المادة العلمية المنشورة بهذا الموقع يسمح بالاستفادة منها شرط الإشارة إلى الموقع
كتبت ( أوديت برنيزاتOdette Bernezat )[1] عن الهقار والطوارق في كتابها (رجال جبال الهقار) ما يأتي:
"الهقار.. إنه أرض واسعة في الجزائر، مركزه على بعد 2000 كلم جنوب الجزائر العاصمة، ومساحته أقل بقليل من مساحة فرنسا (480000 كلم مقابل551000 كلم). جباله العالية (حوالي 3000م) المحاطة من كل جانب بالرمال الممتدة في قلب الصحراء تعطي الهقار طابعا سحريا وأسطوريا.. ألم تدفع جبال الهقار المدهشة الرحالة نحو البيئات الواسعة الأقل عدائية؟
لقد أعجب المكتشفون والعسكريون وعلماء الآثار وعلماء ما قبل التاريخ والجغرافيون والجيولوجيون وعلماء النبات بهذه الأرض العذراء وما زالوا كذلك، إنهم كثيرون أولئك الذين فتحوا لنا أبواب المعرفة من (دوفيرييه duveyrier إلى الأب دي فوكو Pére de Foucauld )، مرورا بجيل كامل من الباحثين من أمثال (كونراد كيليان Conrad Kilian ، وهنري لوط Henri Lhote ، ووتيودور مونو Theodore Monod ) إضافة إلى عهد كامل من المنافسة من (فلاطيهFlatter إلى لابيرينLapperine )، وبفضلهم أصبح الهقار معروفا لدينا، فهذا البلد المجهول والساحر أصبح أقل عدائية وسرية.
لنعترف أننا ساهمنا نحن أيضا في تقديم صورة مغلوطة أو مبالغا فيها عن شعبه.. أولئك الرجال الرزق الملثمين بشكل غريب، الذين يقطعون الأراضي الجبلية الصعبة .. سادة الصحراء الذين يغيرون على غيرهم وينهبون الرحالة المسافرين ويقتلون المستكشفين والمحتلين.. أولئك الذين يعيشون خارج قوانيننا.. وإلا كيف كان يمكن أن نتصورهم؟ لقد كان موطنهم الأصلي عقبة ومحنة في نظرنا، وكانت لغتهم لغزا، وأصولهم علامة استفهام كبرى. لقد أخذنا عن الطوارق صورة شعب ملثم، أعينه تائهة في أعالي الجبال الصعبة أو في الأفق الممتد.
لكن وبعد الاهتمام بالأرض أصبح سكان الهقار مادة للفضول العلمي الواسع من اللغويين وعلماء الأعراق والأنترويولوجيين الذين اهتموا بالبحث عن هوية الطوارق، ولم يتركوا شيئا جانبا ، درسوا أشياء كثيرة في سبيل الوصول إلى النتيجة؛ من (الأب دي فوكو) الذي درس لغة (التماشق) إلى (مارسو غاستMarceau Gast ) الذي عكف على تغذيتهم.
بفضل هؤلاء حققنا بداية بطيئة من خلال دراسات مثل "طوارق الهقار" (لهنري لوط)، و" الهقار" لـ(كلود بلانغيرنونClaude Blanguernon ) التي حدثتنا عن شعب ملثم على رأسه ملك و يتكون من نبلاء وخدم وعبيد، وعن اقتصاد مغلق ومقايضات تجارية، وعن نظام أمومي مربك.. كما قربنا أدب وافر من الطوارق، بدءا من "أطلنتيد Atlantide " لـ(بيير بينواPierre Benoit ) إلى روايات (فريسون- روشFrison-Roche ).
هل وجد شيء لم يكتشف بعد سنة 1975 ؟ يسرني أن أقول إن الصورة التي أخذناها والتي بقيت راسخة على امتداد نصف قرن لا علاقة لها بتاتا بالواقع الحالي، لقد بنيناها انطلاقا من الحقيقة ولكن بتشويهها أحيانا، وهي جزء من الأخطاء التي لا بد منها والتي بدونها لا تتقدم المعرفة. و بالطبع ، ما تزال ثمة أسئلة تحتاج إلى تفسير ما دام التاريخ يمر ، وكل يوم في حياتنا المعاصرة يعقد سيرورة التاريخ.
لا أدري إلى أين تمضي الحقيقة، وأين يتوقف الخطأ، لست عالمة و لا واسعة المعرفة، لكنني اكتشفت في الهقار ما هو أكثر من أرض ساحرة.. لقد أحببت فيه بلدا من جبال عنيفة وسهول منبسطة، بلدا تتوزع فصوله بين خريف دافئ وشتاء متجمد وصيف حار، بلدا مغلفا بسماء ليست دائما زرقاء أسطورية، واكتشفت في شعبه ليس فقط أناسا بدوا في انتجاعهم السرمدي، بل رعاة هادئون متمسكون بأرضهم بين حدين مضبوطين.. اكتشفت أن هذا الشعب الملثم الذي لا نرى منه غير العينين له وجه كالذي لدينا، بالتعابير التي لدينا من بسمة وهموم ومزاح وقلق وحزن وسعادة." [2]
هوامش:
[1] ولدت أوديت برنيزات عام 1940 في فرنسا قبالة البحر الأبيض المتوسط، ارتبطت حياتها الأولى بجبال الألب متسلقة ومدربة تزلج ، وكان يمكن أن تشدها هذه الجبال إليها مدة طويلة لأنها عرفت بحركيتها الفريدة وقدرتها على التنظيم. في عام 1967، اكتشفت رفقة زوجها (جان لوي برنيزات Jean-Louis Bernezat ) الصحراء الجزائرية، ورغبت أكثر في شق الدروب الوعرة في جبال الهقار، وفي عام 1969 أنشآ معا وكالة تسمى " رجال و جبال " ، وهي أول منظمة محترفة في فرنسا وحول العالم تقترح السفر على ظهور الجمال أو مشيا على الأقدام في الصحراء. وقد كتب لهذا الأسلوب الفريد الدوام مدة 32 عاما برفقة أدلاء من الطوارق والشعانبة والموريتانيين والتونسيين.
أحصت أوديت برنيزات 180 رحلة قامت بها في صحاري هذه المنطقة شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، في مقابل 200 رحلة لزوجها (جان لوي) قطعت خلالها الآلاف من الكلومترات دون محرك سيارة، وتوجت كل ذلك بمجموعة من الكتب والمقالات. للمزيد ينظر الرابط:
http://download.pro.arte.tv/archives/fichiers/02334472.pdf
[2] Odette Bernezat. Hommes des montagnes du Hoggar.edi. Glénar. Grenoble.
د. رمضان حينوني
تمهيد:
ما من فكرة تنطلق من مبدأ إسلامي أصيل إلا ويكون لها دور في خدمة الإنسان، ذلك أن الله تعالى إنما جعل الدين لتحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة انطلاقا من عبادته لخالقه وخشيته منه. فالله تعالى عندما قال: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” فإن العبادة كما نظر إليها العلماء تفرعت إلى ضروب كثيرة منها العمل على تحقيق السعادة للإنسان من خلال السعي إلى استقراره وأمنه وحفظ مصالحه.
والتصوف من الأفكار التي اصطبغت بالصبغة الإسلامية على الرغم من الأشكال الصوفية الموجودة في كثير من العقائد والملل وبخاصة في النصرانية. ولقد اختلفت الآراء في الفكر الصوفي بين ناظر إليه على أنه جملة من الأفكار الانهزامية المسنودة بالبدع والخرافات، وبين ناظر لها على أنها صفاء روحي وعلاقة خاصة بين الصوفي وربه، ويبدو أن الصورتين معا شهدتا حضورا في الواقع الإسلامي على مر الزمن، غير أن الصورة الأولى شوهت الثانية إلى حد كبير إلى درجة أصبح فيها مصطلح “التصوف” مثارا للجدل والانتقاد والاتهام، مما دعا كثيرا من المفكرين إلى التأليف في هذه المسألة وتسليط الضوء على حقيقة هذه الظاهرة.
ورغبة في إعادة فكرة التصوف إلى حقيقتها اختار بعض من الدارسين[1] مصطلحات بديلة تأخذ شرعيتها من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة مثل” الإحسان” أو ” التزكية” من خلال قوله صلى الله عليه وسلم:” الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك” أو التزكية التي تستمد من قوله تعالى:” هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ظلال مبين”[2]. غير أنه إذا كان مصطلح” التصوف” في معنى معناهما وروحهما فلا إشكال فيه وفي تداوله، كما لا قدح في طرقه ومريديه والمنتسبين إليه.
التصوف من الذاتية إلى خدمة المجتمع:
من المهم جدا أن ندرك أن أي إصلاح يبتغيه الفرد لا بد أن يبدأ فيه من ذاته، ثم الأقرب فالأقرب وصولا إلى الجماعة الكبيرة. وإذا استعرضنا مجمل الأقوال التي قيلت في التصوف وجدنا أنه يجمع الزهد والأخلاق والصفاء والمجاهدة والالتزام بالشريعة والعبودية التامة والتسليم الكامل وترك التكلف والاهتمام بالشكليات[3]، وهذه الصفات المتكاملة كفيلة بجعل المرء مستقيما في سلوكه، قدوة لغيره.
يقول أبو الوفاء الغنيمي:” التصوف إذن أولا وقبل كل شيء تجربة خاصة ، وليس شيئا مشتركا بين الناس جميعا”.[4]وعليه، فإنه سلوك ذاتي يبذل فيه الفرد قصارى جهده لبلوغ الصفاء الروحي الذي يشكل المرحلة الأولى في مسار المتصوف وهي مرحلة الفرار من الخلق إلى الحق كما تدل عليه أدبياته. وهكذا يعمل هذا السلوك “على قيام علاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان لا تتحكم بها الغرائز، ولا تسلم قيادتها على الشهوات والجنوح على الاستعباد والإلحاق، فهو يسمو على هذا كله، لأن هدفه الأول والأخير إيجاد الإنسان الفاضل، والظفر برضوان الله وحبه” [5]
أما المرحلة الثانية فهي العودة إلى عالم الخلق بعد إدراك وصفاء، وهذا المسار الثاني هو الذي يقع فيه الاحتكاك بالناس والمجتمع، ويؤدي فيه الصوفي دوره الإصلاحي في أشكاله المختلفة. فالإمام الغزالي مثلا انتقل من الانشغال بالذات إلى الانشغال بالأمة حين كن يرى ما يلحق المسلمين من أدى يسلطه عليهم الجبابرة والظالمون [6] ، إن هذا الانتقال طبيعي؛ فالرسول الأكرم صلَّى الله عليه وسلَّم يقول فيما رواه البخاري يقول:” لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبَّ لنفسه” وإذا كان الصوفي يبتغي الصفاء ونشدان الكمال في التقرب إلى الله، فكيف لا يريد ذلك أيضا للخلق الذين يلتقي بهم ويجالسهم أو يعيش بين ظهرانيهم؟ فالصوفي “يقدّم نفسه- بالإضافة إلى كونه مهذب نفوس مريديه- كمصلح ديني من مهامه تجديد أمر دين هذه الأمة وتبليغ الإسلام إلى الناس وحفظ الروحانية التي تزخر بها شريعة الإسلام، فهو بهذا الاعتبار مربي عام ومربي خاص، فكونه مربيا عاما هو من جهة البلاغ والوعظ، وكونه مربيا خاصا لجهة تهذيب نفوس أتباعه وترقيتهم روحيا. إذن الصوفي الحقيقي ليس هو الذي يعزل نفسه وغيره بين جدران زاويته ويعتني بالرسوم والأوراد من دون العناية بالمجتمع الذي لا يمكن إهماله فالمجتمع هو مجال تفعيل تعاليم التصوف التي يقتضيها القرآن الكريم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.”[7]
بل إن الفكر الصوفي يذهب إلى أبعد من ذلك حين يوسع من أفق الاهتمام بالإنسان أو بالآخر وإن كان مختلفا، وهذا” البعد الكوني الشمولي للخطاب الصوفي، بما هو رؤية عالمية روحية تتجاوز المنفعة المادية والتمايز بين الإنسان وأخيه الإنسان على أساس العرق أو اللون أو المعتقد، وصولا إلى التماهي مع صورة المثال المتمثلة بالخالق، والفناء فيه بالمحبة ، ما يسهم في خلق تواصل وحوار حقيقي بين أهل الديانات و الشعوب على قاعدة الاحترام المتبادل ، وقمع الشهوات ، ونبذ العنف، والاصطراع المدمر بين بني البشر.” [8]
وعلى الرغم من بعض السلبيات التي ترتبت عن هذا الانفتاح على الآخر خصوصا في حقب زمنية معينة استغلها الأعداء للسيطرة على عقول المستضعفين، فإن القاعدة في عمومها ليست منحرفة ولا انهزامية، بل لا بد من تثمين وتشجيع تلك ” النزعة الإنسانية العالمية التي بشر بها الخطاب الصوفي، وحب المتصوفة الذي يشمل الإنسانية كلها دون تفرقة بين دين ودين وناس وناس وبلد وبلد” [9] حين لا تضر بالمجتمع ولا تؤدي إلى التنازل عن الخصوصيات العقدية للأمة أي حين تكون منطلقة من وعي وإدراك لأبعاد العلاقة بالآخر لا من غفلة قد تقصر عن إدراك المخاطر المحدقة المحتملة.
إن الاستفادة من الطاقة الروحية للفكر الصوفي ضرورية لنهضة الأمة، وبخاصة إذا كانت منطلقاتها روحية مثل الأمة العربية الإسلامية، وصحيح أننا ” إذا عاشرنا المتصوفة في جميع بقاعهم وعصورهم ودياناتهم وجدنا وحدة الطابع لموقفهم من الحياة … ولوجدنا أنهم دعاة أمن وسلام ومحبة، لا يعميهم التعصب، ولا يحجرهم الجمود ولا يتأبى عليهم تذوق الجمال، ولا تنقصهم الشجاعة وإنكار الذات، ولا تقصر ملكات التفكير فيهم، ولا يفزعهم ما يفزع أغلب الناس، وما أربح الأمة إذا استطاعت أن تستمد من هذه الينابيع طاقتها الروحية التي هي نماذج حية وترجمة واقعية للب الدين وجوهره” [10] .
وإذا علمنا أننا في عصر العولمة وأفكارها وفلسفاتها، أدركنا حاجة الفكر الصوفي إلى النزول بقوة إلى المعترك الاجتماعي ليس لمحاولة الوقوف أمام مد العولمة العاتي، بل ليسخر ما توفره من وسائل للتخفيف من آثارها السلبية؛ خاصة إذا علمنا أن” فئة المريدين في عصر العولمة أصبحت على شروط علمية وثقافية تتجاوز أحيانا قدرات (الزاوية) الفكرية والدينية والثقافية، (والزاوية) بأساليبها التربوية التقليدية والإمكانيات القديمة والمحدودة الأفق قد لا تنهض دينيا وروحيا بهؤلاء المريدين الشباب والكهول الذين قولبت العولمة سلوكياتهم”[11]، والذين ما زالوا يرون في التصوف هو القادر على أن يستوعب ” جميع أفراد المجتمع على اختلاف أعمارهم وأنواعهم ومكانتهم وتوجهاتهم ومشاربهم، وجذبتهم إلى تسامحها وتفسيراتها “المرنة” للدين ونبذها التطرف.”[12]
التصوف والوحدة الوطنية في الجزائر:
الدفاع عن الوطن في حال الخطر:
تضاربت الآراء حول مساهمة الفكر الصوفي في الدعوة إلى الجهاد ضد المحتلين للبلاد الإسلامية عبر العصور، من راء بأنهم انعزلوا عن المجتمع وانقطعوا إلى عباداتهم وطقوسهم، ومن مخالف لهذا الرأي ومثبت بالأدلة التاريخية عكسه. ونعتقد أن مبعث الخلاف هذا إنما يتمثل في التعميم والإجمال وعدم مراعاة الفارق بين التصوف الفلسفي والتصوف العقدي، أو بين تصوف المظهر أو الرسم وتصوف العمق والجوهر.
وحتى إن عرف عن بعض المتصوفة تركهم للجهاد لأي سبب كان، فإن الحجة لا تقام على الفكر الصوفي كله، ففي كل اتجاه ما يشرف وما يجر الخذلان، بحسب ما يحوز الناس عليه من القوة والشجاعة والقناعة بما يفعلون.
وقد لا نجد مثالا أفضل ولا أقرب من الأمير عبد القادر الجزائري في التمثيل لمساهمة المتصوفين في الدفاع عن الأوطان، وجمع أفراد المجتمع صفا واحدا ضد الظلم والاحتلال. يقول شكيب أرسلان فيه:” وكان المرحوم الأمير عبد القادر متضلعا في العلم والأدب، سامي الفكر، راسخ القدم في التصوف، لا يكتفي به نظرا حتى يمارسه عملا… فهو في هذا المشرب من الأفراد الأفذاذ، وربما لا يوجد نظيره في المتأخرين.”[13]
هذا الأمير الفذ هو مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، وهو الذي رفع راية التحرر من الاستعمار الفرنسي في أول وجوده في الجزائر، وما ذاك إلا لأنه فهم حقيقة أن يرتقي المرء إلى مراتب الحق فينزل إلى الواقع لينظر في حال بلده وإخوانه. إن السعادة التي يبلغها الصوفي نهاية المطاف بعد المجاهدة لا تمنعه من أن يسعى في خلاص الأمة التي ينتمي إليها، فكل ضرر يسكت عنه أو يتقاعس عن رفعه فسيكتوي بناره، فالظلم إذا عم لا يفرق بين الناس وإن لاذ بعضهم إلى الاستكانة والخضوع.
وتذكر مصادر كثيرة أن خيرة أبطال الجزائر قبل الثورة التحريرية كانوا من المتصوفة أو من المتأثرين بالفكر الصوفي؛ من أمثال الشيخ بوعمامة ولالة فاطمة نسومر والشيخ بن جار الله والهاشمي بن علي دردور وغيرهم.
الحفاظ على الهوية الوطنية:
من الطبيعي أن يهتم الفكر الصوفي بالجانب الديني من الهوية أكثر من اللغة، فالمنطلقات والمرتكزات دينية، والأهداف الكبرى كذلك، خاصة في ظل فكرة تقليص الحدود بين بني البشر كما أسلفنا. فهذا الشيخ عدة بن تونس يقول منتقدا التوجه نحو الاهتمام بالعروبة قبل الإسلام:”نرى كثيرا من إخواننا من كتاب اليوم، ينوهون كثيرا بالجنسية العربية، وينسون فضل الإسلام عليها، لأن العرب قبل الإسلام، لم يكونوا إلا أمة مترامية الأطراف في أنحاء الجزيرة العربية… حتى جاء الإسلام، فجمع قلوبهم على الإسلام… وجعلهم أمة تذكر من بين الأمم بأخلاقها العالية: من عدل وشهامة، واقتدار، كل مكتسب من فضل الإسلام على العرب، وعليه ليس من الإنصاف أن ينوه الكاتب بفضل العروبة على الإسلام، متناسيا فضل الإسلام على العروبة.” [14]
غير أن ذلك ليس قدحا في العربية ولا في أهلها، غاية ما هنالك أن الصوفية ترى أن الرابطة الكبرى التي تجمع أفراد المجتمع بطوائفهم وانتماءاتهم المختلفة إنما هي الإسلام، فهو يجمع العربي والأمازيغي والفارسي والحبشي وغيرهم، من حيث لا تستطيع لغة كل منهم أن تقوم بذلك. ولا بأس بعد رابط الدين أن يكتب أو يتكلم أو يتواصل بما شاء من اللغات. ولقد كان الحاج أسعيذ ناف أفليق (دائرة آزفون)، أحد أعلام الشعر الديني الأمازيغي البارزين في النصف الأول من القرن العشرين في الزواوة الغربية، [15]
أما الوطنية وهي الركن الثالث الأساس في بناء الهوية القوي، فلا أحد ينفي عن المتصوفة حبهم أوطانهم ودفاعهم عنها، خصوصا إذا كانت عرضة للمخاطر عملا بمبدأ حب الأوطان من الإيمان عندما تكون ديارا للإسلام.
ولقد تعززت الهوية الوطنية من خلال النشاط التعليمي الذي قامت به الكثير من الزوايا العلمية التي تستقبل الطلاب والزوار والمريدين من جميع أنحاء الوطن، بما توفره من مأوى وإطعام ورعاية ، بمساهمة العمل الخيري والأوقاف التي اعتبرت عبر الزمن شريان الحياة بالنسبة لتلك الزوايا.
إن الهوية الصوفية لا تغطي على هوية الانتماء الوطنية أو القومية غطاء كاملا، بل إن الأولى تفسح للثانية مجالا للبروز بشكل واضح كلما كان ذلك ضروريا، أو كلما تطلبت الظروف ذلك. أي أن الأولى تظل مسيطرة سائدة حتى يستدعي الأمر بروز الثانية فتكشف عن نفسها في أشكال قولية أو فعلية قد تصل إلى حد بذل النفس من أجل ذلك.
خاتمة:
نخلص في نهاية هذه الورقة إلى أن الفكر الصوفي يخضع في تقييمه إلى أحكام نسبية، يجب أن تراعي المنطلقات والمقولات الأصلية أكثر مما تراعي الأشكال والتصرفات الخاضعة للعوامل والظروف الخارجية، وما يعتري هذا الميدان من تداخل مع كثير من التيارات الفكرية والفلسفية. فالفكر الصوفي في بساطته منبع للإصلاح والتفات إلى أهمية الحضور الاجتماعي للشيخ والمريد على حد سواء، حتى تتحقق الأخلاق التي يرتكز إليها الصوفي ويسعى إلى تعميمها.
ولقد استطاعت الزوايا الصوفية في الجزائر في أغلبها أن تدعم مسار الأخوة والتآزر بين أفراد المجتمع، في زمن المحن والشدائد كما في زمن الرخاء والفرج، وما تزال تقاوم العولمة التي تصبو إلى التهام الخصوصيات وانصهارها في فكر القوي اقتصاديا، دونما التفات إلى حاجة المجتمعات إلى هذا الرافد الروحي العظيم، الذي يعد السلم والأمان والأخلاق من أبرز دعائمه.
د. رمضان حينوني
المركز الجامعي بتامنغست
تمهيد:
إذا وقعنا تحت تأثير المشهد الإنساني للمهاجرين غير الشرعيين، فإننا حتما سنرثي لهؤلاء حالهم. كيف لا وهم – في النهاية- بشر رمت بهم الظروف القاسية في مجاهل الصحراء، يبحثون عن مستقبل لهم بين أمواج رمالها، وتحت وطأة شمسها الحارقة، غير مبالين بما يحدق بهم من المخاطر. وعندما نستفيق من هذا التأثير، ندرك أن المأساة التي يعانيها الأفارقة المهاجرون ليست من صنعنا أو تدبيرنا، وعليه، فلسنا ملزمين بأن نتحمل نتائج وضع ليس لنا يد في صنعه.
