نهج البلاغة
الجزء الثالث 3
الجزء الثالث: كتب أمير المؤمنين وفيه فحوى بعض الكتب والرسائل التي ارسلها الإمام علي إلى عماله في الأمصار أو أعدائه.
https://www.imamali.net/?id=13452
نهج البلاغة
الجزء الثالث 3
الجزء الثالث: كتب أمير المؤمنين وفيه فحوى بعض الكتب والرسائل التي ارسلها الإمام علي إلى عماله في الأمصار أو أعدائه.
https://www.imamali.net/?id=13452
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[1] من كتاب له (عليه السلام)
إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة([1])
مِنْ عَبْدِاللهِ عَلِيٍّ أَمِيرِالْـمُؤْمِنِينَ إلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، جَبْهَةِ([2]) الأَنْصَارِ، وَسَنَامِ([3]) الْعَرَبِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَمْرِ عُثْمانَ حَتَّى يَكُونَ سَمْعُهُ كَعِيَانِهِ. إِنَّ النَّاسَ طَعَنُوا عَلَيْهِ، فَكُنْتُ رَجُلاً مِنَ الْـمُهَاجِرِينَ أُكْثِرُ اسْتِعْتَابَه، وَأُقِلُّ عِتَابَهُ، وَكَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ أَهْوَنُ سَيْرِهِمَا فِيهِ الْوَجيِفُ([4])، وَأَرْفَقُ حِدَائِهِمَا([5]) الْعَنِيفُ، وَكَانَ مِنْ عَائِشَةَ فِيهِ فَلْتَةُ غَضَبٍ، فَأُتِيحَ لَهُ قَوْمٌ فَقَتَلُوهُ، وَبَايَعَنِي النَّاسُ غَيْرَ مُسْتَكْرَهِينَ([6]) وَلا مُجْبَرِينَ، بَلْ طَائِعِينَ مُخَيَّرِينَ.
وَاعْلَمُـوا أَنَّ دَارَ الْـهِجْـرَةِ قَدْ قَلَعَتْ بِأَهْلِهَا وَقَلَعُوا بِهَا ، وَجَـاشَتْ جَيْشَ الْـمِرْجَلِ([7])، وَقَامَتِ الْفِتْنَةُ عَلَى الْقُطْبِ ، فَأَسْرِعُوا إِلَى أَمِيرِكُمْ ، وَبَادِرُوا جِهَادَ عَدُوِّكُمْ، إِنْ شَاءَ اللهُ.
[2] ومن كتاب له (عليه السلام) إليهم، بعد فتح البصرة([1])
وَجَزَاكُمُ اللهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرٍ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ أَحْسَنَ مَا يَجْزِي الْعَامِلِينَ بِطَاعَتِهِ، وَالشَّاكِرِينَ لِنِعْمَتِهِ، فَقَدْ سَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ، وَدُعِيتُمْ فَأَجَبْتُمْ.
[3] ومن كتاب كتبه (عليه السلام) لشريح بن الحارث قاضيه([1])
روي أنّ شريح بن الحارث قاضي أميرالمؤمنين (عليه السلام) اشترى على عهده داراً بثمانين ديناراً، فبلغه (عليه السلام) ذلك، فاستدعى شريحاً، وقال له:
بَلَغَنِي أَنَّكَ ابْتَعْتَ دَاراً بِثَمانِينَ دِينَاراً، وَكَتَبْتَ لَـهَا كِتَاباً، وَأَشْهَدْتَ فِيهِ شُهُوداً.
فقال شريح: قد كان ذلك يا أميرالمؤمنين. قال: فنظر إليه (عليه السلام) نظر مغضب ثمّ قال له:
يَا شُرَيْحُ، أَمَا إِنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَنْ لا يَنْظُرُ فِي كِتَابِكَ، وَلا يَسْأَلُكَ عَنْ بَيِّنَتِكَ، حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنْهَا شَاخِصاً([2])، وَيُسْلِمَكَ إلَى قَبْرِكَ خَالِصاً. فَانْظُرْ يَا شُرَيْحُ لا تَكُونُ ابْتَعْتَ هذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ مَالِكَ، أَوْ نَقَدْتَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ حَلاَلِكَ، فَإِذَا أَنْتَ قدْ خَسِرْتَ دَارَ الدُّنْيَا وَدَارَ الآخِرَةِ. أَمَا إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ أَتَيْتَنِي عِنْدَ شِرَائِكَ مَا اشْترَيْتَ لَكَتَبْتُ لَكَ كِتاباً عَلَى هذِهِ النُّسْخَةِ، فَلَمْ تَرْغَبْ فِي شِرَاءِ هذِهِ الدَّارِ بِدِرْهَمٍ فَمَا فَوْقُهُ.
والنسخة هذه:
هذَا مَا اشْتَرَى عَبْدٌ ذَلِيلٌ، مِنْ مَيِّتٍ قَدْ أُزْعِجَ لِلرَّحِيلِ، اشْترَى مِنْهُ دَاراً مِنْ دَارِ الْغُرُورِ، مِنْ جَانِبِ الْفَانِينَ، وَخِطَّةِ([3]) الْـهَالِكِينَ، وَتَجْمَعُ هذِهِ الدَّارَ حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ: الْـحَدُّ الأَوَّلُ يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الآفَاتِ، وَالْـحَدُّ الثَّانِي يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الْـمُصِيبَاتِ، وَالْـحَدُّ الثَّالِثُ يَنْتَهِي إلَى الْـهَوَى الْـمُرْدِي، وَالْـحَدُّ الرَّابِعُ يَنْتَهِي إِلَى الشَّيْطَانِ الْـمُغْوِي، وَفِيهِ يُشْرَعُ([4]) بَابُ هذِهِ الدَّارِ.
اشْترَى هذَا الْـمُغْتَرُّ بِالأَمَلِ، مِنْ هذَا الْـمُزْعَجِ بِالأَجَلِ، هذِهِ الدَّارَ بِالْـخُرُوجِ مِنْ عِزِّ الْقَنَاعَةِ، وَالدُّخُولِ فِي ذُلِّ الطَّلَبِ وَالضَّرَاعَةِ([5])، فَمَا أَدْرَكَ هذَا الْـمُشْتَرِي فِيَما اشْترَى مِنْ دَرَكٍ([6])، فَعَلَى مُبَلْبِلِ أَجْسَامِ الْـمُلُوكِ، وسَالِبِ نُفُوسِ الْـجَبَابِرَةِ، وَمُزِيلِ مُلْكِ الْفَرَاعِنَةِ ـ مِثْلِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَتُبَّعٍ وَحِمْيَرَ، وَمَنْ جَمَعَ الْـمَالَ عَلَى الْـمَالِ فَأَكْثَرَ، وَمَنْ بَنَى وَشَيَّدَ، وَزَخْرَفَ وَنَجَّدَ([7])، وَادَّخَرَ واعْتَقَدَ([8])، وَنَظَرَ بِزَعْمِهِ لِلْوَلَدِ ـ إِشْخَاصُهُمْ جَمِيعاً إِلَى مَوْقِفِ الْعَرْضِ وَالْـحِسَابِ، وَمَوْضِعِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، إذَا وَقَعَ الأَمْرُ بِفَصْلِ الْقَضَاءِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْـمُبْطِلُونَ. شَهِدَ عَلَى ذلِكَ الْعَقْلُ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَسْرِ الْـهَوَى، وَسَلِمَ مِنْ عَلاَئِقِ الدُّنْيَا.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[4] ومن كتاب كتبه إلى بعض أُمراء جيشه
فَإِنْ عَادُوا إِلَى ظِلِّ الطَّاعَةِ فَذَاكَ الَّذِي نُحِبُّ، وَإِنْ تَوَافَتِ الأُمُورُ([1]) بِالْقَوْمِ إِلَى الشِّقَاقِ وَالْعِصْيَانِ فَانْهَدْ([2]) بِمَنْ أَطَاعَكَ إِلَى مَنْ عَصَاكَ، وَاسْتَغْنِ بِمَنِ انْقَادَ مَعَكَ عَمَّنْ تَقَاعَسَ([3]) عَنْكَ، فَإِنَّ الْـمُتَكَارِهَ مَغِيبُهُ خَيْرٌ مِنْ شُهُودِهِ، وَقُعُودُهُ أَغْنَى مِنْ نُهُوضِهِ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[5] ومن كتاب له (عليه السلام) إلى الأشعث بن قيس عامل آذربيجان([1])
وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ، وَلكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانةٌ، وَأَنْتَ مُسْترْعًى لِـمَنْ فَوْقَكَ، لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفتَاتَ([2]) فِي رَعِيَّةٍ، وَلا تُخَاطِرَ([3]) إِلَّا بِوَثِيقَةٍ، وَفي يَدَيْكَ مَالٌ مِنْ مَالِ اللهِ عَزَّوَجَلَّ، وَأَنْتَ مِنْ خُزَّانِهِ حَتَّى تُسَلِّمَهُ إِلَيَّ، وَلَعَلِّي أَلَّا أَكُونَ شَرَّ وُلَاتِكَ لَكَ، وَالسَّلَامُ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[6] ومن كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية([1])
إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ، وَلا لِلغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ، وَإنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذلِكَ للهِ رِضىً، فَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْبِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَاخَرَجَ منه، فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى اتِّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ الْـمُؤْمِنِينَ، وَوَلاَّهُ اللهُ مَا تَوَلَّى.
