النسبية في القرآن الكريم {1}
(نسبية الزمان والمكان) بين العلم والقرآن
بقلم: الدكتور مروان شعبان
[/frame]
قبل أن نتحدث عن قانون النسبية، لا بد من توضيح بعض المفاهيم أو النقاط التي تضبط مسار قانون النسبية، وتفرق بينه وبين ما سبقه من تصورات حول الزمان والمكان...
- الفيزياء الكلاسيكية: أو فيزياء نيتون وغاليليو، تعالج المشاكل والمسائل المتعلقة بالأجسام الكبيرة، التي هي في متناول الإحساس البشري، والتي تسير بسرعة ليست كبيرة، أما النظرية النسبية الخاصة فهي تصف حركة الأجسام في سرعات عالية تقترب من سرعة الضوء كما سيأتي.
- النظرية الكمية: فهي تصف حركة الأجسام الصغيرة وغير المحسوسة بالإحساس البشري العادي.
- نسبية غاليليو: تعتبر أن الزمان مطلق، أي إن جميع المراقبين في إطر الإسناد، سوف يقيسون الزمن نفسه لحادثة ما، وأن سرعة الضوء نسبية، أي إن كل مراقب يقيس سرعة الضوء حسب السرعة التي تسير بها.
- أطر الإسناد أو أطر المرجعية: يعرّف الإطار الإسنادي بأنه عبارة عن نظام الإحداثيات الديكارتي الذي تنسب إليه الكميات الفيزيائية، فليس هناك أي معنى للحركة دون مرجع، فلو كنا في الفضاء معزولين، لما أمكننا معرفة كوننا متحركين أو ثابتين، لذلك لا بد أن ننسب أي كمية فيزيائية تتعلق بالجسم إلى مرجع معين.
- النسبية: هي اختلاف مشاهدات أو أكثر في وصف كمية فيزيائية تتعلق بالجسم نفسه، كل حسب إطار الإسناد الذي هو فيه
- الفرق بين النسبية الخاصة والعامة: النسبية الخاصة التي وضعها آينشتاين عام 1905، توحد ما بين علمي البصريات والمكانيك، ولكنها تستثني الثقالة (الجاذبية) التي تناولتها النسبية العامة عام 1951، أي إن النسبية الخاصة تعالج الظواهر الكهرومغناطيسية ( الضوء) وعلاقتها بحركات الأجسام القصورية، أي التي تتحرك في خط مستقيم بسرعة ثابتة، أما النسبية العامة: فهي تعالج مفهوم (الثقالة) وتهتم بمعالجة حركة الأجسام غير القصورية ( المتسارعة) [1].
مفهوم النسبية:
في الواقع كل شيء في هذه الحياة نسبي، فالجمال نسبي، والثروة نسبية، فالجوهرة وسط الصحراء لا تساوي شيئاً لشخص عطشان قد وجدها، في حين أن جرعة الماء عنده تساوي كل شيء... يقول آينشتاين: إن الزمن والكتلة والمسافة كلها أشياء نسبية، وهذه هي أساس نظرية النسبية الخاصة... سئل آنيشتاين ذات مرة عن نسبية الزمن فقالها في مثال ظريف: إن الإنسان إذا قضى ساعة في جو هادئ مريح لبَدت الساعات دقائق، وإذا قضاها فوق الجمر لبدت الدقائق ساعات... وكذلك بالمثل فإن الزمن على كوكب الأرض غير الزمن على كوكب آخر، فإذا كان المريخ يدور حول الشمس في 88 يوماً فإن السنة هناك أقصر من السنة على الأرض، وإذا كنت راكباً سفينة لا تستطيع تحديد موضعها بشكل مطلق بل إن كل مكان نسبي، والإنسان على الأرض مكانه نسبي أيضاً، لأنه هو والأرض متحركان في الفضاء [2].
فكرة الزمان ونسبية الزمان والمكان:
منذ نشأة الإنسان ولغز الزمان ورتم سرعته من الموضوعات التي شغلت تفكيره آلاف السنين، فقال أفلاطون منذ القرن الرابع قبل الميلاد: إن الزمن قائم بذاته ولكننا نقسمه إلى ماض وحاضر ومستقبل أو كان ويكون وسيكون، ويقول آخرون: إن الزمن ثابت ونحن الذين نتحرك وأن الأحداث لا تقع بل نحن الذين نلحق بها في مراحل معينة...