وحتى نكون أقرب إلى المنطق، نقول : إن أية دولة في العالم، مهما كان اقتصادها مزدهرا وأوضاعها المالية مستقرة، لا تقبل ظاهرة مثل هذه تحدث على أراضيها. فكيف تقبله دولة من دول العالم الثالث، خرجت لتوها من وضع أمني واقتصادي صعب مثل الجزائر ؟
و الأمر لا يتوقف فقط على وجود هذه الأعداد الهائلة من الناس على أرض الجزائر، بل على ما يترتب على هذا الوجود من انعكاسات متعددة الجوانب، تؤدي في النهاية إلى تعاظم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للدولة المستقبلة، وقد يتعدى ذلك إلى مشاكل سياسية أيضا، طالما أن قسما من المهاجرين يصر على دق أبواب أوروبا عبر المركب الجزائري.
ونسعى من خلال هذا الجهد المتواضع أن نسلط شيئا من الضوء على هذه الظاهرة التي يكتوي بنارها سكان تمنراست وضواحيها، ويتحملون تبعاتها الاجتماعية و الصحية والأخلاقية، في الوقت الذي يكتوي إخوانهم في مناطق أخرى من الوطن من ظاهرة " الحرقة" في اتجاه أوروبا، لما خلفته من مآسي يعرفها العام والخاص.
أسباب تدفق الأفارقة في اتجاه منطقة تمنراست :
تجمع الأبحاث التي تناولت مسألة الهجرة غير الشرعية على أن العامل الاقتصادي يبقى أهم العوامل التي تدفع الأفارقة إلى البحث عن منافذ نحو الشمال، وكذلك الأمر بالنسبة لأفارقة شمال إفريقيا، وكل دول العالم الثالث على وجه العموم. فالفقر المدقع والجوع المتفشي في عدد من الدول الإفريقية، جعل الناس، وخصوصا الشباب إلى المخاطرة بأنفسهم، وقطع المسافات الطويلة، رغبة في تحسين مستواهم المعيشي.
و يفيد بعض الشباب المهاجر بان أهاليهم يشجعونهم على الهجرة، بمنحهم النقود، وغالبا ما يكون ذلك على حساب رغيف الخبز أملا في مستقبل أفضل، خاصة بعد أن نجحت أعداد منهم في تحقيق أحلامهم، وإعالة أسرهم بما يرسلونه إليهم من أموال؛ فعمل شهر في تمنراست مثلا قد يكفي العائلة شهورا كما صرح بذلك مهاجر إلى مراسل صحيفة جزائرية. أما إذا كان العمل في أوربا، فالعائد يكون عندئذ أوفر وأكبر
وبالنظر إلى صور الفقر و البؤس التي يراها الناس في إفريقيا عبر التقارير الصحفية، ووسائل الإعلام، فإن بحث هؤلاء عن الرزق أمر مفهوم، لكننا من جهة أخرى لابد أن تعترف أن الدول الإفريقية لم ترق بعد إلى مستوى تحقيق التنمية المطلوبة، نتيجة الفساد وسوء التخطيط، والحروب و النزاعات التي أصبحت سمة القارة السمراء. ونعتقد أن الأفارقة مسئولون بالدرجة الأولى عن الوضع المأساوي الذي يعيشه المواطن في دولهم، إذ إن برامج التنمية التي حاولت الأمم المتحدة نفسها إنجاحها في المنطقة، اصطدمت بصخرة الفساد الإداري، والنزاعات الأهلية، فذهبت كثير من الجهود أدراج الرياح.
ويكفي أن تستمع إلى ما يقوله الأفارقة عن أسباب تواجدهم في هذه الأماكن البعيدة عن بلدانهم، لتدرك حجم المأزق الاقتصادي و الاجتماعي الذي يعانونه. يقول أحدهم، وهو مهاجر من ليبيريا لمراسل النهار: " حتى وإن كنت أملك ثمن رحلة العودة، فأنا لا أريد مواصلة حياتي وسط ذلك الفقر المدقع، ولا حتى رؤيته من جديد، بل أتمنى أن تلتهمني الصحراء قبل حصول ذلك ".(1)
ويعمق هذه الظاهرة أكثر " شراهة السوق الأوروبي إلى اليد العاملة من إفريقيا بسبب فارق الأجور بين الضفتين الشمالية و الجنوبية، فالعامل الإفريقي يقبل بنصف أو ثلث الأجر الذي يتقاضاه العامل الأوروبي، وقد يقبل العمل دون تأمين صحي." (2) وقد أصبحت أوروبا بكل ما تنعم به من رخاء اقتصادي، ورعاية صحية، وقوانين إنسانية الحلم الذي يستحق التضحية. وعلى الرغم من أنها أسهمت تاريخيا في تخلف هذه القارة، عبر سلبها خيراتها لعقود طويلة، فإنها ليست في استعداد لاستقبال هذه الأعداد الهائلة من المهاجرين غير الشرعيين.
أما العامل الثاني في تفشي هذه الظاهرة فهو الظلم الاجتماعي الذي تعيشه شريحة واسعة من الأفارقة، خاصة نتيجة غلبة الجهوية في توزيع الثروة، بسبب الانتماء الديني أو العرقي أو غيرهما. ففي دول الجوار كثيرا ما يشتكي سكان الشمال المحاذي للحدود مع الجزائر من التمييز، خاصة إذا علمنا أن مناطقهم تقع في قلب الصحراء القاحلة. بينما يتمتع الجنوبيون بشيء من الأفضلية لقربهم من السهول و التلال.
هذا العامل، من الخطورة بمكان، بحيث يمكن أن يقود إلى ظهور الحركات المتمردة، وهو الأمر الذي يعني إنهاك البلد عبر حروب تأتي على ما تبقى من طاقة اقتصادية في البلاد، وما ينجم عنها من نزوح إلى مناطق الأمان.
ويضاف عامل آخر إلى هذه السلسلة، وهو وشائج القربي بين الأسر المشتركة عن طريق الزواج بين جنوب الجزائر وشمال مالي و النيجر. ويترتب عن ذلك،كما ورد في أحد تقارير للدرك الوطني، كون " العشائر لا تعترف بالحدود السياسية الفاصلة بين الدول، وترى في اختراقها أمرا مشروعا ". (3)
انعكاسات الظاهرة على سكان تمنراست:
وبما أن الجزائر بلد شاسع ومترامي الأطراف، وحدوده البرية تمتد على آلاف الكيلومترات، وجزء كبير منها يقع محاذيا لدول جنوب الصحراء، فإنه كان لزاما عليها أن تفكر بجدية في مسألة الهجرة السرية التي أثبتت التجارب أن آثارها السلبية كبيرة على الاقتصاد الوطني للدولة المستقبلة حتى وإن كانت من الدول العظمى مثل الولايات المتحدة أو أوربا. لكن الأمر لا يتوقف عند الاقتصاد بل يتجاوزه إلى الحياة الاجتماعية والثقافية أيضا. وهو ما يعني أن التركيبة الاجتماعية والثقافية تتأثر أيما تأثر بوجود أعداد هائلة من المهاجرين السريين في البلاد.
وإذا كانت الآثار الاقتصادية السلبية للهجرة السرية تظهر سريعا، فإن الآثار الاجتماعية والثقافية تتأخر في الظهور، لكنها تتعزز يوما بعد آخر، بشكل يصعب السيطرة عليها في وقت ما. إن تعامل المواطنين مع أناس لا يعرف عنهم شيئا على المستوى الصحي والأخلاقي والديني والأمني ليشكل خطرا على المنظومة الاجتماعية خاصة إذا كان المجتمع نفسه يعاني من تلك المشاكل على المستوى الداخلي.
وهكذا نجد الهجرة غير الشرعية تساعد على تنامي مجموعة من الظواهر الاجتماعية الخطيرة، منها المخدرات، والفاحشة، والقتل، وما ينجم عن كل ذلك من أمراض، ومساس بالأمن الاجتماعي للجزائريين.
فإذا تحدثنا عن الهجرة غير الشرعية، فلا بد أن نتحدث حتما عن التهريب. وهذه الكلمة ستنطبق عندئذ على عديد الأشياء التي ترتبط بتنقل الإنسان من مكان إلى آخر، من تهريب للإنسان نفسه، إلى تهريب البضائع، إلى تهريب المخدرات والخمور وما إليها مما يضر بصحة الإنسان. وبإمكان المرء أن يتصور ما ينجم عن هذه الأعمال جميعها، عندما تجتمع في حدود بلد ما، أو عندما تجتمع في منطقة محددة مثل تمنراست وضواحيها.
فعندما تكون حركة الأشخاص بين الدول طبيعية، بغض النظر عن المستوى الاقتصادي، فإن آثارها على المجتمع لا تكون سلبية بشكل يستوجب القوانين والإجراءات الاستثنائية، لأنها في الغالب ستكون إقامة مؤقتة ونظيفة وعاملا اقتصاديا إيجابيا. لكن واقع الحال في منطقة تمنراست يقول عكس ذلك؛ فتدفق المهاجرين غير الشرعيين هدفه المسطر هو الإقامة المؤقتة، لكن انسداد الأبواب نحو أوروبا، جعلها إقامة دائمة أو شبه دائمة، مما يؤدي إلى نتائج وخيمة على مستوى التركيبة الاجتماعية في المنطقة.
لنبدأ أولا بالتململ الحاصل لدى شريحة واسعة من أبناء المنطقة، الذين يرون في تواجد المهاجرين المكثف تزاحما على مصادر الرزق وفرص العمل. بقد خلق هؤلاء لأنفسهم أحياء خاصة بهم على أطراف المدينة، وخاصة في بجوار حي (تهقارت) و (قطع الواد)، في بيوت كثيرا ما توصف بالغيطوهات للتعبير عن الفقر والبؤس وما يصاحبهما من أسباب الجريمة.
والغريب في الأمر، أن هذه الغيطوهات تتحول تدريجا إلى ما يسميه البعض بالمقاطعات أو الجمهوريات أو الإمارات لأن سكانها من المهاجرين يفرضون فيها قانونهم الخاص، إلى درجة أن السكان الفعليين للمدينة يتجنبون الاقتراب منها أو دخولها أو الاحتكاك بسكانها، حتى لا يتعرضوا للاعتداء، أو يذهبوا ضحايا لا يشهد لصالحهم أحد.
إن المهاجرين غير الشرعيين يعملون بمقابلات زهيدة لسد حاجاتهم، ودون المطالبة بتأمين صحي، مما يجعلهم يستحوذون على كثير من فرص العمل التي يحتاج إليها سكان المنطقة، وهم بذلك يقضون بطريقة ما على آليات العمل المنظمة على مستوى القطاع الخاص في كثير من المجالات كالبناء والنظافة والحرف اليدوية وغيرها. كما يساهم تواجدهم على تغيير التركيبة السكانية تدريجا بالمطالبة بالجنسية عندما يستوطنون المنطقة لوقت طويل وينجبون أطفالا على أراضيها. ثم يمتد ذلك إلى التركيبة اللغوية والثقافية، من خلال مزاحمة (الهوسا) للغة العربية والتارقية.
ومن أهم المشاكل الآنية الناجمة عن التواجد المكثف الأفارقة المهاجرين، فهي مشكلة المخدرات والأمراض الخطيرة التي يساهمون في تفشيها.
ففي الموضوع الأول، تفيد التقارير أن عصابات المهاجرين غير الشرعيين وزعماءها الذين حولوا أطراف المدينة أو القرى التابعة لها إلى أماكن ترويج أنواع محلية من المخدرات والمسكرات عالية التركيز والضرر في آن.
فقد جاء في تقرير سامية بلقاضي من صحيفة " الجزائر نيوز" مثلا أنه " يكفي أن تسمع كلمة (شابولو) أو(القوروقورو) ليسري في بدنك نوع من القشعريرة، هذا قبل أن تدرك أن الكلمتين تسمية لنوع من الكحول الناتج عن عفونة العديد من المكونات عالية الإدمان، يقول العارفون بها أن خطورتها تفوق المخدرات " (4)
وجاء في تقرير آخر لصحيفة الخبر كلام يصب في هذا الاتجاه ويؤكده. يقول مراسلها في تمنراست :" يبيع بعض المقيمين في الشاطو (حي يسكنة الأفارقة) من المهاجرين غير الشرعيين خمرا إفريقيا يصنع محليا من بذور البشنة (الذرة) يسمى (شومبولو) ويباع مقابل 50 دينارا للكأس الواحد." (5)
وإذا أضفنا ما يروج في أوساط الشباب من مخدرات معروفة مثل الكيف المعالج والكوكايين والهيروين، والتي تعاني الجزائر من تبعاتها منذ فترة طويلة، فإن الخوف كل الخوف أن تصل هذه الفئة التي أثقلت هموم الحياة كاهلها، وأنهكت المشاكل الاقتصادية قواها، إلى حالة من الضياع الذي يفقدها القدرة على لعب الأدوار الطبيعية المنتظرة منها. كما أن انفتاح جبهة أخرى لتجارة وترويج المخدرات جنوبا، يعني أن البلاد ستصبح سوقا لهذه المادة السامة، وهو ما يعني أنها مقبلة على خطر اجتماعي حقيق.
وبالموازاة مع ذلك، نجد البغاء تجارة أخرى رائجة في أوساط المهاجرين غير الشرعيين، إذ ثمة أعداد من النساء اللواتي جئن أو جيء بهن خصوصا لهذه التجارة. فزعماء العصابات المهاجرة يسعون إلى الحصول على المال بأية وسيلة كانت، لهذا يعمدون إلى فرض هذه الظاهرة على اللواتي لم يسعفهن الحظ في الوصول إلى الشمال أو إلى أوروبا، غالبا تحت تهديد ظروفهن المأساوية، والمصير المجهول الذي ينتظرهن، خاصة أنهن - ودون حماية هؤلاء - عرضة إما للقتل أو الوقوع في قبضة رجال الأمن، وما يعني ذلك من سجن أو ترحيل.
وينتشر البغاء في مناطق متفرقة، هي نفسها المناطق التي تعرف أصنافا أخرى من الجريمة. ففي حيي" الشاطو والشومارة " توجد أعداد من المومسات يخضن"حرب أسعار لجلب الزبائن"(6) بحيث لا يكلف الدخول إلى بيت مومس أكثر من 200 إلى 300 دينار، وهو ما يشجع هذه التجارة ويروج لها رغم ما ينتج عنها من مخاطر حقيقية، وأوكار الرذيلة هذه لا يقتصر زبائنها على المهاجرين، بل يمتد أيضا إلى شريحة معينة من سكان المنطقة.
أما الأمراض الناجمة عن الآفتين السابقتين، فيأتي على رأسها" نقص المناعة المكتسبة". وبالنظر إلى أرقام مديرية الصحة لولاية تمنراست، فإن عدد المصابين المؤكدين عام 2000 بلغ 61 حالة، سبعون بالمائة منهم أفارقة. ثم تضاءل العدد إلى 42 عام 2005، ثم إلى 39 عام 2006. (7)
ومهما تكن حقيقة هذه الأرقام ومطابقتها لواقع الحال في تمنراست، فإن خطر وجود أعداد من المصابين بين سكان المنطقة، يشكل مصدر قلق للسكان والمسئولين على حد سواء. ويزداد هذا القلق أكثر عندما نعرف أن حاملي الفيروس من غير المصابين أكبر بكثير.
ورغم برامج التحسيس التي باشرتها أجهزة الدولة المختلفة منذ بداية الألفية، فإن الداء ما يزال يهدد السكان باستمرار. ولعل التواجد الإفريقي غير الشرعي، والفوضى التي تحكم تجمعاتهم يشكل تهديدا للأمن الوطني والاجتماعي ما لم تتكاتف جميع الجهود لوضع حد لهذه الكارثة.
إجراءات الجزائر في محاربة الهجرة غير الشرعية :
صحيح أنه لا يمكن لأي مجتمع أن يعيش في عزلة، وصحيح أيضا أن المبادئ الإنسانية تفرض على الدولة أن تحترم حقوق الإنسان بما فيها حقوق الأجانب الذين يدخلون أراضيها، لكن ذلك كله لا يمنعها مطلقا من حقها الشرعي في تنظيم مجتمعها والحفاظ عليه من الأزمات والانحرافات والانزلاقات التي يكون من الصعب معالجتها إذا تطورت.
وتجد الجزائر نفسها – بناء على ذلك – أمام مجموعة إجراءات نذكر منها :
أ- الترحيل :
يبدو بداهة أن أول إجراء يمكن لدولة معنية بهذه الظاهرة، هو ترحيل المهاجرين إلى دولهم الأصلية، أو إلى حدودها مع الدول المعنية. لكن السؤال الذي يطرح هنا هو: هل يعد هذا حلا ناجعا لدولة تملك حدودا برية طويلة مثل الجزائر ؟
إن الأمر ناجع عندما يتعلق الأمر بدولة أوروبية، لكن الحال مع الجزائر يختلف تماما، فأوربا مثلا يصلها المهاجرون بمشقة بالغة، وبمخاطرة بالنفس، لوجود البحر بين الضفتين، ولوجود دول تشكل حواجز لهم قبل وصولهم إلى جنة أحلامهم مثل دول المغرب العربي. وإذا وصلها هؤلاء، فإنهم يكونون بأعداد يمكن السيطرة عليها، وترحيلها، خاصة أن قوانين العمل والإيواء باتت أكثر صرامة. أما في الجزائر، فالأمر يختلف؛ إذ نجد حدودا برية صحراوية صعبة المسالك، وأعدادا هائلة من المهاجرين الذين يحلمون بالخروج من دائرة الفقر والبؤس في بلدانهم التي أنهكتها الحروب والمجاعات، أو صعبت فيها ظروف المعيشة. منهم الفرنكوفونيون من مالي والنيجر والبنين والكاميرون، ومنهم الأنجلوفونيون من نيجيريا و ليبيريا. وبالجملة فقد " أحصت فرق الدرك الوطني خلال السنوات القليلة الماضية 39 جنسية"(8) بما فيهم الآسيويون، كالسوريين واللبنانيين وأكراد العراق والمصريين بنسب قليلة.
وبالنظر إلى الأعداد الهائلة من المهاجرين الذين يقيمون بالجزائر بصورة غير شرعية (9)، نجد أن معالجة ملفاتهم تجري على قدم وساق. ويتم طرد أعداد متزايدة من التراب الوطني، ففي عام 2007 مثلا صرح وزير الاتصال أن الجزائر أعادت 12 ألف مهاجر غير شرعي إلى بلدانهم، وهو رقم يمكن أن يكون معدلا للسنوات الخمس من هذه العشرية.
وبالنظر إلى أن " عملية ترحيل كل مهاجر لبلده تكلف الجزائر حوالي 200 دولار". (10) وما يخلفه وجود هؤلاء الأجانب على الاقتصاد الوطني، وما يترتب عن وجود نسبة منهم ضمن مجموعات الجريمة المنظمة، بإمكاننا أن نتصور حجم الخسائر التي تتكبدها الجزائر من جراء هذه الظاهرة.
ويتزامن هذا الحل مع تشديد الرقابة عبر الحدود الجنوبية، وعبر الحواجز الأمنية المنتشرة بشكل واسع في مناطق عدة من الوطن. وتذكر التقارير الأمنية من حين لآخر أخبارا عن ترحيل أعداد كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين إلى الحدود الجزائرية مع مالي أو النيجر. وتعد (تينزاواتين) التي بسميعا بعضهم مجازا "جمهورية المهاجرين غير الشرعيين" (11) المركز الأهم الذي يأوي هذه الفئة من المرحلين، كما يأوي فئة ثانية هي تلك التي تنتظر الفرصة لدخول الجزائر أو العبور منها إلى أوروبا.
وبغض النظر عن الظروف المأساوية التي يعيشها المهاجرون غير الشرعيين، فإن الجزائر تعمل ما أمكن للحفاظ على كرامتهم وعدم إهانتهم، وتعاملهم بناء على القوانين المعمول بها بخصوص الأجانب. وقد أكد ذلك وزير الداخلية عند صدور القانون الخاص بالهجرة غير الشرعية بقوله : إن هذه الإجراءات لا تعني تراجع الجزائر عن مبادئ التضامن مع الشعوب أو تخليها عن احترام مبادئ حقوق الإنسان. (12)
ب- التعاون مع دول الجوار :
هذا إجراء يمكن الاعتماد عليه للتخفيف من الظاهرة، فقد قامت الجزائر بلعب دور الوساطة في حل النزاع في شمال مالي، وحل نزاع طويل مثل هذا من شأنه أن يساهم في إعطاء سكان المنطقة أملا في التعايش والحياة الكريمة، تغنيهم عن التفكير في الهجرة نحو الجزائر أو أوروبا، خاصة أن مسألة الهجرة غير الشرعية تداخلت مع ظاهرة الإرهاب التي تشهدها المنطقة، والتي تقلق حكوماتها، وتهدد بمزيد من تأزم الأوضاع السياسية والاقتصادية لدول المنطقة. وقد عملت الجزائر جاهدة في سبيل " منع أي تقاطع بين الإرهاب وشبكات الهجرة غير الشرعية ".
ولقد كان قدر الجزائر أيضا أن تحاول معالجة الظاهرة من خلال الحوار الإفريقي الأوروبي، فأوروبا هي حلم المهاجرين ليس فقط لسكان إفريقيا السوداء، ولكن لجميع شباب العالم الثالث. وبما أنها العامل الأول في تشجيع الهجرة، أو المستهدف الأول، فكان لزاما عليها أن تجد حلا أو تساهم في إيجاده على الأقل داخل الدول المحتضنة لهذه ألعداد من المهاجرين.
غير أن الدول الأوروبية في قمة طرابلس(23/11/2006)مثلا، رفضت المقترح الإفريقي القاضي بإنشاء صندوق خاص للتنمية في إفريقيا ب 10 مليار دولار للمساعدة على توطين اليد العاملة الإفريقية المهاجرة."(13) في حين اختارت هذه الدول المعالجة الأمنية تارة، وتارة أخرى ما يسمى بالهجرة الانتقائية.
ج- الإجراء القانوني :
من المهم إدراك الدور البالغ الذي يلعبه " الممررون" في تعميق مشكل الهجرة غير الشرعية في الجزائر، وهم رجال عارفون بمسالك الصحراء ومجاهل الحدود، يكسبون أموالا طائلة من خلال نقل المهاجرين إلى التراب الجزائري وبمقابل مادي كبير، في ظروف أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها قاسية. فهم ينقلونهم غالبا في مركبات من نوع ( تويوتا ستيشن ) بأعداد كبيرة مما يعرض حياة الكثيرين منهم للخطر، وهم بذلك يخرقون القوانين الخاصة باحترام حقوق الإنسان. لهذا صنف قانون العقوبات هذا الفعل تحت تسمية الاتجار بالأشخاص، وفرض عقوبات رادعة في حق هؤلاء، سواء الذين ينقلون المهاجرين من الجزائر إلى خارجها، أو الذين ينقلونهم عير الحدود إلى داخلها.
