مقولة الوضع
وهو الهيئة الحاصلة من نسبة أجزاء الجسم بعضها إلى بعض ومن نسبتها إلى أمر خارجي عنها بأن تختلف تلك الأجزاء بتلك النسبة في الموازاة والانحراف والقرب والبعد بالقياس إلى جهات العالم الذي هو الأمر الخارجي وهو إما أمكنة حاوية أو متمكنات محوية وذلك كالقيام أقول إن كان القيام وصفا لأنه هيئة اعتبر فيها نسبة أجزاء الجسم بعضها إلى بعض ونسبة مجموع تلك الأجزاء إلى أمور خارجية عنها ككون رأسها من فوق ورجليه من أسفل والقعود والتربع والاستدارة وكون الشخص راكعا أو ساجدا وظاهر كلام ابن سينا والإمام والأستاذ أنه يشترط في الوضع نسبتان كما تقدم وأقول لا مانع من تحققه بنسبة واحدة ويمكن أن يقال بالنسبة الواحدة بعض من الهيئة فلا يكون وضعا لا أنه الهيئة كلها فإنا لو اكتفينا بالنسبة الأولى مثلا لكان انعكاس القامة يبقى قياما وهو باطل
الحاشية
[مقولة الوضع]
قوله: (من نسبة أجزاء الجسم) أي: بحيث يعتبر موقع بعضها من بعض ككون هذا الجزء فوق ذاك أو مجاورا له أو تحته إلخ.
فإن قلت: تعريف الوضع بالهيئة إلخ يقتضي أن لا يكون نفس النسبة فحينئذ يشكل عده من الأعراض النسبية.
والجواب كما أفاده السيد في حاشية شرح التجريد أن استلزامه النسبة كاف في كونه من الأعراض النسبية، قال: ولذلك ترى بعضهم يفسرون الأين بهيئة ةحاصلة للمتمكن باعتبار حصوله في مكانه ويجعلونه بهذا التفسير من الأعراض النسبية.
وبعضهم يفسر الوضع بأنه نسبة بعض أجزاء الشيء إلى البعض وإلى الأمور الخارجية ولا إشكال في هذا، والمشهور في تعريفه ما ذكره المصنف.
قوله: (إلى أمر خارجي) أي: كوقوع بعضها نحو السماء وبعضها نحو الأرض.
قوله: (في الموازاة والانحراف) مثلا القيام إذا كان الإنسان معتدلا كانت أجزاؤه متوازية وأما إذا كان منحنيا كان بعض أجزائه منحرفا عن بعض، وهذا راجع لنسبةة أجزاء الجسم بعضها إلى بعض، والقرب والبعد راجع لنسبتها للأمر الخارجي لأن القرب والبعد يعتبران بالنسبة للمحيط والمركز فالقرب للمحيط يقال له فوق والقرب للمركز يقال له تحت.
قوله بالقياس إلى جهات العالم راجع للقرب والبعد، والجهات جمع جهة تطلق على منتهى الإشارة الحسية ومنتهى الحركات المستقيمة فبالنظر إلى الأول قيل إن جهة الفوق هي محدب الفلك الأعظم لأنه منتهى الإشارة الحسية ومقطعها وبالنظر إلى الثاني قيل مقعر فلك القمر لأنه منتهى الحركة المستقيمة.
قال القاضي مير والأول هو الصحيح لأن الإشارة إذا نفذت من فلك القمر كانت إلى جهة الفوق قطعا لكونها آخذة من جهة التحت متوجهة إلى ما يقابلها.
والمشهور أن الجهات ست: اثنان لا يتبدلان فوق وتحت فإن القائم إذا صار منكوسا لم يصر ما يلي رأسه فوقا وما يلي رجليه تحتا بل صار رأسه من تحت ورجلاه من فوق، بخلاف باقي الجهات فإن المتوجه إلى المشرق مثلا يكون المشرق قدامه والمغرب خلفه والجنوب يمينه والشمال شماله ثم إذا توجه للمغرب يتبدل الجميع وصار قدامه خلفه وبالعكس.
ثم إن سبب الشهرة أمران عامي وخاصي.