وكانت فكرة الزمان والمكان (الزمكان) المطلق هي المسيطرة على الفكر الإنساني حتى أتى إسحاق نيوتن 1687 وتخلص من فكرة أن المكان مطلق إلى الأبد وكانت هذه هي الفاتحة الحقيقة لتطور العلوم، لكنه لم يخطر بباله أن الزمان غير مطلق، وظلت هذه المعضلة معلقة حتى وضع لآينشتاين نظريته في النسبية العامة حيث أكد أن الزمان غير مطلق، كما أن المكان غير مطلق أيضاً...
وكان عالم الفيزياء هيرمان مينكويسكي herman minkowski وهو أستاذ آينشتاين ومعلمه في جامعة زيورخ، قد اقترح في سنة 1908 أن الفراغ والزمان متآلفان وأن الأحداث التي تقع يجب أن تعتبر نقاطاً في space time رباعي الأبعاد، لكن القدر لم يسعفه إلى أن يضع القوانين المفسرة لذلك، وتوفي سنة 1909 مما أتاح الفرصة لأينشتاين كي يصوغ هذا سنة 1915 في نظريته عن النسبية العامة.
وقام آينشتاين بتثبيت سرعة الضوء ، فليس هناك مادة أو إشعاع يمكن أن يسير بسرعة أكبر من سرعة الضوء ( سرعة الضوء = 300000 كيلو متراً في الثانية) تقريباً... وإذا كان قانون نيتون الأول الذي يقول: (إن الجسم يحتفظ بحالته إذا كان ساكناً أو متحركاً بسرعة منتظمة دائماً إلا إذا أثرت عليه قوة خارجية غيرت من هذه الحالة) وهذا القانون يعرف بقانون ( القصور الذاتي) هذا القانون غير مفاهيم المكان المطلق وأصبح المكان غير مطلق، وكان له أثر كبير في تحرير العلوم وتقدمها، وكذلك فإن نظرية النسبية بشقيها العامة والخاصة قد حررت الزمن أيضاً من مفاهيمه الخاطئة، وسمحت للعلوم بأن تتغير إلى ما يعرف بعد ذلك بالعلوم الحديثة، والتي تسببت بعد ذلك في ظهور النهضة التكنولوجية الكبرى التي نحيا فيها الآن...
وطبقاً لنظرية النسبية العامة والخاصة فإن الزمن نسبي، وكل شيء يتحرك في الكون يحمل زمنه الخاص به، فمثلاً الأرض تدور حول الشمس في سنة كاملة، ولكن الدورة نفسها للمشتري تستمر 12 سنة تقريباً، وكوكب بلوتو يصل طول سنته إلى 248 سنة أرضية، وطبقاً للنظرية النسبية فإن الزمان يبطئ كلما ازدادت سرعة الجسم خاصة كلما اقتربت من سرعة الضوء...
وكل مكان في الكون له زمنه الخاص به طبقاً لجاذبيته وكثافته ودرجة حرارته والضغط الذي يحيط به، وكذلك سرعته التي تحدد زمنه الخاص به، مع باقي هذه العوامل فمثلاً سرعة الإلكترون في درجة حرارة 2000 درجة مئوية تصل إلى 40 ألف كيلو متراً في الساعة، بيد أن سرعته وهو في حالته الطبيعية على سطح الأرض تصل إلى 1760 كيلومتراً في الساعة فقط، بيد أن سرعته تقترب من سرعة الضوء في الشمس وباقي النجوم، نظراً للحرارة العالية والضغط العالي هناك [3]..
فالزمن كمية فيزيائية تتغير بتغير العوامل المحيطة فلا يوجد زمن رتمه مثل رتم زمن الأرض في الكون، إلا إذا كانت كل صفات هذا المكان مثل الأرض من حرارة وجاذبية وضغط وأجسام محيطة وغيرها من العوامل، والزمان – كما ذكرنا- يتقدم إلى الأمام في سرعات مختلفة تبعاً لسرعة الجسم الذي ينتمي إليه أو ينسب إليه الزمان...
لقد ربطت النظرية النسبية بين الزمان والمكان، حيث إن المكان يقاس بثلاثة أبعاد، وقد أدخل آينشتاين مفهوم الزمان أو الفراغ كبعد رابع space time واستخدم في النظرية النسبية الخاصة سرعة الضوء، للربط بين الزمان والفراغ.