فالمادة 303 مكرر تعاقب هذه الفئة بالحبس من ثلاث سنوات إلى عشر سنوات، وبغرامة مالية من 300.000 دج إلى 1000.000 دج. وتزداد العقوبة إلى الحبس من عشر سنوات إلى عشرين سنة، وغرامة من 1000.000 دج إلى 2.000.000 دج. (14)
أما المادة 303 مكرر 30 فتتعلق بتهريب المهاجرين إلى خارج الجزائر، وتعاقب مرتكبيه بالحبس من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات، وبغرامة مالية من 300.000 دج إلى 500.000 دج. وتتضاعف العقوبة إذا تعرضت حياة المهربين للخطر، أو عوملوا معاملة غير إنسانية أو مهينة(15)
وإضافة إلى الممررين، نجد القانون يشمل في تغطيته لهذه الظاهرة أولائك الذين يأوون أو يشغلون المهاجرين غير الشرعيين دون تصريح بوضعيتهم. وهو ما عبرت عنه المادة 28 و 29 من القانون(16) .
وعلى الرغم من كل ذلك، ما تزال هذه الظاهرة تشهد استمرارية، خاصة عند الصنف الثاني، نظرا لطول الحدود الجنوبية كما قلنا آنفا، فيتمكنون في الغالب من الإفلات من أمن وحراس الحدود.
خاتمة :
مهما يكن من أمر، فإن ظاهرة الهجرة غير الشرعية مرشحة للتصعيد طالما أن ظروف نشأتها وتفاقمها ما تزال قائمة. قد تعالجها هذه الدولة أو تلك ظرفيا ولكنها لا تستطيع أن تضمن القضاء عليها نهائيا. لذا وبتزامن مع القوانين وجملة الإجراءات التي ذكرنا، لا بد من مخطط مشترك للدول المعنية سواء منها المصدرة أو المستقبلة للمهاجرين ينتج برامج تنموية واسعة الأفق تمسك هذه القوة البشرية الهائلة، وتستثمرها في مشاريع اقتصادية منتجة ومستقرة، بعيدا عن تراشق الاتهامات، وتحميل كل طرف الآخر المسؤولية.
إن تحول الأفارقة إلى يد عاملة رخيصة في أوروبا وغيرها، لأمر يدعو إلى التفكير جديا في امتصاص هذه الطاقة محليا، لكن لننتبه إلى أن ذلك يتطلب إرادة سياسية أولا، وإدراكا من الأفارقة بضرورة امتلاك تصورات اقتصادية مستقبلية، تجعلهم في مصاف الدول التي تعتمد على نفسها في بناء التنمية، ومحو صورة الانقلابات، والحروب الأهلية و العرقية التي أصبحت " علامة " إفريقية بامتياز.
إن الأمر يبدو صعبا جدا في ظل الظروف الحالية، ولكن لا مفر لهذه القارة الغنية بثرواتها وطاقتها البشرية الفتية إلا بذلك. ونعتقد أن الديمقراطية و الحرية واحترام حقوق الإنسان هي أولى الأولويات التي تحقق هذا الهدف ؛ دلك أن العالم الحر لم يتقدم إلا بها، ولم يحقق شيئا على مستوى المادة إلا بعد أن حقق إنجازات على مستوى الثقافة و الوعي و الإصلاحات السياسية. ولسنا – بوصفنا أفارقة – أقل مستوى أو شأنا من أؤلئك الذين كافحوا وناضلوا من أجل القيم الإنسانية، فوصلوا في ذلك إلى نتائج كبيرة.
أن الهجرة غير الشرعية وصمة عار في جبين إفريقيا، وعليها أن تثبت متعاونة أنها قادرة على استثمار الإنسان في بلده، مع احترامه و العمل لمصالحه في آن. وإذا حدث أن وصلت يوما إلى هذه النتيجة، فإنه سيحق عندئذ أن ترفع صوتها في أوجه المستغلين، وأصحاب المطامع، وستبني لنفسها الصرح الذي يضمن لها الاستمرارية و العيش الكريم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
:الهوامــــش
1 - حمزة بحري. تمنراست باريس الحراقة الأفارقة و"السوادين" يتحولون الى رهائن لدى "بارونات" التزوير و الدعارة. جريدة النهار بتاريخ 15/03/2008. الرابط: http://www.ennaharonline.com/ar/specialpages/reportage/6203.html
2 انظر : بشير مصيطفي. الهجرة غير الشرعية : حتى لا تتحول الجزائر إلى بلد مصدر. جريدة الشروق. الرابط:
http://www.echoroukonline.com/ara/arts/9102.html
3 انظر : بوعلام غمراسة. خمسة آلاف مهاجر غير شرعي في جنوب الجزائر. جريدة الشرق الأوسط. عدد 9751 – 9/8/2005
4 حمزة بحري. م. السابق.
5 محمد بن أحمد. " الشاطو" مملكة الدعارة وتزوير العملة و المخدرات. موقع الخبر على الرابط : http://www.elkhabar.com/quotidien/ ?idc=36&ida=138008&date_insert=20090103
6 م السابق.
7 حمزة بحري. م. السابق
8 حمزة بحري. م. السابق
9 تختلف الأرقام الخاصة بعدد المهاجرين المقيمين بصورة غير شرعية من مصدر لآخر، لكنها تتفق على أن العدد يتزايد من سنة لأخرى. ففي 2005 كان عددهم حوالى 5000 فرد، وفي 2006 بلغ ما يقارب 20 ألف مهاجر، وفي 2010 تفيد بعض الإحصاءات إلى وجود 13115 مهاجرا.
10 شيد سكاي عبيد. الجزائر تجذب الافارقة والجزائريون يهجرونها. على الرابط: http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news /newsid_7179000/7179691.stm
11 يسميها البعض جمهورية لتنوع جنسيات المهجرين إليها، ولاحتكامهم إلى تنظيم العصابات، أين تختفي سلطة القانون ويعوضها سلطة الزعامة والتبعية.
12 مولود مرشدي. إجراءات جديدة صارمة لردع الأجانب المقيمين بطرق غير شرعية. القدس العربي. السنة التاسعة عشرة العدد 5863 الخميس 10 نيسان (ابريل) 4 ربيع الثاني 1429 ه ص7
13 انظر : بشير مصيطفي. الهجرة غير الشرعية : حتى لا تتحول الجزائر إلى بلد مصدر. جريدة الشروق. م. السابق
14 الجريدة الرسمية. عدد 15. 8 مارس 2008. ص5
15 م السابق.ص 7-8
16 الجريدة الرسمية. 36. ص 7.
يبدو المغرب العربي على الصعيد الثقافي لغزا مقارنة بالمشرق العربي.. هو مغرب عربي، أو هو معلن كذلك رغم أنه لا يبدو كذلك في القاهرة. ومن المؤكد إننا نعتبره عربي الهوية سياسيا، لكن لا يعتقد أنه يساهم بإبداعه الثقافي في هذه الهوية بجهل أو تجاهل شريحة هامة منه ، يتعلق الأمر بالأمازيغ.
إن الذي يميز أصالة الثقافة المغاربية مقارنة بباقي الدول العربية والإفريقية هو هذا الغنى والتنوع الثقافيين على مستوى اللغة والموسيقى والعادات والمظاهر. وفي أعمال(حاييم زفراني) وهو يهودي مولود في المغرب، دليل على أصالة وخصوصية هذه الثقافة.
ورغم الرفض الذي قوبل به دخول الاستعمار، والمقاومة التي واجهها بكل الإمكانات، فإن الثورة التحريرية قد قادت الجزائريين والمغاربيين إلى البقاء في حالة انفتاح على أوروبا.. لقد وجهت، وأحيانا استغلت العناصر الإيجابية في ثقافته على غرار اللغة وبشكل أقل توفيقا النظام الإداري والبيروقراطي.
ويبدو أن الشعب المغاربي في طريقه إلى اعتماد العنف المؤدي إلى الفوضى، وإجباره على التقوقع على الذات وغلق الأبواب والنوافذ في مواجهة المتطرفين الذين يجعلون المعركة ثقافية إيديولوجية .
لقد تعرضت الهوية المغاربية إلى التمزق بفعل الاستعمار، وبخاصة في الجزائر التي عانت أكثر من غيرها وفقدت جزءا هاما من كيانها. والذين يريدون لها ذلك يقترحون لها هوية جاهزة هي الإسلام، بينما لم تتميز الثقافة المغاربية أبدا بالطابع غير الدبني، وأيضا بدرجة أقل بطابع الإسلام .. فباسم الوحدة الإسلامية حاربت هذه الشعوب الاستعمار وهزمته، لكن على العموم فإن الثقافة المغاربية لها جوانب وثنية في بعض المظاهر مثل الزوايا والأضرحة والصالحين ….
إن الأصالة هي الاختلاف.. هي أن يكون المرء في بيئة ولا تحده الحدود.. هي القدرة على إضافة شيء جديد إلى الثقافة العالمية، والعمران أفضل شاهد خاصة ذلك الذي نجده في القيروان وفاس تماما كما الطريقة التي نسكن بها الصحراء. والموسيقى الشعبية، مثل تلك التي نجدها في الجبال والهضاب.. والموسيقى الكلاسيكية، تلك الموروثة من عرب الأندلس، إضافة إلى الملحون، ذلك الشعر الأسطوري المغنى.. كلها تؤسس للأصالة وتواجهها الموسيقى الهجينة التي هي نصف شرقية ونصف غربية كالتي نجدها في مصر وبعض دول الخليج.
واليوم، تبدو الموسيقى المغاربية التي نجحت بفضل ألحانها صادمة حين تغنيها فرق شبانية التزمت بالتقاليد وبقيت في هامش الحداثة مثل(ناس الغيوان) و(جيل جيلالا) في المغرب، أو موسيقى الراي في الجزائر التي أحدثت اضطرابا في النموذج الموسيقي المغاربي.
في المجال الأدبي ظهرت أصالة قوية، وعلى العموم فإن الرواية المكتوبة باللغة الفرنسية هي التي اخترقت النظام الاجتماعي واقتحمت الطابوهات وخاصة في مجال الجنس. فمجرد الكتابة بالفرنسية سمح للكتاب بالذهاب بعيدا في النقد، بينما العربية –لغة القرآن- فتبدو أقل جرأة في هذا الميدان. لكن الأصالة الرئيسية لهذا الأدب تكمن في ارتباطه باللغة الفرنسية التي تحوله وتغنيه من خلال ترجمته في المخيال المغاربي الأكثر سرية أحيانا.. هذه المحاولة التي تهدف إلى الكشف ، وهذه الأبواب المفتوحة على السري والمختبئ بإحكام تعرضت لانتقادات عنيفة من المثقفين المعربين في المغرب العربي الذين اعتبروا الانفتاح على الغرب ومد جسور التواصل معه واستعمال لغة الغير نوعا من الخيانة.
لا نستطيع الآن الحديث عن ثقافة مغاربية دون استحضار مساهمة شباب المهجر، فعلى مستوى الموسيقى أو الأغنية أو السمعي البصري أو الأدب، لا نستطيع تجاهل جيل لا يعبر بالجمع بين الثقافتين بل بطريقة ثالثة .. إنها ثقافة جديدة في طريقها إلى التشكل، لم يعترف بها سكان المغرب العربي.. هي ثقافة القطيعة والإبداع وليس لها إلا قليل من الروابط مع جذور الآباء.
وعلى العموم، فإن العنصر البارز في الثقافة، أو لنكن أكثر قربا من الواقع ، في الثقافة المغاربية سواء أكانت باللغة العربية الفصحى أو بالعربية الدارجة أو بالأمازيغية أو حتى بالفرنسية هو أن تبقى علامة دالة على إرادة حرة ومستقلة.. إنها ثقافات تنشد القيم مثل الكرامة والتقدم وحقوق الإنسان .. وربما كان الكاتب المغاربي الكبير كاتب ياسين هو من عبر عن هذه الإرادة وحارب من أجل المغرب الحر والأصيل والمختلف والمتعدد بعنفوانه وشعره وبغضبه وجماله.
1 (مقال ورد ضمن كتاب : المغرب الكبير: شعوب وحضارات Maghreb Peuples et civilisations )
ملخص:
يحاول هذا المقال أن يتناول قضية ثنائية العلاقة، تتعلق بالاغتراب وعلاقته بالجمال التعبيري في النص الشعري، فيبحث في اغتراب الشاعر وما يتعلق به من قضايا الانتماء والالتزام، اللذين يفرضان على الشاعر أمرا واقعا يشكل الضغط إحدى أهم سماته، كما يتناول أمكانية ربط الشعور بالاغتراب بجودة الشعر، من منطلق الاعتقاد أن المعاناة تدفع إلى التميز، تصديقا لقول العربي: (الأزمة تلد الهمة).
وبحكم كون الاغتراب ظاهرة قديمة ومتجذرة في التفكير الإنساني، فقد حاولت أن أستعين بأمثلة متنوعة من تاريخنا القديم والحديث بغية الوقوف على العوامل التي جعلت التعبير الشعري عند العرب يكسر قيود التبعية المطلقة للجماعة،في مراحل كثيرة من تاريخهم، ويتمرد على الواقع القائم بغض النظر عن النظم التي تحكمه وتسيره، كل ذلك بهدف نشدان الحرية في التعبير، والانطلاق إلى عوالم الإبداع الفسيحة.
تمهيد:
مذ ربط الإنسان القديم الشعر بالجن، كان في حقيقة الأمر يعبر عن اختلاف الشاعر عن غيره من البشر، ذلك الاختلاف الذي يضعه في عالم معنوي قائم بذاته ينجم عنه نظم كلام يحتاج إلى معرفة وإدراك وخبرة لفك شفراته وفهم أبعاده، فبدا الشاعر وكأنه إنسان فوق البشر من حيث قوة البيان والقدرة على تأليف المعاني والصور تفوق تلك التي يملكها عامة الناس، ومن ثم نظر للشاعر على أنه إنسان من طينة مميزة، ونظر هو إلى الآخرين على أنهم لا يرتفعون دائما إلى مستوى فهم ما يريد.
ويشترك الشاعر -إلى حدّ ما- مع المثقف النخبوي في هذه الوضعية، من حيث علاقته بالآخرين، وإن كان الشاعر مطالبا بالإبداع أكثر من المثقف، وإنتاجه ليس واعيا دائما أو ليس مرتبطا بعالم الحقيقة في كل حال، ومن هنا كان الأديب أكثر قدرة على التأثر بأحداث المجتمع وتقلباته، وأكثر قدرة على مواجهة ما تأتي به تلك التقلبات من فوائد أو مضار، مع اختلاف في درجة ذلك بين أديب وآخر.
والأديب إذ ينطلق من ذاته في رؤيته للعالم المحيط به، فإن عوامل كثيرة تتدخل في تشكيل تلك الرؤية ومستقبلها، من ذلك تكوينه النفسي والثقافي، والتجربة الحياتية التي تنميها جملة من العوامل الاجتماعية والدينية والسياسية، فتبلورها في مجموعة سلوكات ومبادئ تترجم إبداعا، يخلص فيه تارة للجماعة على حساب ذاته، وتارة يعطي ذاته الأولوية وإن حدث الصدام بينه وبين الجماعة التي ينتمي إليها، والتي تريده صوتها وصورتها في مقابل الآخرين، دون أن تتفهم خصوصياته وأبعاد تفكيره التي مهما تكن علاقته بالجماعة، فإن لها تميزها واستقلاليتها اللذين يرسمان اتجاهها في التعبير، ورؤيتها للأمور المتعلقة بالإنسان ومحيطه الاجتماعي.
والأدباء كغيرهم من النماذج البشرية لا يتعاملون مع الواقع المفروض أو الانتماء القسري بدرجات متساوية، ذلك أن” بعضهم يستكين إلى تلك الظروف والانتماءات، وبعضهم يرى في جوانب منها ما يعوق تقدّمه، فيبحث عن الخلاص بتصور الحلّ، وإقرانه بالعمل اللازم لإزاحة ما يعوق التقدم، وفي أثناء ذلك يحدث الجدل، فيكون حاداً بالصراع أو هادئاً بالحوار، وفي كلتا الحالتين تظهر إرادة الإنسان القادر على التدخل في سير الظروف، مسلّحاً بالمعرفة البسيطة أو العميقة للقوانين التي تحكم الطبيعة والوجود الإنساني معاً”([1]).
وفي كل حال من هذه الأحوال يسعى الأديب إلى تبرير اتجاهه، والدفاع عن موقفه في وجه الانتقادات التي يتعرض إليها من ذوي الاتجاهات الأخرى.
الأديب ومسألة الانتماء:
من هنا تطرح قضية الانتماء وما يرتبط به من التزام بقضايا المجتمع، عند حديثنا عن موقف الأدباء مما يحدث في محيطهم العام متعدد الأوجه، ذلك الموقف الذي يتعرض لكثير من الضغوط الخارجة عن نطاق الذات، فيحاول الأديب التكيف مع الواقع آخذا بعين الاعتبار منطق الربح والخسارة، سواء على المستوى الشخصي أو المستوى الاجتماعي. غير أن المسألة غاية في الصعوبة خاصة في أزمنة الأزمات التي تعصف بالمجتمع، أين يجد نفسه بين مطرقة مبادئه التي تربى عليها أو التي اكتسبها عبر ثقافة تراكمية، وبين سندان التوجهات السياسية والاجتماعية التي تدعوه إلى اتخاذ موقف معين، أو أكثر من ذلك تدعوه إلى الدفاع عن وجهات نظر السلطة التي يحتمي بها، سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية، حتى وإن كانت درجة الاقتناع بالمهمة المنوطة به أحيانا ضعيفة.
غير أن هذا الانتماء لا ينتفي بالضرورة إذا عارض الفرد رغبات الجماعة أو توجهاتها، بل هو قابل لأن يكون انتماء شكليا في مقابل الانتماء الجوهري الذي يرتقي إلى مرتبة الولاء، كما يرى الدكتور فرج عبد القادر طه، إذ إن ” الفرد قد يكون عضواً في جماعة، ومحسوباً عليها إلاّ أنه لا يرتضي معاييرها، ولا يتوحد بها، ولا يشاركها ميولها واهتماماتها، فهو ينتمي إليها شكلاً، وليس قلباً، وفي هذه الحالة يصبح منتمياً إلى هذه الجماعة بينما يكون ولاؤه… لجماعة أخرى أو لزعيم آخر أو لمبدأ مغاير للجماعة المنتمي إليها”([2]). ولا يصل الأمر إلى هذه الدرجة عادة إلا حينما يتعرض الأديب إلى الاضطهاد الذي لا يلجأ فيه فقط ” إلى أساليب العنف الظاهر بل إلى أساليب دقيقة جدا تهدف إلى عزل الكاتب وتهديم شخصيته وإسكاته”([3])
أما الحلقة الوسط بين الولاء والانتماء الشكلي فقد يكون ما يمكن تسميته بالولاء الواعي، ذلك الذي تتسع فيه دائرة الالتزام ” بحيث تترك للكاتب الحق والحرية في تحديد قضايا المجتمع المهمة من زاويته الخاصة”([4])، حتى وإن كانت متفقة أحيانا وتوجهات السلطة ومؤسساتها؛ ذلك أن المثقف بوجه عام- ومهما كانت علاقته بالسلطة – ليس مسخرا ليكون معارضا أبديا لها ولا بوقا يوصل صوتها، فقد يلتقي طرحه مع طرحها حينا من الدهر، ولكنه لا يستمر على ذلك طويلا نتيجة للتغيرات والتقلبات التي تعتري السلطة، ويمكن اعتبار مثل هذه العلاقة بين هذين الطرفين امتحانا حاسما لمدى استقلالية المثقف ونزاهة توجهه.
والاضطراب في الانتماء ليس سمة سلبية بالضرورة؛ بل قد يعد بحثا عن الحرية أو التحرر من المعيقات التي تحول دون اطمئنان الفرد إلى الوسط الذي يعيش فيه، ونذهب في هذا مع الدكتور فاروق أحمد اسليم الذي يرى” أن تنوع الانتماء هو نتاج جدل الإنسان، وهو يبحث عن الوسائل التي ترقى به نحو التحرر، والانفلات من الظروف التي تعوق تطوره”([5])، ويدل ذلك على الدور الذي يلعبه وعي الفرد، والمثقف على وجه الخصوص، في توجيه الانتماء بأشكاله المتعددة قبليا أو سياسيا أو فكريا.
أما خارج هذه الأشكال من الانتماءات، فنجد الأديب اللامنتمي الذي لا يجد طريقا إلى لعب دور حقيقي له في الحياة العامة يعبر عن إرادته، ويعبر عن وجوده ككائن مستقل، وخصوصا في العالم الصناعي الذي شيأ الإنسان وحوّله إلى مجرّد آلة، فاغترب عن نفسه وعن مجتمعه، وأصبح كبطل رواية هنري باربوس (الجحيم) لا يجد” طريقا هنالك إلى الخارج أو إلى ما حول أو إلى الداخل “.([6])
ورغم أن الصورة التي رسمها كولن ولسن للإنسان اللامنتمي لا تنطبق بالضرورة على كل النماذج اللامنتمية، لاختلاف البيئات والمنطلقات الفكرية، إلا أنها تعبر من زاوية معينة عن طبيعة هذا النموذج الذي ” يدرك ما تنهض به الحياة الإنسانية من أساس واه، والذي يشعر أن الاضطراب والفوضوية هما أعمق تجذرا من النظام الذي يؤمن به قومه”([7]) وهو بالتالي يرفض أن يكون في منظومة اجتماعية لا يرى أنها تحقق أناه الحقيقية، فهو دائم البحث عن ذاته وعالمه، ولهذا يعيش شقاء يقربه في نظر الآخرين إلى المجنون، مثل ما حدث ل(فان كوخ) الذي انتهى به المطاف إلى الانتحار.
وفي كل هذه الحالات المرصودة المتعلقة بالانتماء واللاانتماء، لا نجد الفرد في كامل الاطمئنان إلى علاقته مع الآخرين، فمهما تنازل عن بعض قيمه ليتأقلم فهو يظل مدركا لخلل نسبي تتفاوت درجته في تلك العلاقة، وذلك أمر طبيعي إذا علمنا أن الذات لا ترتبط بالقوانين والضوابط التي نجدها في المجتمع، وعليه فإن الحرية التي تريدها الذات لا بد أن تواجهها معوقات يفرضها النظام المسير للجماعة الإنسانية، فينجم عن ذلك عدم التطابق بين الطرفين يتمظهر في شكل ما من أشكال التعبير الانتقادي لدى الأدباء، كما لدى غيرهم ممن يستخدمون المنابر التعبيرية المختلفة.