وَلَعَمْرِي ، يَا مُعَاوِيَةُ ، لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَـوَاكَ لَتَجِدَنِّي أَبْـرَأَ النَّاسِ مِنْ دَمِ عُثْمانَ ، وَلَتَعْلَمَنَّ أَنِّي كُنْتُ فِي عُزْلَةٍ عَنْهُ ، إِلَّا أَنْ تَتَجَنَّى([2]) ؛ فَتَجَنَّ مَا بَدَا لَكَ ! وَالسَّلاَمُ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[7] ومن كتاب منه (عليه السلام) إليه أيضاً([1])
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَتَتْني مِنْكَ مَوْعِظَةٌ مُوَصَّلَةٌ، وَرِسَالَةٌ مُحَبَّرَةٌ، نَمَّقْتَهَا([2]) بِضَلاَلِكَ، وَأَمْضَيْتَهَا بِسُوءِ رَأْيِكَ، وَكِتَابُ امْرِئ لَيْسَ لَهُ بَصَرٌ يَهْدِيهِ، وَلا قَائِدٌ يُرْشِدُهُ، قَدْ دَعَاهُ الْـهَوَى فَأَجَابَهُ، وَقَادَهُ الضَّلاَلُ فَاتَّبَعَهُ، فَهَجَرَ لاَغِطاً([3])، وَضَلَّ خَابِطاً([4]).
ومن هذا الكتاب:
لأَنَّهَا بَيْعَهٌ وَاحِدَةٌ لا يُثَنَّى([5]) فِيهَا النَّظَرُ، وَلا يُسْتَأْنَفُ فِيهَا الْـخِيَارُ، الْـخَارِجُ مِنْهَا طَاعِنٌ، وَالْـمُرَوِّي([6]) فِيهَا مُدَاهِنٌ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[8] ومن كتاب له (عليه السلام)
إلى جرير بن عبدالله البجلي لما أرسله إلى معاوية([1])
أَمَّا بَعْدُ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي فَاحْمِلْ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْفَصْلِ([2])، وَخُذْهُ بِالأَمْرِ الْـجَزْمِ، ثُمَّ خَيِّرْهُ بَيْنَ حَرْبٍ مُجْلِيَةٍ([3])، أَوْ سِلْمٍ مُخْزِيَةٍ، فَإِنِ اخْتَارَ الْـحَرْبَ فَانْبِذْ إِلَيْهِ، وَإِنِ اخْتَارَ السِّلْمَ فَخُذْ بَيْعَتَهُ، وَالسَّلامُ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[9] ومن كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية([1])
فَأَرَادَ قَوْمُنَا قَتْلَ نَبِيِّنَا، وَاجْتِيَاحَ([2]) أَصْلِنَا، وَهَمُّوا بِنَا الْـهُمُومَ، وَفَعَلُوا بِنَا الأَفَاعِيلَ، وَمَنَعُونَا الْعَذْبَ، وَأَحْلَسُونَا الْـخَوْفَ([3])، وَاضْطَرُّونَا إِلَى جَبَلٍ وَعْرٍ([4])، وَأَوْقَدُوا لَنَا نَارَ الْـحَرْبِ، فَعَزَمَ اللهُ لَنَا عَلَى الذَّبِّ عَنْ حَوْزَتِهِ([5])، وَالرَّمْيِ مِنْ وَرَاءِ حُرْمَتِهِ([6]). مُؤْمِنُنَا يَبْغِي بِذلِكَ الأَجْرَ، وَكَافِرُنَا يُحَامِي عَنِ الأَصْلِ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ قُرَيْشٍ خِلْوٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ بِحِلْفٍ يَمْنَعُهُ، أَوْ عَشِيرَةٍ تَقُومُ دُونَهُ، فَهُوَ مِنَ الْقَتْلِ بِمَكَانِ أَمْنٍ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) إذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ، وَأَحْجَمَ النَّاسُ، قَدَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ فَوَقَى بِهِمْ أَصَحَابَهُ حَرَّ السُّيُوفِ وَالأَسِنَّةِ، فَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْـحَارِثِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقُتِلَ جَعْفَرٌ يَوْمَ مُؤْتَةَ، وَأَرَادَ مَنْ لَوْ شِئْتُ ذَكَرْتُ اسْمَهُ مِثْلَ الَّذِي أَرَادُوا مِنَ الشَّهَادَةِ، وَلكِنَّ آجَالَـهُمْ عُجِّلَتْ وَمَنِيَّتَهُ أُخِّرَتْ.
فَيَا عَجَباً لِلدَّهْرِ! إِذْ صِرْتُ يُقْرَنُ بِي مَنْ لَمْ يَسْعَ بِقَدَمِي، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ كَسَابِقَتِي الَّتِي لا يُدْلِي أحَدٌ بِمِثْلِهَا، إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ مَا لا أَعْرِفُهُ، وَلا أَظُنُّ اللهَ يَعْرِفُهُ([7])، وَالْـحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ مِنْ دَفْعِ قَتَلَةِ عُثْمانَ إِلَيْكَ، فَإِنِّي نَظَرْتُ فِي هذَا الأَمْرِ، فَلَمْ أَرَهُ يَسَعُنِي دَفْعُهُمْ إِلَيْكَ وَلا إِلَى غَيْرِكَ، وَلَعَمْرِي لَئِنْ لَمْ تَنْزِعْ([8]) عَنْ غَيِّكَ وَشِقَاقِكَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ عَنْ قَلِيلٍ يَطلُبُونَكَ، لا يُكَلِّفُونَكَ طَلَبَهُمْ فِي بَرّ ٍ وَلا بَحْرٍ، وَلا جَبَلٍ وَلا سَهْلٍ، إِلَّا أَنَّهُ طَلَبٌ يَسُوءُكَ وِجْدَانُهُ، وَزَوْرٌ([9]) لا يَسُرُّكَ لُقْيَانُهُ، وَالسَّلامُ لِأَهْلِهِ.
