نَزَّلَ الشيخ رضي الله تعالى عنه «اعلم» منزلة «أما بعدُ» في الدلالة على الشروع في المقصود، ونبه على أن غير العلم لا يُبْتَغَى سببا.
والحكم إثباتُ أمرٍ أو نفيُهُ،
والحاكم بالإثبات أو النفي إما الشرع وإما العقل وإما العادة، فلذلك انقسم الحكم إلى ثلاثة أقسام:
(شرعي، وعادي، وعقلي)
فالحكم الشرعي هو خطابُ اللهِ تعالى المتعلِّقُ بأفعال المكلفين بالطلب أو بالإباحة أو الوضعِ لهما.
والحكم العادي (هو إِثباتُ الربط بين أمرٍ وأمرٍ وجودًا أو عدمًا بواسطة التكرر) مع صحة التخلف وعدم تأثير أحدِهِما في الآخَر ألبتةَ.
والحكم العقلي هو إثباتُ أمرٍ أو نفيُهُ من غير توقف على تكرر ولا وضع واضع.
فقوله (الحكم العقلي) أخرج به العاديَّ والشرعيَّ.
<1 ومعنى انحصاره في ثلاثة أقسام أن كل ما حكم به العقل من إثبات أو نفي يرجع إليها؛ لأن ما حكم به إما أن يقبل الثبوت والنفي فهو الجائز، وإن كان لا يقبل إلا الثبوتَ فهو الواجب، وإن كان لا يقبل إلا النفيَ فهو المستحيل.
ثم عَرَّفَ كلَّ واحد من الأقسام الثلاثةِ بما اشتُقَّ منه؛ لأن المشتق أخص من المشتق منه، ومعرفة الأخص تستلزم معرفة الأعم لأن الأعم جزء الأخص<
فقال: (فالواجب ما لا يتصور في العقل عدمه) أي: لا يُدْرَكُ في العقل عدمه، وذلك:
إما ضرورة وهو ما لا يحتاج العقل في إدراكه إلى تأمل ولا نظر كالتحيز للجرم، ومعنى التحيز أخذُ ذاته قدرا من الفراغ، والجرم كل ما مَلَأَ فراغا كالشجر والحجر وأجساد الحيوانات.
وإما نظرًا وهو ما يحتاج في إدراكه إلى التأمل والنظر كالقدم لمولانا جل وعز.
(والمستحيل ما لا يتصور في العقل وجوده)
إما ضرورة كتعري الجرم عن الحركة والسكون،
وإما نظرا كالشريك لله -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-، فإن استحالة الشريك لله تعالى لا تدرك إلا بعد النظر.
(والجائز ما يصح في العقل وجوده وعدمه)
إما ضرورة كحركة الجرم أو سكونه
وإما نظرا كتعذيب المطيع وإثابة العاصي.
ومعنى التصور الإدراك أي ما لا يدرك. 1>
وإنما بدأ بتقسيم الحكم العقلي أوَّلا لأن المكلف مطلوب بمعرفة ما يجب في حق الله تعالى وما يجوز وما يستحيل، ولا يُحْكَمُ على شيء بأنه واجب أو جائز أو مستحيل حتى يُعرَفَ حقيقةُ ذلك.
واعلم أن معرفة أقسام الحكم العقلي الثلاثة -وتكريرُها تأنيس للقلب بأمثلتها حتى لا يحتاج الفكر في استحضار معانيها إلى كُلْفَةٍ- مما هو ضروري على كل عاقل يريد الفوز بمعرفة الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام، بل قال إمام الحرمين وجماعة: إن معرفة هذه الأقسام الثلاثة هي نفس العقل، فمن لم يعرفها بمعانيها فليس بعاقل.