الشاعر العربي بين الولاء والتمرد:
وبناء على ما سبق، نجد عبر التاريخ العربي والإنساني نماذج متباينة لشعراء اتخذوا مواقف معينة مما يجري في محيطهم المضطرب تحت وطأة الأعراف والقوانين، أو تحت وقع القلاقل والحروب والفتن وغيرها، مع ما يترتب عن ذلك من ثمن يدفعه الأديب، أو مغنم يحظى به مقابل ذلك، بصرف النظر عما إذا كان المغرم والمغنم مقصودين أم لا.
لنأخذ نموذجين واضحين من العصر الجاهلي على سبيل المثال، نموذج المخلصين للقبيلة كدريد بن الصمة، وغيره، والشعراء الصعاليك المتمردين عليها، والخارج عن ولائها إلى قوم سواها؛ فدريد شاعر القبيلة بامتياز، وبيته الشهير الوارد في مرثيته لأخيه يستشهد به في هذا المجال إذ يقول:
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
وهو تلخيص لمعنى أعم عبرت عنه الأبيات السابقة له، فقد أشار على قومه برأي بخصوص الغزاة القادمين ك(جراد يباري وجه الريح)، ولكنهم رأوا غير ما رأى، أو أنهم أدركوا صواب رأيه متأخرين، ورغم عصيانهم اعتبر نفسه منهم وأنه غير مهتد.([8])
والملاحظ أن أغلب الشعراء الفرسان الذين كانوا عماد قبائلهم عرفوا بهذا الولاء، وقد تكون الثقة التي حظوا بها، والاحترام الذي يجدونه من أفرادها، والمسؤولية التي يشعرون أنها ملقاة على عواتقهم، كل ذلك شجعهم على إخفاء أناهم أو إذابتها في الجماعة، تحت عنوان كبير هو التضحية في سبيل الجماعة. والتضحية في ذاتها لا تكون إلا بالتنازل عن بعض ما يريده الشاعر، وإن كان نفيسا غاليا مثل النفس ذاتها. وقد يكون نظام القبيلة الصارم والمطالب بتلك التضحية في مقابل الحماية والمكانة هو مصدر إجبار على ذلك الولاء، فالولاء عندئد لا يعدو أن يكون إذعانا وخضوعا لقوة قاهرة تملك وسائل ردعها لكل مخالف أو رافض لنظمها، ممثلا في الخلع وهو” أعلى درجات النفي الفردي، حفاظا على المصلحة العليا للقبيلة والتزاماتها الأخلاقية ضمن توازن القوة في المجتمع القبلي”.([9])
غير أنه، وفي ظل العصبية القبلية– في حال الشاعر الجاهلي- وما ينجم عنها من مظاهر الاضطراب والقلق، قد يرتقى الوعي الإنساني لدى الشاعر ليكون عامل توازن في هذا الانتماء،” فالجدل بين العصبية إلى الدم والوعي الفردي الذي يحمل مضمونا أخلاقيا، جعل ذات الشاعر الجاهلي أكثر تجذرا في إنسانيتها، وأشد حساسية في نشدانها لمثل أعلى، يخلق لديها نوعا من التوازن في عالم كاد أن يكون مستغلقا بسبب الصراعات عن الحمى”.([10])
أما النموذج الثاني فتمثله تجربة الشعراء الصعاليك الحاضرة في الأذهان؛ بفئاتهم المختلفة([11]) التي خرجت لا شك عن المبدأ الذي رسخته القبيلة، فأعلنت رفضها الخضوع الذي يؤدي إلى ذوبان الفرد في الجماعة، وشقت لنفسها طريقا آخر فكريا واجتماعيا، أساسه النقمة والثورة على الأغنياء والأشحاء الذين تجمعت في أيديهم الثروة، في مقابل الفقر الذي يمس شرائح واسعة من المجتمع.
وإذا كانت دراسات كثيرة تذهب إلى أن ظاهرة الصعلكة ظاهرة اقتصادية، فإنه ليس من الصواب حصرها في الفوارق الطبقية بين الأشراف والعبيد في القبيلة، بل إنها نتاج تأمل فكري أوصل فئة من أفراد القبيلة إلى الخروج عن الإطار المسطر لها، وخصوصا عند ضحايا الخلع وهم من الطبقة العليا. وبالتالي فإن مسألة التحرر من قيود الآخر قد تكون سببا أكبر في الميل إلى هذا السلوك، فالقوانين التي كانت تحكم القبيلة عرفية صاغها الأقوى وصاحب المصالح، حتى وإن كانت في بعض جوانبها إيجابية، ولم يكن الضعيف في كل حال قادرا على الصبر عليها أو ليرضى بأن تكون دستور حياته، لهذا وجدنا الصعاليك بالذات يتخذون لأنفسهم طرقا لتحدى تلك الظروف الصعبة، من أجل البقاء أولا ومن أجل محاربة الواقع المفروض ومحاولة تغييره.
ومن هنا كانت ظاهرة الصعلكة حركة تمرد وثورة اتخذت في بعض حالاتها طابعا إصلاحيا كما هي عند عروة بن الورد وغيره، لكن الذي يهمنا من ذلك هو أن الشاعر الصعلوك لم ينزو في عالمه الخاص يمارس مهنته بصمت بل جسد لنا أفعاله ورؤاه شعرا، وقدم لنا موقفه من القبيلة أو المجتمع المصغر الذي خرج عنه وحاربه، فتكشفت لنا كثير من الإشارت الدالة على اغتراب الصعاليك ومعاناتهم والتبريرات التي ساقوها للتغطية على السطو الذي كان حرفتهم الرئيسة لكسب قوتهم، والحفاظ على مجتمعهم الجديد الذي شكلوه بديلا عن القبيلة التي رفضتهم فرفضوها، وطردتهم فحاربوها.
وربما كان الشنفرى واحدا من الصعاليك الذين قدموا لنا رؤيتهم الواضحة تجاه القوم، ففي لاميته([12]) الشهيرة يذهب الشاعر إلى حد اتخاذ الحيوان قوما بدلا من قومه الذين هم بفراقهم، فلا حاجة له بهم طالما أنهم مصدر الأذى والكراهية، أما عالم الوحش ففيه الأمن وحفظ الأسرار:
أَقِيمُوا بَنِي أُمِّي صُدُورَ مَطِيِّكُمْ *** فَإنِّي إلى قَوْمٍ سِوَاكُمْ لأَمْيَــــــلُ
وفي الأَرْضِ مَنْأَى لِلْكَرِيمِ عَنِ الأَذَى *** وَفِيهَا لِمَنْ خَافَ القِلَى مُتَعَزَّلُ
لَعَمْرُكَ مَا بِالأَرْضِ ضِيقٌ على امْرِىءٍ *** سَرَى رَاغِبَاً أَوْ رَاهِبَاً وَهْوَ يَعْقِلُ
وَلِي دُونَكُمْ أَهْلُون : سِيدٌ عَمَلَّـــــسٌ *** وَأَرْقَطُ زُهْلُولٌ وَعَرْفَاءُ جَيْـألُ
هُمُ الأَهْلُ لا مُسْتَودَعُ السِّرِّ ذَائِــعٌ *** لَدَيْهِمْ وَلاَ الجَانِي بِمَا جَرَّ يُخْذَلُ
وعلى الرغم من اختلاف الروايات حول تحول الشنفرى إلى الصعلكة، فإن الأبيات السابقة، بقدر ما تحمل من الصدق في العاطفة، والقوة في البيان، فإنها ترجمان لرؤية هذه الفئة من العرب لأقوامها، عندما تفتقد فيها الأمان والاحترام وحرية التصرف، فتكون الصحراء بقساوتها ووحشها ووحشتها مفرا مقبولا وملاذا محمودا.
ومع امتداد الزمن لم تتغير الصورة في جوهرها، بل تغيرت في جزئياتها، فقد ظل الأدباء في كل العصور المعروفة يمثلون النموذجين السابقين، ونحن نسمع اليوم عن شعراء المناسبات وشعراء الالتزام وشعراء البلاط وشعراء التمرد وغيرها من التسميات التي تدور كلها في بوثقة علاقة الشاعر بالمجتمع الذي ينتمي إليه، غير أن التوتر بات يلعب فيها الدور الكبير في العصور المتأخرة، لأسباب تاريخية تتعلق بتطور المجتمع العربي في علاقاته مع محيطه، وبابعاد مختلفة سياسية واقتصادية واجتماعية.
الاغتراب وجودة الشعر:
عادة ما يشار بالبنان إلى الشعراء المتوترين نفسيا أو اجتماعيا على أنهم جيدو الشعر أو مبدعون أو متميزون، وهو الأمر الذي يدفع بعض الدارسين إلى ربط جودة الشعر بمعاناة الشاعر، نفسيا أو اجتماعيا أو سياسيا، بل إن من الشّعراء من يعبر عن ذلك صراحة، ويؤكد على أن القلق والتوتر وجو المشكلة عموما يعد دافعا أساسيا إلى التعبير المميز بالقوة والإبداع، وإن كنا نستبعد أن نجد شاعرا هادئا على امتداد تجربته الشعرية، حتى الذين يوصفون عادة بالمنتفعين والتكسبيين والموالين لذوي النعم، فلا تخلو حياتهم من لحظات توتر وربما ثورة على أوضاع معينة.
ويبلغ الأمر ذروة وضوحه حين يتعلق بأحد أشكال الاضطهاد؛ ونذهب في ذلك مع حليم بركات حين يرى أن” الاضطهاد العنيف المباشر في الدول المحافظة التقليدية لا يقضي على الأدب، على العكس، يبدو أنه عامل مهم في نموه”([13])، ويستشهد على ذلك بالأدب الروسي في الحقبة القيصرية، والأدب الفرنسي في فترة ما قبل الثورة، والثورة الشعرية التي انطلقت من العراق إبان فترة الخمسينات، وقبل هذه التجارب نجد مثيلات لها في مختلف العصور والحضارات، تأكد من خلالها أن العنف يولد العنف المضاد، حتى وإن كان على شكل كتابة فنية تجد أثرها الواضح في مجريات الأحداث، وقد تصنع للأمة تاريخا جديدا.
وبحكم حساسية الشاعر، وربما حساسيته المفرطة أحيانا، فإنه من غير المعقول أن يتغاضى عن أحداث أو مجريات معينة تسير في غير الاتجاه الذي يرتضيه الناس في لحظة تاريخية معينة، ولقد لاحظ قراء العربية أمثلة ونماذج تثبت التفاوت بين الشعراء في درجة الانفعال تجاه الحدث، وينجم عنه اختلاف في درجة جودة الشعر المعبر عنه، ويكننا أن نجول في ساحة الأدب العربي الفسيحة عبر العصور لندرك ذلك؛ فلقد أنتج الصعاليك نصوصا قوية في وصف الغربة، وفي تبرير الغزو والسطو، وفي حميمية العلاقة بين الصعاليك فيما بينهم في مجتمعهم الجديد، بل وحتى في علاقاتهم مع الحيوانات في القفار والبراري، يدفعهم إلى ذلك بعدهم عن منابتهم وأهليهم، كما أجادوا في وصف الحنين إليها كلما غدر الزمان بهم كما حدث لمالك بن الريب الذي تركت قصيدته في رثاء نفسه أثرا طيبا عند القراء، ومطلعها:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة *** بوادي الغضا أزجي القلاص النواجيا
فليت الغضا لم يقطع الركب عرضه *** وليت الغضا ماشى الركاب لياليا
لقد كان في أهل الغضا لو دنا الغضا *** مزار ولكن الغضا ليس دانيا
لقد بناها الشاعر على تصور نهايته وكيف سيكون مآله بعد لفظ أنفاسه، ولا شك أن مالكا خالف كثيرا من الراثين في ذلك، الذين اعتادوا على رثاء غيرهم، ونحن نراه يكرر الغضا خمس مرات في أبياته الثلاثة السابقة تأكيدا على الحسرة التي يجدها في الموت بعيدا عن أهله الذين تعارضت مصالحه ومصالحهم فغادرهم وتمرد على قوانينهم، ثم نراه بعد هذه الأبيات يصور حال صاحبيه وهما يتركانه وحيدا بعد مراسيم الدفن، دونما تأكد بأنهما سيبكيانه بعد ذلك.
كما أجاد العاشقون في بوادي الحجاز سبك أشعارهم بعد أن وقعوا ضحايا القوانين التي كانت تحرمهم من الزواج بمن يذكرون في غزلهم، ولعبت غربة المطاردة والبعد عن الحبيب دورا هاما في صياغة شعر يتقاطر شكوى وتبرما وإخلاصا، وسعى أصحابه إلى توظيف كل عوامل التأثير في السامع، إفراغا لشحنات نفسية لاذعة، وأملا في التعاطف الذي يجلب السلوى والعزاء.
وهذا الذي حدث مع المتنبي والمعري، وحدث للبارودي وشوقي؛ فحادثة دنشواي التي وقعت عام 1906 دليل على ذلك، فقد هزت الحادثة حافظ إبراهيم فكتب عنها قصيدته المشهورة التي يقول في مطلعها:
أيها القائمون بالأمر فينا *** هل نسيتم ولاءنا والودادا؟
خفّضوا جيشكم وناموا هنيئاً *** وابتغوا صيدكم وجوبوا البلادا
وإذا أعوزتكم ذاتُ طوق *** بين تلك الربا فصيدوا العبادا
إنما نحن والحمام سواء *** لم تغادر أطواقنا الأجيادا
أما أحمد شوقي الذي كان شاعر القصر آنذاك فلم يقل عنها شعرا إلا بعد عودة ذكراها في السنة الموالية، في قصيدته التي مطلعها:
يا دنشواي على رباك سلام *** ذهبت بأنس ربوعك الأيام
كيف الأرامل فيك بعد رجالها *** وبأي حال أصبح الأيتام
وليس الغرض المفاضلة بين القصيدتين، ولكننا نرمي إلى تلمس حجم الانفعال بالحدث لدى حافظ، وانعكاسه على مستوى الأداء الشعري الذي ميزه الإحكام والدقة في وصف مشاعر الإنسان المصري الواقع تحت الاحتلال الغاشم، والمشتكي من الظلم والقهر والإفراط في القوة ضد أهالي قرية مسالمة. ولا شك أن سرعة التحرك عند حافظ، وطراوة الإحساس بالغيظ لديه ساهمتا في إخراج هذا العمل على الصيغة التي رفعت رأس الشاعر عاليا في نظر قرائه، يزكيها رأي طه حسين في الشاعرين، إذ يقول إن شوقيا ” لم يحسن ما أحسن حافظ من تصوير نفس الشعب وآلامه وآماله، ولم يتقن ما أتقن حافظ من تصوير الألم وتصوير هذا الإحساس وشكوى الزمان”.([14])
إن مرارة الألم كما نشوة الفرح عاملان يقويان الملكة الشعرية وينشطانها أملا في ارتفاع المنتوج الشعري جمالا وقيمة، قد لا يكون ذلك مقصودا، ولكن العلاقة بين الانفعال والعطاء لا ينكرها عاقل، وكأنما الأول أزمة والثاني مخرج منها، وبقدر ما تكون الأزمة ضاغطة وخانقة يكون المخرج حاسما ومنقذا. والاغتراب بوصفه أزمة كبرى لها تأثيراتها على الشاعر، يعد من دواعي الإنتاج الإبداعي الشائعة، ومن أهم بواعث الحرص على جودة النص.
أما شعراء القصيدة المعاصرة فقد عاشوا عصرا تحالفت عليهم فيه الأزمات السياسية وتعقيدات العصر وماديته، فكان لذلك كله عظيم الأثر في تشكيل تجربة شعرية ناضجة تكون في مستوى الاستجابة لدعوات التجديد الملحة، ولضرورة التميز الذي يسعى إليه الشاعر، فتتحدد على أساسه مكانة الشاعر الأدبية، فقد شقت الأسماء الكبيرة طريقها إلى المجد الأدبي عبر المنافي والسجون والغربة، وعبر الصراع الذي فرض عليهم من مناوئيهم السياسيين خاصة، الذين يملكون قوة القهر والفعل المؤذي ماديا ومعنويا، سواء تعلق الأمر بالاحتلال في أشكاله المختلفة، أو بابن البلد الذي نظر إليه دائما على أنه قد يكون أشد من الأجنبي بطشا تجسيدا للبيت العربي الذي يقول:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند
ولقد وجدنا البردوني في اليمن، يجسد معاناة العمى الذي يمنعه رؤية النور والجمال، وغربة الوطن في نفسه تمنعه الافتخار، طالما أنه وطن الجياع والبائسين، فيه يشقى الناس بمآسيهم الذاتية، ولا يجدون ما حولهم يبعث على التفاؤل، فيقول معبرا عن غربته بين قومه:
وكأنّي تحت الدياجير قبر *** جائع في جوانح الصمت عاري
وأنا وحدي الغريب وأهلي *** عن يميني و إخوتي عن يساري
وأنا في دمي أسير، و في أر *** ضي شريد مقيــّد الأفكــــــار
وجريح الإبا قتيل الأماني *** وغريب في أمّتي وديـــــــــاري
كلّ شيء حولي عليّ غضوب *** ناقم من دمي على غير ثار
وكذلك فجر محمود درويش في فلسطين طاقة الحرف العربي تعبيرا عن الظلم والبطش الصهيوني ضد العرب، وأحمد مطر نشر تهكمه وهجاءه المر على أسلاك الغربة، ليشهدا على غرابة عالم عربي يسير في اتجاه معاكس للمستقبل، ومعاكس لما يحلم به الإنسان العربي من الرغبة في الانعتاق والتحرر والمساهمة الفعالة في النهوض الفعلي للمجتمع والرقي به إلى مصاف المجتمعات المحترمة، وأمثالهم كثيرون فرضت عليهم الظروف أن يخرجوا واعين عن الاستكانة والخضوع حتى ولو كان ذلك على حساب استقرارهم الذاتي والاجتماعي.
إن النص الأدبي بوصفه عملا فنيا يستفيد إذن من الأزمات والمآسي وأشكال الاغتراب المختلفة، بل إن الجمال في الأدب ” يتولد من القدرة على تصوير المأساة “([15])، فيكون الاغتراب عندئذ ” الموضوع الرئيسي للعمل الفني “.([16])
وقد عبر كثير من المبدعين عن الدور الأساس الذي يلعبه الاضطراب في إنتاج النصوص الجيدة، ذلك الاضطراب الذي يتمظهر في أشكال كثيرة لكنها موحدة الجوهر، فممدوح عدوان يرى أن” إن الفنان إذ يكتشف صفاءه، يكتشف عكر العالم، وتصطدم صلابة صفائه بصلابة العالم.. وهذا الاصطدام يولد الشرارة المضيئة للعالم.. إن الفن ينبع دائما من هذا الصدام، من الرغبة في أن لا يفقد الإنسان صفاءه.. ويصبح هذا الهمّ الذاتي جذرا لهموم الناس جميعا.”([17])
غريب أن يتهم العرب بأنهم لا يقرءون، وهم الذين نشروا دينا أول مبادئه ” اقرأ “.. وغريب أن يُعرفوا بالنسيان تارة والانفعالية تارة أخرى، وفي دينهم ما يحثهم على التذكر والتدبر.. وغريب أن يعيشوا هذا الضعف والهوان وفي مقوماتهم كل عناصر العزة والقوة والتمكن..
فما الذي حدث حتى أصبح عالم شاسع وواسع واستراتيجي في مثل هذه الحال؟
تتردد مقولة تنسب إلى اليهود مفادها ” أن العرب لا يقرءون، وإذا قرءوا لا يفهمون، وإذا فهموا سرعان ما ينسون.” وهي عبارة تحمل من معاني السخرية والنقد ما لا يطيقه ذو عقل وقلب.
والواضح أن القراءة المقصودة ليست العينية، بل القراءة النقدية الفاحصة ذات الأبعاد الإصلاحية التصحيحية.. القراءة التي تقف عند نقاط القوة تثمنها، ونقاط الضعف تعالجها.. القراءة التي ترسم للأمة مستقبلها بناء على ماضيها وحاضرها.. والقراءة التي لا تفسر الحدث على أنه صدفة أو قضاء وقدرا، بقدر ما تحلل عناصره لتعرف الأسباب والنتائج وتستخلص العبر، وتسد الثغرات.
هذه القراءة – على ما يبدو- غائبة إلى حد ما، أو إنها حبيسة المحافل الثقافية والأكاديمية، وما أقلها في بلادنا العربية مقارنة بالدول المتقدمة، ولم ترق بعدُ إلى مستوى التطبيق الشامل الفعلي، أين تتحول إلى سياسة معتمدة، وأسلوب ثابت فعال، ووسيلة تقويم تذلل كل عقبة في طريق التقدم والازدهار.
وقراءة التاريخ أكثر ما تكون ناجحة عندما يكون للأمة إرث تاريخي وحضاري، وهذا حال الأمة العربية. وعليه، فإنها تملك من المقومات الحضارية ما يجعلها تنهض؛ إذا ما أعادت حساباتها، وقراءاتها لماضيها البعيد والقريب. بل إنني مع الذين يقولون إن” أشد ما يخشاه الغرب هو وصول العالم العربي إلى مستوى القراءة الصحيحة لماضيه، فينهض نهضة العملاق، كما خشي نهضة العملاق الصيني فصدقت خشيته.”
نقرأ كثيرا عن مراكز البحوث الاستشرافية في أوربا والغرب عموما، وكيف يعكف فيها زبدة المجتمع من العلماء و المفكرين في كل مجالات العلم على الدراسة والتحليل العميقين، ثم تنقل نتائج ذلك إلى صناع القرار لاتخاذها ركيزة للتعامل الإقليمي والدولي. ونسأل: أين مراكزنا البحثية من تلك التي نقف عند أسمائها معجبين تارة، ومنتقدين تارة أخرى.
لا أعتقد أن مراكزنا البحثية في وضعها الراهن قادرة على مساعدة الدول العربية على إيجاد مكان محترم لها في هذا العالم الفسيح ، وليس ذلك إلا لأن الجهود التي تبذل في هذا المجال يميزها طابعان:
الأول: هو الطابع المحلي الوطني، فكل دولة تدرس ما يهمها وما يتعلق بحدودها، وحياة أفرادهارفحسب، ناسية أنها في عصر التكتلات والتحالفات، أين تفقد الدولة الواحدة تأثيرها وفعاليتها ما لم تدخل تحت غطاء أكبر منها.ألا ترى أن دول أوربا الشرقية تناضل وتسعى إلى الانضمام إلى الحلف الأطلسي والاتحاد الأوربي، في سبيل أيجاد مكان محترم لها يكفل لها القوة والحماية، لا تستطيع أن تكتسبهما منفردة؟
الثاني: هو الاقتصار على مجالات محدودة دون أن تكون شاملة للنواحي المختلفة لحياة الأمة.