[10] ومن كتاب له (عليه السلام) إليه أيضاً
وَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ إِذَا تَكَشَّفَتْ عَنْكَ جَلاَبِيبُ([1]) مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ دُنْيَا قَدْ تَبَهَّجَتْ([2]) بِزِينَتِهَا، وَخَدَعَتْ بِلَذَّتِهَا، دَعَتْكَ فَأَجَبْتَهَا، وَقَادَتْكَ فَاتَّبَعْتَهَا، وَأَمَرَتْكَ فَأَطَعْتَهَا، وَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَقِفَكَ وَاقِفٌ عَلَى مَا لا يُنْجيِكَ مِنْهُ مِـجَنٌّ([3])، فَاقْعَسْ عَنْ هذَا الأَمْرِ، وَخُذْ أُهْبَةَ الْـحِسَابِ([4])، وَشَمِّرْ لِـمَا قَدْ نَزَلَ بِكَ، وَلا تُمَكِّنِ الْغُوَاةَ مِنْ سَمْعِكَ، وَإِلَّا تَفْعَلْ أُعْلِمْكَ مَا أَغْفَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ مُتْرَفٌ قَدْ أَخَذَ الشَّيْطَانُ مِنْكَ مَأْخَذَهُ، وَبَلَغَ فِيكَ أَمَلَهُ، وَجَرَى مِنْكَ مَجْرَى الرُّوحِ وَالدَّمِ.
وَمَتَى كُنْتُمْ يَا مُعَاوِيَةُ سَاسَةَ الرَّعِيَّةِ، وَوُلاَةَ أَمْرِ الأُمَّةِ! بِغَيْرِ قَدَمٍ سَابِقٍ، وَلا شَرَفٍ بَاسِقٍ([5])، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ لُزُومِ سَوَابِقِ الشَّقَاءِ، وَأُحَذِّرُكَ أَنْ تَكُونَ مُتَمادِياً فِي غِرَّةِ الأُمْنِيَّةِ، مُخْتَلِفَ الْعَلاَنِيَةِ والسَّرِيرَةِ.
وَقَدْ دَعَوْتَ إِلَى الْـحَرْبِ، فَدَعِ النَّاسَ جَانِباً وَاخْرُجْ إِلَيَّ، وَأَعْفِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْقِتَالِ، لِتَعْلَمَ أيُّنَا الْـمَرِينُ([6]) عَلَى قَلْبِهِ، وَالْـمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ! فَأَنَا أَبُو حَسَنٍ قَاتِلُ جَدِّكَ وَخَالِكَ وأَخِيكَ شَدْخاً([7]) يَوْمَ بَدْرٍ، وَذَلِكَ السَّيْفُ مَعِي، وَبِذلِكَ الْقَلْبِ أَلْقَى عَدُوِّي، مَا اسْتَبْدَلْتُ دِيناً، وَلا اسْتَحْدَثْتُ نَبِيّاً، وَإنِّي لَعَلَى الْـمِنْهَـاجِ الَّذِي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ، وَدَخَلْتُمْ فِيهِ مُكْرَهِينَ.
وَزَعَمْتَ أَنَّكَ جِئْتَ ثَائراً بِدَمِ عُثْمانَ، وَلَقَدْ عَلِمْتَ حَيْثُ وَقَعَ دَمُ عُثْمانَ فَاطْلُبْهُ مِنْ هُنَاكَ إِنْ كُنتَ طَالِبَاً، فَكَأَنِّي قدْ رَأَيْتُكَ تَضِجُّ مِنَ الْـحَرْبِ إِذَا عَضَّتْكَ ضَجِيجَ الْـجِمَالِ بِالأَثْقَالِ، وَكَأَنِّي بِجَمَاعَتِكَ تَدْعُونِي جَزَعاً مِنَ الضَّرْبِ الْـمُتَتَابِعِ، وَالْقَضَاءِ الْوَاقِعِ، وَمَصَارِعَ بَعْدَ مَصَارِعَ، إِلَى كِتَابِ اللهِ([8]) وَهِيَ كَافِرةٌ جَاحِدَهٌ، أَوْ مُبَايِعَةٌ حَائِدَةٌ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[11] ومن وصية وصّى بها (عليه السلام) جيشاً بعثه إلى العدو
فَإذَا نزَلتُمْ بِعَدُوٍّ أَوْ نَزَلَ بِكُمْ، فَلْيَكُنْ مُعَسْكَرُكُمْ فِي قُبُلِ الأَشْرَافِ([1])، أَوْ سِفَاحِ([2]) الْـجِبَالِ، أَوْ أثْنَاءِ الأَنْهَارِ([3])، كَيْما يَكُونَ لَكُمْ رِدْءاً، وَدُونَكُمْ مَرَدّاً([4])، وَلْتَكُنْ مُقَاتَلَتُكُمْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ، واجْعَلُوا لَكُمْ رُقَبَاءَ فِي صَيَاصِي الْجِبَالِ([5])، وَمَنَاكِبِ([6]) الْـهِضَابِ([7])، لِئَلَّا يَأْتِيَكُمُ الْعَدُوُّ مِنْ مَكَانِ مَخَافَةٍ أَوْ أَمْنٍ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ مُقَدِّمَةَ الْقَومِ عُيُونُهُمْ، وَعُيُونَ الْـمُقَدِّمَةِ طَلاَئِعُهُمْ. وَإِيَّاكُمْ وَالتَّفَرُّقَ، فَإِذَا نَزَلْتُمْ فَانْزِلُوا جَمِيعاً، وَإذا ارْتحَلْتُمْ فَارْتَحِلُوا جَمِيعاً، وَإِذَا غَشِيَكُمُ اللَّيْلُ فَاجْعَلُوا الرِّمَاحَ كِفَّةً([8])، وَلا تَذُوقُوا النَّوْمَ إِلَّا غِرَاراً أَوْ مَضْمَضَةً([9]).
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[12] ومن وصيته لمعقل بن قيس الرياحي
حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف مقدّمةً له([1])
اتَّقِ اللهَ الَّذِي لَابُدَّ لَكَ مِنْ لِقَائِهِ، وَلا مُنْتَهَى لَكَ دُونَهُ، وَلا تُقَاتِلَنَّ إِلَّا مَنْ قَاتَلَكَ، وَسِرِ الْبَرْدَيْنِ([2]) وغَوِّرْ([3]) بِالنَّاسِ، وَرَفِّهْ([4]) فِي السَّيْرِ، وَلا تَسِرْ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ اللهَ جَعَلَهُ سَكَناً، وَقَدَّرَهُ مُقَاماً لا ظَعْناً([5])، فَأَرِحْ فِيهِ بَدَنَكَ، وَرَوِّحْ ظَهْرَكَ، فَإِذَا وَقَفْتَ حِينَ يَنْبَطِحُ السَّحَرُ([6])، أَوْ حِينَ يَنْفَجِرُ الْفَجْرُ، فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللهِ، فَإِذَا لَقِيتَ الْعَدُوَّ فَقِفْ مِنْ أَصْحَابِكَ وَسَطاً، وَلا تَدْنُ مِنَ الْقَوْمِ دُنُوَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُنْشِبَ الْـحَرْبَ، وَلا تَبَاعَدْ مِنْهُمْ تَبَاعُدَ مَنْ يَهَابُ الْبَأْسَ، حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي، وَلا يَحْمِلَنَّكُمْ شَنَآنُهُمْ عَلَى قِتَالِـهِمْ، قَبْلَ دُعَائِهِمْ وَالإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[13] ومن كتاب له (عليه السلام) إلى أمير ين من أُمراء جيشه([1])
وَقَدْ أَمَّرْتُ عَلَيْكُمَا وَعَلى مَنْ فِي حَيِّزِكُمَا مَالِكَ بْنَ الْـحَارِثِ الأَشْترَ، فَاسْمَعَا لَهُ وَأَطِيعَا، واجْعَلاَهُ دِرْعاً وَمِجَنّاً، فَإِنّهُ مِمَّنْ لا يُخَافُ وَهْنُهُ، وَلا سَقْطَتُهُ([2])، وَلا بُطْؤُهُ عَمَّا الإِسْرَاعُ إِلَيْهِ أَحْزَمُ، وَلا إِسْرَاعُهُ إِلَى مَا الْبُطءُ عَنْهُ أَمْثَلُ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[14] ومن وصيّته (عليه السلام) لعسكره قبل لقاء العدو بصفّين([1])
