وثيقة رقم: ٠٠٢١ - لا تفتح في الضوء"
تصنيف: سريّ للغاية – مُرسل من ذاكرة غير معترف بها.
تاريخ الإرسال: غير موجود.
المُستقبِل: أي شخص يجرؤ على القراءة.
تنبيه: ما تقرأه ليس لك وما ستفهمه لن يُصدقك فيه أحد.
الفقرة 1 – جزء من الحلم الثالث (أُرسل من عقل نائم):
رأيتُني أفتح بابًا لا يُفتح إلا من الداخل، كان خلفه مقعد عليه رجلٌ يجلس ووجهي هو وجهه، قال لي بصوتٍ يشبه صوت أمي حين تبكي سرًا:
"أنت لست أنت، بل أنا الذي حاولت أن أكونك وفشلت" ثم اختفى وظلّ الباب مفتوحًا، منذ ذلك الحين كل بابٍ أدخله يُخرجني من نفسي أكثر.
الفقرة 2 – ملاحظة مُرمّزة (أُرسلت من الجدار):
احذر الساعة ٢:٤٤ صباحًا، هذا هو التوقيت الذي تسقط فيه الحقيقة من الذاكرة وتصبح الأفكار القديمة أدوات تعذيب.
موقّعة: الظلّ الذي تسلّل من بين سطورك.
الفقرة 3 – تسجيل صوتي مُشوّش (فُكّ ترميزه جزئيًا):
لا أذكر متى بدأتُ، لكن كلما حاولتُ استحضار طفولتي، أجدني لم أكن موجودًا أصلًا، كنتُ فكرةً يختبرها شخصٌ آخر وكلما أخفق ألقى بجزءٍ مني في رأسي.
الفقرة 4 – من يوميات شخص لم يُولد:
اليوم، حلمت أن أحدًا كتبني، كنتُ سطرًا وحيدًا في دفترٍ بلا عنوان "أنا لا أشبه من كتبني، لكنه اختبأ فيي لدرجة أنّه اختفى".
استيقظتُ وأنا أبكي، لكن الدموع كانت حبرًا والحبر سال على وجهي وصار ملامحي.
الفقرة 5 – تحذير نهائي (سيُحذف ذاتيًا بعد القراءة):
إذا شعرت الآن بأن أحدًا يراقبك، فلا تقلق، إنه أنت، لكن النسخة التي لم تُكملها بعد، النسخة التي تقرأ هذا النص معك وتفكر "من كتبني؟"
توقيع الوثيقة: غير معروف (يُعتقد أنه من "عقل ثالث" لم يتم التعرف عليه بعد)
#سارة_شرقاوي
#سُرور
#منصة_راكان
بين النصلِ والنخلة
أيحاصرونها، كيف؟!
هل القيدَ قادرٌ أن يُقيدَ الريح أو أن يُقنعُ الجدارَ الشمسَ أن لا تشرق أو كأنّ الطائراتِ ستُخيفُ البحر أو تُخرسُ الأذانَ في جوفِ المآذن؟!
هي لا تختنق، بل تتّسعُ للحصارِ كما تتّسعُ السماءُ للنجوم، تأكلُ القصفَ وتُملي على الألمِ قوانينَ جديدة.
يُغلقونَ المعابر، فتفتحُ بابَ الدمِ، ليخرجُ الأطفالُ من الشقوقِ كأنهم وردٌ برّي، كأنّهم آياتٌ تمشي في الأرض، يُقصفُ بيت، فتبنيه أمٌّ من الدعاءِ والطين وتكتبُ فوق الباب"هُنا نحيا، لا نُؤجَّل".
لا تُقصف فقط، بل تُفرَّغ من أحلامها، تُستنزفُ بالوجبةِ المؤجَّلة، تُذبحُ بخيطِ زيتٍ لا يأتي، بكيسِ طحينٍ لا يصل، بعيونِ عالمٍ شبعانٍ، ينظر ثم يُدير وجهه.
لا تَصرخُ، بل تَزأر، لا تَبكي، بل تَشهد، لا تموت، بل تَختبرُ الموتَ ثم تُكذِّبه وكلُّما ضاقتْ بها الأرض؛
توسّعتْ في السماءِ أكثر وكتبتْ على غيمِها "هُنا، شعبٌ لا يُكسر ولا يُنسى".
تُجاهدُ بجسدِها النحيل، بطفلٍ صار عظمًا، بأمٍّ تحفرُ حفرةَ ابنها بأصابعها، لأنه مات من الجوع لا من الحرب، يموتُ شاب فيولدُ ألفُ شهيدٍ في قلبِ أمّه، يموتُ علمٌ فتحملُه العيونُ قبلَ الأكتاف وتزغردُ له الزنازين.
المائدةُ فيها باطلة والصحونُ شاهدةٌ على الإبادة، كلّ طبقٍ فارغٍ شهادةُ وفاةٍ معلّقةٌ على حائط الانتظار.