وينظر الناس في عالمنا العربي إلى العلم نظرتين:
الأولى:على أنه فيزياء وكيمياء ورياضيات وطب وما دار في فلك العلوم التجريبية، فهو فقط ما ينتج الصناعة والاختراع، أما ما عداها فهي مجرد هوايات ومضيعة للوقت.
الثانية: على أنه الدين وقواعده وأسسه، وكل ما يدور في فلك القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ويستشهدون بما كان للسلف الصالح من العزة والكرامة في ظل الاهتمام بهذا المجال.
وما زال طالب العلوم التجريبية عندنا ينظر إلى طالب العلوم الإنسانية نظرة سخرية وإشفاق. وما زال أناس ينبشون الماضي في سبيل سد حاجة الحاضر، تاركين ما حققه العلم من حلول ورفاه، إلى درجة يميلون فيها إلى تصديق البدع والخرافات وترك الحقائق العلمية الواضحة.
ولا يسع المرء المتزن إلا أن يرفض النظرة الضيقة للفريقين، ويؤمن أن المجتمع في أمس الحاجة إلى كل علم يساهم في ترقية الإنسان، صغيرا كان أم كبيرا. بل إن العلوم بكل أنواعها تتكامل، بشكل يجعل إغفال جانب واحد منها يشعر بوجود خلل في المجتمع. ويصدق هنا قول الشاعر القديم:
الناس للناس من بدو وحاضرة**بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
وليس صعبا على المرء أن يلاحظ أن تطور المجتمعات الحديثة إنما تم بناء على هذه القاعدة. خذ أية دولة متقدمة أنموذجا وستلاحظ أن مجالات العلوم فيها على أفضل تكامل. أما عندنا فيبدو كل علم منفصلا عن الآخر لا تربطه به صلة.أما الجهل والأمية فهما العار الذي يظل يلاحق هذه الأمة في حاضرها ويهددها في مستقبلها، و يساهم في تأخرها عن الركب الحضاري.
وكما يعاني العالم العربي مشكلة مع العلم، يعاني مشكلة أخرى مع العولمة.. هذا التيار الجارف الذي قلب كل المفاهيم، وغير جميع الأعراف، بل وأحدث انقلابا جذريا في المنظومة السياسية والاقتصادية والثقافية في العالم أجمع. وانقسم الناس عندنا إلى مؤيدين ومعارضين لها وكأن لهم الخيار في الرفض أو القبول، وكان حريا بهم أن يطرحوا سؤالا واحدا على أنفسهم هو: كيف نجعل العولمة في خدمتنا وازدهارنا؟
لكن.. إذا كان حال العلم في العالم العربي متأخرا كما رأينا، فكيف نستطيع والحال هذه أن يكون لنا مكان محترم في هذه القرية الصغيرة؟ وكيف نستطيع الحفاظ على ثقافتنا وديننا وهويتنا، والآخر يحارب فينا كل ذلك تحت ذرائع مختلفة، ونحن لا نستطيع الدفاع عن أنفسنا إلا بالشكوى والتنديد؟
لا أعتقد أن خيراتنا الطبيعية، وأموالنا الطائلة، ومواقعنا الإستراتيجية قادرة على أن تجعلنا نفرض وجودنا، بل قد تكون هذه العوامل من أسباب تعاستنا، ما لم ندعمها بالفكر والتفكير، والثقافة والتثقيف، وباختصار.. بالعلم الذي كان وراء كل نهضة وكل تقدم.
ولا أعتقد أيضا أن العولمة كلها شر كما أنها ليس كلها خيرا، إنما هي واقع لا بد من التعامل معه، والحرص على أن يكون في صالحنا لا ضدنا، ولا يكون ذلك إلا بشعور كل واحد منا أنه قادر على فعل شيء. فالجهود كالسيل تبدأ بالقطرة، أو كالميل يبدأ بالخطوة، لكن القطرة والخطوة إن لم تكن بالتخطيط والدراسة ضاعت الأولى في الرمال، والثانية في الهواء، وبالتالي تبقى دار لقمان على حالها.
فمتى نتخلى عن دور التلميذ الذي يقف أمام جمهور في مهرجان يردد آيات العلم وأقوال الشعراء فيه دون أن يفهم منها شيئا، إلى دور المثقف الذي يشغله هم التخلف والتأخر في أمته، فيعكف الليل والنهار على البحث عن سبل العلاج؟ ومتى تختفي الصورة النمطية الظالمة للإنسان العربي في الأذهان الغربية؟ ورحم الله المتنبي إذ يقول:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله**وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم.
بقلم :د. رمضان حينوني
المركز الجامعي لتامنغست
يحق لأولف أن تفتخر بشاعرها الرحالة عبد الله برمكي، فقد عهدت فيه حب التنقل من مكان لآخر في ربوع وطنه الفسيح، باحثا عن منبر يصدح من خلاله بالكلمة الشاعرة، وبالقول الساحر الجميل المحمل بالحكمة والحب وتجارب الحياة.
فإلى جانب لقاءاتي به في المركز الجامعي بتامنراست، ومتابعاتي لنشاطاته عبر موقع التواصل (فيسبوك)، من خلال مشاركاته في الأيام الثقافية، والملتقيات والأمسيات الشعرية، لمست فيه الرغبة الجامحة في أن يكون له مكان شعري محترم في هذا الوطن، وإرادة صادقة في أن يساهم بالكلمة في نشر الخير والمحبة بين أبناء وطنه، وتلك لعمري رسالة نبيلة تستحق التضحية، ويستحق عليها الاحترام.
هذه باقة شعر يقدمها الشاعر الشعبي عبد الله برمكي إلى القارئ الشغوف بفن القول، تتضمن مجموعة قصائد في موضوعات متنوعة مستقاة من الحياة الاجتماعية، فالثورة الجزائرية وأمجاد الجزائر حاضرة بقوة في هذا الديوان، إلى جانب الغزل والشعر الديني، والإشادة بالمدن، وغيرها.
فبرمكي مثل غيره من الشعراء سكنهم حب الجزائر، ودفعهم للقول في مختلف الجوانب التي تفي هذا البلد حقه من الاحترام والإجلال، إلى الحد الذي يدفعنا إلى الاعتقاد بأن شعره يتناص مع شعر مفدي زكريا ومحمد العيد وغيرهما من كبار شعراء الجزائر الكبار في إشادته بالثورة، وهو ما يعني التزام شعراء الاستقلال بثابت شعري على حد قول عمر بوقرورة متمثل في "العقيدة الإسلامية المؤيَّدة بلغة خاصة، وبوطن ذي ثوابت جغرافية وتاريخية معبنة، وبالثورة التحريرية الكبرى كفعل إيجابي، وبالشهيد كنموذج رائع لا تكون القدوة إلا به".
ففي قصيدته "مسيرة حب" يعدد الشاعر خصال الجزائر بما يجعلها مطلع المعجزات وجنة الله في أرضه بتعبير زكريا، فيقول:
الجـزاير يا غــالية يـا عين الحب يا منبــع للود يـا ملقى لحباب
الجزاير يـا كون ربــي فيـه كتب وزرع فيها حب لماليهــا طاب
الجزاير بــالنيف دالوطــن تلقب خرجو منـو رجال ميزتهم للاقاب
خرجو منو رجال للسلم وللــحرب كانو همة وشـان خيـالـة تنهاب
الجزاير في كل مضرب كاين قطب الجزاير يا بر عمرتو الأقطـاب
الجزائر يا أرض لعجام ولــعـرب ف الصحرا والتل كان الحب سباب
إن المحبة التي يتحدث الشاعر عنها هي أهم خصلة جمعت شمل هذا الشعب ماضيا وحاضرا، وهي الكفيلة بإدامة وحدته مستقبلا؛ لهذا يحتفي الشاعر بستينية الثورة التي صنعت هذه الوحدة الوطنية، فيقول:
نوفمبـر لباه دالشعــــب تجاوب ديك اليلة دعـاه والــرب ستجاب
ديك اليلـــة سابقـة في علم الرب صبـح النصـر وحاه للجزائر جـاب
عطـاها شهيـد روحــو فيها دب خـلاها حيـاة لينـا كيمـا حــاب
................................................
ستيـــن سنة عـز عشناها مكسب خيرم قـرن وفـات فالضلم ولعداب
ستيــن سنـة عـزها مزال يصب مزنو فــوق سماء الجزاير صباب
هذه الحقائق التي يدركها كل جزائري في بيته أو بجواره ذكرى مجاهد أو شهيد، تدفع الجزائري إلى التمسك بالذاكرة الوطنية الحية، على الرغم من تقادم العهد وتبدل الظروف وزحف العولمة التي جعلت العالم يتوجه صوب المادة والمستحدثات التكنولوجية مستهينا أو يكاد بكل الخصوصيات التاريخية والثقافية لشعوب صنعت مجدها بتضحياتها الجسام. وفي هذا الإطار تأتي قصيدة "حتى لا ننسى" لتبقي مهابة الثورة ومجرياتها حية في قلوب الجزائريين، فيقول:
ســال الــدم ودمنـــا ياسـر طـــــاهر شــربت منــــو أرضنــــا ونبت شجر
ونبت بــالبــارود فــارض الجزائـــــر وقــال الحـــق يعــود لا بــــدا يظهر
بهت قـاع النـــاس والعــالـم حــــايـر فــي ثــورة محــال هــــــا لا تتكرر
سبـــع سنيـــن ونــــــص جات البشاير هلت فـــوق سمــــــــاء الجزائر لخبر
إلى أن يقول:
راهــا فيــه اليــــــوم تــعيش الجـزائر ويعيشو فيه ولادها كبـــــــار ومـصغـر
ومثل ذلك نجده في قصيدة أخرى بعنوان " روح ورياح" يقول فيها:
تاريخك يازايخة كتبوه صحـــاح باين في بــارودهـم مـن نيرانو
سبع سنين ونص حصدت من لرواح سبع سنين الدم جــــاري ويدانو
سبع سنين عناد لعدوهم كفــــاح سبع سنيــن ونص رجـالة كانـو
سبع سنين ونص ماحطوش سـلاح ماملـو كيفـاحـــهم زاد إيمانـو
هذا التوصيف سمة شعر ما بعد الاستقلال عموما، وبما أن شعراء الاستقلال في أغلبهم لم يشهدوا ثورة التحرير الكبرى، فقد انطلقوا في شعرهم من مبدأ التفاخر بالإنجاز الذي استوحوه من قوة العدو الفرنسي في تلك الحقبة؛ فبقدر ما يكون العدو عاتيا وعصيا على الهزيمة تكون هزيمته مبعث تعظيم، يستخدم فيه الشاعر معجما فخريا تكلله ألفاظ من قبيل( بارود – دم - ثائر– محالها تتكرر- نيران - سلاح – رصاص...).
إن الفخر بثورة الآباء والأجداد تذكر الأجيال الجديدة بحجم التضحيات التي بذلوها في سبيل عزها ورفاهيتها، والرسالة الموجهة إلى الشباب من خلال ذلك مفادها أن الحرية التي تحققت على دماء وأشلاء الجزائريين هي دعوة للشعب إلى اليقظة والاتحاد والتكاتف للحفاظ على المنجزات، والاستفادة من دروس الماضي لبناء الحاضر.
وبين الفخر والذكرى يظل المشهد الثوري يظلل الجزائري أينما اتجه، فذاكرته تقوده في مساره الطويل نحو البناء، وتشكل فيه نوعا متميزا من السلوك الذي يحصنه ضد بيع كرامته تحت أي ظرف، كما تدفعه إلى احترام نضال الآخرين الذين يرى أنهم يستنسخون تجربته بشكل أو بآخر، كما كما استنسخ هو تجربته من سابقيه.
وكغيره من شعراء الملحون لا تغيب المرأة في شعر عبد الله برمكي، بل تتشكل ملامحها في قصائد من قبيل "ثورة حب" و روح الكون" وزهرة خير" ؛ غير أنه لا ينحو فيها منحى الغزل الواصف للمحاسن، بل يركز أكثر على أهمية المرأة ودورها في المجتمع، فهو غزل عقلي إن صحت هذه التسمية لا غزل عاطفي كما الذي نجده في كثير من قصائد الشعر الملحون.
في "ثورة حب" مثلا يبدأ الشاعر نصه بصورة جميلة شاعرية في شكل تبادل للحب بين محبين (مجنونين)، فيها رقة وجمال وحلم، فيقول:
مهبـــولة و هبيل دا رو ثورة حب وراحـو يتقــا يسو بالمشاعــر
وراحــو يتقــايسـو بكلام الحب ويبو حـو بلحــب واللـي فلخاطـر
كـــلام يجيب كـلام وكلام مرطب فيه حلاوة وفيــــه مشاعـر شاعر
غير أن الشاعر يقلب الصورة انتهاء بما يشبه التحذير من خطورة هذا العشق المدمر الذي ينتهي بالجراح تارة والدماء تارة أرى، أو بالخراب الجسدي والعقلي على حد سواء.
صهـــد الحــب م بينهم نوض الحرب وحرب الحب شحال يا صاحب واعر
وفحرب الحب شحال مبنــادم نعـــطب والموته تعــدادهـــم كاين ياسر
يـاسـرمنهـم مات بالحب معـــــذب وياسر منهم فلحيـــا حالو عاسر
و يــاســـر منـهم عاد لعقـل مخرب هامل روحــو ما بقى عقلو فاكـر
غير أن نظرة الشاعر عبد الله برمكي للمرأة تتسم بالاتزان في عمومها، ففي قصيدة روح الكون يجعل المرأة الركن الأساس في حياة الرجل، ويعرض فضائلها أما وأختا وزوجة في تصوير جميل ومنطقي، بعيد عن المبالغات العاطفية التي يعكسها الغزل الشائع عند الشعراء.
نتحدى من قال ما ليه ف لمـــــــراء ولـمراء هـي كــنز هـاد الدنــيا كــل
ولمراء هي رفيقة الراجل وضــــــراء ويـن يكـون لـهم لمراء توجـد حـــــل
منبع للحنان وموطـن للعــــــــشرة ومسقط رأس الحب من عينيــــــها طـل
إلى أن يقول:
هي لأم ولأخــــــت والبـنت البكرى وهـي لآدم كــل حـاجة مـن لـــــو ل
وهي مــازوزيتي البنت الصــــغـرى تتحـكك على عـظامي تــــدلــــــل
وحــبيبة للقـب تــــداوي من لكـدرة تـوالــفنا بــها تبــري مـن لعـــلـل
وكيف لا تكون هذه الصورة مشرقة في نظر الشاعر، والتجارب تثبت أن المرأة أثبتت جدارتها في حقول حياتية كثيرة ، فهي المناضلة المجاهدة التي دوخت المستعمر في ساح الفداء، وهي المساهمة في بناء المجتمع معلمة وطبيبة وفي شتى المهن التي تستطيع أداءها دون تردد. هذا ما نجده في قصيدته " زهرة الخير":
من وقت الكفــــاح شفنا مبـــداها مع الثـورة وخـــــوتها فالجبـهـات
وشفناهــو حضـورهـــا بنزاهــا شفنــاها من جيهة لمـــــواقف تلقات
الا نجحت لبـلاد نجحت بنساها والى كبرت لبــــــلاد كبرت بالفحلات
قـــداه م حاجة ناجحة جــات وراها دفعت للقـــدام رجالـــة قــــرات
هي مدراســــة واقفـة بقيـــواها معليمــة عــلمت ابجــــــديــات
وطبيبـة قــــــداه بـاري بـدواها برات المـكسور للخاطـــــــر دوات .
إن النظرة المتزنة للمرأة كما تعكسه النماذج السابقة دليل الطابع الإصلاحي لشعر عبد الله برمكي، الناتج عن التزامه بالخط المحافظ الذي تفرضه البيئة الصحراوية التي ينتمي إليها، على الرغم من أن الغزل العفيف شائع في البيئات العربية المختلفة، ويلقى القبول العام لدى القارئ العربي حتى وهو غارق في العواطف والتوصيف الوجداني.
هذا الجو المحافظ ترجمته قصيدة " حب شريفة" التى تغنى فيها الشاعر بالكعبة الشريفة وتمنى زيارتها، وزيارة الأماكن المقدسة المرتبطة بها، فهي قلب العالم ومحج المسلمين وقبلتهم.
فلقلب كابــــرة لمــــــحبة ومــــن صغــــــر نا هويها
حــب الشريفـــــــة فلوجبة يا ســعد من هواء بغيــــــــها
نــفسي تعلقت بالكـــــــعبة وجوارحــي نسا قو ليــــــــها
نــــفسي تابقه في لهيـــــبة متمنية تـــــــــــروح لهيها
ولا يكتمل حب هذا المكان المقدس دون ذكر الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم، والشوق إلى زيارته وزيارة من تضمهم تلك البقاع الطاهرة .
الـــى الــهاشمي عقلي راه مشى ومــــشى مـــعاه قلبي لبى
ومــشى يزور طـه صاحب عيشة واللـــي زوجــــتو فلحسبة
واللــي عل أمـــتو مزالو يخشى يـخشى عل أمتو م الزغــــبة
من هــــول يوم صرت فيه الكشة من خـــــوف ربها في رهبة
هذه الروح الإيمانية لا يخلو منها ديوان شاعر شعبي، فهي العاكسة حب الإسلام ونبيه والدالة على التوق إلى جنة الرضوان مهما تعاظمت الذنوب واستحكم التقصير في نفوس الناس، وكأني بهذا اللجوء إلى التعبير الديني نوعا من التأكيد على أن عمق الإنسان هو الشاهد على الإيمان رغم ما قد يبدو للعيان من سلوكات أو تصرفات مضللة.
وأخيرا.. لا أشك في أن هذه الأشعار ستكون حلقة من سلسلة إنتاج سيكون غزيرا بفضل غنى التجربة التي صقلت موهبة شاعرنا، وصنعت منه واحدا من أهم الشعراء الذين يعول عليهم في مجال الشعر الملحون، كما أن طريقته في إسماع صوته وترك بصمته ستذهب به بعيدا في فن القول الشعبي، بل وتجعل منه مرجعا لأجيال نراها تصبو إلى الحفاظ على التراث الشعبي بأشكاله المتلفة.
تمنراست في : 20 فبراير 2016
د. رمضان حينوني
من رجالات التعليم الذين نحتفظ لهم بكثير من الود والاحترام أولئك الذين كنا نراهم آباءنا وإخواننا الأكابر في أقسام الدراسة كما في الشوارع والطرقات والمرافق العامة.. نحترمهم، بل ونهابهم أيضا لما كانوا يمثلونه في حياتنا من قيم نتيجة لرسالتهم النبيلة التي كانوا يؤدونها بإخلاص وكنا نحن نفهمها ونقدرها بحسب ما كان لنا وقتها من الوعي..
أذكر أن الشيخ (عبد القادر حشلاف) رحمه الله كان أول معلم في مشواري الدراسي، بالمدرسة المسماة حاليا (مدرسة بوزادة العيد) وتعلمت على يديه الحروف والأرقام، وهو الذي فتح لي ولزملائي بوابة حب العلم من خلال جمعه بين صرامة وعطف تليقان بسنه المتقدمة، وخبرته في مجال التربية الدينية التي كانت له نشاطا ثانيا في حيه العتيق.
في السنة الثانية أطل علينا الأستاذ (مصطفى حمودة)، بفيض شبابه وحماسته فأيقظ فينا شعلة التنافس الدراسي، وبحث فينا عن طاقة الطفولة وفجرها نشاطا وعملا.. ما زلت أذكر حصص المحادثة وكيف أنها كانت تدخلنا عالم التمثيل الذي لم نكن نعرف عنه شيئا قبل ذلك.. وكيف كانت تجعلنا نشعر أننا نبني أنفسنا وثقافتنا بطريقة الحوار والتحاور وكانت تجربة فريدة عرفنا قيمتها لاحقا.
كان قوامه الرشيق، وخطواته المتزنة يتماشيان وإصراره على أداء رسالة كان وطننا الفتي وقتها في حاجة إليها.. وكنت وزملائي نقطع معه المسافة بين وسط المدينة والقصر العتيق نحمل عنه دفاتر التلاميذ لتصحيحها والسعادة تغمرنا.. ذلك أن هذا العمل البسيط في شكله كان بالنسبة إلينا ثقة ومسؤولية أكثر منه خدمة لمعلم يستحق الخدمة.
في الفترة المتوسطة انتقلنا إلى المتوسطة الوحيدة آنذاك، وكانت تقع في النصف الثاني من مدرسة بن عراج عبد الرحمن حاليا، ولكثرة الأساتذة أتوقف عند بعض من أولئك الذين حببوا إلينا التعليم وقربوه من أنفسنا .. أذكر الأستاذ (سليمان بن زيان) الذي كانت حماسته وفصاحته تذهلنا، استطيع أن أقول معتزا أنني أحببت قواعد اللغة العربية على يديه، حركيته وتوجيهاته ونصائحه ومعلوماته الموثقة بالقرآن الكريم والحديث النبوي كانت كلها تشدنا إلى دروسه شدا.
أذكر أيضا الأستاذ (العربي بن زيان) الذي تشكلت في أذهاننا وقتها عنه صورتان صورة صارمة متشددة في السنة الأولي أو الثانية، مترجمة في المحاسبة الشديدة والعقاب في حال التهاون، فكان ذلك مبعث احتياطنا واحتراسنا، وصورة تفاعلية ومتسامحة إلى حد ما في السنتين المتبقيتين من الفترة المتوسطة. لكنه في كل ذلك كان مثالا للأستاذ الكفء الذي يتقن عمله، ويحبب المادة إلى تلميذه، ولا أنسى إعجابنا وقتها بطريقته المذهلة في عرض القصص، وهي الطريقة التي تضاهي قصص الأستاذ الفرنسي (جاك فيرن).
و(جاك فيرن) نموذج آخر من هذه المجموعة الفريدة من الأساتذة الذين عايشت فترات من نشاطهم التربوي، فقد كان فرنسيا مخلصا للغته وثقافته ، يسعى إلى ترسيخها بإخلاص مذهل. ولا ننكر أنه كان يملك من الوسائل ما يأسر به التلميذ داخل لغته الفرنسية. وأكتفي هنا بذكر ميزتين طيبتين في تدريسه ساهمتا في تحبيب هذه المادة إلينا واستفادتنا منها : الأولى هي طريقته الرهيبة في عرض القصص، حتى ليجعلك تخرج من واقعك لتدخل عالم القصة التي يرويها بكل ما أوتي من قدرة تمثيل وتجسيد قولية وحركية، إلى الحد الذي جعلنا ننتظر حصصه بكثير من الشوق. أما الثانية فهي طريقته في جعلك تدرك أخطاءك في التعبير ، فهو يكتفي بأن يضع خطه الأحمر تحت الخطأ ، ثم يسلمك الورقة لتصحيح أخطائك بنفسك، فإذا أبقيت عليها رد إليك الورقة ثانية وهكذا حتى تستكمل التصحيح بنفسك، ومن محاسن هذه الطريقة أنها ترسخ الصحيح في ذهنك فلا يكاد ينسى.