لا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَبْدَأُوكُمْ، فَإِنَّكُمْ بِحَمْدِ اللهِ عَلَى حُجَّةٍ، وَتَرْكُكُمْ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْدَأُوكُمْ حُجَّةٌ أُخْرَى لَكُمْ عَلَيْهِمْ، فَإذَا كَانَتِ الْـهَزِيمَةُ بِإذْنِ اللهِ فَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِراً، وَلا تُصيِبُوا مُعْوِراً([2])، وَلا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ،لاَ تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذىً، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَالأَنْفُسِ وَالْعُقُولِ، إِنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَإِنَّهُنَّ لَـمُشْرِكَاتٌ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْـمَرْأَةَ فِي الْـجَاهِلِيَّةِ بِالْفِهْرِ أَوِ الْـهِرَاوَةِ([3]) فَيُعَيَّرُ بِهَا وَعَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[15] وكان (عليه السلام) يقول إذا لقى العدوّ محارباً ([1])
اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَفْضَتِ([2]) الْقُلُوبُ، وَمُدَّتِ الأَعْنَاقُ، وَشَخَصَتِ الأَبْصَارُ، وَنُقِلَتِ الأَقْدَامُ، وَأُنْضِيَتِ الأَبْدَانُ([3]). اللَّهُمَّ قَدْ صَرَّحَ مَكْنُونُ الشَّنَآنِ([4])، وَجَاشَتْ مَرَاجِلُ الأَضْغَانِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنَا، وَتَشَتُّتَ أَهْوَائِنَا، رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْـحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[16] وكان يقول (عليه السلام) لأصحابه عند الحرب([1])
لاَ تَشْتَدَّنَّ عَلَيْكُمْ فَرَّةٌ بَعْدَهَا كَرَّةٌ([2])، وَلا جَوْلَةٌ([3]) بَعْدَهَا حَمْلَةٌ، وَأَعْطُوا السُّيُوفَ حُقُوقَهَا، وَوَطِّئُوا لِلْجُنُوبِ مَصَارِعَهَا([4])، وَاذْمُرُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الطَّعْنِ الدَّعْسِيِّ([5])، وَالضَّرْبِ الطِّلَحْفِيِّ([6])، وَأَمِيتُوا الأَصْوَاتَ، فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ، [فـ]والَّذِي فَلَقَ الْـحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا أَسْلَمُوا وَلَكِنِ اسْتَسْلَمُوا، وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ، فَلَمَّا وَجَدُوا أَعْوَاناً عَلَيْهِ أَظْهَرُوهُ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[17] ومن كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية، جواباً عن كتاب منه([1])
وَأَمَّا طَلَبُكَ إِلَيَّ الشَّامَ، فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ لِأُعْطِيَكَ الْيَوْمَ مَا مَنَعْتُكَ أَمْسِ. وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ الْـحَرْبَ قَدْ أَكَلَتِ الْعَرَبَ إِلَّا حُشَاشَاتِ([2]) أَنْفُسٍ بَقِيَتْ، فَمَنْ أَكَلَهُ الْـحَقُّ فَإِلَى النّارِ. وَأَمَّا اسْتِوَاؤُنَا فِي الْـحَرْبِ والرِّجَالِ، فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلَى الشَّكِّ مِنِّي عَلَى الْيَقِينِ، وَلَيْسَ أَهْلُ الشَّامِ بِأَحْرَصَ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى الآخِرَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ، فَكَذلِكَ نَحْنُ، وَلكِنْ لَيْسَ أُمَيَّةُ كَهَاشِمٍ، وَلا حَرْبٌ كَعَبْدِالْـمُطَّلِبِ، وَلا أَبُوسُفْيَانَ كَأَبِي طَالِبٍ، وَلا الْـمُهَاجرُ كَالطَّلِيقِ([3])، وَلا الصَّرِيحُ([4]) كَاللَّصِيقِ([5])، وَلا الْـمُحِقُّ كَالْـمُبطِلِ، وَلا الْـمُؤْمِنُ كَالْـمُدْغِلِ([6])، وَلَبِئْسَ الْـخَلَفُ خَلَفٌ يَتْبَعُ سَلَفاً هَوَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ. وَفِي أَيْدِينَا بَعْدُ فَضْلُ النُّبُوَّةِ الَّتِي أَذْلَلْنَا بِهَا الْعَزِيزَ، وَنَعَشْنَا([7]) بِهَا الذَّلِيلَ.
وَلـَمَّا أَدْخَلَ اللهُ الْعَرَبَ فِي دِينِهِ أَفْوَاجاً، وَأَسْلَمَتْ لَهُ هذِهِ الأُمَّةُ طَوْعاً وَكَرْهاً، كُنْتُمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الدِّينِ: إِمَّا رَغْبَةً وَإِمَّا رَهْبَةً، عَلَى حِينَ فَازَ أَهْلُ السَّبْقِ بِسَبْقِهِمْ، وَذَهَبَ الْـمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ بِفَضْلِهِمْ. فَلاَ تَجْعَلَنَّ لِلشَّيْطَانِ فِيكَ نَصِيباً، وَلا عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلاً، وَالسَّلَامُ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[18] ومن كتاب له (عليه السلام)
إلى عبدالله بن العباس وهو عامله على البصرة
وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَصْرَةَ مَهْبِطُ إِبْلِيسَ، وَمَغْرِسُ الْفِتَنِ، فَحَادِثْ أَهْلَهَا بِالإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَاحْلُلْ عُقْدَةَ الْـخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
وَقَدْ بَلَغَنِي تَنَمُّرُكَ([1]) لِبَنِي تَمِيمٍ، وَغِلْظَتُكَ عَلَيْهِمْ؛ وَإِنَّ بَنِي تَمِيمٍ لَمْ يَغِبْ لَـهُمْ نَجْمٌ إِلَّا طَلَعَ لَـهُمْ آخَرُ ، وَإِنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا بِـوَغْمٍ([2]) فِي جَـاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْـلاَمٍ ، وَإِنَّ لَـهُمْ بِنَا رَحِماً مَـاسَّةً ، وَقَرَابَةً خَاصَّةً ، نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا ، وَمَـأزُورُونَ عَلَى قَطِيعَتِهَـا.
