إضاءات ويقينيات
تعاليم المعلم برمهنسا يوغانندا
PARAMAHANSA YOGANANDA
ترجمة محمود عباس مسعود
-----
الحياة بجوهرها ومكوناتها وأهدافها
هي لغز صعب فهمه لكن لا يعصى على الحل
وبتفكيرنا التقدمي نقوم يومياً بحل بعض أسرارها.
الأجهزة القائمة على أسس علمية دقيقة في هذا العصر
تبعث بكل تأكيد على الإعجاب
والإكتشافات التي يأتي بها العلم تمنحنا رؤية أوضح
عن الطرق التي يمكن بواسطتها تحسين العيش.
لكن بالرغم مما لدينا من أجهزة ومخترعات واستراتيجيات
يبدو أننا ما زلنا كالدمى في يد القدر
وأن الطريق لا يزال طويلاً أمامنا
قبل أن نتحرر من سيطرة الطبيعة.
بكل تأكيد أن العيش تحت رحمة الطبيعة ليس حرية
فعقولنا المتحمسة يطغى عليها ويكبلها إحساس من العجز
عندما نشعر أننا ضحايا الفيضانات أو الأعاصير أو الزلازل
أو عندما تختطف منا الأحداث – دون سبب منطقي
أحبتنا القريبين من قلوبنا
فندرك عندئذ أننا لم نحقق الكثير من الإنتصارات
ولم نتمكن من التغلب على الظروف المعاكسة
إذ بالرغم من كل جهودنا لجعل الحياة كما نريدها أن تكون
ستظهر دوماً ظروف معينة على هذا المسرح الأرضي
وأحداث يوجهها عقل جبار لا نعرف عنه الكثير
يعمل بمعزل تام عن آرائنا وإرادتنا
وأفضل ما يمكننا القيام به هو العمل وإدخال بعض التحسينات.
إننا نزرع القمح ونصنع الطحين
لكن من الذي خلق البذرة الأولى؟
نأكل العيش أو الخبز المصنوع من الطحين
ولكن من الذي منح أجسادنا القدرة على الهضم
وتحويل الطعام إلى غذاء؟
في كل ركن من أركان الحياة
يبدو أن هناك يداً إلهية لا غنى عنها
ولا يمكننا تسيير أمورنا بدونها
وبكل ما نملكه من يقينيات
لا نعرف متى سيتوقف القلب عن أداء وظيفته.
من هنا تبزغ ضرورة الإتكال الجريء
على القوة الإلهية العظمى
والإعتماد على ذاتنا العليا
المنبثقة عن تلك القدرة الكلية
التي نحن مصاغون على مثالها.
يجب أن نمتلك إيماناً متحرراً من الكبرياء
وأن نسير بثقة على دروب الحياة
دون ذعر وارتعاد
ودون ضيق وانحصار.
التعامل مع الحساسية
التغلب على الحساسية هو من الفنون الدقيقة، والتحكم بسرعة التأثر أمرٌ مهم من أجل تنمية شخصية وازنة متوازنة.
تنجم الحساسية عن سوء الفهم وعقدة النقص، وعن الكبرياء المنتفخة و (الأنا) المضخمة.
عندما يفكر الشخص بأن مشاعره قد تعرضت للرضّ تسري تلك الفكرة في عقله فتثير أعصابه التي تتوفز بدورها وتتمرد.. فتشتعل نيران الغضب في قلبه بسبب المشاعر المرضوضة، ومع ذلك هناك أشخاص لهم القدرة على التحكم بانفعالاتهم فلا تظهر أعراضها بالرغم من احتدام الغيظ في داخلهم. آخرون يظهرون انفعالهم من خلال ردود فعل فورية تبدو في عضلات العينين وقسمات الوجه، ومن خلال ردود لفظية قاطعة كالشفرة.
إن للتأثر المفرط مضاعفات خطيرة، فهي تزيد الموقف تعقيداً وتخلق اهتزازاً غير مستحب يؤثر سلباً على الآخرين.
يجب بذل المجهود لضبط النفس والتحكم بالأعصاب، ونشر هالة من الفهم والتفاهم تشحن الجو بالسلام بدل الإحتدام وتبدد منه أبخرة التوتر. ومن يفعل ذلك يكون سيد نفسه وسيكافئه الآخرون من حوله بالتقدير والإحترام.
الحساسية المفرطة ميزة يشترك فيها معظم الناس، وعندما تثور هذه العاطفة غير المنطقية فإنها تعمي البصيرة وتسمل عينيّ الحكمة. والأدهى من ذلك، فإن الشخص سريع التأثر يظن أنه يفكر ويشعر ويتصرف على نحو سليم لا غبار عليه، مع أن سلوكه قد يكون مغلوطاً جملة وتفصيلا!
