محمد سمير عبد السلام .. الخطيئة و صيرورة الحياة

  الخطيئة ، و صيرورة الحياة

  قراءة في رواية لم تكتب بعد ل فرجينيا وولف

  محمد سمير عبد السلام – مصر

في نصها الروائي " رواية لم تكتب بعد " – ترجمة فاطمة ناعوت – الصادر عن هيئة الكتاب بالقاهرة 2009 ، تطرح فرجينيا وولف سؤالين كبيرين عن مدلولي الوعي ، و الصيرورة السردية في علاقتها بالتأويل .

إن فرجينيا تخترق – عن طريق الساردة – وعي البطلة / ميني مارش . و لكننا لا نقرأ حكيا عن ميني مارش نفسها ، و إنما مجموعة من التداخلات الشعرية بين فرجينيا ، و الساردة ، و ميني مارش دون مركز معرفي تبدأ منه الكتابة الروائية ، إلا التجلي الإبداعي لدال ميني في القطار .

ثمة إيماءات في وجه البطلة ، و تأملاتها تندمج بتوقعات الساردة ، و رغبتها الملحة في تأويل الكينونة ، و من ثم يخرج لنا النص كشذرات تأويلية عن الساردة ، و ميني ، و فرجينيا ، و الكينونة الإنسانية نفسها في علاقتها المعقدة بالخطيئة الأولى ، و التجلي الظاهري للحياة في شكولها الخاصة ،  و الفريدة .

إن الوعي عند فرجينيا مجال تتصارع فيه أخيلة الأنا ، و الآخر ؛ ليتجدد سؤال الكينونة دون نهاية . و في المساحة الفارغة بين أولية الأنا ، و الآخر ، و أرق المعرفة ، تتجلى الكتابة التأويلية السردية كقراءة متغيرة عن الذات ، أو كتمثيل إبداعي يؤكد التغير ، و اللامركزية في بنيتها .

هل أرادت فرجينيا – حقا – معرفة ميني مارش ؟ أم أنها أرادت بناءها من خلال المساحة المفككة في الوعي الإنساني ، و التي يلتبس فيها الأنا بالآخر ؟

إن الوعي هنا يمنح الخصوصية للبطلة ، و لكنه يترك فراغا تمثيليا فيما وراءها ، و كأنه يعارض الوجود المطلق ، و العدم المطلق في تلك اللغة الاحتمالية التي تبحث عن المعرفة ، ثم بطريقة غير واعية تقصيها عن المشهد .

و قد استبدلت الأبحاث التأويلية المعاصرة مركزية الوعي بالتأويلات المفتوحة ، و إنتاجيتها الللغوية بالغة النسبية ، كما اختلطت فيها وظائف المبدع ، و المفسر ، و القارئ دون حدود بنيوية ، أو خصوصية مستقلة عن الآخر .

يبدو هذا التصور واضحا في نتاج بول ريكور ، و تجاوزه للظاهراتية التقليدية ؛ إذ يرى أن كل تأويل يضع المفسر في الوسط ، و ليس في البداية ، أو النهاية أبدا ، كما أنه إجراء مفتوح خارج أية رؤية ؛ كما يؤكد أن سؤال الكينونة عند هيدجر يخضع أيضا للشك ؛ إذ يتجه التأويل الآن من نقد الموضوع إلى نقد الذات المتكلمة نفسها . ( راجع – بول ريكور – من النص إلى الفعل – ترجمة محمد برادة و حسان بورقية – عين للدراسات للنشر مع المركز الفرنسي بالقاهرة – 2001 – ص 38 و 39 ) .

هكذا اتخذت الساردة – في نص فرجينيا – موقع المفسر المنتج لكتابة إبداعية ؛ هي بحد ذاتها تأويل مفتوح للشخصية الروائية ؛ و من ثم جاء السرد كإجابة بين الامتلاء ، و الفراغ عن هذا الوجود المحتمل للإنسان في العالم ، و كذلك كتعريف للحياة يحتفي بالنقص الكامن فيها من أثر الخطيئة الأولى .