غزَّةُ ليستْ مدينةً تُحاصَر، بل نخلةٌ في وجهِ السِّيف، جُرحٌ ينامُ في قلبِ الجُغرافيا ولا يئنّ، تراقب والعالمُ يلتقطُ الصورَ ثم يمضي...
#سارة_شرقاوي
#سُرور
بريدٌ من غدٍ لم أره
استيقظتُ صباحًا على همهمةٍ لم أعتدها، لم يكن صوتي، بل صدى نبرةٍ أعرفها حدّ الغصّة، كنتُ أنا لكن من مكانٍ آخر، من زمنٍ لم أصل إليه بعد.
فتحتُ ورقة مطوية بعنايةٍ، كأنها خافت أن يجرحها الهواء، مكتوبٌ في أعلاها بخطٍّ أعرفه كما أعرف ملامحي "إلى أنا قبل أن تتيبّس فيكِ الأحلام".
كنتُ أقرأ وأنا أرتجف، كأنّني أسرقُ شيئًا من قدري "لا تثقي بالأمل حين يلبس ثوب المُنقذ، فقد كان يومًا قاتلي، حين انتظرتُه على العتبة ولم يأتِ، لا تتركي قلمكِ نائمًا طويلًا، سيكتبكِ أحدهم في غيابكِ ويصدّقونه".
كانت الرسالة مشطورة، نصفها من نور والنصف الآخر من ظلال، كأنّ ذاتي المستقبلية كتبتها من داخل المنفى، ذاك المكان الذي نُسجن فيه حين نكفّ عن أن نكون أنفسنا.
"ستحاولين أن تصالحي كل نسخكِ القديمة، لا تفعلي، أحرقي ما يشبهكِ ولم يعد يُشبهكِ".
"سيأتي يومٌ تصافحين فيه غُرباء وتشعرين أنّهم أقرب إليك من مرآتك، لا تخافي، هذا قلبكِ يتذكّر من كان يومًا قطعةً منكِ قبل أن يولد".
"حين يختنق صوتكِ في الزحام، تذكّري أن الصمت أحيانًا هو الذي يكتبكِ أكثر مما تفعل الحروف".
سقطت الورقة من يدي دون أن أدري وبقيتُ أحدّق في الفراغ، كأنّني أتحقق من أنني ما زلت هنا.
هل قرأتُ رسالة أم أن الرسالة كانت تقرأني؟
تلمّستُ وجهي، فشعرتُ بتجاعيدٍ لم تكن فيه، نظرتُ في المرآة، فبدا لي وجهي الآخر من خلف الزجاج، يلوّح لي "أكملي، أنا بدأت، لكنك أنتِ النهاية".
عدتُ إلى الورقة وقلبتُها، فوجدتُ سطرًا أخيرًا بخطّ مرتجف: "إن قرأتِ هذا فأنا لم أمت، أنا فقط انتقلت إلى قصيدةٍ أخرى".
#سارة_شرقاوي
#سُرور
#منصة_راكان
إعرابٌ بِلا وجود
أميري الأمين،
الفاعل الذي لا تغيب عنه شمس المعنى والمبتدأ الذي لا يكتملُ إلا بخبره في صدري.
أكتبُ إليك وأنا أعربُ كلّ سطرٍ بعينٍ من حبّ وأخرى من وجع، لأقول لك إنك ما زلتَ الاسمَ الثابتَ في جُمل الحياة، لا يُقدَّم عليك شيءٌ في ترتيب المشاعر.
أحببتُك فعلًا ماضيًا مبنيًّا على السكون، سكن قلبي يومَ رأيتك ولم يُرفع منذ ذلك الحين، فاعلٌ مرفوعٌ أنتَ على الدوام، لا تحكمك حركات الإعراب بل تحكمك نبضات قلبي، ضممتني كما تضم الضمة آخر الكلمة، فارتفعت بك عن كلّ ما كان يجرّني إلى الأسى.
كنتَ مبتدأً في لحظةٍ عابرة ثم صرتَ خبرًا يسكن كلّ الجمل التي لم أكتبها بعد، كنتَ مفعولًا به في دعائي، منصوبًا بالأمل والشوق والحاجة إليك.
في سَكنات الليل، كنتُ أراكَ جارًا ومجرورًا في أحلامي، متعلقًا بالفعل "اشتقتُ"، فلا تمرُّ ليلةٌ إلا وأنت في محلّ قلبي، ظرفُ زمانٍ يحتضنُ كلّ الذكريات.
حين تحدّثتُ عنك، استعملتُك اسمًا موصولًا، لا ينفصلُ عنّي وقلتُ: "أنتَ الذي أحبّه"، فكان الوصل بك أجملَ من أيّ جملةٍ اسميةٍ تامة.
لكنّك غبتَ، فصارت جملتي ناقصةً، فعلُها متعدٍّ لا يجد مفعوله وإن وُجدَ، فهو مجرورٌ بالغياب، مجزومٌ بالألم، ممنوعٌ من الصرف لشدّة الحنين.
