست من المضاف وبين المضاف، فاعقله وتحققه في سائر النسب، فإنه مما يطول فيه الكلام» اهـ، فمجرد كون الشيء نسبة لا يكون من مقولة الإضافة لاعتبار أمر زائد في مفهومها كما تقرر، وإلا لزم أن يكون سائر النسب من قبيل الإضافة، بل كل نسبة كذلك، ولا قائل به.
وقوله «فيقال فيهما ما قيل في الجلالة» قد علمت ما فيه، هذا وإن أردت العدول عن هذه المضايق وأردت ما يقال في البسملة هنا من مناسبات الفن.
قلت: هي لفظ وكل لفظ من قبيل الكيفيات المحسوسة الذي هو قسم من مقولة الكيف، فإن أقسامه أربعة بالاستقراء: الكيفيات المحسوسة والكيفيات النفسانية والكيفيات المختصة بالكميات والاستعدادات، والألفاظ من القسم الأول؛ لإحساس السمع بها، فهي عرض قائم بالهواء؛ إذ الصوت كيفية تحدث في الهواء بسبب تموجه المعلول للقلع والقرع.
قال في شرح المقاصد: وقد يعرض للصوت كيفية بها يتميز عن المحسوسة صوت آخر يماثله في الخفة والثقل تمييزا في المسموع، والحرف هو تلك الكيفية العارضة في عبارة ابن سينا، وذلك الصوت المعروض في عبارة جمع من المحققين، ومجموع العارض والمعروض في عبارة البعض، وكأنه أشبه بالحق.
ثم قال: وزعم الفارابي أن القول من مقولة الكم وأن الكم المنفصل أيضا ينقسم إلى قار وهو العدد وإلى غير قار وهو القول، وذكر حجته هناك، فراجعه إن شئت. وعليه فالبسملة من مقولة الكم؛ لأنها قول والقول عند الفارابي من مقولة الكم، لكن هذا قول غريب انفرد به الفارابي.
قوله: (أحوج العباد) أي: أشدهم حاجة.
واختيار العباد في الأول والعبيد في الثاني تلتمس له مناسبة هي أن الألف تقع علامة إعراب في النصب كما في الأسماء الستة، وعلامة رفع في التثنية، والياء في الجر، فكثير الحاجة منتصب لمناجاة سيده يرفع أكف الطلب لاستمداد عوائده، وكثير الخضوع منكسر خاطره ذليلة نفسه غالب لهواه في مرضا مولاه، خافض جناح ذله متبرئ من قوته وحوله، قال سيدي علي وفا:
قد كنت أحسب أن وصلك يشترى
⁕⁕⁕
بكـرائــم الأمــــوال والأشـبــــاح
وظـنـنـت جـهـلا أن حـبـك هـيـــن
⁕⁕⁕
تـفـنـي علـيــه نـفــائــس الأرواح
حتــى رأيـتــك تـحـبـنـي وتـخــض
⁕⁕⁕
من أحبـبـتــه بلطـائـف الأمـنـــاح
فـعـلـمـت أنـك لا تـنـال بـحـيـلـة
⁕⁕⁕
ولويت رأسـي تحت طي جناحي
وجعلت فـي عش الغرام إقامـتي
⁕⁕⁕
فـيـــه غـدوي دائـمـــا ورواحـــي
قوله: (الأندلسي) نسبة إلى الأندلس بفتح الهمزة والدال على المشهور، ويقال بضمهما، وعليه اقتصر أبو الفتح الهمذاني.
ووزنه فيعلل عند بعضهم، لكن رد بأنه لم يجئ عليه شيء من الكلام علما، وقيل انفعل، واشتقاقه من الدلس وهو الظلمة، هذا حاصل ما أفاده ابن علان في شرح الاقتراح نقلا عن الإمام النووي.
قوله: (البليدي) في القاموس البلدة بلد بالأندلس منه سعيد بن محمد البلدي من شيوخ المعتزلة فإن كان منسوبا للبلدة المذكورة فهو بفتح الباء وزيادة الياء من شواذ النسب لكن المسموع من أفواه المشايخ البليدي بضم الياء فلذلك قيل إنه نسبة للبليدة قرية بالجزائر.
قوله: (أتاح) بالمثناة الفوقية بمعنى قدر.
قوله: (إليك يدي) مبتدأ وخبر أي: ممتدة، وهو كناية عن الطلب؛ إذ الطالب للشيء يلزمه مد يده.
قوله: (ذي الأثالة) في القاموس، أثال كسحاب وغراب: المجد والشرف، فلعل الثاء المبالغة.
قوله: (المنتقى) أي: المختار.
قوله: (لخمود الجهالات) فيه مكنية وتخييل بتشبيه الجهالات بالنار بجامع الإهلاك في كل، وخمود النار انطفاؤها، ولا يخفى لطف تشبيه الجهل بالنار؛ لأنه قد يجر إليها أعاذنا الله منها.
قوله: (في بحبوحة) بضم البائين أي: وسط الشرق.
قوله: (ووجه الحصر) هذا الحصر جعلي واستقرائي باعتبارين، فإذا قال المؤلف ينحصر كتابي في أربعة أبواب مثلا فهذا الحصر بالنسبة إليه جعلي، وبالنسبة إلى السامع استقرائي؛ إذ السامع لا يحصل له الجزم بالانحصار بمجرد سماع قول المؤلف ذلك، بل باستقراء أجزاء الكتاب، حتى إذا حصل له الجزم بمجرد قوله «ينحصر» فالظاهر أنه جعلي بالنسبة إليه أيضا، كذا يؤخذ من تقرير قوانين المناظرة.