* سؤال الوجود /

في اللحظة التي تتوقع فيها الساردة أنها بدأت في القبض علي ميني ، نجد سؤال الوجود يتجدد في الشك ، و التجلي الإبداعي الآخر للبطلة في الوعي ، و كأن الساردة ستوشك أن تستأنف نشاطها السردي / التأويلي دون نهاية عن البطلة .

تقول :

" ما الذي أتكئ عليه ؟ ما الذي أعرفه ؟ تلك ليست ميني ، لم يكن هناك موجريج على الإطلاق . من أنا ؟ الحياة عارية مثل قطعة عظام ... أيتها الكائنات الغامضة غير المعلومة ، أنتم من أتعبد فيهم " .

الذات عند فرجينيا مزيج من التجلي الإبداعي للوجود الفردي ، و النقص المعرفي معا ؛ فلا وجود لأحدهما دون الآخر ؛ لأنها انتقلت من السؤال عن البطلة ، إلى سؤال الكينونة " من أنا " ، و كأنها ترفض تقديم المعرفة عن الذات التاريخية ابتداء ، و إنما تكتب نصا يقع بين دائرية الغموض المجازي للحياة ، و الرغبة في منحها تأويلات متغيرة لانهائية .

إن كتابة فرجينيا تقع ضمن تطوير مدلول الذات في الفكر الحداثي ، و بخاصة في تيار الوعي ، و ما يحتمله من تساؤلات عن العلاقة المعقدة بين الهوية ، و تداعيات الذكريات ، و الأحلام غير المحكومة برابط ، و أرى أن فرجينيا طورت بوعي – هنا - مدلول الذات في حتمية لقائها بالآخر ، و التأويل السردي المفتوح .

* الخطيئة ، و صيرورة الحياة /  

تحول فرجينيا الميراث الديني للخطيئة إلى قراءة مبدعة لوهج الحياة ، و صيرورتها التي قد تكون تكرارا لعقدة الذنب ، و الموت دون نهاية حاسمة ، أو بداية واضحة ؛ فنحن إزاء دائرة من بزوغ الجسد ، و ديناميكيته ، و تبلور الخطيئة فيه كبقعة تمثيلية للعدم ، و امتداده الذي يشبه تطور الحياة نفسها ، و غموضها الإبداعي .

تقول بعدما لاحظت علامات الحزن على وجه ميني ، و تجاوزت أي منطق للعار :

" كانت تحك كأنما لتمحو شيئا من الوجود ، و إلى الأبد ، وصمة ما ، تلوثا لا ينمحي ... شيء ما دفعني أن أخرج قفازي و أشرع في حك نافذتي ، كانت هناك بقعة صغيرة على الزجاج أيضا ... ثمة بقعة في الجلد بين الكتفين بدأت تلتهب و تستحكني ، أشعر بها فجة . هل يمكنني الوصول إليها ؟ " .

ما البقعة ؟

إنها تشبيه للخطيئة ، أو هي الصيرورة المجازية للخطيئة ، و التي تسخر من مركزيتها المطلقة ، فهي تشبه الحياة ، و تكوين البطلة ، و هي أيضا دائرية ، تقع في قلب الوجود ، و لا يمكن محوها طالما وجدت الكينونة .

الحياة هي العار .

الحياة دائرية كالعار في وعي فرجينيا ، و هي وهج العار المضاد لمركزية العار ، أو العدم ، أو التجريد الكامل للخطيئة .

البقعة المظلمة تمر من الجسد إلى الوعي ، و من الحياة إلى تجدد الوجود الإبداعي / التأويلي ؛ فهي تبقى في سياق المحو ، مثلما تبقى الشخصية الروائية في سرد احتمالي مؤجل للحقيقة ، و المعرفة .

* وفرة الشخصية /

ثمة وفرة جمالية تبدأ من التكوين الفريد للشخصية ، و تمتد في التطور الجمالي للكون دون نهاية .