هل تعلم أنّك ضميرٌ مستترٌ في كلّ سطرٍ أكتبه، أنك توكيدٌ معنويّ، يجيء بعد "نفس" و"عين" و"قلب"، أنك لا تزالُ بؤرةَ التركيب وقطبَ الجملة ومحلَّ المعنى؟
أحببتُك كما يُحبُّ الاسمُ أن يُرفع، كما يتمنّى الحرفُ أن يُنطق، وكما ترجو الجملةُ أن تكتمل بعناصرها جميعًا، لا فقدَ فيها ولا حذف.
#سارة_شرقاوي
#سُرور
#منصة_راكان
وردةٌ مصلوبة
"فتحتُ عيني على غرفةٍ تُشبه فكرة، لا جدران تحدّها ولا نوافذ تفتحها، فقط صمتٌ يرفرف كستارةٍ مُهملةٍ في عقلٍ مُغلق، أخذت أُمعن النظر في ملامح الغرفة من حولي، كانت كأنها ذاكرة نائمة، كل زاوية فيها تهمس بسرٍّ نسيت أن أتذكره.
لم يكن الباب بابًا، كان صدًى متجمّدًا لصرخةٍ لم تُولد بعد، طرقته بكفٍّ لا أملكها، فانفتح إلى الداخل (داخلي)، دخلتُ غرفة لا جدران لها، فصفعتني رائحة الأمس، كانت ترتدي ثوب الغد وتبتسم بماضيٍ لا يخصني.
قال لي ظلي وهو يلعق ساقي: "هل نسيت أنني أولك وآخرك؟!
لقد هربت مني عندما بحثت عن نفسك في جيب قميصٍ لا يشبهك".
ضحكتُ، لكن الصوت لم يخرج، بدلًا منه تهشّمت سحابة وسقط منها وجهٌ أعرفه، لكن بِلا ملامح.
خطوتُ فوق أرضٍ تتنفس، كل خطوة تئنّ وكل صدى يُعيد لي جملةً قلتها مرةً وأنا نائم: "أنا مستحقش أكون موجود".
في المرآة التي لا تعكس، رأيت امرأة بوجه أبي، تطرّز اسم أمي على قميص مشنوق فوق شجرة عارية.
سألتها:هل أنا أنا؟
قالت وهي تحكّ صمتها بإبرة: أنت خطأ إملائي في جملة لم تُكتَب بعد.
ثم اختفت وتركت خلفها مرآةً تتقيّأني.
كتبتُ اسمي على الحائط، فبدأ ينزف وكل حرفٍ كان يئن: "مش أنا… مش أنا… مش أنا"
أغلقت عيني، فوجدت نفسي أفتحها في مكانٍ آخر، داخل كتابٍ لم أكتبه، فوق صفحة بيضاء لا تتسع لقلقي.
كان أمامي رجلٌ يشبهني أكثر مما يشبه نفسه، قال لي: "أنا أنت لو لم تكن أنت".
ثم سلّمني مفتاحًا من ورق وقال: "فيه قفل جواك افتحه، لكن أحذر في كل مرّة تفتحه بيتغير القفل".
حاولت، فتحت، سقطت.
في السقوط، تذكّرت لحظة الميلاد، لكنها لم تكن بداية، بل تكرار مملّ لحكاية اختلقتها كي أنجو من صمتي.
لم يكن هناك صوت، فقط دقات قلب معلّقة في الهواء، كل نبضة تقول: "فيه حد جوّاك بيصرخ، اسمعه قبل ما يسمعك".
وجدتني أمام مكتبة.
كل كتاب كان يحمل وجهي، لكن عناوينه تتغيّر كل مرّة ألمسه.
كتاب اسمه "الخوف" فتحته فوجدت صور طفولتي، وكل صفحةٍ فيها خطأ.
كتاب اسمه "الانهيار" فتحته فوجدت فيه نسخة مني تبكي على شيء لا تذكره.
كتاب اسمه "الحقيقة" وكان مغلقًا بسلسلةٍ من عظام.
قال لي أحد الكتب:
"احرقنا علشان تقدر تكتب نفسك من جديد".
أشعلتُ الحريق، لكن الكلمات لم تحترق، بدأت أنا بالذوبان.
وفي نهاية الحريق، وقفت الوردة الحديدية.
كانت باردة، لكنها تنزف.
قلت لها: "أنتِ مش منطقية."
قالت: "ولا أنتَ… بس احنا الحقيقيين في عالم مزيّف".
مدّت لي يدها، كانت مصنوعة من وجعي، بدأت الصورة تبهت، كأن اللحظة تتحلل لمجرد شعور، لم يكن الظلام مرعبًا حينها، بل كان كالحضن الأخير.
#سارة_شرقاوي
#سُرور
#منصة_راكان