إذن نستنتج أن النظرية النسبية الخاصة لآينشتاين تقوم على هذه الفروض:
- الفرضية الأولى: توسيع مبدأ النسبية الخاص ( مبدأ صمود قوانين الفيزياء) ليشمل الظواهر الكهرومغناطيسية ومنها طبعاً ( الضوء) بمعنى آخر: سرعة الضوء (2) يجب أن تكون هي نفسها في كل المراجع العطالية.
- الفرضية الثانية: سرعة الضوء (2) ثابتة مهما كانت حركة المصدر الضوئي.
- الفرضية الثالثة: سرعة الضوء هي السرعة القصوى في الكون، ولا يمكن لأي جسم يتحرك أن يبلغ سرعة الضوء، فضلاً عن أن يتجاوزها.
- الفرضية الرابعة: الأثير لا وجود له، وبالتالي فإن الضوء له القدرة على أن ينتشر في الفراغ دون الحاجة إلى وسط...
من خلال هذه الافتراضات قام آينشتاين بتحليل مفهوم المكان والزمان، وأثبت آينشتاين خطأ مفهوم إسحاق نيوتن الذي يقول بأن المكان مطلق، وأثبت أن الحركة في الكون مفهوم نسبي وأن الكون كله في حركة دائمة مستمرة، ولا وجود لفكرة المكان المطلق الساكن... كما رفض آينشتاين فكرة الزمن المطلق الذي افترض نيوتن أنه يعم الكون بأسره، واستنتج آينشتاين أن الزمان والمكان مفاهيم نسبية وليست مطلقة لأن التزامن ليس مطلقاً في الكون، بل يخضع للحركة التي يقوم بها الجسم أو الراصد.
لقد أطاح آينشتاين بمفهوم الزمن المطلق الذي يعم أرجاء الكون، ويجري بالمعدل نفسه عند كل الراصدين المتحركين بسرعات مختلفة وقد أضحى الزمن في فيزياء آينشتاين مفهوماً نسبياً يتغير من راصد لآخر، وكل منظومة إسناد في الكون لها زمنها الخاص وقياساتها الزمنية الخاصة بها... الزمن إذن شيء ديناميكي متغير...
لقد أوضحت النظرية النسبية أنه لا زمان دون مكان، ولا مكان دون زمان، أي إنه لا حقيقة لكل منهما على حدة، وإنما الكون كما يقول آينشتاين كون ( زماني) يختلف مظهره باختلاف حركة المشاهد، وبهذا يكون آينشتاين في نظريته النسبية بشقيها والتي تناولت قضايا كونية أساسية مثل اندماج المكان والزمان، واندماج المادة والطاقة، وانحناء المادة أو الطاقة عن المرور بأي مجال تجاذبي في هذا الكون...
النسبية والزمن في القرآن الكريم:
لقد أشار القرآن الكريم إلى خصائص الزمن الفلكية، باعتباره مترتباً على حركة الأفلاك وذلك في أكثر من آية، يقول سبحانه وتعالى: ] وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى[ [4]. ويقول الحق عز وجل: ] وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم[ [5]. ويقول تعالى: ] الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ[ [6]
فالقمر له منازل على أبعاد مكانية مقدرة، وأشكال متوالية، ويتخذ خلال تجواله عبر هذه الأبعاد أشكالاً خاصة تكون بحجم محدد، وزمن مقدر تقديراً دقيقاً جداً، وبهذا نرى أن الشمس لها حركتها الذاتية التي تخلّف زمناً، ولكنها تتميز عن النجوم الأخرى لقربها من الأرض، وبأن لها مجموعة من الكواكب والأقمار والمذنبات والكويكبات تتبعها دائماً، وتخضع لقوة جاذبيتها حيث تجعلها من حولها في مدارات متتابعة بيضاوية الشكل، تتحرك حول نفسها وحول الشمس، فالحركة هنا زمن، والزمن حركة.
وعلماء الكون يقولون [7]: إن للأرض حركتين: إحداهما تتم في أربع وعشرين ساعة، وهي مدار حساب الأيام، وحركة تتم في سنة وبها يكون اختلاف الفصول وعليها مدار حساب السنين الشمسية، ويؤكد القرآن الكريم هذه الحقيقة مرة أخرى حين يقول: ] الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ[ أي إن الشمس والقمر يتحركان في بروجهما ومنازلهما بحساب زمني مقدر منتظم، يترتب عليه تنظيم أمور الكائنات الأرضية، وتتعاقب الفصول والأوقات من صيف وخريف وشتاء وربيع، ومن ليل ونهار، ونور وظلال، وبرودة وحرارة...
