نهج البلاغة
الجزء الثاني 2
خطب أمير المؤمنين وفيه مجموعة من الخطب التي ألقاها الإمام علي على الناس.
https://www.imamali.net/?id=13446
الجزء الثاني 2
خطب أمير المؤمنين وفيه مجموعة من الخطب التي ألقاها الإمام علي على الناس.
https://www.imamali.net/?id=13446
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[1] ومن خطبة له (عليه السلام)
يذكر فيها ابتداءَ خلق السماءِ والأَرض، وخلق آدم عليه الصلاة والسلام([1])
الْـحَمْدُ للهِ الَّذِي لا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ القَائِلُونَ، وَلَا يُحْصِي نَعْمَاءَهُ العَادُّونَ، وَلَا يُؤَدِّي حَقَّهُ الْـمُجْتَهِدُونَ، الَّذِي لا يُدْرِكُهُ بُعْدُ الهِمَمِ، وَلا يَنَالُهُ غَوْصُ الفِطَنِ، الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ ، وَلا نَعْتٌ مَوْجُودٌ ، وَلا وَقْتٌ مَعْدُودٌ ، وَلا أَجَلٌ مَمْدُودٌ.
فَطَرَ الخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَنَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ، وَوَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ.
أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْديقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الاِخْلاصُ لَهُ، وَكَمَالُ الاِخْلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّها غَيْرُ المَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ، فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَد جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ [وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ]، وَمَنْ أشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ قَالَ: «فِيمَ» فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ: «عَلاَمَ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ.
كائِنٌ لا عَنْ حَدَثٍ، مَوْجُودٌ لا عَنْ عَدَمٍ، مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لا بِمُقَارَنَةٍ، وَغَيْرُ كُلِّ شيءٍ لا بِمُزَايَلَةٍ، فَاعِلٌ لا بِمَعْنَى الْـحَرَكَاتِ وَالآلَةِ، بَصِيرٌ إذْ لا مَنْظُورَ إلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ، مُتَوَحِّدٌ إذْ لا سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ وَلا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ.
أَنْشَأَ الخَلْقَ إنْشَـاءً ، وَابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً ، بـِلَا رَوِيَّةٍ أَجَالَـهَا ، وَلا تَجْرِبَةٍ اسْتَفَادَهَا ، وَلا حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا، وَلا هَمَامَةِ نَفْسٍ اضْطَرَبَ فِيهَا.
أَجَالَ الأشياءَ لاَِوْقَاتِهَا، وَلَاءَمَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا، وَغَرَّزَ غَرائِزَهَا، وَأَلزَمَهَا أشْبَاحَهَا، عَالِماً بِهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا، مُحِيطاً بِحُدُودِها وَانْتِهَائِهَا، عَارِفاً بِقَرَائِنِها وَأَحْنَائِهَا.
ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الأجْوَاءِ، وَشَقَّ الأرْجَاءِ، وَسَكَائِكَ الَهوَاءِ([2])، فأَجْرَى فِيهَا مَاءً مُتَلاطِماً تَيَّارُهُ([3])، مُتراكِماً زَخَّارُهُ([4])، حَمَلَهُ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ الْعَاصِفَةِ، وَالزَّعْزَعِ([5]) الْقَاصِفَةِ، فَأَمَرَها بِرَدِّهِ، وَسَلَّطَهَا عَلَى شَدِّهِ، وَقَرنَهَا إِلَى حَدِّهِ، الهَوَاءُ مِنْ تَحْتِها فَتِيقٌ، وَالمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِيقٌ.
ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا([6])، وَأَدَامَ مُرَبَّهَا([7])، وَأَعْصَفَ مَجْرَاها، وَأَبْعَدَ مَنْشَأهَا، فَأَمَرَها بِتَصْفِيقِ([8]) الْـمَاءِ الزَّخَّارِ، وَإِثَارَةِ مَوْجِ البِحَارِ، فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ السِّقَاءِ، وَعَصَفَتْ بهِ عَصْفَهَا بِالفَضَاءِ، تَرُدُّ أَوَّلَهُ عَلَى آخِرِهِ، وَسَاجِيَهُ عَلَى مَائِرِهِ([9])، حَتَّى عَبَّ عُبَابُهُ، وَرَمَى بِالزَّبَدِ رُكَامُهُ([10])، فَرَفَعَهُ فِي هَوَاءٍ مُنْفَتِقٍ، وَجَوٍّ مُنْفَهِقٍ([11])، فَسَوَّى مِنْهُ سَبْعَ سَمٰوَاتٍ، جَعَلَ سُفْلاَهُنَّ مَوْجاً مَكْفُوفاً([12])، وَعُلْيَاهُنَّ سَقْفاً مَحْفُوظاً، وَسَمْكاً مَرْفُوعاً، بِغَيْرِ عَمَدٍ يَدْعَمُهَا، وَلا دِسَارٍ يَنْتَظِمُهَا. ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزينَةِ الكَوَاكِبِ، وَضِياءِ الثَّوَاقِبِ، وَأَجْرَى فِيها سِرَاجاً مُسْتَطِيراً ، وَقَمَراً مُنِيراً في فَلَك دَائِرٍ ، وَسَقْفٍ سَائِر ٍ، وَرَقِيمٍ مَائِرٍ([13]).
ثُمَّ فَتَقَ([14]) مَا بَيْنَ السَّمواتِ العُلَا، فَمَلأَهُنَّ أَطْواراً مِنْ مَلائِكَتِهِ؛ مِنْهُمْ سُجُودٌ لا يَرْكَعُونَ، وَرُكُوعٌ لا يَنْتَصِبُونَ، وَصَافُّونَ لايَتَزَايَلُونَ، وَمُسَبِّحُونَ لايَسْأَمُونَ، لا يَغْشَاهُمْ نَوْمُ العُيُونِ، وَلا سَهْوُ العُقُولِ، وَلا فَترَةُ الأَبْدَانِ، ولا غَفْلَةُ النِّسْيَانِ.
وَمِنْهُمْ أُمَنَاءُ عَلَى وَحْيِهِ ، وأَلسِنَةٌ إِلَى رُسُلِـهِ ، وَمُخْتَلِفُونَ بِقَضَائِـهِ وَأَمْرِهِ. وَمِنْهُمُ الحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ، وَالسَّدَنَةُ لاَِبْوَابِ جِنَانِهِ. وَمِنْهُمُ الثَّابِتَةُ في الأرَضِينَ السُّفْلَى أَقْدَامُهُمْ، وَالمَارِقَةُ مِنَ السَّماءِ العُلْيَا أَعْنَاقُهُمْ، والخَارِجَةُ مِنَ الأقْطَارِ أَرْكَانُهُمْ، وَالـمُنَاسِبَةُ لِقَوَائِمِ العَرْشِ أَكْتَافُهُمْ، نَاكِسَةٌ دُونَهُ أَبْصارُهُمْ، مُتَلَفِّعُونَ([15]) تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ، مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ العِزَّةِ، وَأسْتَارُ القُدْرَةِ، لا يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهُمْ بِالتَّصْوِيرِ، وَلا يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفَاتِ المَصْنُوعِينَ، وَلا يَحُدُّونَهُ بِالأماكِنِ، وَلا يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالنَّظَائِرِ.
منها: في صفة خلق آدم (عليه السلام)
ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ([16]) الأرْضِ وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِهَا وَسَبَخِهَا، تُرْبَةً سَنَّهَا بِالـمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، وَلاَطَهَا([17]) بِالبَلَّةِ حَتَّى لَزُبَتْ([18])، فَجَبَلَ مِنْها صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاءٍ وَوُصُولٍ، وَأَعْضَاءٍ وَفُصُولٍ، أَجْمَدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ، وَأَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ([19])، لِوَقْتٍ مَعْدُودٍ، وَأجَلٍ مَعْلُومٍ.
ثُمَّ نَفَخَ فِيها مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْساناً ذَا أَذْهَانٍ يُجِيلُهَا، وَفِكَرٍ يَتَصَرَّفُ بِهَا، وَجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا، وَأدَوَاتٍ يُقَلِّبُهَا، وَمَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، والأَذْوَاقِ والَمشَامِّ، وَالألوَانِ وَالأَجْنَاس، مَعْجُوناً بِطِينَةِ الألوَانِ الُمخْتَلِفَةِ، وَالأَشْبَاهِ المُؤْتَلِفَةِ، وَالأَضْدَادِ المُتَعَادِيَةِ، وَالأَخْلاطِ المُـتَبَايِنَةِ، مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، وَالبَلَّةِ وَالْـجُمُودِ، وَالـمَساءَةِ وَالسُّرُورِ. وَاسْتَأدَى اللهُ سُبْحَانَهُ المَلائِكَةَ([20]) وَدِيعَتَهُ لَدَيْهِمْ، وَعَهْدَ وَصِيَّتِهِ إِلَيْهِمْ، في الإذْعَانِ بالسُّجُودِ لَهُ، وَالخُنُوعِ لِتَكْرِمَتِهِ، فَقَالَ عَزَّ مِن قائِلٍ:)اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ( وَقَبِيلَهُ([21])، اعْتَرَتْهُمُ الحَمِيَّةُ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقْوَةُ، وَتَعَزَّزُوا بِخِلْقَةِ النَّارِ، وَاسْتَوْهَنُوا خَلْقَ الصَّلْصَالِ، فَأَعْطَاهُ اللهُ تَعالَى النَّظِرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَةِ، وَاسْتِتْماماً لِلْبَلِيَّةِ، وَإِنْجَازاً لِلْعِدَةِ، فَقَالَ: ( ([فـ]إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْـمَعْلُومِ).