كثيرون يعتقدون أنه يتعين عليهم الإشفاق على أنفسهم عندما يوجه لهم النقد، وذلك التعاطف الذاتي يجلب لهم بعض التنفيس. لكن مثل هؤلاء كمدمني المخدرات، كلما تعاطوا جرعة جديدة كلما زاد إدمانهم.
إن الشخص سريع التأثر غالباً ما يتألم دون طائل. وفي معظم الأحيان لا أحد يعرف سبب معاناته أو طبيعة تظلمه، فيزداد حسرة في عزلته الداخلية التي يفرضها على نفسه بنفسه. لا يمكن تحقيق شيء بالاجترار الصامت لما يعتبره الشخص إساءة تعرّض لها أو نقداً وُجّه إليه.
من الأفضل التخلص من مسببات تلك الحساسية المفرطة بالتحليل الموضوعي وبتفعيل ضبط النفس.
لهذا النوع من الحساسية غير الصحية أضرار بالغة، فهي تلتهم القلب كالنار وتدمر أنسجة السلام، ولذلك يتوجب التعاطي معها بحكمة ومنطق وإرادة حازمة.
التحرر من الضعف
إن أفضل طريقة للتخلص من الضعف
هي عدم التفكير به
وإلا ستكتسح فكرة الضعف الوعي وتستبد بملكات النفس
عندما نجلب النور إلى داخلنا
ستتبدد الظلمة كما لو لم تكن.
تلك الفكرة تجلب لي إلهامات رائعة
عندما يتم إدخال النور
إلى كهف استوطنته الظلمة منذ آلاف السنين
ستتبدد الظلمة على الفور
وبالمثل، تتلاشى نقاط الضعف ومعها الأخطاء
عندما نسمح لنور الله بالدخول إلى وعينا
ولن تتمكن ظلمة الجهل من البقاء
تلك هي الفلسفة التي يجب أن نحيا بموجبه.
التسويف لا يجدي نفعاً
فدولاب الحياة لا يتوقف
وأيام العمر تمضي متسارعة
وكل دقيقة نصرفها في التفكير النيّر والتصرف السليم
هي استثمار ناجح ورابح في مجال سعادتنا
كثيرون يصرفون العمر كله
بالتفكير في المال والجنس والشهرة
ونادراً ما يركّزون على الأمور الجوهرية
التي تجلب لهم الطمأنينة
وترفع وعيهم إلى مستويات أعلى
مهما كان الدور الذي يلعبه الإنسان متواضعاً
فإنه يعتبر ناجحاً في نظر الله
إن هو عرف كيف يصرف وقته بحكمة
ويوجّه أفكاره في مسارات صحيحة
عندما يشرق نور الله على الإنسان
لا يشعر أنه بحاجة لشيء
لأن الفرح الذي يغمره
يحقق كل أحلامه
ويجعله يحس في قرارة ذاته
أنه أغنى الأغنياء وأسعد السعداء
في هذه الحياة
نفق النور
من يتيقظ به الوعي الروحي
بالأفكار النيرة
والأعمال الخيّرة
والمشاعر الطيبة
والتأمل العميق
يمكنه الإحساس بمغادرته الجسد
وقت الرحيل النهائي
عن طريق العين الروحية
اليوغي يمارس أثناء إقامته الأرضية
رؤية نفق العين الروحية
عند الحد الفاصل
بين المادة والروح
ويستطيع لحظة مغادرة الأرض
دخول هذا النفق المضيء
والإنتقال من هذه الدنيا
إلى فضاء الله اللامتناهي
حيث النور
والفرح
والسلام
والحرية المطلقة
مصباح الجسد هو العين (الروحية)
فإن كانت عينك (وحيدة) If thine eye be single
فإن جسدك كله يكون مليئاً بالنور.
{والنور يسطع في الظلام والظلمة لم تعرفة}
الإيثار
الإيثار هو أن نشعر بأحزان الآخرين
وأن نقترب منهم ونتواصل معهم
ونحاول صادقين تعزيتهم في مصابهم
وأن نفرح لفرحهم
ونعمل على قدر طاقتنا
لإبعاد شبح الخوف والعوز والقلق عنهم.