مثل ذلك كانت تفعله الأستاذة(مادام حمزة) المرأة التي لم تكن تقل قوة وإخلاصا في تدريس الفرنسية من الأستاذ فيرن ، كان نشاطها وحركيتها داخل القسم لافتين للانتباه، تتابع أعمالنا باهتمام شديد، وتختبر فهمنا بطرق عديدة، لقد كانت تملك خبرة كافية في قراءة الوجوه، وتعرف من وجوهنا ما إذا كنا فهمنا القضية المطروحة أم لا، أما طريقتها في تمييز النجباء فهي إلقاء النكتة بالفرنسية من حين لآخر فتعرف من الضاحك أو المبتسم أنه أدرك فهمها.
في العلوم الطبيعية كان يطل علينا منصور أوكيلي في ابتسامته الهادئة كل أسبوع ليعرفنا على الطبيعة وما تحتويه من قوانين ونظم وحيوان ونبات، قبل أن ينتقل بنا إلى عالم مجرد هو عالم الرياضيات ومعادلاتها وأرقامها، وأكثر ما نذكر الأستاذ منصور هو في دروس العلوم الطبيعية في السنة الأولى ، وذلك النشاط والتفاعل اللذين كانا يدفعانا إلى معرفة ما يجود به علينا من معلوما ، وخصوصا في الحصص التطبيقية التي كان يتقنها بشكل كنا نتمنى معه أن لا تنتهي الحصة. ثم أطل علينا الأستاذ بوقربة رحمه الله بصرامته وجديته اللتين كانتا تظللانا بجو من الرهبة، وتدفعانا إلى الجد وتجنب التهاون مخافة صرامته، ولكن دروسه كانت مع ذلك رائعة منظمة ومتسلسلة تتسرب إلى العقل بسلاسة.
وبنفس الفخر والتقدير نذكر مدرس الإنجليزية الأستاذ مقدم، الذي لا أنسى أبدا قدرته الفائقة في الجمع بين الفكاهة والإفادة، في شرحه للدروس وفي تقريبه لمعنى الكلمات إلى أذهاننا، فقد كانت حركات جسمه وأطرافه إضافة إلى رسومه شبه الكاريكاتيرية على السبورة هي السبيل إلى فهم كثير من الكلمات التي اقتحمت ساحتنا لأول مرة في المتوسطة، أما في مراقبة الامتحانات فالغش عنده من أحدنا هو أحد المستحيلات بما يفرضه على التلاميذ من حصار تلعب فيه حواسه الخمس جميعها دورا فعالا، وكم نفض طلاسة السبورة على رؤوسنا ووجوهنا عندما تبلغ حماقاتنا معه مداها.
أما أستاذا التاريخ والجغرافيا وقتها أحمد طرفاية وأحمد آغا فقد كانا مبدعين في توصيل المادة إلينا، أما إذا ذكرنا لطفهما وحسن معاملتهما فإن الوقت بنا يطول.
لكن المدرسة معرض لطيف فيه الجمال والقبح، وفيه السكينة والرعونة كما يقول أحمد أمين في سيرته الذاتية، وذلك يعني أن مدرسين آخرين لم نأخذ منهم سوى السلبيات، من ظلم وإهمال وغيرهما، ولا أحب أن أذكر الأسماء صيانة لكرامتهم رغم كل شيء، فهم مربون أولا وأخيرا، ولعلهم حسنوا سيرهم وطرق معاملاتهم مع الذين جاءوا بعدنا، فلا نظلمهم بل نترك أمرهم إلى الله هو مولاهم، وهو الذي يحكم بيننا وبينهم.
كان بعضهم يفرط في احتقار أبناء الفقراء من أمثالنا، ويظلمهم بما يثبت صور الظلم في أذهانهم الصغيرة فترة طويلة، ولا يشفع لهم نجابة يظهرونها، ولا سعيا حثيثا نحو النجاح يبدونه، فكان ذنبهم أنهم ضعفاء لا ظهير لهم إلا الله.
على أن هذه الفئة والحمد لله قليلة بين كثرة عملت ما في وسعها لينال التلاميذ حظوظا متساوية من التعليم، بصرف النظر عن أحوالهم الاجتماعية أو المادية. لهذا ترانا عندما نتذكر فترة الدراسة في الطفولة نشعر بالارتياح والسرور عموما، لأننا استطعنا أن نجتاز هذه المرحلة بنجاح أولا، وثانيا لأننا وجدنا هذه الزمرة من المدرسين الذين سنظل نفتخر بهم ما حيينا.
كانت هذه صفحات من ذكرياتي في المرحلتين الأوليين من التعليم، وإن كنت قد درست على أيدي عدد آخر من المعلمين والأساتذة، ولكنني في هذه العجالة تذكرت منهم هؤلاء الذين أغتنم الفرصة التي تتيحها هذه الصفحة لأتوجه إليهم جميعا أحيائهم وأمواتهم بالتحية والإكبار والتقدير لما بذلوه في سبيل إنارة دربنا وتحبيب العلم إلينا، آملين من المولى عز وجل أن يجعل ما بذلوه في ميزان حسناتهم.
في المرحلة الثانوية تغيرت أمور كثيرة.. كان علينا أن نبتعد عن بني ونيف لغياب المؤسسة، ونلتحق بثانوية العقيد لطفي بالدبدابة التي تتوفر على نظام داخلي لإيوائنا، وكان علينا أن نتأقلم مع العدد الكبير من الأساتذة الأجانب الذين كانوا وقتها يشاركون في بناء المدرسة الجزائرية ، من دول عديدة عربية وغير عربية. أذكر مثلا الأستاذ حاتم المصري ، والأستاذ كاظم العراقي وأستاذ آخر من السودان لم أعد أذكر اسمه وكلهم في مادة الفيزياء، أذكر الأستاذتين مادام بيرتيه ومادام دوفيناج الفرنسيتين في مادة اللغة الفرنسية، والأستاذين أمجد حسين و شاهد إقبال الباكستانيين في الإنجليزية، والأستاذ حبيب التونسي في التاريخ والجغرافيا، والأستاذ بدر أحمد المصري في الفلسفة، والأستاذ علي محمود الرنتيسي في الأدب العربي، وآخرين لم أتتلمذ عليهم مثل الأستاذ صلاح البيطار وسعد السيد إبراهيم والأستاذة رند نبيل رومي، وغيرهم.
أما من أبناء الوطن فنذكر زمرة من الأساتذة الأفاضل مثل عبد العزيز بطي ومحمد باموسى وحكوم بن يحيى في الأدب العربي، و الأستاذين أم خليفة دحو، ورابح الأحمر في التاريخ والجغرافيا، والأستاذ أوس في العلوم الطبيعية، والأستاذين طاهري وعلي خالي في الرياضة البدنية، وغيرهم ممن أنستنا الأيام أسماءهم مع اعترافنا لهم بالفضل والجميل أينما كانوا ومهما يكن حجم تعاملنا معهم ومدته وطبيعته.
غير أن الذاكرة ما تزال تحفظ لبعضهم حضورا متميزا لم تفلح أكثر من ثلاثين سنة خلت في محوه أو إبعاده، منهم الأستاذ على محمود الرنتيسي الفلسطيني المتميز الذي دعم حبنا للغة العربية وآدابها، سواء من خلال طريقته في التدريس أو من خلال تشجيعه للمواهب الشابة على الكتابة الأدبية.. أذكر يوما من سنة 1982 أظهرت له وأنا طالب في الصف الثاني الثانوي ميلي إلى كتابة القصة، لكن محاولاتي التي قرأ بعضها لم تكن ترقى إلى المستوى المطلوب، فكتب قصة سماها (الشيخ عمران)،على سبيل الدعوة إلى أخذها نموذجا، ونسبها إلي في مجلة " آفاق " التي كانت تصدر بالثانوية.. كان لهذه الحادثة أثر كبير في نفسي من ناحيتين: الأولى أنني لم أرض بأن ينسب إلي شيء ليس من عملي، والثاني أن الأستاذ –بهذا التصرف-دفعني إلى كثير من الاطلاع على القصة وفنياتها، وإلى محاولات أكثر نضجا وتنظيما، حتى وإن لم أواصل في مسار الإبداع، لأن مجال النقد الأدبي كان يستهويني أكثر.
وكان الرنتيسي رئيس اللجنة الثقافية لمجلة (آفاق) أو رئيس تحريرها بالتسمية المعتمدة في المجلات الكبرى، وقد لعبت دورا مهما في تشجيع الطلاب على الكتابة والإبداع، وقد نشر لي فيها بعض الكتابات مثل مقال بعنوان (كفوا عنا هذا الخراب) في العدد الثامن 1984، وقصة بعنوان (كلاب مسعورة) في العدد التاسع 1985، ومقال باللغة الفرنسية في العدد نفسه بعنوان:( la délinquance et la société )، وغيرها. ولقد كانت نسبة المشاركة الطلابية فيها دائما تتراوح بين الثمانين والتسعين بالمائة، مما يعكس حجم الاهتمام الذي أتاحته للطلاب في قضايا الكتابة والتعبير في مجالات العلم المختلفة.
وإذا كنت لا أعلم من أخباره الآن شيئا، فإنني أشكره على ما بذله في سبيل تحبيب الأدب إلي، وأدعو الله تعالى أن يبارك في عمره إن كان حيا، أو أن يتغمده بواسع رحمته إن كان بجوار ربه، فقد كان مثالا للمدرس الناجح الذي يؤثر إيجابا في طلابه ويدفعهم إلى الإقتداء به.
أما الأستاذة (مادام دوفيناج) فقد فتحت لنا أفقا واسعا في تعلم اللغة الفرنسية، ورغم حماقاتنا الكثيرة في حصة تدريسها، وسلسلة العقوبات التي كبلتنا بها، إلا أنني أعترف باستفادتي العظيمة من دروسها؛ فخلال سنة 1985 استرجعت كثيرا من قواعد هذه اللغة كما تعلمناها من السيد (فيرن) في المرحلة المتوسطة، بل أكثر من ذلك أصبحتُ مع شلة من الزملاء نتجرأ على الكتابة باللغة الفرنسية بغض النظر عن مستوى تلك الكتابة بالمنظور الصارم. فقد كنا نلعب دور الكتاب المتمرسين بتناول قضايا أكبر منا، ونوقعها في الأسفل بأسمائنا، وكأننا أدباء معروفون مشهورون، وكل ما في الأمر أن الواحد منا كان يكتب مقالا باللغة العربية ثم يغرق في القواميس ساعات ليجد مقابل ما كتب باللغة الفرنسية مع شيء من القدرة على الربط والتعبير، فنحصل على ما يشبه مقالا من رآه شكلا يحسب أنه لكاتب فرنسي كبير، ومن تأمله يتأكد أنه لتلميذ غر يبحث عن إنجاز بإمكانات بسيطة.. غير أن الأستاذة كانت تدرك تخابثنا فتنظرَ إلينا نظرات مفادها أن تواضعوا فما أنتم إلا أقزام في عالم الكتابة بهذه اللغة الأجنبية..
لكن ملاحظاتها على أوراقنا كانت مشجعة جدا.. فبعد أن تصحح أخطاءنا تكتب ملاحظات من قبيل: أنت تبالغ كثيرا.. أو : هل كتبت هذا المقال بنفسك؟ أو شيئا من ذلك ، وكنا نسعد نحن بهذا لاعتقادنا أن الأستاذة معجبة بما نكتب..
ومهما يكن من أمرها فقد كانت مدرسة غاية في الإخلاص، تبذل ما في وسعها في سبيل إيصال الدرس إلى أذهاننا، وذلك مما لا يخفى على الطالب حتى وهو في مراحل تعليمه الأولى.
وإذا التفتنا إلى النموذج الثالث وجدناه ممثلا في الأستاذة أم خليفة دحو، الأستاذة التي حببت إلينا التاريخ الحديث بكل مآسيه وإنجازاته.. كانت حينذاك في عز شبابها، نشيطة دءوب يهمها أن يصل الدرس إلى أكبر عدد من التلاميذ. أذكر أن مشكلتي عندها التي طالما سجلتها على أوراق امتحاناتي هي ميلي الواضح إلى التعبير الأدبي في مادة تحتاج إلى اللغة المباشرة والبسيطة.. كنت أسرح بخيالي في تاريخ البشرية الحديث وكأنني أريد صنع عالم خاص بي فيه بعض الشبه بالعالم الحقيقي ولكنه لا يطابقه. أو بعبارة أخرى كانت ذاتيتي فيما أعبر عنه من أحداث ومعاهدات طاغية إلى الحد الذي يجعل الموضوع أشبه بخواطر منه إلى المقال التاريخي، ما تطلب مني جهدا كبيرا للتغلب على هذا المشكل.
أذكر أنها رشحتني مرة لمسابقة ولائية عن القسم الذي كنت أنتمي إليه، في موضوع بالغ الأهمية يتعلق بالتنمية في العالم الثالث.. كان ذلك تحديا بالنسبة لي، لأن الفوز بإحدى الجوائز الثلاث كان في الحقيقة انتصارا لاختيارها، بذلت جهدي لتحقيقه مؤمنا بأنني أستطيع الوصول إلى ما أريده وتريده، وفي النهاية كان لنا ما أردنا .. حصلت على الجائزة الثانية وهي ليست سيئة على كل حال.. أذكر أنها قالت لي بشيء من اللوم اللطيف:" لو أنك وظفت أسلوبا مباشرا في كل البحث لكنت جديرا بالمرتبة الأولى". وبما أنها كانت أول مسابقة أخوضها في حياتي الدراسية فقد سعدت لهذا النجاح.. غير أنني لا أذكر إن كنت شكرتها على ثقتها في اختياري أم لا.
كانت الأستاذة أم خليفة أقرب إلينا.. كأنها أختنا.. أذكر أنها كانت تستشير أحدنا أحيانا في أمور يعتقد أن الأستاذ لا يستشير فيها تلميذا في صفه، كأن يكون سؤالا عن مناسبة حجم النص المختار للتدريب، أو الواجب المنزلي مثلا ، وكنا نشعر في وقتها أنها تحاول تقليل الفارق الذي يفصل بين الأستاذ في (عالمه العلوي) وبين التلميذ في (وضعه السفلي المحدود)، فجزاها الله خيرا على ما بذلته من أجلنا في مرحلة كنا أحوج ما نكون للتوجيه الصحيح والمعاملة الطيبة.
هذه مجموعة نماذج أحببت أن أخصص لها حديثا، ومن المؤكد أن ثمة نماذج أخرى مثلها في الفضل والإخلاص، وربما أفضل منها عند غيرنا من الطلاب، لكنني أردت بذلك أن أنقل إحساس طالب وهو في مقاعد الدرس تجاه من تداولوا على تعليمه، خصوصا وأننا أصبحنا أساتذة في مثل مستواهم الدراسي أو أعلى من ذلك، وأصبحنا نتعامل مع الطلبة كما تعامل أساتذتنا معنا.. وبما أنني لا أعرف عن أغلبهم الآن الشيء الكثير فإنني لا أملك إلا أن أكرر دعائي لهم بحسن الجزاء والأجر، والفوز برضا الله الذي أخلصوا عملهم لوجهه الكريم، وأن يكونوا ممن قال فيهم المولى عز وجل( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).
د. رمضان حينوني
مخبر الموروث العلمي والثقافي لمنطقة تمنراست
المركز الجامعي لتامنغست/ الجزائر
ramdanne@gmail.com
مقدمة:
يشكل المخطوط عند كل أمة تراثا علميا وثقافيا يحافظ عليه بشتى الطرق الممكنة سواء أكان أصليا قديما أو منسوخا عن النسخة الأصلية لما له من قيمة في تثمين جهود القدماء في التأليف، ولما يحتويه من مادة صالحة للنظر والدراسة. الأمر الذي جعل المخطوط يحظى بمكتبات خاصة بل وبمعاهد ومختبرات تهتم به وتكشف عن كنوزه في مجالات مختلفة.
ولقد رأينا كيف استغل المستشرقون المخطوطات العربية القديمة في شتى العلوم ودرسوها واستفادوا منها، فكانت جزءا من أسباب نهضتهم العلمية والفكرية، في الوقت الذي كان فيه العرب المسلمون يصارعون الظروف الصعبة للخروج من التخلف والاستعمار وصنوف المعاناة التي جعلتهم يستيقظون على واقع مأساوي في بداية القرن العشرين.
وفي الجزائر، لا نكاد نجد مدينة أو قرية تخلو من مخطوطات، وخصوصا في الأماكن التي شهدت نشاطا علميا وعرفت بمساجد عريقة أو زوايا أو مدارس وجامعات عتيقة. وعلى الرغم من أن مدينة تمنراست ليست حاضرة علمية، إلا أنها كانت نقطة عبور للعلماء والفقهاء بين إفريقيا وتوات وشمال الجزائر، وكان من آثار ذلك وجود عدد من المخطوطات تتمحور في أغلبها حول العلوم الدينية والنحو العربي، ونجدها خاصة في خزانات بعض البيوت التي ورثتها عن القدماء، كما تتميز بكونها منجزا عربيا إفريقيا، شاهدا على الحركة العلمية التي ربطت بين منطقة توات في الجنوب الغربي والصحراء الكبرى وحواضرها العلمية التاريخية..
لكن الملاحظ أن المخطوط بها يتعرض لمجموعة من العوامل التي قد تؤدي إلى اندثاره قبل أن يصل إلى أيدي الدارسين لتحقيقه والاستفادة منه، لأن معاملة المخطوط على أنه عملة نادرة يغلق عليها الأبواب ويمنع الاقتراب منه، حول صورته من كونه حاملا للعلم والمعرفة إلى كونه شيئا للذكرى والماضي فقط، وهنا تكمن المشكلة.
والإشكالية التي نحاول معالجتها في هذه الورقة تتلخص في الأسئلة الآتية:
- هل تنفصل وضعية المخطوط في منطقة تمنراست عن وضعية الكتاب عموما من حيث التلقي والمقروئية في ظل ما تشهده الساحة الثقافية من سيطرة للوسائل السمعية البصرية؟
- وفي المجال البحثي، هل يمكن تحميل مالكي المخطوطات مسؤولية إهماله من خلال منع المتلقي من الوصول إليه، أم أن المتلقي أو الباحث المحلي هو الذي لا يسعى إليها ولا يملك الإرادة الموصلة إلى تحصيله وتحقيقه في ظل تراجع هذا العمل العلمي أمام الاشتغال على الوثائق الحديثة؟
صورة الكتاب في الواقع الثقافي الحالي:
لا نستطيع الحديث عن وضعية المخطوط في منطقة تمنراست بمعزل عن وضعية الكتاب عموما من حيث نسبة وطبيعة الاستهلاك عند فئة المتعلمين والمثقفين، فالكتاب يعاني تهميشا واضحا في ظل ترتيبه في آخر الأولويات. ولقد كانت هذه الوضعية الأليمة طبيعية ومفهومة في العقود الأولى من الاستقلال بحكم انتشار الأمية التي خلفها الاحتلال الفرنسي داخل المجتمع، لكن بعد أن انتشر التعليم ودُعم الكتاب لفترة طويلة وسُهل وصوله إلى أنحاء البلاد المختلفة، لوحظ إقبال محتشم مقارنة مع ما كان يجب أن يكون عليه الحال في بلد يسعى إلى نهضة علمية يعوض بها ما حدث في فترة الاحتلال الطويلة والمؤلمة من تجهيل وقضاء على مقومات الأمة علميا وثقافيا.
ولقد حاولت دراسات عدة الوقوف على أسباب ضعف المقروئية عند الإنسان الجزائري يمكن تلخيصها في الآتي:
- ضعف قدرة الفرد الجزائري الشرائية، وكثرة المستحقات التي يلتزم بها مثل الفواتير والضرائب والديون وغيرها، ما يجعل ثمن الكتاب يبدو باهظا، خصوصا بعد أن رفع الدعم عن استهلاك الكتاب؛ فكتاب واحد بسعر 1000 دينار جزائري قد يشكل نسبة خمسة إلى عشرة بالمئة من الدخل الشهري لكثير من شرائح المجتمع ، ما يثنيها عن شرائه بشكل منتظم.
- بقاء نسبة الأمية التي تضرب المجتمع عالية مقارنة مع المجتمعات المماثلة التي تخلصت سريعا منها وانتقلت إلى مرحلة التنمية؛ وخصوصا في الجنوب والمناطق النائية التي لم تستطع التخلص من بساطة العيش والتقوقع على التقاليد الموروثة.
- محدودية الدور الذي تؤديه دور النشر الجزائرية في توفير الكتاب العلمي الذي يهتم بالفكر والعلوم والثقافة، إذ ما يزال الاهتمام منصبا على الكتب المدرسية والكتب التجارية أكثر من غيرها، وهي كتب مناسباتية أو إشهارية تجارية لا ترسخ الأفكار ولا تستطيع أن تؤثر في بنية المجتمع الفكرية.
- ضعف ثقافة الكتاب أمام الميل إلى اقتناء المستلزمات الحديثة والأجهزة التي توفرها التكنلوجيا عالية الدقة، والمواد الإلكترومنزلية التي حولت البيوت إلى قصور، بينما يقبع الكتاب إن وجد في رف كعنصر من عناصر الزينة، لا كسلطان يؤثر ويوجه ويبني العقل والروح.
يضاف إلى ما سلف ذكره من أسباب ضعف الإقبال على الكتاب اعتماد كثير من المتعلمين والمثقفين على وسائط التواصل الإلكترونية التي غزت البيوت ومراكز العمل والبحث. ويمكن ألا يكون ذلك سلبيا إذا كان مرتبطا بقراءة جادة للمحتويات التي تفرغ في المواقع الإلكترونية المختلفة ومراكز التحميل والمكتبات الإلكترونية. لكن الملحوظ عند كثير من مستعملي الإنترنيت أن التعامل مع تلك الوسائط لا يعدو أن يكون استعمالا بغرض المعرفة العامة أو الاقتطاع المعرفي من أجل إنجاز دراسات أو بحوث سطحية أو ذات نتائج محدودة.