ثُمَّ أَسْكَنَ سُبْحَانَهُ آدَمَ دَاراً أرْغَدَ فِيهَا عَيْشَهُ، وَآمَنَ فِيهَا مَحَلَّتَهُ، وَحَذَّرَهُ إِبْلِيسَ وَعَدَاوَتَهُ، فَاغْتَرَّهُ عَدُوُّهُ نَفَاسَةً عَلَيْهِ بِدَارِ الْـمُقَامِ، وَمُرَافَقَةِ الأَبْرَارِ، فَبَاعَ الْيَقِينَ بِشَكِّهِ، وَالعَزِيمَةَ بِوَهْنِهِ، وَاسْتَبْدَلَ بِالْـجَذَلِ وَجَلاً([22])، وَبِالاغْترَارِ نَدَماً.
ثُمَّ بَسَطَ اللهُ سُبْحَانَهُ لَهُ في تَوْبَتِهِ، وَلَقَّاهُ كَلِمَةَ رَحْمَتِهِ، وَوَعَدَهُ المَرَدَّ إِلَى جَنَّتِهِ، فَأَهْبَطَهُ إِلَى دَارِ الْبَلِيَّةِ، وَتَنَاسُلِ الذُّرِّيَّةِ([23]).
وَاصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدَهِ أَنْبيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وَعَلَى تَبْلِيْغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَـمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللهِ إِلَيْهِمْ، فَجَهِلُوا حَقَّهُ، واتَّخَذُوا الأَنْدَادَ مَعَهُ، وَاجْتَالَتْهُمُ([24]) الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَاقتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَبَعَثَ فِيْهمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِياءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ([25])، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَـهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْـمَقْدِرَةِ: مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ، وَمِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ، وَمَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ، وَآجَالٍ تُفْنِيهمْ، وَأَوْصَابٍ([26]) تُهْرِمُهُمْ، وَأَحْدَاثٍ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ.
وَلَمْ يُخْلِ اللهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، أَوْ كِتَابٍ مُنْزَلٍ، أَوْ حُجَّةٍ لاَزِمَةٍ، أَوْ مَحَجَّةٍ قَائِمَةٍ؛ رُسُلٌ لا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّةُ عَدَدِهِمْ، وَلا كَثْرَةُ المُكَذِّبِينَ لَـهُمْ، مِنْ سَابِقٍ سُمِّيَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ غَابِرٍ([27]) عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ. عَلَى ذَلِكَ نُسِلَتِ القُرُونُ، وَمَضَتِ الدُّهُورُ، وَسَلَفَتِ الآباءُ، وَخَلَفَتِ الأبْنَاءُ.
إِلَى أَنْ بَعَثَ اللهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً صلّى الله عليه وآله لاِِنْجَازِ عِدَتِهِ وَتَمامِ نُبُوَّتِهِ، مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثَاقُهُ، مَشْهُورَةً سِمَاتُهُ، كَرِيماً مِيلادُهُ. وَأهْلُ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَأَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ، وَطَرَائِقُ مُتَشَتِّتَةٌ، بَيْنَ مُشَبِّهٍ للهِِ بِخَلْقِهِ، أَوْ مُلْحِدٍ في اسْمِـهِ ، أَوْ مُشِيرٍ إِلَى غَيْرِهِ ، فَهَدَاهُمْ بهِ مِنَ الضَّلاَلَـةِ ، وَأَنْقَذَهُمْ بِمَكانِهِ مِنَ الْـجَهَالَـةِ.
ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ لِـمُحَمَّدٍ صلّى الله عليه لِقَاءَهُ، وَرَضِيَ لَهُ مَا عِنْدَهُ، فَأَكْرَمَهُ عَنْ دَارِالدُّنْيَا، وَرَغِبَ بِهِ عَنْ مُقَارَنَةِ البَلْوَى، فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَرِيماً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وَخَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّفَتِ الأنْبِيَاءُ في أُمَمِها، إذْ لَم يَترُكُوهُمْ هَمَلاً، بِغَيْرِ طَرِيقٍ واضِحٍ، ولاَعَلَمٍ قَائِمٍ.
كِتَابَ رَبِّكُمْ مُبَيِّناً حَلَالَهُ وَحَرامَهُ، وَفَرَائِضَهُ وَفَضَائِلَهُ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، وَرُخَصَهُ وَعَزَائِمَهُ، وَخَاصَّهُ وَعَامَّهُ، وَعِبَرَهُ وَأَمْثَالَهُ، وَمُرْسَلَهُ وَمَحْدُودَهُ([28])، وَمُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ، مُفَسِّراً جُمَلَهُ، وَمُبَيِّناً غَوَامِضَهُ، بَيْنَ مَأْخُوذٍ مِيثَاقُ عِلْمِهِ، وَمُوَسَّعٍ عَلَى العِبَادِ فِي جَهْلِهِ، وَبَيْنَ مُثْبَتٍ فِي الكِتَابِ فَرْضُهُ، [وَ] مَعْلُوم في السُّنَّهِ نَسْخُهُ، وَوَاجبٍ في السُّنَّةِ أَخْذُهُ، مُرَخَّصٍ في الكِتابِ تَرْكُهُ، وَبَيْنَ وَاجِبٍ بِوَقْتِهِ، وَزَائِلٍ في مُسْتَقْبَلِهِ، وَمُبَايَنٍ بَيْنَ مَحَارِمِهِ([29])، مِنْ كَبِيرٍ أَوْعَدَ عَلَيْهِ نِيرَانَهُ، أَوْ صَغِيرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ، وَبَيْنَ مَقْبُولٍ في أَدْنَاهُ، ومُوَسَّعٍ في أَقْصَاهُ.
ومنها: [في ذكر الحجّ]
وَفَرَضَ عَلَيْكُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الحَرَامِ، الَّذِي جَعَلَهُ قِبْلَةً لِلأنَامِ، يَرِدُونَهُ وُرُودَ الأَنْعَامِ، وَيأْلَـهُونَ([30]) إِلَيْهِ وُلُوهَ الحَمَامِ.
جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلاَمَةً لِتَوَاضُعِهِمْ لِعَظَمَتِهِ، وَإِذْعَانِهِمْ لِعِزَّتِهِ، وَاخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ سُمَّاعاً أَجَابُوا إِلَيْهِ دَعْوَتَهُ، وَصَدَّقُوا كَلِمَتَهُ، وَوَقَفُوا مَوَاقِفَ أَنْبِيَائِهِ، وَتَشَبَّهُوا بِمَلاَئِكَتِهِ المُطِيفِينَ بِعَرْشِـهِ ، يُحْـرِزُونَ الأَرْبَاحَ فِي مَتْجَرِ عِبَادَتِـهِ ، وَيَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِـدَ مَغْفِرَتِـهِ.
جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ لِلإِسْلامِ عَلَماً، وَلِلْعَائِذِينَ حَرَماً، فَرَضَ حَجَّهُ، وَأَوْجَبَ حَقَّهُ، وَكَتَبَ عَلَيْكُمْ وِفَادَتَهُ([31])، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيْلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَـمِيْنَ).