كما أشار القرآن الكريم إلى أن عدد السنين وحسابها على سطح أرضنا، مترتب على العلاقة بين الأرض والشمس، أو بين الأرض والقمر، وعلى الوحدة الزمنية التي يملأها النهار والليل، حتى يعقبها شروق شمس يوم جديد، يقول تعالى: ]يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاًوَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُالْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ[ [8] ويقول عز وجل: ]فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ[ [9].
فحركة الأرض والقمر أو الشمس سبب للزمن، والزمن ناتج من الحركة، والمكان نسبي في الكون لأننا نتحرك مع سطح الكرة الأرضية وهي تدور حول نفسها، ولأننا نتحرك مع الأرض وهي تدور حول الشمس، ولأن الشمس مع الأرض وبقية كواكب المجموعة الشمسية تسير إلى نجوم مجرتنا الطريق اللبني، ولأن مجرتنا – كالمجرات الأخرى- تدور حول نفسها وشمسنا تدور معها، ولأن مجرتنا – كباقي المجرات – منطلقة في الفضاء الكوني متباعدة عن أخواتها... فالحركة نسبية والزمن نسبي، والزمن مرتبط بحركة ارتباطاً تناسبياً.
وقد أشار القرآن الكرم في ثلاث آيات بينات لنسبية الزمان وهي:
1- ]وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ [ [10].
2- ] يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ[ [11].
3- ] تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَ [ [12].
وقد ذهب الدكتور منصور محمد حسب النبي [13] رئيس قسم الطبيعة بكلية البنات بجامعة عين شمس، في كتابه "الكون والإعجاز العلمي للقرآن" إلى تفسير هذه الآيات تفسيراً علمياً، مستدلاً منها على حساب السرعة الكونية القصوى لنقل الأمر الإلهي وذلك من خلال الحسابات التالية:
إن الألف سنة مما تقدرون تعني ( 12000) دورة قمرية حول الأرض، وخلال هذا العدد من الدورات يقطع القمر مسافة تساوي المسافة التي يقطعها الأمر الكوني بالسرعة القصوى في يوم أرضي واحد، وبهذا يمكن كتابة المعادلة السابقة كما يلي باعتبار أن أي مسافة تساوي حاصل ضرب السرعة× الزمن إذا كانت السرعة منتظمة.
الحد الأقصى للسرعة الكونية = 12000× متوسط السرعة المدارية للقمر × زمن الشهر القمري
على زمن اليوم الأرضي
ويتم حساب متوسط السرعة المدارية للقمر، كما لو كانت ساكنة، مما يعني ضرب متوسط السرعة المدارية للقمر حول الأرض المتحركة × جيب تمام الزاوية التي تدورها الأرض حول الشمس خلال شهر قمري واحد، وقد وجد الدكتور منصور محمد حسب النبي من المعادلة أعلاه نتيجة مدهشة هي:
الحد الأقصى للسرعة الكونية = 299792,50 كيلو متراً في الثانية، هذه النتيجة مدهشة حقاً، لأنها تتطابق تماماً مع أدق القياسات الدولية لسرعة الضوء وهي299792,45 كيلو متراً في الثانية.
إلا أؤكد دائماً في هذه الموسوعة على أهمية التحري الدقيق في الحسابات، وأن لا نجزم أن مراد الحق تبارك وتعالى هو هذه النتيجة الحسابية، بل نقول: هذا تفسير بشري واجتهاد مقبول يؤجر عليه صاحبه، ولا يجوز قصر معنى الآيات عليه فقط فلننتبه...
حقاً ما قال تعالى: ] وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ[ [14] أي من أيام الأرض، ويمكن أن نعتبر هذه الآية الكريمة إشارة إلى تحديد سرعة الضوء بشرط أن يكون مدلول اليوم الإلهي ليس منحصراً بهذا الرقم، بل إنه ينسحب على هذا الرقم ويتعداه ليبقى مطلقاً في علم الله تعالى، بمعنى أن نعتبر أن اليوم الإلهي هو حقبة زمنية لا يعلم حدّها إلا الله سبحانه وتعالى، قد تكون آلاف أو مليارات السنين، ولذلك جاء التنويع في الآيات الكريمة، فتارة بألف يوم مما تعدون، وتارة في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وتارة يتحدث عن اليوم في خلق السموات والأرض على أنها حقبة زمنية لا يعلم تقديرها إلا هو تبارك وتعالى، كما في قوله: ] وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ[ [15].