ولقد تأثر المخطوط كما تأثر التراث الشعبي وهما متقاربان من حيث ارتباطهما بالماضي والعناية الفردية بهذا الانتشار الواسع لوسائط الاتصال، من تلفزيون وانترنيت وغيرهما، خصوصا من ناحية إبعادهما عن بؤرة الاهتمام العلمي لصالح الصورة الحديثة ومعطيات الواقع الشاخصة للعيان، ذلك أن " المعطى الفني القولي الذي تقدمه هذه الأجهزة يزيح الموروث الشعبي الشاهد المتوارث تماما ليحل محله قائما بوظيفة في التعبير والإمتاع معا، ويساعد على هذه ما لهذه الوسائل من طبيعة جماهيرية، أي إنها تتم عن طريق الاتصال بالمجاميع لا بالأفراد، عكس الكتاب الذي هو وسيلة فردية في التلقي والعطاء."[1]
وعلى العموم، علينا أن نتصور أن الحداثة ومقتضياتها تقودنا يوما بعد يوم إلى الابتعاد عن إرث الأجداد، فإذا كان الزمن يفعل ذلك طبيعيا، فإن الحداثة تسرع الوتيرة، وتربطنا أكثر بالآني الجاهز أكثر مما تشجعنا على العودة إلى الوراء والتأمل في بعض ما خلفته الأجيال من علم أو فكر أو فن. إن تحول العالم اليوم إلى قرية صغيرة تتداخل فيها الثقافات وتتوحد فيها كثير من الرؤى الفكرية يشكل مصدر" الخطورة على الذاتية الثقافية للشعوب بعامة، ولنا كشعوب عربية بوجه خاص"[2]، إذ يجعلنا نوجه اهتمامنا أكثر إلى العالمي بدل المحلي، وإلى الموحد بدل المختلف، وإلى الجديد بدل القديم، بضغط من منطلق التفوق الذي هو ناتج أساسي للهيمنة الغربية على العالم.
المخطوط التراثي في تمنراست:
لقد كان الهقار معبرا للحركة العلمية بين حواضر الشمال وحواضر جنوب الصحراء، خاصة حاضرتي تمبكتو وجنى، واستفاد من حركة الكتب وال مخطوطات التي بقي جزء منها عند بعض الأسر تتوارثه كنزا علميا شاهدا على اهتمام أهل المنطقة بالعلم. ففي شمال الهقار كانت توات مركزا علميا هاما، تعج بالأحداث والحركة على أصعدة شتى، فسايرتها حركة علمية غاية في النشاط، فقد ظهر بها الشيخ محمد المغيلي التلمساني فلعب دورا أساسيا في نهوض التعليم والفقه والقضاء، كما ظهر بها الكنتيون الذين ملأت مؤلفاتهم آفاق المنطقة، وعرفوا في حقول التعليم ونشر اللغة العربية والتأليف في العديد من المصنفات اللغوية والفقهية والأدبية.
ويعد الشيخ المختار الكبير الكنتي، ومحمد بن بادي الكنتي، والشيخ محمد باي بن عمر الكنتي، أكثر وأشهر من ترك مخطوطات عدت من المراجع الهامة لطلاب العلم، ودلت على اجتهادهم وإخلاصهم لدينهم ولثقافتهم الإسلامية. وفيما يأتي نماذج من مخطوطات هؤلاء الثلاثة على سبيل المثال لا الحصر:
- المختار الكبير وهو أكثرهم تأليفا على الإطلاق، وله شرح (سورة الفاتحة) و (البرد الموشى في قطع المطامع والرشى) و( فقه الاعيان في معرفة حقائق القرآن والسنة) و( الجرعة الصافية في النفحة الكافية) و( كشف الشبهات) و( جذوة الأنوار السلم ا|لأسنى إلى معرفة أسماء الله الحسنى)، وغير ذلك كثير.
- محمد بن بادي الكنتي وهو غزير الإنتاج كذلك، وله:(النوازل) و(منظومة زينة الفتيان) و (كتاب الشموع الطوالع) و (مصلح الدارين) و(نظم مختصر خليل) و (حقائق الارشاد والتنبيه على فساد العقد قبل الحكم بفسخ المختلف فيه) و(البدع المفيد في أحكام قواعد الدين الأكيد)، وسواها.
- الشيخ محمد باي بن عمر الكنتي وله: (النوازل) و (شرح الأحاديث المقرية) و (شرح مبطلات خليل) و (قواعد الدين الخمس)، وأخرى.
وعلى الرغم من أن ثلاثمائة وتسعة عشر(319) مخطوطا التي يحصيها دليل المخطوطات الذي أعدته مديرية الشؤون الدينية لولاية تمنراست[3] ليست بالعدد الكبير مقارنة بخزائن المخطوطات في مناطق أخرى، إلا أنه عدد كاف لينتج دراسات وتحقيقات تستخرج كنوزه، وتظهر علومه إلى الطلاب والدارسين والمهتمين بحقوله المعرفية، لو يجد من يقوم بهذه المهمة النبيلة؛ فالمخطوط ليس كتابا قديما نتباهى باقتنائه فقط، بل هو إرث الأجداد العلمي إلى الأبناء، وعليهم مسؤولية نشره ودراسته.
تختلف المخطوطات في الخزائن السالفة الذكر في حجومها ومجالاتها وقدم كتابتها، ونوضح ذلك في الملاحظات الآتية:
- وجود نسبة كبيرة من المخطوطات تعود إلى مؤلفين كنتيين في الفقه والحديث ومجالات أخرى، مما يدل على نشاط علماء هذه القبيلة في التأليف والتدريس ونشر العلم، ولا غرابة في ذلك خاصة أنهم انتشروا في الأمصار واختلطوا بالعلماء من حواضر أخرى، فظهر فيهم أمثال الشيخ المختار الكنتي، كبير علماء كنتة.
- جميع هذه المخطوطات، مع استثناءات قليلة جدا ، تصب في المجال الديني بفروعه المختلفة، أما ما يبدو مجالا مستقلا فمرتبط بالمجال الديني الأوسع أيضا ،كالتاريخ والنحو والرسائل. فالتاريخ مثلا في مخطوطاتهم مخصص في أغلبه لسير الرسول صلى الله عليه وسلم، وسير شيوخ العلم وشيوخ الزوايا، أما النحو فلا تخفى أهميته في العلوم الدينية لأن فهمها يتطلب التحكم في هذا العلم لتفادي الزلل في التفاسير والأحكام وغيرها. وأما الرسائل فهي إما نصائح موجهة إلى أفراد أو قبائل لإصلاح أمور المعاش والمعاد، وإما رسائل فقهية تعتمد البسط والتدليل والتحليل. وبهذا يكاد يكون العلم والتأليف في هذه الرقعة الجغرافية التي حددنا دينيا خالصا، لارتباطه ببيئة قدمته على سائر العلوم منذ الفتوح الإسلامية لبلاد المغرب.
- تتضمن المخطوطات في خزائن تمنراست عددا من المخطوطات المشرقية الشهيرة، وهذا دليل على أن الحركة التأليفية في هذه المنطقة كان لها ارتباط بالعلوم التي أتت من المشرق عبر القوافل التجارية، مع بعض إضافة خاصة بالمذهب المالكي الذي اعتمد في المغرب العربي على نطاق كبير.
- إن نسبة هامة من هذه المخطوطات قد تم إعادة نسخها بالطريقة التي كتبت بها، لأن كثرة تداولها، والاعتماد الكلي عليها في التعلم والتعليم كان يعرضها باستمرار لتلف أجزاء منها؛ بل إنه من المألوف الآن أن تجد افتقادا لورقات أو لجزء من هذا الكتاب أو ذاك، فيضطر الباحث إلى البحث عنها في نسخ أخرى قد تكون في صحاري النيجر ومالي، كما حدث بالنسبة لكتاب السنن المبين لباي الكنتي مثالا.
إشكالية تلقي المخطوط في تمنراست:
لقد كان المستشرقون وعلماء العرب أول من التفت إلى التراث العربي المخطوط، فقد حصلوا عليه بطرق عدة بغرض الاطلاع على الفكر العربي ومن ثم دراسته وتسخيره إما للنيل منه أو للاستفادة من رصيده المعرفي خصوصا في التخصصات العلمية. وفي عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بدأ اهتمام بعض العرب والمسلمين بالمخطوطات التي وجدوها في بلدانهم أو وجدوها في مراكز البحث الأوروبية، فشيدت بعض مراكز تحقيق المخطوطات في مناطق مختلفة من العالم العربي والإسلامي.
أما في الجزائر، فلم تكن الحال مختلفة، فقد بدأ الاهتمام بالمخطوطات بعد الاستقلال مباشرة، فقام الديوان الوطني للمخطوطات، والمكتبة الوطنية بدور مهم في إحصاء المخطوطات الجزائرية والحفاظ عليها وإتاحتها للدارسين. أما على مستوى الجامعات، فقد لوحظ توجه كثير من الأبحاث إلى المخطوطات وخصوصا في العلوم الإنسانية والدينية تحديدا، ولقد تجسد ذلك في تشكل مخابر البحث التي تعنى بالمخطوط نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: مخبر المخطوطات الجزائرية بغرب إفريقيا في جامعة أدرار، ومخبر المخطوطات في الجلفة، مخبر دراسة الموروث العلمي الثقافي لمنطقة تمنراست بالمركز الجامعي لتمنراست، الذي يحاول رغم حداثته أن يولي المخطوطات المحلية شيئا من العناية من خلال الفرق البحثية التي تشكلت في إطاره.
بيد أن المخطوطات في تمنراست وضواحيها تعاني من مشكلة في التلقي لأسباب عديدة، ذلك أن أول ما يلفت الانتباه هو النظر إليها بوصفها تراثا شعبيا، أي أنها جزء من التاريخ وما خلفته يد الإنسان مثلها مثل الأدوات المادية التي يحتويها متحف أو قاعة عرض، وهذا خطأ كبير؛ أولا لأنها تراث غير مادي، وثانيا لأنها تحمل فكرا وعلما خصوصا تلك التي ألفها علماء وفقهاء المنطقة. ومن حق الأجيال المتعاقبة أن تستفيد منها وتهتم بها اعترافا بصنيع علمائنا وفقهائنا الذين أناروا دروب الجهل التي كانت مخيمة على المنطقة في فترات معينة.
وقد نتج عن هذه الوضعية صعوبة الحصول هذه المخطوطات التي تتوزع على مناطق متفرقة من ولاية تمنراست، لأن أصحابها خوفا من ضياعها يمنعونها عن كثير من طالبيها، أو طالبي تصويرها للاشتغال عليها، فقيمتها التاريخية– عند بعضهم – تفوق قيمتها العلمية أحيانا[4]، وبهذا حرم الدارسون من عدد لا بأس به من المخطوطات التي لا نجدها في المركز الوطني للمخطوطات، أو مديريات الثقافة أو المكتبة الوطنية وهي التي تحصي مجتمعة ما مجموعه بحسب التقديرات خمسة وثلاثين (35) ألف مخطوط[5]، في الوقت الذي تقدر فيه بعض المصادر أن يكون العدد الإجمالي للمخطوطات أكبر بكثير نتيجة لعدم رغبة مالكيها في تسجيلها أو تمكين المهتمين بها من الاطلاع عليها.
لكن اللوم لا يوجه إلى أصحاب خزائن المخطوط فقط، بل إلى الدارسين وطلبة العلم ممن يعرضون عن المخطوط بحجة صعوبة التعامل معه وقلة الإمكانات التي تساعد في تحقيقه؛ إضافة إلى التوجه إلى الكتب المطبوعة الجاهزة لإعداد البحوث الجامعية، حتى وإن كانت في كثير منها تكرارا لبحوث سابقة. فالأستاذ الجامعي الذي يدخل المخطوط المحلي في دائرة اختصاصه أو مادته التي يشتغل عليها لا يوجه الطلبة إلى البحث في المخطوطات المحلية، على الرغم من توجيهه إياهم إلى بعض الموضوعات الشعبية التي تدخل في إطار التراث.
غير أن الموضوعية تقتضي منا أن ننبه إلى أن المجال البحثي على مستوى المركز الجامعي لتامنغست مثلا حديث وضيق، فهذه المؤسسة الجامعية وإن كان مطلوبا منها أن تؤدي الدور الأهم في الحفاظ على تراث وعلوم المنطقة وخاصة المخطوطات المتواجدة على مقربة منها، فهي صغيرة من حيث هياكلها وتخصصاتها، كما أن انطلاقة مسار البحث فيها حديث جدا مقارنة بالجامعات الكبرى، وبخاصة في مرحلة الدراسات العليا. غير أن ذلك ليس مبررا للطلبة والدارسين من خارج الولاية للتقاعس عن طلب هذه المخطوطات والاستفادة منها لمن تدخل في مجال اختصاصه.
من جهة أخرى يسجل غياب إرادة مجتمعية تعمل في مجال التحسيس بأهمية المخطوطات والعناية بها، ويدخل في هذا الإطار القيام بحملة تهدف إلى توعية ورثة المخطوطات بضرورة تقديمها إلى جهات تعمل على العناية بها. فالظروف التي يخزن فيها المخطوط في كثير من خزائن المنطقة سيئة جدا وبدائية، تؤدي في وقت ما إلى اندثاره نتيجة للعوامل الطبيعية من حرارة وفيضانات وتواجد الحشرات الآكلة للورق وغيرها، في حين تطلعنا الدراسات الحديثة على أن مخابر خاصة بالمخطوط بمقدورها ترميمه والحفاظ على مادته. ويمكن لوزارة الثقافة أو وزارة الشؤون الدينية والأوقاف أو وزارة التعليم العالي أن تلعب دورا حاسما في هذا الأمر بحكم علاقة المخطوط بمجالاتها ومصالحها؛ فالأولى بحكم اهتمامها بكل ما هو مثقف أو يحمل قيمة ثقافية وتاريخية، والثانية بحكم كون عدد كبير من المخطوطات ذات اهتمام بالذين في مجالاته المختلفة من فقه وفتوى وتفسير وحديث وغيرها، أما الثالثة فلكونها حاملة لواء البحث العلمي والقادرة على تنظيمه وتأطيره، إضافة إلى ما يمكن أن تقدمه الجمعيات الثقافية من عون في هذا المجال لقربها من المواطن.
خاتمة:
ما من شك في أن وضعية المخطوط في أقصى الجنوب الجزائري لم تواكب بعد ما استجد من وسائل الحفاظ عليه، فهو عرضة للإهمال والضياع إذا لم يجد من ينقذه من هذا المصير السيء بالنسبة لتراث نفيس ذي قيمة علمية وثقافية، ولا يكون ذلك إلا من أهله أولا ثم من المهتمين بدراسته وتحقيقه وإخراجه من بين جدران النسيان. فحين يخرج المخطوط إلى النور، يكون قد حقق جدواه وأكد حياته، إذ لا حياة لما يعزل عن التناول، ويبعد عن النظر في محتواه، ويحرم من التعرف إليه وإلى ما قدمه كتابه ومؤلفوه من الجهود العلمية التي يحتاج إلى كثير منها رغم انتشار الكتاب الحديث المطبوع.
فالتلقي هو الذي يضمن للمخطوط بقاءه ويكشف عن قيمته، كما أنه دليل التواصل بين الأجيال التي يعترف من خلالها اللاحق للسابق بالسبق والفضل. على أن التلقي لا نعني به الدراسة الأكاديمية فقط، بل نريد به الاطلاع أيضا؛ لهذا يمكن لتصوير المخطوطات على نطاق واسع أن يسمح للمطلع بقراءته، سواء تعلق الأمر بالنسخ الورقي أو الإلكتروني، كأن تكون صورة لمخطوط معين في كل مرفق مطالعة كالمكتبة العمومية، ومكتبة دار الثقافة ومكتبة الثانوية أو الكلية أو الجامعة، وما إليها من أماكن احتكاك القارئ بالكتاب.
على أنه لا ينبغي إغفال وجود جهود تبذل في سبيل النهوض بالمخطوط في أماكن عدة من الوطن، لكنها غير كافية بالنسبة لمنتوج يتعرض للنسيان بوتيرة سريعة جدا أمام الهجمة الهائلة للمعرفة البديلة. فالهدف الذي يراد الوصول إليه هو أن يكون لكل مخطوط نسخة مطبوعة، ولكل مخطوط تحقيق يظهر مادته ويكشف عما فيه من الإشارات والدلالات، لعلنا بذلك نعيد الاعتبار لكتابنا وعلمائنا الذين عاشوا قبل انتشار الطباعة وصناعة الكتاب، ولعلنا نجد في علمهم ما يصلح للدراسة والمقارنة والتمحيص.
هوامش:
[1] فاروق خورشيد. قضايا شعبية. 46 . مكتبة الثقافة الدينية- القاهرة . ط1 . 2003.
[2] المرجع نفسه. 73
[3] دليل المخطوطات الخاص بمنطقتي الأهقار والتدكيلت في نسخة غير مطبوعة رسميا أنجزت في أوت 2005.
[4] ومع ذلك فإنه يلتمس لهم العذر، لأن كثيرا من المخطوطات ضاعت من أصحابها ولم تر النور بعد ذلك لا مخطوطة ولا مطبوعة أو محققة.
[5] ينظر: استطلاعا قامت به صحيقة الفجر بعنوان" المخطوطات في الجزائر.. كنوز بلا حراس" على الرابط http://www.al-fadjr.com/ar/index.php?news=182258%3Fprint
د. رمضان حينوني
مخبر الموروث العلمي والثقافي لمنطقة تمنراست
المركز الجامعي لتامنغست (cu1101)
يحز في نفس كل معلم ومرب وأستاذ، وهو يتعامل مع طلبته في مختلف المراحل الدراسية أن يجد اللغة العربية في معاناة دائمة على ألسنتهم ودفاترهم. ويحز في النفس أكثر رؤية الشعوب الأخرى التي تحترم نفسها تكافح وتبذل الغالي والنفيس في سبيل رقي لغاتها، بينما يبدو الإهمال قاعدة أساسية عندما يتعلق الأمر بلغة الضاد، على الرغم من كونها لغة القرآن، وفيها من المزايا ما تفتقر إليه كثير من اللغات التي تسمى حية.
وعندما نتحدث عن واقع اللغة العربية في نظام ( ل.م.د )، فإن أول ملاحظة تخطر للذهن هي أن هذا النظام البيداغوجي الجديد هو القطرة التي أفاضت الكأس، فاللغة العربية - نطقا وكتابة - لم تكن بخير حتى قبل اعتماد هذا النظام، الأمر الذي يدفعنا إلى القول : إن الخلل في هذه القضية يعود إلى اتحاد جملة من الأسباب والعوامل، وليس إلى عامل منفرد. وفي كل الأحوال علينا أن ننتبه إلى العامل الأكبر منها وهو انعدام الحس اللغوي المسئول لدى شريحة واسعة من العرب أو المعربين، ترفع التحدي وتعيد إلى هذه اللغة الرفيعة شيئا من هيبتها.
لا نستطيع بحال إنكار الصعوبات التي اعترضت مسار تعميم اللغة العربية في الجزائر منذ الاستقلال، فلقد ورثت وضعا سيئا على مستوى التعليم عموما، ذلك أن عهدا طويلا من الاحتلال الفرنسي، بكل ما حمل من إقصاء للغة العربية وقضاء على الجهود المبذولة في سبيل بقائها واستمراريتها، وانتهاج كل السياسات التي تحول دون انتشارها، من استهداف لرموزها، و غلق المدارس، خاصة تلك التي أنشأتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والتي بدا واضحا أن الإقبال عليها من الطلبة كان واسعا جدا، ومنع المدرسين عن تلقينها إلا بمراقبة فرنسية، وعلى نطاق محدود، ولم تكتف فرنسا بذلك بل لجأت إلى وسيلة غاية في الهمجية، من خلال هدم المؤسسات الدينية والثقافية، و حرمان الجزائري الذي كان يحظى بقدر وافر من التعليم قبل الاحتلال من مصادر الوعي والمعرفة. و من الغريب أن نجد الفرنسيين أنفسهم يعترفون أن نسبة الأمية في الوسط الجزائري قبل الاحتلال كانت ضعيفة جدا فالجنرال "فاليزي" في العام 1834 يقر بأن وضعية التعليم في الجزائر كانت جيدة قبل التواجد الفرنسي، إذ إن كل العرب (الجزائريين) تقريبا يعرفون القراءة والكتابة، بفضل انتشار المدارس في أغلبية القرى والدواوير. " (1)
أما نتيجة ذلك فكانت حصولنا على ثلاث فئات تكون المجتمع الجزائري لغويا وثقافيا: الأولى فئة أمية تفوق نسبتها النصف بكثير من جميع أعمار وشرائح المجتمع، والثانية فئة مفرنسة تكونت في المدرسة الفرنسية مخيرة أو مجبرة، و الثالثة فئة معربة تكونت في المدارس الدينية أو المدنية داخل أو خارج الوطن. وإذا نظرنا إلى هذا التقسيم بعين فاحصة، وجدنا أن التعامل باللغة العربية بعد الاستقلال كان قليلا وضعيفا، ليس فقط لأن الفئة المعربة كانت قليلة العدد، بل أيضا لأنها فئة لم يكتب لها أن تكون في مراكز القرار في البلاد، لتعمل على تشجيع اللغة وانطلاقتها بالقوانين خاصة، لأن التعليم كغيره من حقول الخدمة العامة في حاجة إلى سياسة قوية تدعمه وتعمل على تطويره وتوجيهه.
كل ذلك لا بد أن ينعكس سلبا على مسارها، ويمنع من أن تتبوأ المكانة الطبيعية بين أهلها والناطقين بها. لذلك كان على الجزائر أن تبدأ في بإنشاء البنية التحتية للتعليم العربي من جديد، فجاء قانون التعريب ليكون الإطار لهذا المسعى على أمل أن تستعيد الجزائر جانبا مهما من هويتها الثقافية والحضارية.
غير أنه لا ننكر أيضا أن الجهود التي بذلت في هذا المجال لم يكتب لها أن تتواصل بالشكل الذي يحقق الأهداف التي رامتها الجزائر المستقلة. فالتحجج بالتاريخ المرير كان معقولا في مرحلة سابقة، أما ونحن في بداية الألفية الثالثة، فليس مقبولا أن نترك اللغة العربية للعشوائية والمخططات الفاشلة.
وطبيعي أن تشكل المدرسة القاعدة الأساسية لكل انطلاقة في اتجاه تحقيق اللغة العربية لوجودها وازدهارها، ولطالما وجهت الانتقادات صوب المناهج والمخططات التي اعتمدت منذ الثمانينات من القرن الماضي، والتي لم تستطع – رغم حملات الإشهار المركزة على إيجابياتها- أن تعالج الأمر، وظل منطق التجارب المؤقتة تؤرق المعلم والمتعلم على حد سواء، وتجعل كلا منها يكشف قصور الآخر على قاعدة [كلما جاءت أمة لعنت أختها] ! وهكذا انتقلنا من نظام دراسي إلى آخر، ومن منهاج إلى منهاج نبحث في كل منها عن عصا سحرية تحقق لنا القفزة التعليمية التي نرومها، بينما الخلل والعيب يعتري كل ذلك من خلال الممارسات العملية للتدريس، أو إسقاط المنهاج على البيئة العربية دون مراعاة الفروق والخصائص التي تمنع إنبات نظام تعليمي في غير بيئة قادرة على احتماله أو التكيف معه.