فَارْبَعْ([3]) أَبَا الْعَبَّاسِ، رَحِمَكَ اللهُ، فِيَما جَرَى عَلَى يَدِكَ وَلِسَانِكَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرّ ٍ فَإِنَّا شَرِيكَانِ فِي ذلِكَ،كُنْ عِنْدَ صَالِحِ ظَنِّي بِكَ، وَلا يَفِيلَنَّ([4]) رَأَيِي فِيكَ، وَالسَّلَامُ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[19] ومن كتاب له (عليه السلام) إلى بعض عماله([1])
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ دَهَاقِينَ([2]) أهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةً وَقَسْوَةً، وَاحْتِقَاراً وَجَفْوَةً، وَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلاً لأَنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ، وَلا أَنْ يُقْصَوا وَيُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ، فَالْبَسْ لَـهُمْ جِلْبَاباً مِنَ اللِّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَفٍ مِنَ الشِّدَّةِ، وَدَاوِلْ([3]) لَـهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَالرَّأْفَةِ، وَامْزُجْ لَـهُمْ بَيْنَ التَّقْرِيبِ وَالإِدْنَاءِ، وَالإِبْعَادِ وَالإِقْصَاءِ، إِنْ شَاءَ اللهُ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[20] ومن كتاب له (عليه السلام) إلى زياد بن أبيه([1])
وهو خليفة عامله عبدالله بن العباس على البصرة ، وعبدالله عامل أميرالمؤمنين (عليه السلام) يومئذٍ عليها وعلى كور الأهواز وفارس وكرمان:
وَإِنِّي أُقْسِمُ بِاللهِ قَسَماً صَادِقاً، لَئِنْ بَلَغَني أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْءِ الْـمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً، لأَشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةً تَدَعُكَ قَلِيلَ الْوَفْرِ، ثَقِيلَ الظَّهْرِ([2])، ضَئِيلَ الأَمْرِ([3])، وَالسَّلاَمُ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[21] ومن كتاب له (عليه السلام) إليه أيضاً
فَدَعِ الإِسْرَافَ مُقْتَصِداً، وَاذْكُرْ فِي الْيَوْمِ غَداً، وَأَمْسِكْ مِنَ الْـمَالِ بِقَدْرِ ضَرُورَتِكَ، وَقَدِّمِ الْفَضْلَ لِيَوْمِ حَاجَتِكَ. أَتَرْجُو أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ أَجْرَ الْـمُتَوَاضِعِينَ وَأَنْتَ عِنْدَهُ مِنَ الْـمُتَكَبِّرِينَ ! وَتَطْمَعُ ـ وَأَنْتَ مُتَمَرِّغٌ فِي النَّعِيمِ ، تَمْنَعُهُ الضَّعِيفَ والأَرْمَلَةَ ـ أَنْ يُوجِبَ لَكَ ثَوَابَ الْـمتَصَدِّقِينَ؛ وَإِنَّمَا الْـمَرْءُ مَجْزِيٌّ بِمَا سَلَّفَ، وَقَادِمٌ عَلَى مَا قَدَّمَ، وَالسَّلاَمُ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[22] ومن كتاب له (عليه السلام) إلى عبدالله بن العباس([1])
وكان ابن عبّاس يقول: ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله كانتفاعي بهذا الكلام:
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْـمَرْءَ قَدْ يَسُرُّهُ دَرَكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ، وَيَسُوؤُهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ، فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا نِلْتَ مِنْ آخِرَتِكَ، وَلْيَكُنْ أسَفُكَ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْهَا، وَمَا نِلْتَ مِنْ دُنْيَاكَ فَلاَ تُكْثِرْ بِهِ فَرَحاً، وَمَا فَاتَكَ مِنْهَا فَلاَ تَأْسَ عَلَيْهِ جَزَعاً، وَلْيَكُنْ هَمُّكَ فِيَما بَعْدَ الْـمَوْتِ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[23] ومن كلام له (عليه السلام)
قاله قُبَيْلَ موته لمّا ضربه ابن ملجم على سبيل الوصية([1]):
وَصِيَّتِي لَكُمْ: أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئاً، وَمُحَمَّدٌ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَلاَ تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ، أَقِيمُوا هذَيْنِ الْعَمُودَينِ، وَخَلاَ كُمْ ذَمٌّ([2]).
أَنَا بِالأَمْسِ صَاحِبُكُمْ، وَالْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ، وَغَداً مُفَارِقُكُمْ، إِنْ أَبْقَ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي، وَإِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي، وَإِنْ أَعْفُ فَالْعَفْوُ لِي قُرْبَةٌ، وَهُوَ لَكُمْ حَسَنَةٌ، فَاعْفُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ. وَاللهِ مَا فَجَأَنِي مِنَ الْـمَوْتِ وَارِدٌ كَرِهْتُهُ، وَلا طَالِعٌ أَنْكَرْتُهُ، وَمَا كُنْتُ إِلَّا كَقَارِبٍ([3]) وَرَدَ، وَطَالِبٍ وَجَدَ، وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ.
وقد مضى بعض هذا الكلام فيما تقدّم من الخطب، إلّا أنّ فيه هاهنا زيادة أوجبت تكريره.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[24] ومن وصية له (عليه السلام)
بما يُعمل في أمواله، كتبها بعد منصرفه من صفين([1])
هذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أمِيرُالْـمُؤْمِنِينَ فِي مَالِهِ، ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ، لِيُولِـجَني بِهِ الْـجَنَّةَ، وَيُعْطِيَني الأَمَنَةَ.
منها
فَإِنَّهُ يَقُومُ بِذلِكَ الْـحَسَنُ بْنُ علِيٍّ، يأْكُلُ مِنْهُ بِالْـمعْرُوفِ، وَيُنْفِقُ مِنْهُ فِي المعْرُوفِ، فَإِنْ حَدَثَ بِحَسَنٍ حَدَثٌ وَحُسَيْنٌ حَيٌّ، قَامَ بِالأَمْرِ بَعْدَهُ، وَأَصْدَرَهُ مَصْدَرَهُ.
وَإِنَّ لاِبْنَيْ فَاطِمَةَ مِنْ صَدَقةِ عَلِيٍّ مِثْلَ الَّذِي لِبَنِي عَلِيٍّ، وَإِنِّي إِنَّمَا جَعَلْتُ الْقِيَامَ بِذلِكَ إِلَى ابْنَيْ فَاطِمَةَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ، وَقُرْبَةً إِلَى رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وَتَكْرِيماً لِـحُرْمَتِهِ، وَتَشْرِيفاً لِوُصْلَتِهِ.
وَيَشْتَرِطُ عَلَى الَّذِي يَجْعَلُهُ إِلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ الْـمَالَ عَلَى أُصُولِهِ([2])، وَيُنْفِقَ مِنْ ثَمَرِهِ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ وَهُدِيَ لَهُ، وَأَلَّا يَبِيعَ مِنْ أَوْلاَدِ نَخِيلِ هذِهِ الْقُرَى وَدِيَّةً حَتَّى تُشْكِلَ أَرْضُهَا غِرَاساً. وَمَنْ كَانَ مِنْ إِمَائِي ـ اللاَّتِي أَطُوفُ عَلَيْهِنَّ ـ لَـهَا وَلَدٌ، أَوْ هِيَ حَامِلٌ، فَتُمْسَكُ عَلَى وَلَدِهَا وَهِيَ مِنْ حَظِّهِ، فَإِنْ مَاتَ وَلَدُهَا وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ عَتِيقَةٌ، قَدْ أَفْرَجَ عَنْهَا الرِّقُّ، وَحَرَّرَهَا الْعِتْقُ.
قوله (عليه السلام) في هذه الوصية: «وألَّا يبيع من نخلها وَدِيَّةً»، الوَدِيَّةُ: الفَسِيلَةُ، وجمعها وَدِيٌّ. وَقوله (عليه السلام): «حتى تُشْكِلَ أرضُها غِرَاساً» هو من أفصح الكلام، والمراد به: أَنَّ الأَرْضَ يَكْثُرُ فِيهَا غِرَاسُ النَّخْلِ حتّى يَرَاها النَّاظِرُ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ الَتي عَرَفَها بها فَيُشْكِلَ عَلَيهِ أمْرُها وَيحْسبها غَيْرها.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[25] ومن وصية له (عليه السلام)
كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات([1])
وإنّما ذكرنا منها جملاً هاهنا ليُعلَمَ بها أنّه (عليه السلام) كان يقيم عماد الحقّ، ويشرع أمثلة العدل، في صغير الأمور وكبيرها، ودقيقها وجليلها:
انْطَلِقْ عَلَى تَقْوَى اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَلا تُرَوِّعَنَّ([2]) مُسْلِماً، وَلا تَجْتَازَنَّ عَلَيْهِ كَارِهاً، وَلا تَأْخُذَنَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّ اللهِ فِي مَالِهِ.
فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى الْـحَيِّ فَانْزِلْ بِمَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْيَاتَهُمْ، ثُمَّ امْضِ إِلَيْهِمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، حَتَّى تَقوُمَ بَيْنَهُمْ فَتُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ، وَلا تُخْدِجْ بِالتَّحِيَّةِ لَـهُمْ([3])، ثُمَّ تَقُولَ: عِبَادَ اللهِ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللهِ وَخَلِيفَتُهُ، لِآخُذَ مِنْكُمْ حَقَّ اللهِ فِي أَمْوَالِكُمْ، فَهَلْ للهِ فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ حَقٍّ فَتُؤَدُّوهُ إِلَى وَلِيِّهِ! فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لاَ، فَلاَ تُرَاجِعْهُ، وَإِنْ أَنْعَمَ لَكَ([4]) مُنْعِمٌ فَانْطَلِقْ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخِيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ أَوْ تَعْسِفَهُ([5]) أَوْ تُرْهِقَهُ([6])، فَخُذْ مَا أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإنْ كَانَتْ لَهُ مَاشِيَةٌ أَوْ إِبِلٌ فَلاَ تَدْخُلْهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهَا لَهُ، فَإِذَا أَتَيْتَهَا فَلاَ تَدْخُلْها دُخُولَ مُتَسَلِّطٍ عَلَيْهِ وَلا عَنِيفٍ بِهِ، وَلا تُنَفِّرَنَّ بَهِيمَةً وَلا تُفْزِعَنَّهَا،وَلَا تَسُوءَنَّ صَاحِبَهَا فِيهَا، وَاصْدَعِ الْـمَالَ([7]) صَدْعَيْنِ، ثُمَّ خَيِّرْهُ، فَإِذَا اخْتَارَ فَلاَ تَعْرِضَنَّ لِـمَا اخْتَارَهُ، ثُمَّ اصْدَعِ الْبَاقِيَ صَدْعَيْنِ، ثُمَّ خَيِّرْهُ، فَإِذَا اخْتَارَ فَلاَ تَعْرِضَنَّ لِـمَا اخْتَارَ، فَلَا تَزَالُ بِذلِكَ حَتَّى يَبْقَى مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِـحَقِّ اللهِ فِي مَالِهِ، فَاقْبِضْ حَقَّ اللهِ مِنْهُ، فَإِنِ اسْتَقَالَكَ فَأَقِلْهُ، ثُمَّ اخْلِطْهُمَا، ثُمَّ اصْنَعْ مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتَ أَوَّلاً حَتَّى تَأْخُذَ حَقَّ اللهِ فِي مَالِهِ.
وَلَا تَأْخُذَنَّ عَوْداً([8])، وَلَا هَرِمَةً([9]) ، وَلَا مَكْسُورَةً ، وَلا مَهْلُوسَةً([10]) ، وَلا ذَاتَ عَوَارٍ.
وَلاَ تَأْمَنَنَّ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ تَثِقُ بِدِينِهِ، رَافِقاً بِمَالِ الْـمُسْلِمِينَ حَتَّى يُوصِلَهُ إِلَى وَلِيِّهِمْ فَيَقْسِمَهُ بَيْنَهُمْ. وَلا تُوَكِّلْ بِهَا إِلَّا نَاصِحاً شَفِيقاً، وَأَمِيناً حَفِيظاً، غَيْرَ مُعَنِّفٍ وَلا مُجْحِفٍ، وَلا مُلْغِبٍ([11]) وَلا مُتْعِبٍ.
ثُمَّ احْدُرْ إِلَيْنَا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ، نُصَيِّرْهُ حَيْثُ أَمَرَ اللهُ بِهِ. فَإِذَا أَخذَهَا أَمِينُكَ فَأَوْعِزْ إِلَيْهِ: أَلَّا يَحُولَ بَيْنَ نَاقَةٍ وَبَيْنَ فَصِيلِهَا ، وَلا يَمْصُرَ([12]) لَبَنَهَا فَيَضُرَّ ذلِكَ بِوَلَدِهَا ، وَلا يَجْهَدَنَّهَا رُكُوباً، وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذلِكَ وَبَيْنَهَا، وَلْيُرَفِّهْ عَلَى اللاَّغِبِ([13])، وَلْيَسْتَأْنِ([14]) بِالنَّقِبِ([15]) وَالظَّالِعِ([16])، وَلْيُورِدْهَا مَا تَـمُرُّ بِهِ مِنَ الْغُدُرِ، وَلا يَعْدِلْ بِهَا عَنْ نَبْتِ الأَرْضِ إِلَى جَوَادِّ الطُّرُقِ([17])، وَلْيُرَوِّحْهَا فِي السَّاعَاتِ، وَلْـيُمْهِلْهَا عِنْدَ النِّطَافِ([18]) وَالأَعْشَابِ، حَتَّى تَأْتِيَنَا بِإِذْنِ اللهِ بُدناً مُنْقِيَاتٍ([19])، غَيْرَ مُتْعَبَاتٍ وَلا مَجْهُودَاتٍ، لِنَقْسِمَهَا عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله وسلّم) فَإِنَّ ذلِكَ أَعْظَمُ لِأجْرِكَ، وَأَقْرَبُ لِرُشْدِكَ، إِنْ شَاءَ اللهُ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[26] ومن عهد له (عليه السلام)
إلى بعض عمّاله، وقد بعثه على الصدقة
آمرَهُ بِتَقْوَى اللهِ فِي سَرَائِرِ أُمُورِهِ وَخَفِيَّاتِ أَعْمَالِهِ، حَيْثُ لا شَهِيدَ غَيْرُهُ، وَلا وَكِيلَ دُونَهُ. وَآمرَهُ أَلَّا يَعْمَلَ بِشَيْءٍ مِنْ طَاعَةِ اللهِ فِيمَا ظَهَرَ فَيُخَالِفَ إِلَى غَيْرِهِ فِيَما أَسَرَّ، وَمَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ سِرُّهُ وَعَلاَنِيَتُهُ، وَفِعْلُهُ وَمَقَالَتُهُ، فَقَدْ أَدّى الأَمَانَةَ، وَأَخْلَصَ الْعِبَادَةَ. وَآمرَهُ أَلَّا يَجْبَهَهُمْ([1])، وَلا يَعْضَهَهُمْ([2])، وَلا يَرْغَبَ عَنْهُمْ تَفَضُّلاً بِالإِمَارَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمُ الإِخْوَانُ فِي الدِّينِ، وَالأَعْوَانُ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْـحُقُوقِ.
وَإِنَّ لَكَ في هذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً، وَحَقّاً مَعْلُوماً، وَشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسْكَنَةٍ، وَضُعَفَاءَ ذَوِي فَاقَةٍ إِنَّا مُوَفُّوكَ حَقَّكَ، فَوَفِّهِمْ حُقُوقَهُمْ، وَإِلَّا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ خُصُوماً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَبُؤْساً لِـمَنْ خَصْمُهُ عِنْدَ اللهِ الْفُقَرَاءُ وَالْـمَسَاكِينُ وَالسَّائِلُونَ وَالْـمَدْفُوعُونَ وَالْغَارِمُ وَابْنُ السَّبِيلِ!
وَمَنِ اسْتَهَانَ بِالأَمَانَةِ، وَرَتَعَ فِي الْـخِيَانَةِ، وَلَمْ يُنَزِّه نَفْسَهُ وَدِينَهُ عَنْهَا، فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا الْـخِزْيَ، وَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَذَلُّ وَأَخْزَى. وَإِنَّ أَعْظَمَ الْـخِيَانَةِ خِيَانَةُ الأُمَّةِ، وَأَفْظَعَ الْغِشِّ غِشُّ الأَئِمَّةِ، وَالسَّلَامُ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[27] ومن عهد له (عليه السلام) إلى محمّد بن أبي بكر حين قلّده مصر([1])
فَاخْفِضْ لَـهُمْ جَنَاحَكَ، وَأَلِنْ لَـهُمْ جَانِبَكَ، وَابْسُطْ لَـهُمْ وَجْهَكَ، وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ، حَتَّى لا يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ لَـهُمْ([2])، وَلا يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ. وَإنَّ اللهَ تَعَالَى يُسَائِلُكُمْ مَعْشَرَ عِبَادِهِ عَنِ الصَّغِيرَةِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَالْكَبِيرَةِ، وَالظَّاهِرَةِ وَالْـمَسْتُورَةِ، فَإِنْ يُعَذِّبْ فَأَنْتُمْ أَظْلَمُ، وَإِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ.
وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ، أَنَّ الْـمُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الآخِرَةِ، فَشَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ، وَلَمْ يُشَارِكْهُمْ أَهْلُ الدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ; سَكَنُوا الدُّنْيَا بِأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ، وَأَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ، فَحَظُوا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا حَظِيَ بِهِ الْـمُتْرَفُونَ، وَأَخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ الْـجَبَابِرَةُ الْـمُتَكَبِّرُونَ، ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ الْـمُبَلِّغِ، وَالْـمَتْجَرِ الرَّابِحِ، أَصَابُوا لَذَّةَ زُهْدِ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ جِيرَانُ اللهِ غَداً فِي آخِرَتِهِمْ، لا تُرَدُّ لَـهُمْ دَعْوَةٌ، وَلا يَنْقُصُ لَـهُمْ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةٍ.
فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللهِ الْـمَوْتَ وَقُرْبَهُ، وَأَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَخَطْبٍ جَلِيلٍ، بِخَيْرٍ لا يَكُونُ مَعَهُ شَرٌّ أَبَداً؛ أَوْ شَرٍّ لا يَكُونُ مَعَهُ خَيْرٌ أَبَداً، فَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى الْـجَنَّةِ مِنْ عَامِلِهَا! وَمَنْ أَقْرَبُ إِلى النَّارِ مِنْ عَامِلِهَا! وَأَنْتُمْ طُرَدَاءُ الْـمَوْتِ([3])، إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ، وَإِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ، وَهُوَ أَلْزَمُ لَكُمْ مِنْ ظِلِّكُمْ، الْـمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُمْ، وَالدُّنْيَا تُطْوَى مِنْ خَلْفِكُمْ.
فَاحْذَرُوا نَاراً قَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَحَرُّهَا شَدِيدٌ، وَعَذَابُهَا جَدِيدٌ، دَارٌ لَيْسَ فِيها رَحْمَةٌ، وَلا تُسْمَعُ فِيهَا دَعْوَةٌ، وَلا تُفَرَّجُ فِيهَا كُرْبَةٌ. وَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَشْتَدَّ خَوْفُكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنْ يَحْسُنَ ظَنُّكُمْ بِهِ، فَاجْمَعُوا بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يَكُونُ حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ عَلَى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ ظَنّاً بِاللهِ أَشَدُّهُمْ خَوْفاً للهِ.
وَاعْلَمْ ـ يَا مُحَمَّدُ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ـ أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ أَعْظَمَ أَجْنَادِي فِي نَفْسِي أَهْلَ مِصْرَ، فَأَنْتَ مَحْقُوقٌ([4]) أَنْ تُخَالِفَ عَلَى نَفْسِكَ، وَأَنْ تُنَافِحَ([5]) عَنْ دِينِكَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلَّا سَاعَةٌ مِنَ الدَّهْرِ، وَلا تُسْخِطِ اللهَ بِرِضا أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، فَإِنَّ فِي اللهِ خَلَفاً مِنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ مِنَ اللهِ خَلَفٌ فِي غَيْرِهِ . صَلِّ الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا الْـمُوَقَّتِ لَـهَا ، وَلا تُعَجِّلْ وَقْتَهَا لِفَرَاغٍ، وَلا تُؤْخِّرْهَا عَنْ وَقْتِهَا لاشْتِغَالٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِكَ تَبَعٌ لِصَلَاتِكَ.
ومن هذا العهد
فَإِنَّهُ لا سَوَاءَ إِمَامُ الْـهُدَى وَإِمَامُ الرَّدَى، وَوَلِيُّ النَّبِىِّ وَعَدُوُّ النَّبِيِّ، وَلَقَدْ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): «إِنِّي لا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مُؤْمِناً وَلا مُشْرِكاً، أَمَّا الْـمُؤمِنُ فَيَمْنَعُهُ اللهُ بِإِيمَانِهِ، وَأَمَّا الْـمُشْرِكُ فَيَقْمَعُهُ اللهُ بِشِرْكِهِ، وَلكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلَّ مُنَافِقِ الْـجَنَانِ، عَالِمِ اللِّسَانِ، يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ، وَيَفْعَلُ مَا تُنْكِرُونَ».
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[28] ومن كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية جواباً
وهو من محاسن الكتب([1])
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ [فِيهِ] اصْطِفَاءَ اللهِ تَعَالى مُحَمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لِدِينِهِ، وَتَأْيِيدَهُ إِيَّاهُ بِمَنْ أَيَّدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَقَدْ خَبَّأَ لَنَا الدَّهْرُ مِنْكَ عَجَباً([2])، إِذْ طَفِقْتَ تُخْبِرُنَا بِبَلَاءِ اللهِ([3]) عِنْدَنَا، وَنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِي نَبِيِّنَا، فَكُنْتَ فِي ذلكِ كَنَاقِلِ التَّمْرِ إِلَى هَجَرَ([4])، أَوْ دَاعِي مُسَدِّدِهِ إِلَى النِّضَالِ([5]).
وَزَعَمْتَ أَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ فِي الإِسْلاَمِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَذَكَرْتَ أَمْراً إِنْ تَمَّ اعْتَزَلَكَ([6]) كُلُّهُ، وَإِنْ نَقَصَ لَمْ يَلْحَقْكَ ثَلْمُهُ([7])، وَمَا أَنْتَ وَالْفَاضِلَ وَالْـمَفْضُولَ، وَالسَّائِسَ وَالْـمَسُوسَ!
وَمَا لِلطُّلَقَاءِ وَأَبْنَاءِ الطُّلَقَاءِ، وَالـتَّمْييزَ بَيْنَ الْـمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، وَتَرْتِيبَ دَرَجَاتِهِمْ، وَتَعْرِيفَ طَبَقَاتِهِمْ! هَيْهَاتَ لَقَدْ حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا([8])، وَطَفِقَ يَحْكُمُ فِيهَا مَنْ عَلَيْهِ الْـحُكْمُ لَهَا!
أَلاَ تَرْبَعُ أَيُّهَا الإِنْسَانُ عَلَى ظَلْعِكَ([9])، وَتَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِكَ([10])، وَتَتَأَخَّرُ حَيْثُ أَخَّرَكَ الْقَدَرُ! فَمَا عَلَيْكَ غَلَبَةُ الْـمَغْلُوبِ، وَلا لَكَ ظَفَرُ الظَّافِرِ! وَإِنَّكَ لَذَهَابٌ فِي التِّيهِ، رَوَّاغٌ([11]) عَنِ الْقَصْدِ. أَلاَ تَرَى ـ غَيْرَ مُخْبِرٍ لَكَ، لكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أُحَدِّثُ ـ أَنَّ قَوْماً اسْتُشْهِدُوا في سَبِيلِ اللهِ مِنَ الْـمُهاجِرينَ وَلِكُلٍّ فَضْلٌ، حَتَّى إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا قِيلَ: سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ ، وَخَصَّهُ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةً عِنْدَ صَلاتِهِ عَلَيْهِ!
أَوَلاَ تَرَى أَنَّ قَوْماً قُطِّعَتْ أَيْديِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ـ وَلِكُلٍّ فَضْلٌ ـ حَتَّى إذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنَا كَمَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ، قِيلَ: الطَّيَّارُ فِي الْـجَنَّةِ وَذُوالْـجَنَاحَيْنِ! وَلَوْلاَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَـةِ الْـمَرْءِ نَفْسَـهُ ، لَذَكَـرَ ذَاكِرٌ فَضَائِـلَ جَمَّةً ، تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْـمُؤْمِنِينَ ، وَلا تَمُجُّهَا([12]) آذَانُ السَّامِعِينَ.
فَدَعْ عَنْكَ مَـنْ مَالَتْ بِه الرَّمِيَّةُ([13]) ، فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا ، وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا([14]). لَمْ يَمْنَعْنَا قَدِيمُ عِزِّنَا، وَلا عَادِيُّ طَوْلِنَا([15]) عَلَى قَوْمِكَ أَنْ خَلَطْنَاكُمْ بِأَنفُسِنَا، فَنَكَحْنَا وَأَنْكَحْنا، فِعْلَ الأَكْفَاءِ، وَلَسْتُمْ هُنَاكَ!
وَأَنَّى يَكُونُ ذلِكَ كَذَلِكَ وَمِنَّا النَّبِيُّ وَمِنْكُمُ الْـمُكَذِّبُ، وَمِنَّا أَسَدُ اللهِ وَمِنْكُمْ أَسَدُ الأَحْلاَفِ، وَمِنَّا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْـجَنَّةِ وَمِنْكُمْ صِبْيَةُ النَّارِ، وَمِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَـمِينَ وَمِنْكُمْ حَمَّالَةُ الْـحَطَبِ، فِي كَثِيرٍ مِمَّا لَنَا وَعَلَيْكُمْ!