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[2] ومن خطبة له (عليه السلام) بعد انصرافه من صفين([1])
[وفيها حال الناس قبل البعثة وصفة آل النبيّ ثمّ صفة قوم آخرين]
أحْمَدُهُ اسْتِتْماماً لِنِعْمَتِهِ، وَاسْتِسْلاَماً لِعِزَّتِهِ، واسْتِعْصَاماً مِنْ مَعْصِيَتِهِ، وَأَسْتَعِينُهُ فَاقَةً إِلى كِفَايَتِهِ، إِنَّهُ لا يَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ، وَلا يَئِلُ([2]) مَنْ عَادَاهُ، وَلا يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ; فَإِنَّهُ أَرْجَحُ ما وُزِنَ، وَأَفْضَلُ مَا خُزِنَ. وَأَشْهَدُ أَنْ لاَإِلهَ إِلاَّ اللهُ، شَهَادَةً مُمْتَحَناً إِخْلاَصُهَا، مُعْتَقَداً مُصَاصُهَا([3])، نَتَمَسَّكُ بِها أَبَداً ما أَبْقانَا، وَنَدَّخِرُهَا لأَهَاوِيلِ مَا يَلْقَانَا، فَإِنَّها عَزِيمَةُ الاِيمَانِ، وَفَاتِحَةُ الاِحْسَانِ، وَمَرْضَاةُ الرَّحْمٰنِ، وَمَدْحَرَةُ الشَّيْطَانِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أرْسَلَهُ بِالدِّينِ الـمَشْهُورِ، وَالعِلْمِ المأْثُورِ، وَالكِتَابِ المسْطُورِ، وَالنُّورِ السَّاطِعِ، وَالضِّيَاءِ اللاَّمِعِ، وَالأَمْرِ الصَّادِعِ، إزَاحَةً لِلشُّبُهَاتِ، وَاحْتِجَاجاً بِالبَيِّنَاتِ، وَتَحْذِيراً بِالآيَاتِ، وَتَخْوِيفاً لِلْمَثُلاَتِ([4])، وَالنَّاسُ فِي فِتَنٍ انْجَذَمَ([5]) فِيها حَبْلُ الدِّينِ، وَتَزَعْزَعَتْ سَوَارِي([6]) اليَقِينِ، وَاخْتَلَفَ النَّجْرُ([7])، وَتَشَتَّتَ الأمْرُ، وَضَاقَ الْـمَخْرَجُ، وَعَمِيَ المَصْدَرُ، فَالْـهُدَى خَامِلٌ، وَالعَمَى شَامِلٌ. عُصِيَ الرَّحْمنُ، وَنُصِرَ الشَّيْطَانُ، وَخُذِلَ الاِيمَانُ، فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ، وَتَنكَّرَتْ مَعَالِمُهُ، وَدَرَسَتْ سُبُلُهُ، وَعَفَتْ شُرُكُهُ([8]). أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ، وَوَرَدُوا مَنَاهِلَهُ، بِهِمْ سَارَتْ أَعْلامُهُ، وَقَامَ لِوَاؤُهُ، فِي فِتَنٍ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَا، وَوَطِئَتْهُمْ بأَظْلاَفِهَا، وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا([9])، فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ، في خَيْرِ دَارٍ، وَشَرِّ جِيرَانٍ، نَوْمُهُمْ سُهُودٌ، وَكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ، بِأَرْضٍ عَالِمُها مُلْجَمٌ، وَجَاهِلُها مُكْرَمٌ.
ومنها: ويعني آل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم)
هُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ، وَلَجَأُ أَمْرِهِ، وَعَيْبَةُ عِلْمِهِ، وَمَوْئِلُ حُكْمِهِ، وَكُهُوفُ كُتُبِهِ، وَجِبَالُ دِينِه، بِهِمْ أَقَامَ انْحِناءَ ظَهْرِهِ، وَأذْهَبَ ارْتِعَادَ فَرَائِصِهِ([10]).
ومنها: في المنافقين
زَرَعُوا الفُجُورَ، وَسَقَوْهُ الغُرُورَ، وَحَصَدُوا الثُّبُورَ([11])، لا يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام) مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ أَحَدٌ، وَلا يُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ أبَداً([12]).
هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ، وَعِمَادُ اليَقِينِ، إِلَيْهِمْ يَفِيءُ الغَالي، وَبِهِمْ يَلْحَقُ التَّالي، وَلَـهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ الوِلايَةِ، وَفِيهِمُ الوَصِيَّةُ وَالوِرَاثَةُ، الآنَ إِذْ رَجَعَ الحَقُّ إِلَى أَهْلِهِ، وَنُقِلَ إِلَى مُنْتَقَلِهِ.
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[3] ومن خطبة له (عليه السلام) المعروفة بالشِّقْشِقِيَّة([1])
[وتشتمل على الشكوى من أمر الخلافة ثم ترجيح صبره عنها ثم مبايعة الناس له]
أَمَا وَاللهِ لَقَدْ تَقَمَّصَها فُلانٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّيَ مِنهَا مَحَلُّ القُطْبِ مِنَ الرَّحَــا، يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ، فَسَدَلْتُ([2]) دُونَهَا ثَوْباً، وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً([3])، وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ([4])، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ([5]) عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فِيْهَا الكَبِيرُ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ.
فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى، فَصَبَرتُ وَفي الْعَيْنِ قَذًى، وَفي الحَلْقِ شَجاً، أرى تُرَاثي نَهْباً، حَتَّى مَضَى الأوَّلُ لِسَبِيلِهِ، فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فْلانٍ بَعْدَهُ.
ثم تمثّل بقول الأعشى:
شَتَّانَ مَا يَوْمِي عَلَى كُورِهَا
وَيَوْمُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ
فَيَا عَجَباً! بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُها([6]) في حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا([7])!
فَصَيَّرَهَا في حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ، يَغْلُظُ كَلْمُهَا([8])، وَيَخْشُنُ مَسُّهَا، وَيَكْثُرُ العِثَارُ [فِيهَا]، وَالاعْتذَارُ([9]) مِنْهَا، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ، إِنْ أَشْنَقَ لَـهَا خَرَمَ، وَإِنْ أَسْلَسَ لَـهَا تَقَحَّمَ، فَمُنِيَ النَّاسُ ـ لَعَمْرُ اللهِ ـ بِخَبْطٍ وَشِمَاسٍ([10])، وَتَلَوُّنٍ وَاعْتِرَاضٍ([11]).
فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْـمُدَّةِ، وَشِدَّةِ الِمحْنَةِ، حَتَّى إِذا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا في جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنَّي أَحَدُهُمْ؛ فَيَالِلّـهِ وَلِلشُّورَى!
مَتَى اعْترَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الأوَّلِ مِنْهُمْ، حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هذِهِ النَّظَائِرِ! لكِنَّنِي أَسفَفْتُ([12]) إِذْ أَسَفُّوا، وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا، فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِه، وَمَالَ الآخَرُ لِصِهْرهِ، مَعَ هَنٍ وَهَنٍ([13]).
إِلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ القَوْمِ، نَافِجَاً حِضْنَيْهِ([14]) بَيْنَ نَثِيلهِ([15]) وَمُعْتَلَفِهِ، وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ([16]) مَالَ اللّـهِ خَضْمَ الإبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ؛ إِلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ([17])، وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ([18]).
فَـمَا رَاعَنِي إلَّا وَالنَّاسُ إليَّ كَعُرْفِ الضَّبُعِ ، يَنْثَالُـونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حَتَّى لَقَدْ وُطِىءَ الحَسَنَانِ، وَشُقَّ عِطَافِي، مُجْتَمِعِينَ حَوْلي كَرَبِيضَةِ الغَنَمِ.
فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالأمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ، وَمَرَقَتْ أُخْرَى، وَفَسَقَ آخَرُونَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا للَّذِينَ لا يُريدُونَ عُلُوّاً في الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)؛ بَلَى! وَاللهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا، وَلكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا في أَعْيُنِهمْ، وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا.
أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْـحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ([19])، لَوْلاَ حُضُورُ الْـحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْـحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ([20]) ظَالِمٍ، وَلا سَغَبِ مَظْلُومٍ، لَأَلقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا([21])، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِها، وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ.
قالوا: وقام إِليهِ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ السَّوَادِ عِنْدَ بُلُوغِهِ إلى هذا المَوْضِعِ مِن خُطْبَتِهِ، فَنَاوَلَهُ كِتَاباً، فأقْبَلَ ينظرُ فيهِ، فلمّا فَرَغَ من قراءتِهِ قَالَ لهُ ابنُ عَبّاس رَحمةُ الله عَلَيهِ: يَا أميرَالمؤمنين، لَو اطَّرَدتْ مَقالتُكَ مِنْ حَيْثُ أَفضيتَ! فَقَالَ (عليه السلام): هَيْهَاتَ يَابْنَ عَبَّاس! تِلْكَ شِقْشِقَةٌ([22]) هَدَرَتْ([23]) ثُمَّ قَرَّتْ.
قال ابن عباسٍ: فَوَاللّـهِ ما أَسِفْتُ على كلامٍ قطُّ كأَسَفِي عَلَى ذلك الكلام أَلَّا يكون أمِيرُالمؤمنين (عليه السلام) بَلَغَ مِنهُ حيثُ أَرادَ.
قوله (عليه السلام) في هذه الخُطبةِ: «كراكبِ الصعبةِ إنْ أشَنَقَ لَـهَا خَرَمَ، وإن أسْلَسَ لَـهَا تَقَحَّمَ» يُريدُ: أنَّه إذا شدَّد عليها في جَذْبِ الزِّمام وهي تُنازِعُهُ رأْسَها خَرَمَ أَنْفَها، وإن أرْخَى لَـهَا شَيْئاً مَعَ صُعُوبَتِها تَقَحَّمَتْ به فَلَم يَمْلِكْها، يُقال: أشْنَقَ النَّاقَةَ: إذا جَذَبَ رأْسَها بالزِّمامِ فَرَفَعَهُ، وَشَنَقَها أيضاً، ذَكَر ذلك ابنُ السكّيتِ في «إصلاحِ المنطقِ». وإنّما قال (عليه السلام): «أشْنَقَ لها» ولم يقل: «أشْنَقَها»، لأنَّه جَعَلَه في مُقَابَلة قَوْلِه: «أسْلَسَ لَها»، فكَأَنَّه (عليه السلام) قال: إِنْ رَفَعَ لَـهَا رأْسَها بالزِّمامِ يعني أَمْسَكَهُ عَلَيها. وفي الحديث: انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) خَطَبَ الناس وهو على ناقةٍ قَدْ شَنَقَ لَـهَا وهي تَقْصَعُ بِجِرّتها.