بيد أن الإنصاف والموضوعية تدعوان الدارس لهذا الوضع اللغوي المتدهور أن ينظر بعين النقد إلى الجوانب المتعددة المسببة له، ذلك أن بونا شاسعا يبدو بين النظرية والتطبيق ؛ فمنهج التدريس قد يطرح حلولا نظرية جيدة، لكنه يصطدم بالممارسة القاصرة أو الخاطئة، وعندئذ تراوح الأمور مكانها، ويشعر الباحث في شئون التعليم أن النتائج المرجوة لم تتحقق كما أريد لها، أو أنها تسير نحو طريق مسدود. وهذه الممارسة من الخطأ أن نلحقها بالطالب وحده أو بالأستاذ وحده أو بالمناهج التدريسية وحدها؛ فعوامل الإخفاق عادة ما تتضافر مجتمعة، دون أن نغفل عاملا رابعا مهما هو الفكر السائد في المجتمع، ونظرته إلى التعليم في ظل العولمة أو النظام العالمي الجديد.
وإذا ركزنا على حال اللغة العربية في الجامعة، فإننا واجدون جملة من الحقائق تستوقف أي دارس بل أي ملاحظ يطرح السؤال حول ما يجري للغة العربية من تدهور، ويمكننا أن نعرض منها ما يأتي :
- لا استعمال للغة العربية بين الطلبة إلا في الأقسام الدراسية، وبنسب متفاوتة حتى في هذا المجال الضيق. فالمواد المدرسة باللغة العربية لا تلقى كلها باللغة الفصحى حتى المبسطة منها، بل يلجأ الأستاذ بحجة تقريب الفكرة إلى الدارجة، التي هي وسيلة التخاطب الوحيدة تقريبا في أروقة الجامعة بين الطلاب فيما بينهم، وبين الأساتذة فيما بينهم، وبين الأساتذة وطلابهم. أما الطالب فبدوره لا يمارس تخصصه إلا داخل قاعات التدريس، فيعرض طلاب العلم ورواد الثقافة بذلك عن العناية بلغتهم الوطنية،ولا يخصصون أوقات كافية للاهتمام بها وإظهار مكانتها ودورها المهم في توحيد الأمة وتطوير فكرها.
- مخالفة نظام التوجيه لكثير من رغبات الطلاب وميولاتهم الذاتية، وينجر عنه أن فئة من الطلاب تضطر إلى الدراسة في شعب أكرهوا عليها، وبالتالي فهم عاجزون عن تقديم أي إنجاز فيها. وفي هذا الإطار نجد كثيرا من الطلاب المتميزين في اللغة العربية وما يرتبط بها يوجهون إلى مواد علمية أو تقنية، وقد تكون الدروس فيها باللغة الأجنبية، لمجرد أن معدلاتهم عالية، بينما يوجه آخرون من المستويات المتوسطة إلى الآداب واللغة العربية، فلا يحققون في النهاية غير شهادة التخرج إن وصلوا إليها، بينما هم عالة على هذه اللغة، بمستواهم المتدني.
- ازدواجية اللغة في المجتمع الجزائري نتيجة لازدواجية الثقافة كرست انفصالا بين فئتين احتكمتا أخيرا إلى الدارجة قاسما مشتركا، على مستوى النطق والتداول، بل إن الازدواجية اللغوية تصاحب الطالب أينما ذهب، في البيت والشارع والمحال التجارية والجامعة، وفي وسائل الإعلام. ما يؤدي في النهاية إلى ما يسميه البعض " انفصاما لغويا " لدى الطالب العربي، فثمة فرق بين إتقان اللغات، وهو أمر جيد ومطلوب، وبين الحديث الدائم بها مع الطلاب على الرغم من أن لغة التدريس هي العربية. بينما لا نلاحظ عكس هذه الظاهرة، إذ لا نجد أثرا للغة العربية في حديث الأساتذة والطلبة في الأقسام الفرنسية أو التي تتخذ الفرنسية مادة للتدريس.
- التعامل مع اللغة العربية على أنها جملة من القواعد النحوية والصرفية بعيدا عن التوظيف الشفوي والكتابي أو الإنتاج النصي ؛ فالدرس أساسا معناه عند الطالب الإجابة عن أسئلة الامتحان لا غير. لهذا لا يهم إن بقي منه شيء في الذهن بعد ذلك أم لا. ومن ناحية أخرى نجد أن لغة الطالب فقيرة وغير مستقيمة في الغالب، بل كثير من الطلاب لا يملك القدرة على مناقشة فكرة أو الجواب على سؤال دون أن يستعين بالدارجة أو بحركات الجسم أو التلعثم والتكرار، وما إليها من مظاهر. أما كتابيا فالحال ليست أحسن من سابقتها، فما زال الهدف من التعبير هو إيصال فكرة ما بغض النظر عن الوسيلة التي هي التوظيف اللغوي السليم. لهذا لا يهم عند شريحة واسعة من طلابنا الفرق بين الرفع والنصب والجر، ولا الفرق بين الفعل والاسم ولا بين العاقل وغير العاقل في الجمع، بل المهم فقط أن يفهم الأستاذ ما يقصده الطالب، وتلك مشكلة كبرى ناجمة أساسا عن قيام التعليم عندنا على ثلاثية عقيمة أطرافها"( التلقين والتذكر والحفظ)، وهي ثلاثية غير قادرة بصورتها الراهنة للاستجابة للتحديات التي تواجهنا في الألفية الثالثة." (2)
- ارتباط اللغة العربية في الأذهان بالماضي، واللغات الأجنبية بالحاضر والمستقبل لارتباطها بالتكنولوجيا والإنتاج المادي، مما حدا بالجامعة الجزائرية إلى الإيمان بأن الاختصاصات التقنية لابد لها من لغة أجنبية " كون الهدف من ذلك علميا بحتا وهو تمكين الطلبة من التحكم أكثر فيها لقلة المراجع باللغة العربية" و" أن التدريس باللغة الأجنبية يقتصر فقط على تلك المواد العلمية في حين أن البرنامج العام يتضمن تدريس وحدات باللغة العربية فقط منها المواد الاقتصادية والاجتماعية.(3) وبما أن المواد التقنية مرتبطة في أذهان العامة وكثير من المثقفين بالتقدم والرقي، فإن تدريسها باللغة الأجنبية يفهم منه أن اللغة العربية قاصرة عن أداء هذه المهمة، وبالتالي فإنها تبقى لغة الأدب والإنسانيات والاجتماعيات، وفي الإطار الأكاديمي البحث.
- إن تدهور اللغة العربية كلغة تداول وعلم مرتبط إلى حد ما بالوضع العربي العام, فالعرب مازالوا في دائرة الدول المستهلكة للأفكار والبضائع، وآلة الإنتاج المادي والمعنوي ضعيفة، ووضع كهذا لا بد أن ينعكس سلبا على اللغة العربية في تزاحمها مع اللغات الأجنبية. بل إن البرامج الدراسية والمناهج المعتمدة في التدريس نفسها صنع غربي تستقدمه هذه الدول وتحاول التكيف معه، وليس بمقدورها أن تبتدع لنفسها ما تقوم به برامجها، وما يضفي على لغتها وتاريخها وحضارتها طابع التقدم والرقي. ولقد أصبحت جهود القدماء ضربا من الذكريات التي تثير فينا الحنين إلى ماض ولى، بينما كان علينا أن نوجد لأنفسنا استمرارية لما تركه القدماء نبني به عزا دائما متواصلا ينعكس على شخصيتنا ولغتنا ودورنا في صناعة الحضارة الإنسانية. وباختصار يؤكد الخبراء بهذا الشأن " أن ما تعانيه لغة الضاد مرده إلى ضعف الوعي السياسي العربي الراهن الذي أشاع نوعا من "التكابر" على لغتنا الأم لصالح لغات أخرى." (4)
هذه ملاحظات عامة يمكن التوصل إليها بقليل من التأمل في الوضع التعليمي عندنا، وفي معظم الدول العربية أيضا ؛ وربما يكون عزاؤنا أن تشاطرنا دول عريقة في التعريب الهموم نفسها، إلى الحد الذي يدفعها إلى دق ناقوس الخطر.
وقد ارتفعت أصوات كثيرة تحاول علاج هذا الوضع السيء،من قبيل المناداة بـ"تطوير مناهج تعليم العربية، والتكوين المتخصّص فيها حتى تستجيب لتحديات العصر ورهاناته، أخذا بمبدأ الأصالة والتفتّح"، و" ضرورة التنسيق بين المؤسسات التربوية والمؤسسات المجتمعية الأخرى من جهة، والتعاون الإقليمي بين كافة المؤسسات التربوية بالدول العربية من جهة أخرى، للحد من التأثيرات السلبية لظاهرة العولمة على الهوية واللغة العربية "، والدعوة إلى تبسيط اللغة العربية من خلال قواعدها للقضاء على الصعوبة التي يجدها الطالب في استعماله اللغوي، و غير ذلك من الاقتراحات التي يمكن أن تساهم في التخفيف من حدة المشكلة.
في الجامعة يجد المتأمل في وضع اللغة العربية بها أنه ليس إلا امتدادا لما تعانيه في المراحل التعليمية السابقة لها. أو بتعبير آخر، لا تستطيع الجامعة أن تصلح هذا الخلل الذي تكون في المراحل الابتدائية والثانوية إلا إذا تعلق الأمر بالدراسات الأكاديمية التي ينتجها الدارسون، وهي دراسات نظرية تصطدم في الغالب بممارسات عملية تكرس الوضع المختل، أو ليس" لها تطبيقات في المجالات العملية الأخرى، فضلا عن عدم مناسبتها لقدرات التلاميذ".(5)
وعليه، فإن رواسب المشكلة تتفرع إلى عناصر منها :
- دراسة قواعد اللغة العربية خارج التعبير الوظيفي، بمعنى أن الطالب يهتم بحفظ القواعد دون القدرة الكافية على تجسيدها فيما يكتب أو يقول. ويعرف التعبير الوظيفي على أنه التعبير" الذي يؤدي خدمة للإنسان في مجتمعه، فيقضي حاجاته ومتطلباته...ويتمثل في المحادثة والمناقشة وسرد القصص والإخبار وإعطاء التعليمات والتوجيهات والإشارات، وإلقاء الكلمات في المناسبات المختلفة، وكتابة التقارير والمذكرات، وإعداد محاضر الجلسات..." (6)
- عدم التعامل مع النصوص في شكلها المتكامل، الذي يجعل اللغة في علاقات مع مناح شتى مثل الأفكار والتخطيطات والتصورات والسلوكات التي يهدف النص إلى ترجمتها والكشف عنها.
- التعامل مع اللغة على أنها مجرد وسيلة للتواصل وتبليغ ما يراد، في حين نجدها أكبر من ذلك لارتباطها بالفكر والإبداع والتواصل الراقي بين المستخدمين.
- الانتقائية في المواد أو المقررات تجعل جوانب من اللغة مجهولة في المسار الدراسي، بينما تتكرر أخرى في كل المراحل.
- ظهور الناطق بالعربية الفصحى بين الجمع غريبا، كأنه في عالم غير عالمه، ووسط غير الذي ينتمي إليه، وهذا يولد الشعور بالخجل أو بالحرج من التميز عما هو شائع ومألوف.
إن نظام (ل.م.د) المعتمد حاليا في كل الجامعات الجزائرية جديد في تجربته، اعتمد عام 2004 في بعض الجامعات ثم عمم في هذه السنة، ويعتقد أنه لن يكشف عن أثر واضح لآلياته على وضع اللغة العربية قبل مرور عقد من الزمن. لكن البوادر الأولية توحي بأنه إن لم يكن أسوء من النظام الكلاسيكي في هذا المجال فإنه مثله، في تكريس الكمية على حساب النوعية، على الرغم من إيجابيات يراها بعض الدارسين تتعلق بالتخصصات التقنية والعلمية. فالطالب يهتم بأمور نجاحه وتحقيقه للمعدل المقبول أكثر من اهتمامه بنوعية التحصيل العلمي واللغوي، والدرس اللغوي لا يعني الكثير للطالب إلا حفظه وإعادته في الاستجوابات أو الامتحانات الكثيرة على امتداد السداسي القصير أصلا بفعل الدخول المتأخر وكثرة الانقطاعات.
كما أن كثرة المقاييس وقصر حيزها الزمني يجعل الطالب موزع الاهتمام مشتت الفكر لا يدري ما يمسك في الذهن وما يهمل. لهذا نلاحظ أن التطور اللغوي عند الطالب لا يكاد يستبين على امتداد السنوات الثلاث لليسانس أو الأربع بالنسبة للنظام الكلاسيكي، بل إن المدرس ليشعر في كل مستوى أن عليه أن يعود إلى البديهيات في اللغة أحيانا، وإلى ما سبقت دراسته في الأعوام السالفة ليقدم شيئا جديدا.
وربما ذهبنا مع الدكتور محمد حسنين العجمي وهو يلخص سلبيات نظام ل.م.د أو نظام الساعات المعتمدة كما يسمى في بعض البلاد العربية، بناء على دراسات كثيرة لباحثين في الميدان بقوله :" إن هذا النظام يؤدي إلى تفتيت المعرفة وزيادة الإقبال والتسجيل للمقررات المتميزة بالسهولة وتجنب تسجيل الطلاب للمقررات الأكثر أهمية في تكوينهم الأكاديمي... وفقدان للتكامل والاتساق والمرونة، وتشجيع على التفكير المبعثر، وافتقاد للنظرة الشمولية التي تصل فروع المعرفة بعضها ببعض، وبالتالي انخفاض معدل أداء الطلاب وملازمتهم للخوف الدائم من الرسوب والإخفاق." (7)
في العام الدراسي 2007 – 2008 افتتح فرع اللغة العربية وآدابها بالمركز الجامعي بتمنراست، لطلاب السنة الأولى، وبما أن هيئة التدريس كانت قليلة العدد، فقد توقعنا أن نصاحب هؤلاء الطلبة على امتداد سنواتهم الأربع. وكان أن قمت بمحاولة لمعرفة تطور اللغة العربية قواعد وتعبيرا، فعدت إلى أرشيف أوراق الامتحانات في بعض المواد مثل النحو والصرف و الأدب العباسي والأدب الحديث، وكانت العينة من عشرين طالبا من ذوي المستوى المتوسط، في الامتحانين الجزئيين، على امتداد ثلاث سنوات، و كان التركيز على ثلاثة جوانب هي : سلامة اللغة، وجودة التعبير، ونسبة حضور الشخصية. فكانت النتيجة ما يأتي :
- ستة طلبة من العشرين فقط تخلصوا جزئيا من الأخطاء الفادحة،نحوا وصرفا مثل كتابة الأفعال بتاء مربوطة، وعدم التفريق بين الاسم والفعل في الإعراب، وغير ذلك. أما الباقون فبقوا على الأخطاء نفسها رغم الملاحظات الموجهة إليهم عند كل تصحيح.
- سبعة طلبة من العشرين فقط تخلصوا من التعابير الساذجة البسيطة التي تذكرنا بالأقسام الأولية، من مثل وصف الشجرة بالظلال والاخضرار، أو ترديد (يجب ولا يجب علينا فعل كذا) وغير ذلك.
- النسبة نفسها تقريبا تتحدث دائما بما يتحدث به الأخر، أي تكرار الخطاب القديم المألوف المتعارف عليه، دينيا كان أو اجتماعيا أو غير ذلك مع الميل الكبير إلى الحكاية التي هي نموذج للحديث عن الآخر، وليس إبراز الذات وما تفكر به وما تراه.
لا أدري مدى علمية هذه التجربة، ولكنها تعطي فكرة ولو جزئية عن تعامل الطالب مع الدرس، ليس فقط اللغوي والأدبي بل في مختلف المواد الأخرى، فالدرس الذي لا تعطى له أهمية لا يثبت في الذهن، ولا يفكر فيه لتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، ولا يطبق في تقويم اللغة والتعبير إلا نادرا. أما سبب عدم إعطائه الأهمية فيعود إلى جملة عوامل منها: كثرة الدروس المتراكمة، و صعوبة وصول المادة إلى الطالب إما لطريقة التدريس المعتمدة، أو لعدم قدرته على الاستيعاب، وعدم اقتناعه بجدوى إدراك وتثمين ما يدرس طالما أن الهدف الأسمى هو الوصول إلى الحصول على الشهادة الجامعية.
ولا أعتقد أن حال النظام الكلاسيكي الذي انتمى إليه العينة السابقة يختلف عن حال نظام (ل.م.د) لذلك، فإنه من الإجحاف أن نلصق بهذا النظام تهمة عرقلة عودة اللغة العربية إلى لعب دورها الفكري والحضاري، في مجتمع يحبها ويحترمها حتى وإن كان بعض أفراده من أصول غير عربية، فنظام (ل.م.د) بإمكانه أن يخدم اللغة العربية مثلها مثل بقية فروع المعرفة الأخرى إذا توفرت جملة من العوامل التي تتكامل فيما بينها لتحقيق الهدف. وهو الأمر الذي يحدث مع جميع الأنظمة التعليمية والتربوية، بحكم أن القوانين وحدها ليست هي مصدر النجاح أو الإخفاق، بل الممارسات التطبيقية في الواقع.
فالعامل الأول هو العامل البشري الذي يبقى الأهم في الوصول إلى استيعاب الدرس اللغوي، وأهمية توظيفه في الحياة العامة. والمقصود هنا بالطبع هو المدرس أيا كان موقعه، والطالب أيا كان اختصاصه العلمي؛ فالطريقة التي ينتهجها الأول مع طلابه، وكونه أنموذجا يقتدى به، ومدى إدراكه للمناهج الفعالة في تدريس العربية، مثل إعطاء الأولوية للغة المتجددة المرنة التي تساير العصر وتتكيف مع المستجدات دون أن تفقد خصائصها التعبيرية والجمالية. كل ذلك يلعب الدور الأعظم في تحبيبها إلى الطالب، وقد علمتنا التجربة أن الطالب إذا أحب مادة اجتهد في الإبداع فيها على المستويات كافة.
أما الطالب، فإنه إن لم يدرك أنه رجل الغد، وحامل لواء الفكر والثقافة في الأمة، والساهر على سلامة هذه اللغة التي تربطه بجذوره، وتصاحبه في مستقبله، فإن حلم هذه اللغة في المنافسة، والبقاء ضمن اللغات الحية قد يتبخر. وعليه، فإن اجتهاده في إدراكها، والحديث بها والتعبير عن قضاياه المختلفة بلسانها كفيل بأن يضعها في المكان اللائق بها، بل وجعلها لغة العلم والاكتشاف كما كانت في سالف عهدها. وعليه، فإنه من القصور أن يتعامل الطالب مع المواد والمقاييس على أنها مطية لحصوله على شهادة في نهاية المطاف، فكم من حامل شهادة لا يعكس علمه شهادته!
والعامل الثاني هو التخلص من عقدة النقص تجاه الآخر، التي تبدو جلية في العالم العربي. فإذا كانت اللغات الأجنبية تصنع العلم والمعرفة، فإن ذلك يعني أن الإنسان الأجنبي هو الذي ينتجها، أي أن المزية أو العيب ليست في اللغة، بل في إرادة أصحابها في خلق أسباب الرقي والتقدم. خاصة في الجامعة التي تعد المرحلة التعليمية المعول عليها في هذا المجال نظرا لمستوى الوعي ولإمكاناتها الإبداعية.
أما العامل الثالث، فهو فتح فرص العمل الفكري أمام خريجي الجامعات، وإعطاء أبحاثهم ودراساتهم العناية الكافية، فالعلوم الإنسانية والاجتماعية وغيرها، لا تنتج المادة، ولكنها تبني من ينتج المادة، وهو الإنسان. لهذا وجدنا في مجتمعنا الجزائري شرائح واسعة تحتقر العلوم المعنوية بما فيها اللغة، وتؤمن أن إنسان العصر في غنى عنها، وأن لا مستقبل إلا لمن يخوض في العلوم المادية، فيوسم بالتقدم والرقي، بينما الصواب أن العلوم متكاملة فيما بينها، ولكل منها فوائده وعائداته، وخاصة اللغة بوصفها حاملة للفكر الذي يحمل الهوية، ويحافظ على حياة المجتمعات والأمم.
ونخلص إلى القول إن اللغة العربية في التعليم الجامعي تتأثر تأثرا مباشرا بما تعانيه في المراحل التعليمية الأخرى، فالجامعة تستثمر الرصيد السابق للطالب وتثمنه وتنميه، لكنها إذا لم تجد هذا الرصيد أصلا، أو وجدته ضعيفا فمن الصعب أن تتداركه. لهذا نرى من الواجب أن تؤتي الإصلاحات التربوية أكلها قبل أي حديث عن إصلاح المنظومة الجامعية، التي مهما سخرنا لها من القوانين والنظريات الجيدة، فإنها تصطدم دوما بالرواسب السلبية للمنظومة التربوية.
لكن المنظومتين التربوية والجامعية ليستا بمعزل عن المجتمع الذي يوفر لهما أجواء النجاح أو الإخفاق، فالوعي السياسي والاجتماعي كفيل بإنجاح كثير من التجارب الصعبة، بما يهيئه من استعداد فردي وجماعي لقبول الإصلاحات، والاقتناع بجدواها ومراميها، مع إمكانية تعديلها وتصحيح مسارها كلما دعت الضرورة إلى ذلك.
إن رغبتنا في تحسين وضع اللغة العربية في مختلف مراحل التعليم، نابع أساسا من أهميتها أولا بوصفها لغة القرآن الكريم، ولغة الدولة الجزائرية الأولى، وثانيا بوصفها لغة حية قابلة لإنتاج العلم والمعرفة في زمن العولمة. وثالثا بوصفها المعبرة عن أمة مترامية الأطراف لها ماض وتاريخ وحضارة. لهذا كله، يبدو السعي إلى وضع اللغة العربية في مكانها المناسب مسؤولية جماعية، لا تُنجحها غير المخططات الأصيلة والجادة والمخلصة، ولا نخالها قليلة في جزائر اليوم.
----------------
هوامش :
-Charles Robert Ageron, Les algériens musulmans et la France, Presses Universitaires de France, Paris, 1968, P 318.
د/ شبل بدران . التعليم في عالم متغير. دار الجامعة الجديدة- الاسكندرية. 2009 .ص 17
3 جاء هذا في تصريح لوزير التعليم العالي والبحث العلمي ردا على الأسئلة الشفوية من أعضاء البرلمان . انظر صحيفة المساء، بتاريخ 15/01/2010
4 الجزيرة نت ، الرابط:
http://www.aljazeera.net/News/archive/archive?ArchiveId=1081406
علي صالح جوهر. الإصلاح التعليمي في العالم العربي. المكتبة العصرية- المنصورة . ط1: 2009 . ص28
علي سامي الحلاق. اللغة والتفكير الناقد . دار المسيرة –عمان. ط2: 2010 ص71
7 التطور الأكاديمي والإعداد للمهنة الأكاديمية بين تحديات العولمة ومتطلبات التدويل. المكتبة العصرية – المنصورة .2007 ص 96-99