فَإِسْلاَمُنَا مَا قَدْ سُمِعَ، وَجَاهِلِيَّتُنَا لا تُدْفَعُ([16])، وَكِتَابُ اللهِ يَجْمَعُ لَنَا مَا شَذَّ عَنَّا، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: <وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ>، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: <إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْـمُؤمِنِينَ>، فَنَحْنُ مَرَّةً أوْلَى بِالْقَرَابَةِ، وَتَارَةً أَوْلَى بِالطَّاعَةِ.
وَلَـمَّا احْتَجَّ الْـمُهَاجِرُونَ عَلَى الأَنْصَارِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ بِرَسُولِ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَلَجُوا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ يَكُنِ الْفَلَجُ بِهِ فَالْـحَقُّ لَنَا دُونَكُمْ، وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِهِ فَالأنْصَارُ عَلَى دَعْوَاهُمْ.
وَزَعَمْتَ أَنِّي لِكُلِّ الْـخُلَفَاءِ حَسَدْتُ، وَعَلَى كُلِّهِمْ بَغَيْتُ، فَإِنْ يَكُنْ ذلِكَ كَذلِكَ فَلَيْسَ الْـجِنَايَةُ عَلَيْكَ، فَيَكُونَ الْعُذْرُ إِلَيْكَ.
«وَتِلْكَ شَكَاةٌ([17]) ظَاهِرٌ([18]) عَنْكَ عَارُهَا»
وَقُلْتَ: إِنِّي كُنْتُ أُقَادُ كَمَا يُقَادُ الْـجَمَلُ الْـمَخْشُوشُ([19]) حَتَّى أُبَايِعَ، وَلَعَمْرُ اللهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَذُمَّ فَمَدَحْتَ، وَأَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ! وَمَا عَلَى الْـمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَةٍ([20]) فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُنْ شَاكّاً فِي دِينِهِ، وَلا مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ! وَهذِهِ حُجَّتِي إِلَى غَيْرِكَ قَصْدُهَا، وَلكِنِّي أَطْلَقْتُ لَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَنَحَ مِنْ ذِكْرِهَا.
ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَأَمْرِ عُثْمانَ، فَلَكَ أنْ تُجَابَ عَنْ هذِهِ لِرَحِمِكَ منْهُ، فَأَيُّنَا كَانَ أَعْدَى لَهُ، وَأَهْدَى إِلَى مَقَاتِلِهِ([21])! أَمَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ([22]) وَاسْتَكَفَّهُ([23])، أَمْ مَنِ اسْتَنْصَرَهُ فَترَاَخى عَنْهُ وَبَثَّ الْـمَنُونَ إِلَيْهِ؛ حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ؛ كَلَّا وَاللهِ لَقَد عَلِمَ اللهُ الْـمُعَوِّقِينَ([24]) مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأَتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَليلاً. وَمَا كُنْتُ لاَِعْتَذِرَ مِنْ أَنِّي كُنْتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ أَحْدَاثاً، فَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ إِلَيْهِ إِرْشَادِي وَهِدَايَتِي لَهُ، فَرُبَّ مَلُومٍ لا ذَنْبَ لَهُ.
«وَقَدْ يَسْتَفِيدُ الظِّنَّةَ الْـمُتَنَصِّحُ»
وَمَا أَرَدْتُ إِلَّا الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ. وَذَكَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي وَلا لأَصْحَابِي عِنْدَكَ إِلَّا السَّيْفُ، فَلَقَدْ أَضْحَكْتَ بَعْدَ اسْتِعْبَارٍ! مَتَى أَلْفَيْتَ بَنِـي عَبْدِ الْـمُطَّلِبِ عَنِ الأَعْدَاءِ نَاكِلِينَ، وبِالسُّيُوفِ مُخَوَّفِينَ!
فَـ(لَبِّثْ([25]) قَلِيلاً يَلْحَقِ الْـهَيْجَا حَمَلْ([26]))
فَسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ، وَيَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعِدُ، وَأَنَا مُرْقِلٌ([27]) نَحْوَكَ فِي جَحْفَلٍ([28]) مِنَ الْـمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَالتَّابِعِينَ [لَـهُمْ] بِإِحْسَانٍ، شَدِيدٍ زِحَامُهُمْ، سَاطِعٍ قَتَامُهُمْ([29])، مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ الْـمَوْتِ، أَحَبُّ اللِّقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ، قَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ، وَسُيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ، قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِـهَا فِي أَخِيكَ وَخَالِكَ وَجَدِّكَ وَأَهْلِكَ، وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[29] ومن كتاب له (عليه السلام) إلى أهل البصرة([1])
وَقَدْ كَانَ مِنِ انْتِشَارِ حَبْلِكُمْ([2]) وَشِقَاقِكُمْ مَا لَمْ تَغْبَوْا عَنْهُ([3])، فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ، وَرَفَعْتُ السَّيْفَ عَنْ مُدْبِرِكُمْ، وَقَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ. فَإِنْ خَطَتْ([4]) بِكُمُ الأُمُورُ الْـمُرْدِيَةُ، وَسَفَهُ الآرَاءِ الْـجَائِرَةِ([5])، إِلَى مُنَابَذَتِي وَخِلاَفِي، فَهَا أَنَاذَا قَدْ قَرَّبْتُ جِيَادِي([6])، وَرَحَلْتُ رِكَابِي([7]).
وَلَئِنْ أَلْـجَأْتُمُونِي إِلَى الْـمَسِيرِ إِلَيْكُمْ، لَأُوقِعَنَّ بِكُمْ وَقْعَةً لا يَكُونُ يَوْمُ الْـجَمَلِ إِلَيْهَا إِلَّا كَلَعْقَةِ([8]) لَاعِقٍ، مَعَ أَنِّي عَارِفٌ لِذِي الطَّاعَةِ مِنْكُمْ فَضْلَهُ، وَلِذِي النَّصِيحَةِ حَقَّهُ، غَيْرُ مُتَجَاوِزٍ مُتَّهَماً إِلَى بَرِيّ ٍ، وَلا ناكِثاً إِلَى وَفيٍّ.
بَابُ المُخْتَارِ مِنْ كتب أَمِير المؤمنين (عليه السلام) ورسائله
[30] ومن كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية([1])
فَاتَّقِ اللهَ فِيَما لَدَيْكَ، وَانْظُرْ في حَقِّهِ عَلَيْكَ، وَارْجِعْ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا لا تُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ، فَإِنَّ لِلطَّاعَةِ أَعْلاَماً وَاضِحَةً، وَسُبُلاً نَيِّرَةً، وَمَحَجَّةً نَهْجَةً([2])، وَغَايَةً مُطَّلَبَةً([3])، يَرِدُهَا الأَكْيَاسُ، وَيُخَالِفُهَا الأَنْكَاسُ([4])، مَنْ نَكَبَ([5]) عَنْهَا جَارَ عَنِ الْـحَقِّ، وَخَبَطَ([6]) فِي التِّيهِ، وَغَيَّرَ اللهُ نِعْمَتَهُ، وَأحَلَّ بِهِ نِقْمَتَهُ.
فَنَفْسَكَ نَفْسَكَ! فَقَدْ بَيَّنَ اللهُ لَكَ سَبِيلَكَ، وَحَيْثُ تَنَاهَتْ بِكَ أُمُورُكَ، فَقَدْ أَجْرَيْتَ إِلَى غَايَةِ خُسْرٍ، وَمَحَلَّةِ كُفْرٍ، وَإِنَّ نَفْسَكَ قَدْ أَوْحَلَتْكَ شَرّاً([7])، وَأَقْحَمَتْكَ([8]) غَيّاً، وَأَوْرَدَتْكَ الْـمَهَالِكَ، وَأَوْعَرَتْ([9]) عَلَيْكَ الْـمَسَالِكَ.