ومن الشاهد على أَنَّ أشَنَقَ بمعنى شَنَقَ قولُ عَدِيِّ بنِ زيدٍ العِبَادِيّ:
سَاءَها مَا لَـهَا تَبَيَّنَ في الأيْـ
ـدِي وإِشْنَاقُها إلَى الأَعْنَاقِ
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[4] ومن خطبة له (عليه السلام)([1])
[وهي من أفصح كلامه (عليه السلام)، وفيها يعظ الناس ويهديهم من ضلالتهم،
ويقال: إنه خطبها بعد قتل طلحة والزبير]
بِنَا اهْتَدَيْتُمْ في الظَّلْمَاءِ، وَتَسَنَّمْتُمُ([2]) الْعَلْيَاءَ، وبِنَا انْفَجَرْتُمْ عَنِ السِّرَارِ([3]). وُقِرَ([4]) سَمْعٌ لَمْ يَفْقَهِ الوَاعِيَةَ؛ كَيْفَ يُرَاعِي النَّبْأَةَ([5]) مَنْ أَصَمَّتْهُ الصَّيْحَةُ؟ رُبِطَ جَنَانٌ لَمْ يُفَارِقْهُ الخَفَقَانُ.
مَا زِلتُ أَنْتَظِرُ بِكُمْ عَوَاقِبَ الغَدْرِ، وَأَتَوَسَّمُكُمْ بِحِلْيَةِ الـمُغْتَرِّينَ ، حَتَّى سَتَرَنِي عَنْكُمْ جِلْبَابُ الدِّينِ، وَبَصَّرَنِيكُمْ صِدْقُ النِّيَّةِ. أَقَمْتُ لَكُمْ عَلَى سَنَنِ الحَقِّ في جَوَادِّ الـمَضَلَّةِ، حيْثُ تَلْتَقُونَ وَلا دَلِيلَ، وَتَحْتَفِرُونَ وَلا تُميِهُونَ([6]).
اليَوْمَ أُنْطِقُ لَكُمُ العَجْمَاءَ([7]) ذاتَ البَيَانِ. عَزَبَ رَأْيُ امْرِئٍ تَخَلَّفَ عَنِّي، مَا شَكَكْتُ في الحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ. لَمْ يُوجِسْ مُوسَى خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ، أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الجُهَّالِ وَدُوَلِ الضُّلَّالِ. اليَوْمَ تَوَاقَفْنَا عَلَى سَبِيلِ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، مَنْ وَثِقَ بِمَاءٍ لَمْ يَظْمَأْ.
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[5] ومن كلام له (عليه السلام) لـمّا قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)
وخاطبه العباس وأبوسفيان بن حرب في أن يبايعاه بالخلافة([1]):
أَيُّها النَّاسُ، شُقُّوا أَمْوَاجَ الفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ، وَعَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ الـمُنَافَرَةِ، وَضَعُوا تِيجَانَ الـمُفَاخَرَةِ. أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ، أوِ اسْتَسْلَمَ فَأَراحَ. مَاءٌ آجِنٌ، وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا، وَمُجْتَنِي الثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كالزَّارعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ.
فَإِنْ أقُلْ يَقُولُوا: حَرَصَ عَلَى الـمُلْكِ، وَإنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا: جَزِعَ مِنَ الْـمَوْتِ، هَيْهَاتَ بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي! وَاللهِ لَابْنُ أَبي طَالِبٍ آنَسُ بِالمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْي أُمِّهِ، بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لاَضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الأرْشِيَةِ([2]) في الطَّوِيِّ البَعِيدَةِ([3])!
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[6] ومن كلام له (عليه السلام)
لـمّا أشير عليه بألا يتبع طلحةَ والزبيرَ ولا يُرصدَ لهما القتال([1])
وَاللهِ لا أَكُونُ كَالضَّبُعِ([2]): تَنَامُ عَلى طُولِ اللَّدْمِ([3])، حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهَا طَالِبُهَا، وَيَخْتِلَهَا رَاصِدُها، وَلكِنِّي أَضْرِبُ بِالـمُقْبِلِ إِلَى الْـحَقِّ الـمُدْبِرَ عَنْهُ، وَبِالسَّامِعِ الـمُطِيعِ العَاصِيَ الـمُريبَ أَبَداً، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيَّ يَوْمِي؛ فَوَاللهِ مَا زِلتُ مَدْفُوعاً عَنْ حَقِّي، مُسْتَأْثَراً عَلَيَّ، مُنْذُ قَبَضَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) حَتَّى يَوْمِ النَّاسِ هذَا.
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[7] ومن خطبة له (عليه السلام) يذم فيها أتباع الشيطان([1])
اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لِأَمْرِهِمْ مِلاَكاً([2])، وَاتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكاً، فَبَاضَ وَفَرَّخَ فِي صُدُورِهِمْ، وَدَبَّ وَدَرَجَ في حُجُورِهِمْ، فَنَظَرَ بِأَعْيُنِهِمْ، وَنَطَقَ بِأَلسِنَتِهِمْ، فَرَكِبَ بِهِمُ الزَّلَلَ، وَزَيَّنَ لَـهُمُ الخَطَلَ([3])، فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَهُ الشَّيْطَانُ في سُلْطَانِهِ، وَنَطَقَ بِالبَاطِلِ عَلى لِسَانِهِ!
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[8] ومن كلام له (عليه السلام) يعني به الزبير([1])
[ويدعوه للدخول في البيعة ثانية]
يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ بَايَعَ بِيَدِهِ، وَلَمْ يُبَايعْ بِقَلْبِهِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِالبَيْعَةِ، وَادَّعَى الوَلِيجَةَ، فَلْيَأْتِ عَلَيْهَا بِأَمْرٍ يُعْرَفُ، وَإِلَّا فَلْيَدخُلْ فِيَما خَرَجَ مِنْهُ.
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[9] ومن كلام له (عليه السلام) ([1])
[في صفته وصفة خصومه ويقال إنَّها في أصحاب الجمل]
وقَدْ أَرْعَدُوا وَأبْرَقُوا، وَمَعَ هٰذَيْنِ الأمْرَيْنِ الفَشَلُ، وَلَسْنَا نُرْعِدُ حَتَّى نُوقِعَ، وَلا نُسِيلُ حَتَّى نُمْطِرَ.
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[10] ومن خطبة له (عليه السلام) ([1])
[يريد الشيطان أو يكنّي به عن قوم]
أَلاَ وإنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ وَاسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَرَجِلَهُ، وإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتي؛ مَا لَبَّسْتُ عَلَى نَفْسِي، وَلا لُبِّسَ عَلَيَّ. وَايْمُ اللهِ لَأُفْرِطَنَّ ([2]) لَـهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ([3])، لا يَصْدِرُونَ عَنْهُ، وَلا يَعُودُونَ إِلَيْهِ([4]).
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[11] ومن كلام له (عليه السلام)
لابنه محمّد بن الحنفية لمّا أعطاه الراية يوم الجمل([1])
تَزُولُ الجِبَالُ وَلا تَزُلْ، عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ([2])، أَعِرِ اللهَ جُمجُمَتَكَ، تِدْ([3]) في الأرْضِ قَدَمَكَ، إِرْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى القَوْمِ ، وَغُضَّ بَصَرَكَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ سُبْحَانَهُ.
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[12] ومن كلام له (عليه السلام) لما أظفره الله تعالى بأصحاب الجمل([1])
وقد قال له بعض أصحابه:
وددت أنّ أخي فلاناً كان شاهداً ليرى ما نصرك الله به على أعدائك، فقال له (عليه السلام):
أَهَوَى أَخِيكَ مَعَنَا؟ قال: نَعَم. قالَ: فَقَدْ شَهِدَنَا، وَلَقَدْ شَهِدَنَا في عَسْكَرِنَا هذَا قَـوْمٌ في أَصْلَابِ الرِّجَـالِ ، وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ ، سَيَرْعُفُ بِهِمُ الزَّمَانُ([2]) ، ويَقْـوَى بِهِمُ الاِيمَانُ.
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[13] ومن كلام له (عليه السلام)
في ذم البصرة وأهلها [بعد وقعة الجمل]( ([1]
كُنْتُمْ جُنْدَ الْـمَرْأَةِ، وَأَتْبَاعَ البَهِيمَةِ، رَغَا([2]) فَأَجَبْتُم، وَعُقِرَ فَهَرَبْتُمْ. أَخْلاَقُكُمْ دِقَاقٌ، وَعَهْدُكُمْ شِقَاقٌ، وَدِيْنُكُمْ نِفَاقٌ، وَمَاؤُكُمْ زُعَاقٌ([3]). المُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهَنٌ بِذَنْبِهِ، وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكٌ بِرَحْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ؛ كَأَ نِّي بِمَسْجِدِكُمْ كَجُؤْجُؤِ سَفِينَةٍ([4])، قَدْ بَعَثَ اللهُ عَلَيْها العَذَابَ مِنْ فَوْقِها وَمِنْ تَحتِها، وَغَرِقَ مَنْ في ضِمْنِها.