إن من يعمل على إسعاد الآخرين
يسعده الله بإحساس باطني من الراحة النفسية
وإن فقد شيئاً في سبيل الذين يحاول مساعدتهم
لا يحسبها خسارة لأنه يكسب في المقابل
رضا الله وراحة الضمير
فهو يعيش ليحب ويعمل ويعطي
ويزرع بذور الخير والسلام في حقول الإنسانية
ويتجاوز في تفكيره وأحاسيسه عالمه الشخصي
فيتمدد وعيه ويزداد تعاطفه
ويشعر أن العالم بيته والإنسانية أسرته
ويدرك أن الغاية من وجوده على هذه الأرض
هي إصلاح ذاته قبل أن يحاول إصلاح الآخرين
لأن من يصلح ذاته يساعد الآخرين
على إصلاح أنفسهم من خلال مثال حياته
فالأفعال أعمق أثراً وأبلغ وقعاً
في نفوس الآخرين من الأقوال.
من يمتلك روح الإيثار
لا يعمل وفق حسابات وتوقعات محدودة
بل يستخدم بصيرته وحكمه الصائب
ويمضي في مساعدة نفسه والآخرين
شاكراً الله على ما يحققه من نجاح
وإن أخفق مرة أو مرات
لا يشعر بالإحباط بل يزداد تصميماً
فيضاعف الجهود ويكرر المحاولة
مستكشفاً أفكاراً وقنوات جديدة
مسترشداً بنور العقل
مستعيناً بالله
إلى أن يحقق مبتغاه
ويبلغ مقصده النبيل.
الفكرهو قوة كالكهرباء
والحالات النفسية
تعود إلى الفكر وطريقة التفكير.
الكهرباء نافعة وضارة في آن
فمن يحسن التصرف بها
يضعها في خدمته
وإلا فقد تصعقه.
وكذلك الفكر أيضاً
إن تم توجيهه في مسارات صحيحة
يجلب لصاحبه السعادة
وبخلاف ذلك يجلب له المتاعب.
الفكر كالحصان الجامح
ومع ذلك ليس ترويضه بالأمر المستحيل
والتفكير الإيجابي هو أحد طرق التحكم بالفكر.
الفكر السليم صديق حميم
والفكر السقيم عدو مقيم.
الفكر السليم يجذب السلام والسلامة
والفكر السقيم يطلق سهاماً فتاكة
فترتد على صاحبها مضاعفة
ولذا قيل الجزاء من نوع العمل.
وما دام المرء يبعث بنوايا الخير
ستتحول أفكاره إلى مشاعل
تنير حجرات النفس
وتطرد أكداس الظلام
فيشعر إذ ذاك براحة عميقة
وتشع عيناه بابتسامة الرضى!
الحياة هي كالمطحنة التي تطحن
حبوب الاختبارات والتجارب المثمرة
لتصنع منها خبز الحياة.
وهي كطريق متعرج
على جانبيه أزهار ناضرة
وفراشات زاهية
وأشجار على أغصانها ثمار شهية
ومع ذلك نادراً ما نتوقف
لنستمتع بمنظرها وتذوق عذوبتها
بل غالباً ما نكون على أحر من الجمر
للوصول إلى مساحات أوسع
نظن أن فيها مناظر أكثر بهجة مما رأيناه.
لكن مع ابتعادنا التدريجي
عن الدروب المزهرة المثمرة
نجد أشجاراً فيها من القتامة
أكثر مما فيها من النضرة
ثم تختفي الزهور
ومعها الفراشات وأيضاً الفواكه
لنجد أنفسنا بعد ذلك في بلقع الصحراء.
حياة الإنسان هي كمياه البحار
التي تتنقى وتصبح عذبة
فقط عندما تصعد إلى الأجواء العليا.
وهي كحلم الصباح
تزداد إشراقاً مع تقدم سني العمر
والسبب هو أن الأشياء تبدو عندئذ أكثر وضوحاً وصفاءً.
وهي كالرحلة من حيث تغيّر المناظر مع قطع المسافات
ثم تتغير نفس المناظر كلما اقتربنا منها، وهكذا دواليك.
الحياة لا تخيّب أمل الحكماء
إذ يتعاملون معها بحنكة ويستمتعون بها
دون السماح لها بالإستحواذ عليهم وسلبهم حريتهم.
فهم على سبيل المثال يستمتعون بالماء..
يشربونه ويغتسلون به، لكن لا يسمحون لأنفسهم بالغرق فيه.
وهم يستمتعون بالملابس التي تروق لهم
دون تقيد زائد بالرسميات والشكليات التي تعتبر من السطحيات.
ويتلذذون بتناول الطعام دون السماح للشـَره بأن يأكلهم
لأن الإفراط في تناول الطعام ينهك القوى
وينهش المدركات
ويفتك بها فتكاً ذريعاً.
وهكذا.. يجب أن يتمتع الإنسان بالحياة
إنما دون إنهاك الحواس بالإنغماس.
التوافق مع الآخرين
لا يعني موافقتهم على كل شيء
أو تضحية المُثل من أجلهم
لأن هذا الأسلوب من التوافق غير مستحب
ولا ينسجم مع الحق.