و تحاول فرجينيا أن تقبض على بعض آثار هذه الوفرة ، أو معاينتها فيما وراء المتكلم ، و الموضوع معا .

إن الوجه يشرع في تحديد الهوية ، و تغييبها في تكرار الظهور نفسه في أشكال استعارية مختلفة .

تقول عن الوجه :

" كيف يمكن أن نسمي هذا الشيء ؟ ثمة انكسار ، انقسام ، لكنك حين تقبض على ساق النبتة إذا بالفراشة تختفي ، الفراشة التي تتشبث في المساء بأعلى الزهرة الصفراء .. ارتجفي يا حياة .. ميني .. أنا أيضا فوق زهرتي " .

الساردة تقرأ الجذور العميقة لعملية التجسد في غموضها ، و تكرارها الذي يحاكي الاستبدال في الكتابة ؛ فهناك أصول للهوية في الفراغ الكوني ، و امتلائه الذي يهدم أية حدود يمكن وضعها للهوية ، و الجسد ، و الصوت ، و العنصر الكوني .

إنه تعين هوائي للجمال .

* تفكيك المتكلم /

للمتكلم أيضا تأويل استعاري يحاول استبداله ، و الامتداد به فيما وراء الصوت ، و الهوية ، و الإدراك .

لقد انقلب سؤال الكينونة في وعي ، و لا وعي فرجينيا – بصورة دائرية – من الموضوع / ميني إلى صوت الساردة نفسها ؛ إذ تبحث في وهج الوجود الداخلي عن بديل للهوية لا يتسم بالمركزية ، أو الإدراك الأول للعالم ، و إنما هو أثر متغير ، مثل إنتاجيته التفسيرية للأنا ، و الآخر .

تقول :

" غير أن النفس حين تتحدث إلى النفس من يكون المتكلم ؟ الروح المدفونة ، النفس التي أقصيت ، و أزيحت عميقا ... في عمق السرداب المركزي لكهوف الموتى ... التي اعتمرت الوشاح الحاجب ، و تركت العالم " .

إنها تبحث عن الصوت في انشطاره ، و تأويلاته المختلفة . الصوت هنا بديل لمدلول غائب ، أو سؤال دائري عن ماهيته الشعرية .

الصوت مجاز التكوين ، و الموت ، و الحياة معا . الصوت هو الأنا الآخر ، و الإحساس المشبع بالوهج المبدع للحياة .

لم يكن هناك هوية أولى أبدا ، و كأن الحياة نبعت من تطور للموت يشبه الكتابة ، و الخطيئة ، و المحاولات المتكررة لاستنبات ما يسمى بالشخصية الروائية في سياق جديد .

* فاطمة ناعوت ، و فرجينا /

لقد انتصرت المخيلة الإبداعية عند فرجينيا وولف في وعي ، و لا وعي فاطمة ناعوت ؛ إذ تلتقي مع مشروع فاطمة الشعري ، و رؤيتها للخصوصية الإبداعية للمرأة ؛ و لهذا أكدت في تقديمها للترجمة على فاعلية المخيلة ، و قدرتها الإنتاجية في النص .

و في تناولها لمأساة فرجينيا ، و انتحارها ارتكزت على التواتر الحتمي للأطياف ، و كأن شاعرية الوجود عند وولف تستعاد في سيرتها الذاتية ، كأنما نتلقى نصا سرديا آخر ، أو نعاين وجودا آخر لها .

و أظن أن فاطمة ناعوت قد عاينت وجودا مجازيا آخر لفرجينيا من خلال نصوصها ، و بخاصة رواية لم تكتب ؛ هذا الوجود ينقلنا إلى دائرة تأويلية جديدة أو مستوى آخر من الوجود المتعدد لفرجينيا ، و شخوصها ، و للإنسان في بحثه المستمر عن المدلول الجمالي للعالم .

محمد سمير عبد السلام – مصر .

 نشر بجريدة العرب .. لندن .. الخميس 25 مارس 2010

 

 

Comments