وفي رواية أُخرى: وَأيْمُ اللهِ لَتَغْرَقَنَّ بَلْدَتُكُمْ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى مَسْجِدِهَا كَجُؤْجُؤِ سَفِينَةٍ، أَوْ نَعَامَةٍ جَاثِمَةٍ([5]).
ويُروى: كَجُؤْجُؤِ طَيْرٍ في لُـجَّةِ بَحْرٍ([6]).
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[15] ومن كلام له (عليه السلام)
فيما ردّه على المسلمين من قطائع عثمان([1])
وَاللهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَمُلِكَ بِهِ الإِمَاءُ لَرَدَدْتُهُ; فَإِنَّ في العَدْلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ العَدْلُ، فَالجَوْرُ عَلَيْهِ أَضيَقُ!
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[16] خطبة له (عليه السلام) لما بويع بالمدينة([1])
[وفيها يخبر الناس بعلمه بما تؤول إليه أحوالهم وفيها يقسمهم إلى أقسام]
ذِمَّتي بِمَا أَقُولُ رَهِينَةٌ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ: إِنَّ مَنْ صَرَّحَتْ([2]) لَهُ العِبَرُ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الـمَثُلاتِ([3])، حَجَزَهُ التَّقْوَى عَنْ تَقَحُّمِ الشُّبُهَاتِ.
أَلاَ وَإِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللهُ نَبِيَّهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً([4])، وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً، وَلَتُسَاطُنَّ سَوْطَ القِدْرِ([5]). حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاَكُمْ، وَأَعْلاَكُمْ أَسْفَلَكُمْ، وَلَيَسْبِقَنَّ سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا، وَلَيُقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا.
وَاللهِ مَا كَتَمْتُ وَشْمَةً([6])، وَلا كَذَبْتُ كِذْبَةً، وَلَقَدْ نُبِّئْتُ بِهذا المَقامِ وَهذَا اليَوْمِ.
أَلاَ وَإِنَّ الخَطَايَا خَيْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُها، وَخُلِعَتْ لُجُمُهَا، فَتَقَحَّمَتْ بِهِمْ فِي النَّارِ. أَلاَ وَإِنَّ التَّقْوَى مَطَايَا ذُلُلٌ، حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَأُعْطُوا أَزِمَّتَها، فَأَوْرَدَتْهُمُ الجَنَّةَ حَقٌّ وَبَاطِلٌ، وَلِكُلٍّ أَهْلٌ، فَلَئِنْ أَمِرَ البَاطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ، وَلَئِنْ قَلَّ الحقُّ لَرُبَّما وَلَعَلَّ، وَلَقَلَّمَا أَدْبَرَ شَيءٌ فَأَقْبَلَ.
ومن هذه الخطبة
شُغِلَ مَنِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ أَمَامَهُ! سَاعٍ سَرِيعٌ نَجَا، وَطَالِبٌ بَطِيءٌ رَجَا، وَمُقَصِّرٌ في النَّارِ هَوَى. اليَمِينُ وَالشِّمالُ مَضَلَّةٌ، وَالطَّرِيقُ الوُسْطَى هِيَ الجَادَّةُ، عَلَيْهَا بَاقِي الكِتَابِ، وَآثَارُ النُّبُوَّةِ، وَمِنْهَا مَنْفَذُ السُّنَّةِ، وَإلَيْهَا مَصِيرُ العَاقِبَةِ.
هَلَكَ مَنِ ادَّعَى، وَخَابَ مَنِ افْترَى، مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ عِنْدَ جَهَلَةِ النَّاسِ، وَكَفَى بِالْـمَرْءِ جَهْلاً أَلَّا يَعْرِفَ قَدْرَهُ، لا يَهْلِكُ عَلَى التَّقْوَى سِنْخُ أَصْلٍ([7])، وَلايَظْمَأُ عَلَيْهَا زَرْعُ قَوْمٍ؛ فَاسْتَتِرُوا بِبُيُوتِكُمْ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، وَالتَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ، وَلا يَحْمَدْ حَامِدٌ إِلَّا رَبَّهُ، وَلا يَلُمْ لاَئِمٌ إِلَّا نَفْسَهُ.
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[17] ومن كلام له (عليه السلام)
في صفة من يتصدّى للحكم بين الأُمة وليس لذلك بأَهل([1])
إِنَّ أَبْغَضَ الخَلائِقِ إِلَى اللهِ تعالى رَجُلانِ: رَجُلٌ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ؛ فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، مَشْعُوفٌ بِكَلاَمِ بِدْعَةٍ، وَدُعَاءِ ضَلاَلَةٍ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِـمَنِ افْتَتَنَ بِهِ، ضَالٌّ عَنْ هُدَىٰ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، مُضِلٌّ لِـمَنِ اقْتَدَىٰ بِهِ في حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، حَمَّالُ خَطَايَا غَيْرِهِ، رَهْنٌ بِخَطِيئَتِهِ.
وَرَجُلٌ قَمَشَ([2]) جَهْلاً، مُوضِعٌ([3]) في جُهَّالِ الأُمَّةِ، غَارٌّ فِي أَغْبَاشِ([4]) الفِتْنَةِ، عَمٍ([5]) بِمَا في عَقْدِ الهُدْنَةِ، قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالمِاً؛ وَلَيْسَ بِهِ. بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْعٍ، مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ، حَتَّى إِذَا ارْتَوَى مِنْ آجِنٍ، وَأكْثَرَ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ، جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا التَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ. فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْـمُبْهَمَـاتِ هَيَّأَ لَـهَا حَشْواً رَثّاً مِنْ رَأْيِهِ، ثُمَّ قَطَعَ بِهِ، فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ في مِثْلِ نَسْجِ العَنْكَبُوتِ: لايَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ، إنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ، وَإِنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ. جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهَلاتٍ، عَاشٍ([6]) رَكَّابُ عَشَوَاتٍ([7])، لَمْ يَعَضَّ عَلَى العِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ، يُذرِي الرِّوَايَاتِ إذْراءَ الرِّيحِ الهَشِيمَ، لا مَلِئٌ([8]) وَاللهِ بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ [وَلا هُوَ أَهْلٌ لِـمَا فُوِّضَ إِلَيْهِ]، لا يَحْسَبُ العِلْمَ فِي شيْءٍ مِمَّا أَنْكَرَهُ، وَلا يَرَى أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ مِنْهُ مَذْهَباً لِغَيْرهِ، وَإِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ اكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ، تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ، وَتَعِجُّ مِنْهُ المَوَارِيثُ.
إِلَى اللهِ [أَشْكُو] مِنْ مَعْشَرٍ يَعِيشُونَ جُهَّالاً، وَيَمُوتُونَ ضُلَّالاً؛ لَيْسَ فِيهِمْ سِلْعَةٌ أَبْوَرُ مِنَ الكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ، وَلا سِلْعَةٌ أَنْفَقُ بَيْعاً([9]) وَلا أَغْلَى ثَمَناً مِنَ الكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلا عِنْدَهُمْ أَنْكَرُ مِنَ المَعْرُوفِ، وَلا أَعْرَفُ مِنَ الْـمُنْكَرِ!
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[18] ومن كلام له (عليه السلام) في ذمّ اختلاف العلماء في الفتيا([1])
[وفيه يذم أهل الرأي ويكل أمر الحكم في أمور الدين للقرآن]
تَـرِدُ عَلَى أحَدِهِمُ القَضِيَّةُ في حُكْمٍ مِنَ الأحْكَامِ فَيَحْكُمُ فِيهَا بِرَأْيِـهِ ، ثُمَّ تَرِدُ تِلْكَ القَضِيَّةُ بِعَيْنِهَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَحْكُمُ فِيها بِخِلَافِ قَوْلِهِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ القُضَاةُ بِذلِكَ عِنْدَ إمامِهِمُ الَّذِي اسْتَقْضَاهُم، فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُمْ جَمِيعاً، وَإِلٰـهُهُمْ وَاحِدٌ، وَنَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ، وَكِتَابُهُمْ وَاحِدٌ.
أَفَأَمَرَهُمُ اللهُ ـ سُبْحَانَهُ ـ بِالاخْتِلَافِ فَأَطَاعُوهُ! أَمْ نَهَاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ! أَمْ أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ دِيناً نَاقِصاً فَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى إِتْمَامِهِ! أَمْ كَانُوا شُرَكَاءَ لَهُ فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى! أَمْ أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ دِيناً تَامّاً فَقَصَّرَ الرَّسُولُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) عَنْ تَبْلِيغِهِ وَأَدَائِهِ؛ وَاللهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (مَا فَرَّطْنَا في الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) وَفِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَذَكَرَ أَنَّ الكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَأَنَّهُ لا اخْتِلافَ فِيهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً).
وَإِنَّ القُرآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ، وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لا تَفْنَى عَجَائِبُهُ، وَلاَتَنْقَضِي غَرَائِبُهُ، وَلا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إلَّا بِهِ.
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[19] ومن كلام له (عليه السلام)
قاله للأشعث بن قيس([1]) وهو على منبر الكوفة يخطب([2])
فمضى في بعض كلامه شيء اعترضه الأشعث، فقال: يا أميرالمؤمنين، هذه عليك لا لك، فخفض (عليه السلام) إليه بصره ثم قال:
ومَا يُدْرِيكَ مَا عَلَيَّ مِمَّا لِي! عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللهِ وَلَعْنَةُ اللاَّعِنِينَ؛ حَائِكٌ ابْنُ حَائِكٍ! مُنَافِقٌ ابْنُ كُافِرٍ. وَاللهِ لَقَدْ أَسَرَكَ الكُفْرُ مَرَّةً وَالإسْلَامُ أُخْرَى، فَمَا فَداكَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَالُكَ وَلا حَسَبُكَ. وَإِنَّ امْرَأً دَلَّ عَلَى قَوْمِهِ السَّيْفَ، وَسَاقَ إِلَيْهِمُ الحَتْفَ، لَحَرِيٌّ أَنْ يَمْقُتَهُ الأقْرَبُ، وَلا يَأْمَنَهُ الأبْعَدُ.
يريد (عليه السلام): أنَّه أُسِرَ في الكفر مرّةً وفي الإِسلام مرّةً.
وأمّا قولُهُ: «دَلَّ على قومِهِ السيفَ»، فأرادَ به: حديثاً كان للأشعث مع خالد ابن الوليد باليمامة، غرَّ فيه قومَهُ ومكر بِهِم حتى أوقَعَ بهم خالدٌ، وكان قومَهُ بَعْدَ ذلك يُسَمُّونَهُ «عُرْفَ النَّارِ»، وهو اسمٌ للغادر عندهم.
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[20] ومن خطبة له (عليه السلام) ([1])
[وفيها ينفر من الغفلة وينبّه إلى الفرار لله]
فَإِنَّكُمْ لَوْ عَايَنْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ لَجَزِعْتُمْ وَوَهِلْتُمْ([2])، وَسَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ، وَلكِنْ مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ مَا عَايَنُوا، وَقَرِيبٌ مَّا يُطْرَحُ الحِجَابُ. وَلَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ، وَأُسْمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ، وَهُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ؛ وَبِحَقٍّ أَقَولُ لَكُمْ: لَقَدْ جَاهَرَتْكُمُ العِبَرُ، وَزُجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ، وَمَا يُبَلِّغُ عَنِ اللهِ بَعْدَ رُسُلِ السَّماءِ إِلَّا البَشَرُ.
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[21] ومن خطبة له (عليه السلام)([1])
[وهي كلمة جامعة للعظة والحكمة]
فإِنَّ الغَايَةَ أَمَامَكُمْ، وَإِنَّ وَرَاءَكُمُ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ، تَخَفَّفُوا تَلْحَقوا، فَإنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ.
أقول: إنَّ هذا الكلام لو وُزِن بَعْدَ كلام اللهِ سُبحانه وكلام رسوله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بكل كلام لَـمَالَ بِهِ راجحاً، وَبَرَّزَ عليه سَابقاً([2]).
فأمّا قولُه (عليه السلام): «تَخَفَّفُواَ تَلْحَقُوا»، فما سُمِع كلام أقَلُّ منه مسموعاً، ولا أكثَرُ منه محصولاً، وما أبْعَدَ غَوْرَها من كلمةٍ! وأنْقَعَ([3]) نُطْفَتَها([4]) مِن حِكْمَةٍ! وقد نبّهنا في كتابِ «الخصائصِ» على عِظَم قَدْرِها، وشَرَف جَوْهَرِها.
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[22] ومن خطبة له (عليه السلام) ([1])
[حين بلغه خبر الناكثين ببيعته]
أَلا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ذَمَّرَ([2]) حِزْبَهُ، وَاسْتَجْلَبَ جَلَبَهُ([3])، لِيَعُودَ الجَوْرُ إِلَى أَوْطَانِهِ، وَيَرْجِعَ البِاطِلُ إِلَى نِصَابِهِ. وَاللهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً، وَلا جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ نَصَفاً.
وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقّاً تَرَكُوهُ، وَدَماً هُمْ سَفَكُوهُ، فَلَئِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَـهُمْ لَنَصِيبَهُمْ مِنْهُ، وَلَئِنْ كَانُوا وَلوهُ دُوني؛ فَمَا التَّبِعَةُ إِلَّا عِنْدَهُمْ. وَإِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِهِمْ لَعَلَى أَنْفُسِهِمْ؛ يَرْتَضِعُونَ أُمّاً قَدْ فَطَمَتْ([4])، وَيُحْيُونَ بِدْعَةً قَدْ أُمِيتَتْ.
يا خَيْبَةَ الدَّاعِي! مَنْ دَعَا! وَإِلاَمَ أُجِيبَ! وَإِنِّي لَرَاضٍ بِحُجَّةِ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَعِلْمِهِ فِيهِمْ. فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَيْتُهُمْ حَدَّ السَّيْفِ، وَكَفَى بِهِ شَافِياً مِنَ البَاطِلِ، وَنَاصِراً لِلْحَقِّ، وَمِنَ العَجَبِ بَعْثُهُمْ إِلَيَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطِّعَانِ، وَأَنْ أصْبِرَ لِلْجِلَادِ! هَبِلَتْهُمُ الهَبُولُ([5])، لَقَدْ كُنْتُ وَمَا أُهَدَّدُ بِالحَرْبِ، وَلا أُرَهَّبُ بِالضَّرْبِ؛ وَإِنِّي لَعَلَى يَقِينٍ مِنْ رَبِّي، وَغَيْرِ شُبْهَةٍ مِنْ دِيني [وَشَكٍّ فِي مُنْطَوَايَ].
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[23] ومن خطبة له (عليه السلام) (3)
[وتشتمل على تهذيب الفقراء بالزهد وتأديب الأغنياء بالشفقة]
أمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الأمْرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ إِلَى الأرْضِ كَقَطرِ المَطَرِ إِلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا قُسِمَ
لَـهَا مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ؛ فإذا رَأَى أَحَدُكُمْ لاَِخِيهِ غَفِيرَةً([1]) في أَهْلٍ أَوْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ فَلَا تَكُونَنَّ لَهُ فِتْنَةً، فَإِنَّ المَرْءَ المُسْلِمَ مَا لَمْ يَغْشَ دَنَاءَةً تَظْهَرُ فَيَخْشَعُ لَـهَا إِذَا ذُكِرَتْ، وَيُغْرَى بِهَا لِئَامُ النَّاسِ، كانَ كَالفَالِجِ اليَاسِرِ([2]) الَّذِي يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ تُوجِبُ لَهُ المَغْنَمَ، وَيُرْفَعُ عَنْهُ بِهَا المَغْرَمُ. وَكَذْلِكَ المَرْءُ الـمُسْلِمُ البَرِيءُ مِنَ الخِيَانَةِ يَنْتَظِرُ مِنَ اللهِ إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ؛ إِمَّا دَاعِيَ اللهِ فَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لَهُ، وَإِمَّا رِزْقَ اللهِ، فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْلٍ وَمَالٍ، وَمَعَهُ دِينُهُ وَحَسَبُهُ.
إِنَّ المَالَ وَالبَنِينَ حَرْثُ الدُّنْيَا، والعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْثُ الآخِرَةِ؛ وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا اللهُ لِأَقْوَامٍ، فَاحْذَرُوا مِنَ اللهِ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَاخْشَوْهُ خَشْيَةً لَيْسَتْ بِتَعْذِيرٍ([3])، وَاعْمَلُوا في غَيْرِ رِيَاءٍ وَلا سُمْعَةٍ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ لِغَيْرِ اللهِ يَكِلْهُ اللهُ إِلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ. نَسْأَلُ اللهَ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَمُعَايَشَةَ السُّعَدَاءِ، وَمُرَافَقَةَ الأنْبِيَاءِ.
أَيُّهَا النّاسُ، إِنَّهُ لا يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ عَنْ عَشِيرَتِهِ، وَدِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ وَأَلسِنَتِهمْ، وَهُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَيْطَةً([4]) مِنْ وَرَائِهِ، وأَلَـمُّهُمْ لِشَعَثِهِ، وَأَعْطَفُهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَةٍ إنْ نَزَلَتْ بِهِ، وَلِسَانُ الصِّدْقِ يَجْعَلُهُ اللهُ لِلْمَرْءِ في النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ المَالِ يُورِّثُهُ غيرَهُ.
منها
أَلَا لا يَعْدِلَنَّ أَحَدُكُمْ عَنِ القَرَابَةِ يَرَى بِهَا الخَصَاصَةَ أنْ يَسُدَّهَا بِالَّذِي لايَزِيدُهُ إِنْ أَمْسَكَهُ وَلا يَنْقُصُهُ إِنْ أَهْلَكَهُ، وَمَنْ يَقْبِضْ يَدَهُ عَنْ عَشِيرَتِهِ، فَإِنَّمَا تُقْبَضُ مِنْهُ عَنْهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ، وَتُقْبَضُ مِنْهُمْ عَنْهُ أَيْدٍ كَثِيرَةٌ; وَمَنْ تَلِنْ حَاشِيَتُهُ يَسْتَدِمْ مِنْ قَوْمِهِ المَوَدَّةَ.
قال السيد: [أقُولُ: الغَفِيرَةُ ـ هاهنا ـ الزِّيادةُ والكثرةُ؛ مِن قولِهمِ للجمعِ الكثير: الجَمُّ الغفِير، والجمّاءُ الغَفِير. ويُرْوى: «عَفْوَةً من أهل أو مالٍ»، والعَفْوَة: الخِيار من الشَّيء؛ يقال: أكلتُ عَفْوَة الطعامِ، أي: خِيارَه] وما أحسنَ المعنى الذي أراده (عليه السلام) بقوله: «ومن يَقْبضْ يده عن عشيرته...» إلى تمام الكلام، فإنَّ الـمُمْسِك خَيْرَه عن عَشِيرَتِه إِنّما يُمسِكُ نَفْعَ يدٍ واحدةٍ; فإذا احتاج إلى نُصرَتِهم، واضْطَرَّ إلى مرافَدَتِهِم، قَعدُوا عن نصرِهِ، وَتَثاقَلوا عن صَوْتِهِ([5])؛ فَمُنِع ترافُدَ الأيدي الكثيرةِ، وتَنَاهُضَ الأقدامِ الـجَمّةِ.
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[24] ومن خطبة له (عليه السلام) ([1])
[وهي كلمة جامعة له]
وَلَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الحَقَّ، وَخَابَطَ الغَيَّ([2])، مِنْ إِدْهَانٍ وَلا إِيهَانٍ([3]). فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَفِرُّوا إِلَى اللهِ مِنَ اللهِ، وَامْضُوا فِي الَّذِي نَهَجَهُ لَكُمْ ، وَقُومُوا بِمَا عَـصَبَهُ بِكُمْ([4]) ، فَعَلِيٌّ ضَامِنٌ لِفَلْجِكُمْ([5]) آجِلاً ، إِنْ لَمْ تُمنَحُوهُ عَاجِلاً.
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[25] ومن خطبة له (عليه السلام)([1])
وقد تواترت عليه الأَخبار باستيلاءِ أصحاب معاوية على البلاد، وقدم عليه عاملاه على اليمن ـ وهما عبيدالله بن العباس وسعيد بن نمران ـ لمّا غلب عليها بُسْرُ بن أبي أَرْطَاة، فقام (عليه السلام) إلى المنبر ضجراً بتثاقل أَصحابه عن الجهاد، ومخالفتهم له في الرأْي، وقال:
مَا هِيَ إِلاَّ الكُوفَةُ، أقْبِضُهَا وَأَبْسُطُهَا، إنْ لَمْ تَكُوني إِلاَّ أَنْتِ، تَهُبُّ أَعَاصِيرُكِ، فَقَبَّحَكِ اللهُ!
وتمثّل:
لَعَمْرُ أَبِيكَ الـخَيْرِ يَا عَمْرُو إِنَّني عَلَى وَضَرٍ([2]) ـ مِنْ ذَا الاِنَاءِ ـ قَلِيلِ
ثم قال (عليه السلام): أُنْبِئْتُ بُسْراً قَدِ اطَّلَعَ اليَمَنَ، وَإِنِّي وَاللهِ لَأظُنُّ هؤُلاءِ القَوْمَ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ([3]) بِاجْتِماعِهمْ عَلَى بَاطِلِهمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ، وَبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ في الحَقِّ، وَطَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ في البَاطِلِ، وَبِأَدَائِهِمُ الأمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَخِيَانَتِكُمْ، وَبِصَلاَحِهمْ في بِلَادِهِمْ وَفَسَادِكُمْ، فَلَوِ ائْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبٍ لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلاَقَتِهِ.
اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَمَلُّوني، وَسَئِمْتُهُمْ وَسَئِمُوني، فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ، وأَبْدِلْـهُمْ بِي شَرَّاً مِنِّي([4]).
اللَّهُمَّ مِثْ([5]) قُلُوبَهُمْ كَمَا يُمَاثُ الْـمِلْحُ فِي الْـمَاءِ.
أَمَا وَاللهِِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِـِي بِكُمْ أَلفَ فَارِسٍ مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ:
هُنَالِكَ، لَوْ دَعَوْتَ، أَتَاكَ مِنْهُمْ
فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِيَةِ الحَمِيمِ
ثم نزل (عليه السلام) من المنبر.
قال السيد: قلتُ أنا: والأرْمِيةُ جمع رَمِيٍّ وهو: السحابُ، والحميمُ في هذا الموضع: وقتُ الصيفِ، وإنّما خصَّ الشاعر سحابَ الصيفِ بالذكر لأنّه أشدُّ جفُولاً، وَأسرعُ خُفوفاً([6])، لأنّه لا ماءَ فيه، وإنّما يكون السحابُ ثَقِيلَ السَّيْرِ لامْتِلائِهِ بالماءِ؛ وذلك لا يكون في الأكثرِ إلّا في أزمان الشتاء، وإنّما أراد الشاعر وصفَهم بالسرعةِ إذا دُعوا، والإغاثةِ إذا استُغِيثُوا، والدليل على ذلك قوله: «هنالك، لو دَعَوْتَ، أتاكَ مِنْهُمْ...».
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[26] ومن خطبة له (عليه السلام) ([1])
[وفيها يصف العرب قبل البعثة ثم يصف حاله قبل البيعة له]
إِنَّ اللهَ سُبحَانَه بَعَثَ مُحَمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ، وَفِي شَرِّ دَارٍ، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجارَةٍ خُشْنٍ، وَحَيَّاتٍ صُمٍّ، تَشْرَبُونَ الكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ الجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ، الأصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَالآثامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ.
منها
فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلاَّ أَهْلُ بَيْتِي، فَضَنِنْتُ بِهمْ عَنِ المَوْتِ، وَأَغْضَيْتُ عَلَى القَـذَى([2]) ، وَشَرِبْتُ عَلَى الشَّجَـا ، وَصَبَرْتُ عَلَى أَخْـذِ الكَظَمِ([3])، وَعَلىْ أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ العَلْقَمِ.
ومنها
وَلَمْ يُبَايعْ([4]) حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهُ عَلَى البَيْعَةِ ثَمَناً، فَلاَ ظَفِرَتْ يَدُ المبايِعِ، وخَزِيَتْ أَمَانَةُ المُبْتَاعِ! فَخُذُوا لِلْحَرْبِ أُهْبَتَهَا([5])، وَأعِدُّوا لَـهَا عُدَّتَهَا، فَقَدْ شَبَّ لَظَاهَا([6])، وَعَلَا سَنَاهَا([7]) [وَاسْتَشْعِرُوا الصَّبْرَ فَإِنَّهُ أَدْعَى إِلَى النَّصْرِ].
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[27] ومن خطبة له (عليه السلام) ([1])
[وقد قالها يستنهض بها الناس حين ورد خبر غزو الأنبار بجيش معاوية فلم ينهضوا، وفيها يذكر فضل الجهاد، ويستنهض الناس، ويذكر علمه بالحرب، ويلقي عليهم التبعة لعدم طاعته]:
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِباسُ التَّقْوَى، وَدِرْعُ اللهِ الحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الوَثِيقَةُ. فَمَنْ تَرَكَهُ [رَغْبَةً عَنْهُ] أَلبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ البَلاَءُ، وَدُيِّثَ([2]) بِالصَّغَارِ وَالقَمَاءِ([3])، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالاِسْهَابِ([4])، وَأُدِيلَ الحَقُّ مِنْهُ([5]) بِتَضْيِيعِ الجِهَادِ، وَسِيمَ الخَسْفَ([6])، وَمُنِعَ النَّصَفَ.
أَلا وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هؤُلاَءِ القَوْمِ لَيْلاً وَنَهَاراً، وَسِرّاً وَإِعْلاَناً، وَقُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ؛ فَوَاللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ في عُقْرِ دَارِهِمْ إِلاَّ ذَلُّوا، فَتَوَاكَلْتُمْ وَتَخَاذَلتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الغَارَاتُ، وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الأوْطَانُ.
وَهذَا أَخُو غَامِدٍ قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الأنْبَارَ، وَقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ البَكْرِيَّ، وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا([7])، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى المَرْأَةِ المُسْلِمَةِ، وَالْأُخْرَى المُعَاهِدَةِ، فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَقُلْبَهَا وَقَلاَئِدَهَا، وَرِعَاثَهَا([8])، ما تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلّا بِالاسْتِرْجَاعِ وَالاِسْتِرْحَامِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ([9])، مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ([10])، وَلا أُرِيقَ لَـهُمْ دَمٌ؛ فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِن بَعْدِ هَذا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً.
فَيَا عَجَباً! عَجَباً وَاللهِ يُمِيتُ القَلْبَ وَيَجْلِبُ الهَمَّ مِن اجْتِمَاعِ هؤُلاَءِ القَوْمِ عَلَى بَاطِلِهمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ! فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً([11])، حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرمَى: يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلا تُغِيرُونَ، وَتُغْزَوْنَ وَلا تَغْزُونَ، وَيُعْصَى اللهُ وَتَرْضَوْنَ!
فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِم فِي أَيَّامِ الحَرِّ قُلْتُمْ: هذِهِ حَمَارَّةُ القَيْظِ([12]) أَمْهِلْنَا يُسَبِّخُ([13]) عَنَّا الـحَرُّ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ: هذِهِ صَبَارَّةُ القُرِّ([14])، أَمْهِلْنَا يَنْسَلِخُ عَنَّا البَرْدُ؛ كُلُّ هذا فِرَاراً مِنَ الحَرِّ وَالقُرِّ; فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الحَرِّ وَالقُرِّ تَفِرُّونَ فَأَنْتُمْ وَاللهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ!
يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَلا رِجَالَ!
حُلُومُ الأطْفَالِ، وَعُقُولُ رَبّاتِ الحِجَالِ؛ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ وَلَمْ أَعْرِفْكُمْ مَعْرِفَةً وَاللهِ جَرَّتْ نَدَماً، وَأَعْقَبَتْ سَدَماً([15]).
قَاتَلَكُمُ اللهُ! لَقَدْ مَلَأْتُمْ قَلْبِي قَيْحاً، وَشَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً، وَجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ([16]) التَّهْمَامِ([17]) أَنْفَاساً([18])، وَأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالعِصْيَانِ وَالخِذْلاَنِ؛ حَتَّى قَالَتْ قُريْشٌ: إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ رَجُلٌ شُجَاعٌ، وَلْكِنْ لا عِلْمَ لَهُ بِالحَرْبِ.
للهِ أَبُوهُمْ!
وَهَلْ أَحدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَـهَا مِرَاساً، وَأَقْدَمُ فِيهَا مَقَاماً مِنِّي!
لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا وَمَا بَلَغْتُ العِشْرِينَ([19])، وها أَنَاذا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ! وَلكِنْ لا رَأْيَ لِـمَنْ لا يُطَاعُ!([20]).
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[28] ومن خطبة له (عليه السلام) ([1])
[في التزهيد في الدنيا]
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ، وَآذَنَتْ بِوَدَاعٍ، وَإِنَّ الآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَأَشْرَفَتْ بِاطِّلاَع، أَلاَ وَإِنَّ اليَوْمَ المِضْمارَ([2])، وَغَداً السِّبَاقَ، وَالسَّبَقَةُ الجَنَّةُ، وَالغَايَةُ النَّارُ؛ أَفَلاَ تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ! أَلاَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ! أَلَا وَإِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ، فَمَنْ عَمِلَ في أَيَّامِ أَمَلهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَضرُرْهُ أَجَلُهُ; وَمَنْ قَصَّرَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ، فَقَدْ خَسِرَ عَمَلَهُ، وَضَرَّهُ أَجَلُهُ، أَلاَ فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ، أَلاَوَإِنِّي لَمْ أَرَ كَالجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا، وَلا كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، أَلا وَإنَّهُ مَنْ لاَيَنْفَعُهُ الحقُّ يَضْرُرْهُ البَاطِلُ، وَمَنْ لا يَسْتَقِيْمُ بِهِ الهُدَى يَجُرُّ بِهِ الضَّلاَلُ إِلَى الرَّدَى، أَلاَ وَإِنَّكُمْ قَد أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ([3])، وَدُلِلْتُمْ عَلى الزَّادِ؛ وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخافُ عَلَيْكُمُ: اتِّبَاعُ الهَوَى، وَطُولُ الأمَلِ، تَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحُوزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً.
قال السيد: وأقول: إنّهُ لو كان كلامٌ يأخذ بالأعناقِ إلى الزهدِ في الدنيا، ويضطرُّ إلى عمل الآخرةِ لكان هذا الكلامَ، وكفى به قاطِعاً لعلائقِ الآمال، وقادِحاً زِنادَ الاتِّعاظ والازدِجار. ومِن أعجبه قوله (عليه السلام): «ألا وَإنّ اليَوْمَ المِضْمارَ وَغَداً السِبَاقَ، وَالسَّبَقَةُ الجَنّةُ وَالغَايَةُ النّار» فإنّ فيه ـ مع فخامة اللفظِ، وعِظَمِ قَدْرِ الـمَعْنى، وصادق التمثيلِ، وواقعِ التشبيهِ ـ سِرّاً عجيباً، ومَعنًى لطيفاً، وهو قوله (عليه السلام): «والسَبَقَةُ الجَنّةُ، وَالغَايَةُ النّارُ»، فخالف بين اللفظينِ لاختلافِ المعنيينِ، ولم يقل: «والسّبَقَةُ النّارُ» كما قال: «والسّبَقَةُ الجَنّةُ»، لأنّ الاستباقَ إنّما يكونُ إلى أمرٍ محبوبٍ، وغرَضٍ مطلوبٍ، وهذه صفةُ الجنَّةِ، وليسَ هذا المعنى موجوداً في النارِ، نعوذُ باللهِ منها! فلم يـَجُز أن يقولَ: «والسّبَقَةُ النّارُ»، بل قال: «والغَايَةُ النّار»، لأنّ الغايةَ قد ينتهِي إليها من لا يَسُرّهُ الانتهاءُ إليها ومن يَسُرّهُ ذلك، فصَلَحَ أن يُعبّر بها عن الأمرين معاً، فهي في هذا الموضع كالمصيرِ والمآلِ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَمتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكُم إلى النّارِ﴾، ولا يجوز في هذا الموضع أن يُقال: فانّ «سبْقتكُم إلى النار»، فتأمّل ذلك، فباطِنهُ عجيب، وغورُه بعيدٌ، وكذلك أكثرُ كلامِه (عليه السلام).
وقد جاء في رواية أخرى: «والسُّبْقةُ الجنةُ» بضم السين، والسبّقةُ اسم عندهم لما يُـجعلُ للسابِقِ إذا سَبَقَ من مال أوعَرَض، والمعنيان متقاربان، لأنّ ذلك لا يكون جزاءً على فِعل الأمر المذموم، وإنّما يكون جزاءً على فعل الأمر المحمود.
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[29] ومن خطبة له (عليه السلام)([1])
[بعد غارة الضحاك بن قيس صاحب معاوية على الحاجّ بعد قصة الحكمين]
أَيُّهَا النَّاسُ الْـمُجْتَمِعَةُ أبْدَانُهُمْ، الْـمُخْتَلِفَةُ أهْوَاؤُهُـمْ، كَـلَامُكُم يُوهِـي الصُّمَّ الصِّلابَ([2])، وَفِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الأعْدَاءَ. تَقُولُونَ فِي الَمجَالِسِ: كَيْتَ وَكَيْتَ، فَإذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ: حِيدِي حَيَادِ([3])! مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ، وَلا اسْترَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ([4])، أَعَالِيلُ بِأَضَالِيلَ؛ دِفَاعَ ذِي الدَّيْنِ المَطُولِ([5]). لا يَمْنَعُ الضَّيْمَ([6]) الذَّلِيلُ وَلا يُدْرَكُ الْـحَقُّ إِلاَ بِالْجِدِّ؛ أَيَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ، وَمَعَ أَىِّ إِمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ! المَغْرُورُ وَاللهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ، وَمَنْ فَازَ بِكُمْ فَازَ بِالسَّهْمِ الأخْيَبِ([7])، وَمَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ([8]).
أَصْبَحْتُ وَاللهِ لا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ، وَلا أَطْمَعُ فِي نَصْرِكُمْ، وَلا أُوعِدُ العَدُوَّ بِكُمْ. مَا بَالُكُم؟ مَا دَوَاؤُكُمْ؟ مَا طِبُّكُمْ؟ القَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ، أَقَوْلاً بِغَيْرِ عِلْمٍ! وَغَفْلَةً مِنْ غَيْرِ وَرَعٍ! وَطَمَعاً في غَيْرِ حَقٍّ!
بَابُ المخُتَْارِ مِنْ خُطب مولانا أمير المؤُمِنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)
[30] ومن كلام له (عليه السلام)
في معنى قتل عثمان([1])
لَوْ أَمَرْتُ بِهِ لَكُنْتُ قَاتِلاً، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ لَكُنْتُ نَاصِراً؛ غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ: خَذَلَهُ مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَمَنْ خَذَلَهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ: نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي. وَأَنَا جَامِعٌ لَكُمْ أَمْرَهُ؛ اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الأثَرَةَ([2])، وَجَزِعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ الجَزَعَ، وَللهِ حُكْمٌ وَاقِعٌ فِي الـمُسْتَأْثِرِ وَالجَازعِ.