فالمصلحون والعظماء لم يتوافقوا
مع كثيرين من الناس من حولهم
ومع ذلك احتفظوا بمَثلهم الأعلى
لأنهم أدركوا أن ما كانوا يقومون به
كان عين الصواب.
يجب عدم المساومة على مبدأ
وعدم اللجوء إلى نوايا مبيتة لتحقيق غرض ما
لأن ذلك لا يليق بالمبدئيين.
من يستطع العيش بكيفية ترضي الله
ولا تلحق الأذى بالغير فلا خوف عليه.
أولاً وقبل كل شيء يجب التوافق مع الله
ثم مع الضمير ومن بعدها مع الناس.
أما إن لم يُرضِ هذا النهج الآخرين
فيكفي أن يكون المرء مرتاحاً في داخله
ويشعر بطمأنينة ذاتية تغنيه عن رضى الناس.
المغناطيسية الروحية
إن قوة النفس ورغبتها في التوجّه إلى الله تدعى مغناطيسية روحية، وبهذه المغناطيسية تجذب النفس لذاتها بركات واهتزازات رفيعة وكل التجارب البشرية الطيبة التي تذكـّرها بالخير والصلاح.
المغناطيسية الروحية هي القوة التي بواسطتها يجذب ويجلب الشخص إلى نفسه أصدقاء طيبين وأشياء ضرورية وهامة ومعرفة بديهية للأمور.
وهذه القوة مستمدة من قوة الله المغناطيسية الجاذبة.
شمعة السلام
خذ وعاء عقلي
واملأه بسلامك.
خذ قارورة مشاعري
واملأها برحمتك.
خذ سلة روحي الفارغة
واملأها بثمار حكمتك.
اسكب مياه محبتك في روحي
علني أصبها في أكؤس عطاش الروح.
اهدم جدران الأنا
واغمرني بحضورك الكلي.
إن شعاع فجر المحبة
ليطل من فتحات قلبي
فيذكرني بنور شمس حبك
المنتشر في سماء حياتي.
لقد أشرق سطوع حبك الباهر
على نفسي فاستنارت
وملأ نورك فضاء روحي.
أنت الحياة التي تعيل جسدي
والعقل الذي يلهم أفكاري
والحكمة التي تبدد جهلي.
إنني أضيء شمعة حبي النحيلة
لأقرأ الكتاب الذهبي
المحفوظ في داخلي منذ القِدم.
حبك كان ولم يزل
شمعة السلام غير المنظورة
التي تبدد الظلمة وتريني رسائلك
المدونة على صفحات القلوب.
طمأنينة النفس
عندما تفقد الهموم الحارقة حرارتها
تبزغ الطمأنينة برداً وسلاماًً.
إنها الصارية البيضاء لقارب الحياة
يملؤها نسيم السعادة الدائمة، الخالية من الإثارة
فتدفع القارب دفعاً رفيقاً على صفحة بحيرة الرضى.
الطمأنينة هي نهر القناعة
المنساب رقراقاً في اتجاه بحر السكينة
بمعزل عن أمواج الهموم.
إنها مظلة الروح
المنتشرة فوق عقل الإنسان وقلبه
لتقي أفراح حياته، صغيرها وكبيرها
من أمطار الخوف والقلق.
إنها النغمة السماوية
المنبثقة من قيثارة الحياة.
وهي الملح المقدس
على مائدة العمر،
والرذاذ المتطاير من شلالات الإنجاز
وهي المزاج الرائع الرائق
الذي به تساس مملكة النفس
بوئام وانسجام.
الطمأنينة ليست حكراً على الخلوات المنعزلة
ولا هروباً من الجلبة والضوضاء.
بل تأتي إلى حيث ترحب بها القلوب
وتمكث حيث تأنس بها النفوس
بغض النظر عن الزمان والمكان.
إنها زهرة رقيقة حساسة
لا تتحمل اللمسات الخشنة
بل تحيا وتزهر وتزدهر
إن هي سقيت بمياه الطيبة المنعشة.
الطمأنينة هي بحيرة الشعور الساجية
الخالية من تغضنات الأحزان
التي تذرف دموع الخوف
لأقل هبّة من هبّات الجزع والكدر.
عندما تغطي صفحة النفس المطمأنة
طبقة من الثلج الأبيض الناصع النقي:
ثلج الهدوء وراحة الضمير
فلن تقوى عواصف المخاوف وأعاصير الهموم
على تعكير الصفاء والسكينة
تحت هذه الطبقة الصلدة اللامعة
لهذا التلألؤ المبارك الوضاء.
والسلام عليكم