أما العامي فهو إن الإنسان يحيط به جنبان عليها اليدان وظهر وبطن ورأس وقدم، فالجانب الذي هو أقوى في الغالب يسمى يمينا وما يقابله يسارا، وما يحاذي وجهه قداما ومقابله خلفا، وما يلي رأسه بالطبع فوقا ومقابله تحتا، ولما لم يكن عندهم سوى ما ذكر وفقت أوهامهم على هذه الجهات الست.
واعتبروها في سائر الحيوان أيضا لكنهم جعلوا الفوق ما يلي ظهورها بالطبع والتحت ما يقابله ثم عمموا اعتبارها في سائر الأجسام وإن لم يكن لها أجزاء متمايزة على الوجه المذكور.
وأما الخاص فهو إن الجسم يمكن أ، يفرض فيه أبعاد ثلاثة متقاطعة على زوايا قوائم ولكل بعد منها طرفان فلكل جسم جهات ست إلا أن امتياز بعضها عن بعض يتوقف على اعتبار ا لأجزاء المتميزة في الجسم فطرفا الامتداد الطولي يسميهما الإنسان باعتبار طول قامته حين هو قائم بالفوق والتحت وطرفا الامتداد العرضي يسميهما باعتبار عرض قامته باليمين وبالشمال، وطرفا الامتداد الباقي يسميهما باعتبار ثخن قامته بالقدام والخلف.
قوله: (بالقياس إلى جهات العالم) كأن يقال: رأسه إلى جهة المحيط وهو الفوق ورجلاه إلى جهة المركز وهو التحت، والمراد به الأرض لأنه مركز العالم وقد تقرر أن مركز ثقل الأرض هو مركز العالم.
وبيانه أن مركز حجم الكرة نقطة في داخلها تتساوى بالخطوط الخارجية منها إلى سطحها المستدير، وأما مركز ثقلها فهي نقطة يتعادل ما على جوانبها في الوزن فإن تشابهت أجزاء الكرة ثقلا وخفة اتحد المركزان وإلا اختلفاه ككرة نصفها من حديد ونصفها من خشب فإن مركز حجمها على منتصفها ومركز ثقلها يكون في النصف الحديدي.
وإنما كان مركز ثقل الأرض متطبقا على مركز العالم لأن الأثقال من جميع الجوانب تتطلب المركز ويتدافع ثقلها إليه تدافعا مستويا متشابها فينطبق ثقلها على مركز العالم ويثبت وتستقر الأرض عند هذا الانطباق لتكافؤ القوي كشخصين متساويين في القوة فإنهما إذا تلاقيا وقفا في مكانهما وبذلك يزول التعجب من سكون الأرض استقرارها مع فرط ثقلها وعدم حملها على شيء ، كذا يؤخذ من حاشية تشريح الأفلاك لمصنفه بهاء الدين العاملي مع زيادة من الشرح، وبقية الكلام مذكورة في حاشيتنا على ذلك الكتاب وفقنا الله لإتمامها.
ثم إن هذا الكلام باصطلاح الحكماء والشريعة الغراء يأبى هذه التعليلات والتمحلات قال الله تعالى: ﴿إن الله يملك السموات الأرض أن تزولا﴾ الآية فالأرض ممسكة بدرته تعالى كالسماء والآيات في ذلك كثيرة.
قوله: (وهو إما أمكنة) الضمير للعالم، ومحصله أن جميع ما في جوف الفلك الأطلس يعتبر مكانا متمكنا ما عداه فغنه مكان وليس متمكنا إذ لا شيء وراءه وما قلناه مبني على القول بأن المكان هو السطح وأما على أنه البعد المفطور كما قال أفلاطون أو الفراغ الموهوم على ما للمتكلمين فالفلك الأطلس متمكن أيضا وحرره.
قوله: (أي: مانع إلخ) قال السيد في شرح المواقف لو لم يعتبر في ماهية الوضع نسبة الأجزاء إلى الأمور الخارجية بل اكتفى فيها بالنسبة فيما بين الأجزاء وحدها لزم أن يكون القيام بعينه الانتكاس لأن القائم إذا قلب بحيث لا تتغير النسبة فيما بين أجزائه كانت الهيئة المعلولة لهذه النسبة وحدها باقية بشخصها فيكون وضع الانتكاس وضع القيام بعينه.