وهناك إشارات قرآنية رائعة تشير إلى نسبية الزمن، من ذلك:
1- قوله تعالى: ] وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً[ [16] وهذه إشارة واضحة إلى أن 300 سنة شمسية تعادل: 309 سنة قمرية، بالنسبة لسكان الأرض، وبهذا سبقت الآية علوم الفلك والحسابات الفلكية... (كما سـ يُفصّل في المشاركة التالية).
2- وفي قصة الرجل الذي مرّ على القرية الخاوية، نجد مفهوم النسبية، نسبية الزمان واعتباره شيئاً متغيراً، يقول تعالى: ] أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِي [ [17]. إن سؤال الله تعالى عن الزمن كم لبثت؟ ليس استفهاماً بل هو تقرير من الله عز وجل على نسبية الزمان، فما اعتبره الرجل الصالح يوماً أو بعض يوم هو في الواقع مائة عام.
3- نقل عرش بلقيس، وذلك في قوله عز وجل: ] قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ، قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ[ [18] ونقل العرش كما يتضح يستغرق زمناً نسبياً، يتفاوت بين نقله الطبيعي الذي يأخذ أياماً أو أسابيع، وبين زمن نقله عن طريق عفريت الجن الذي يستغرق معه زمناً مدته قيام سليمان عليه السلام من مقامه، وبين زمن نقله عن طريق الذي عنده علم من الكتاب، والذي لا يستغرق زمن نقله إلا جزءاً من الثانية ] قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [ فالمسألة نسبية، تربط الحركة بالزمن والقوة والسرعة.
4- آيات كثيرة تتحدث عن نسبية الزمن، وذلك بعد توقف الحركة الأرضية وجمود الزمن تبعاً لجمود الحركة، أي بعد قيام الساعة، حيث يصف الحق عز وجل نسبية الزمن وصفاً رائعاً، وفي ذلك يقول تبارك وتعالى في هذا الحوار الجميل: ]قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ، قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ، قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ[ [19]
ويقول تعالى: ]وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ[ [20]... والآيات في هذا المعنى كثيرة، وتحديد نسبية الزمان بتحديد الحركة ورد كثيراً كما رأينا في القرآن الكريم، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على أن القرآن تحدث عن قانون النسبية بشكل واضح وصريح - كما رأينا- قبل آينشتاين بقرون متطاولة، وهذا يدل على أن كثيراً من قوانين الفيزياء والكيمياء قد سجلت في صفحات كتاب الله تعالى، ولو كان آينشتاين مسلماً لربما توصل إلى إعلان قانون النسبية وهو يقرأ القرآن، قبل موعد إعلانه الذي أعلنه بسنين... على كل لا يحق لنا أن ننكر فضل آينشتاين في بلورة وتجسيد واكتشاف قانون النسبية، فهذا حقه الطبيعي، بل باكتشافه هذا القانون قلب مفاهيم الفيزياء، وتجاوز ذلك إلى مرحلة العلم الحديث واكتشافاته الهائلة التي نشاهدها اليوم...
وقد أمرنا القرآن الكريم أن نقول للمحسن... أحسنت، وأن نشكر ونبارك له عمله، يقول تعالى: ] مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ، أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [ [21] ولاحظوا قوله: ]نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ[ أي نشكرهم على أعمالهم، لأنهم كانوا سبباً في تطوير وتنمية زينة الحياة الدنيا ]لاَ يُبْخَسُونَ[أجرهم المادي أو المعنوي، وفي الآخرة إن كانوا مسلمين لهم الدرجات العلا وجنات النعيم، أما إن كانوا غير مسلمين، فمصيرهم كما تبين الآية نفسها: ]أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ[ لأن أي عمل مهما كان عظيماً إن لم يكن نابعاً عن إخلاص لله وللدار الآخرة، ومرتكزاً على أساس الإيمان بالله وبجميع الكتب والرسل والشرائع، وخاصة شريعة خاتم الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام، فلن يجد صاحبه قبولاً، ولا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل.