قوة الموسيقى

لكل شعب من الشعوب القديمة (وربما الحديثة أيضاً) مخزون وافر من الحكايات والأساطير المتصلة بتأثير الموسيقى على الإنسان والحيوان، وحتى على عالم الجماد.

والتأثير القوي للموسيقى على الإنسان كان ولم يزل مادة دسمة للشعراء. فها هو الشاعر جون درايدن يخبرنا في قصيدته بعنوان كيف أن الموسيقى قهرت وأسرت قاهر العالم ومدوّخ الأمصار الإسكندر الكبير.  تلك القصيدة تحتفي بقوة الموسيقى وبتأثيرها الطاغي على عواطف الإنسان وأحاسيسه.

إضافة إلى ذلك تعتبر الموسيقى ذات تأثير على الأفاعي وكائنات أخرى. كما يعتقد الكثيرون أن للموسيقى قوة على تغيير مسار الطبيعة بالرغم من اعتبار ذلك المسار ثابتاً لا يتغير. فالنهار قد يتحول إلى ليل والحرائق يمكن إخمادها بفعل الموسيقى.

لقد قام بعض علماء النفس التجريبيين بتطوير علاج مؤسس على الموسيقى لشفاء مرضى يعانون من حالات عصبية وأمراض نفسية. لقد تفرغ باحثون لدراسة هذه الظاهرة العجيبة. ولا بد أن يأتي اليوم الذي تدخل فيه هذه الأمور، التي يعتبرها البعض ما ورائية، ضمن نطاق العلم التجريبي.

يخبرنا السر وليام جونس مؤسس الجمعية الآسيوية في القرن الثامن عشر أن وعلين إثنين كانا يأتيان إلى مكان محدد في الغابة حيث كان سراج الدولة يستمتع بمقطوعات تعزفها جوقته. وكان الوعلان يقتربان من العازفين ويصغيان إلى الأنغام بارتياح واضح إلى أن قرر أن يثبت قدرته على الصيد فرمى أحدهما بسهم.

كما يذكر أيضاً عن مصدر موثوق أن الأفاعي الفتاكة كانت تغادر جحورها لمجرد سماع عزف الناي مما يدل على أن أنغام الناي لامست وتراً حساساً لدى تلك الحيات (الكلمة الطيبة تخرج الحية من وكرها).

ويستطرد أنه في إحدى المرات بينما كان العوّاد ميرزا محمد المعروف بإسم بلبل يعزف لمجموعة كبيرة في إحدى الخمائل قرب شيراز لوحظ أن العنادل كانت تحاول منافسة الموسيقار، أحياناً تغرد في الأشجار وأحياناً ترفرف متنقلة من غصن إلى غصن كما لو كانت تحاول الإقتراب من آلة العزف على الأرض في نشوة خجولة. وكانت تلك الطيور ترتفع في الهواء لمجرد تغيير المقام.

هناك قصص عديدة عن مدى تأثير الموسيقى على الصل المعروف بالكوبرا.

ذات مرة أراد أحد أمراء ولاية ميسور أن يختبر صحة ذلك، فذهب إلى تلة مجاورة يصحبه عازف البلاط الذي راح يعزف المقطوعات المعروفة بالراغاز. وما أن بلغت الأنغام مسامع حيات الكوبرا حتى خرجت الواحدة تلو الأخرى من جحورها وضربت طوقاً حول العازف. وبرؤوس منفوشة ومتمايلة راحت (الكوبرات) "تشنف أسماعها" منتشية بسحر الموسيقى.

وما أن توقف العزف حتى انسلت الحيات – دون أن تؤذي أحداً – وعادت إلى جحورها.

كما يروي الروائي الكولونيل فيليب مدو تايلر حادثة مشابهة، إذ يقول:

"كانت كوبرا كبيرة ترتاد حديقتي في إليشابور وكانت تشيع الرعب في قلوب الجميع. وقد تمكن أحد الحواة البارعين من الإمساك بها في حضوري شخصياً بمجرد عزف آلة البنجي. فقد عزف أولاً بهدوء كبير أمام شجيرة الصبار التي كانت تقبع الكوبرا تحتها. ومع ارتفاع العزف وتواصله أطلت الكوبرا رأسها ثم خرجت من تحت الصبار وانتصبت في وضع التحدي. في تلك اللحظة تسلل رجل بخفة إلى خلفها، وفي حين كانت مستغرقة في الإصغاء التام للعازف ألقى عليها بطانية وأمسكها برأسها تحت الفكين.

ملاحظة: يعتقد البعض أن أفاعي الكوبرا غير قادرة على السماع، لكن ورد في الصفحة 195 من المجلد السابع والعشرين من دائرة المعارف البريطانية طبعة 1987 ما يلي:

هذا الإعتقاد غير صحيح فالأفاعي حساسة لبعض أمواج الصوت المنقولة عن طريق الهواء ولها القدرة على استقبال تلك الأمواج عن طريق آلية الغشاء الطبلي (المتعلق بطبلة الأذن). ومع أن مجال التقاط الأفاعي لأمواج الصوت هو دون مجال سواها من الكائنات، لكنه ليس أقل منها بدرجة كبيرة.  وتلك الحساسية هي تقريباً برهافة حساسية معظم السحالي ذات فتحة الأذن التقليدية وآلية الأذن الوسطى.

أما بخصوص تأثير الموسيقى على الطبيعة نفسها، فيعتقد العازفون أن للموسيقى قوة يمكنها تحويل ضوء النهار إلى عتمة واستنزال زخات مطر منعشة على الأرض العطشى. فالعازف المشهور شودايا أكد أن النبات يمكنه أن يعطي محصولاً أوفر لو أنه تعرض لألحان موسيقية في أوقات مناسبة خلال فترة النمو. وهناك حكايات عن موسيقيين بارعين تمكنوا من تجنيب البلاد القحط والمجاعة بترديد أناشيد خاصة.

ويؤكد المترجم والأديب السر وليام أوسلي أنه ذات مرة، وفي بلاط الأمبراطور المغولي أكبر، أن عازف البلاط ميان تان سن شرع بعزف مقام مسائي عند الظهيرة وكان تأثير عزفه قوياً بحيث أظلم الجو على الفور وأحاطت العتمة بالقصر على مدى سماع صوت المنشد. ويقال أيضاً أن نفس العازف تمكن من إنزال المطر من السماء عندما عزف مقطوعة ميغا ملهار مع غياب أي مظهر آنذاك لاحتمالية سقوط المطر.

وكما أن للموسيقى القدرة على استمطار الغيث المنعش على الحقول الصادية بإمكانها أيضاً أن تفعل العكس: حرق الأشياء أو تجفيفها. وهناك قصة عن سراج في أحد المعابد تم إشعال فتيله بفعل موسيقى العازف.

ويحكى أن الإمبراطور أكبر طلب من العازف الشهير غوبال أن يعزف مقطوعة راغا ديباكا، فاعتذر العازف لكن الإمبراطور أصر وأمره هذه المرة بدل الطلب. فطلب غوبال من أكبر أن يسمح له بالذهاب إلى بلدته لتوديع أسرته وأصدقائه. لم يعد إلا بعد مضي ستة أشهر. كان ذلك في فصل الشتاء. وقبل أن يبدأ العزف غمر جسمه حتى رقبته بمياه نهر يمونا وما أن عزف نغمة أو اثنتين حتى سخنت مياه النهر وبلغت أخيراً درجة الغليان. أوقف العزف لبرهة وطلب من أكبر أن يعفيه من تتمتها فأصر أكبر على تتمة العزف ليعرف مدى تأثير ذلك المقام. واصل غوبال العزف المنكوب فانطلق اللهب من جسمه. ومع أنه كان مغموراُ بمياه النهر لكنه تفحم واستحال إلى رماد. ولا ننسى في هذا المقام الفيلسوف العربي الشهير أبا نصر الفارابي مؤلف "كتاب الموسيقى الكبير" وقدرته على إضحاك السامعين وإبكائهم وتنويمهم بعزف مقطوعات خاصة لكل حالة من تلك الحالات.

والسلام عليكم

المصدر: مجلة يوغودا Yogoda – معرفة الذات