نهج البلاغة
الجزء الرابع 4
الجزء الرابع: حِكَم أمير المؤمنين وفيه مقتطفات من كلام الإمام علي وحكمه ووصاياه.
https://www.imamali.net/?id=13453
الجزء الرابع 4
الجزء الرابع: حِكَم أمير المؤمنين وفيه مقتطفات من كلام الإمام علي وحكمه ووصاياه.
https://www.imamali.net/?id=13453
https://www.imamali.net/?id=13453
1 ـ قَال (عليه السلام): كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ([1])، لا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ.
2 ـ وقَالَ (عليه السلام): أَزْرَى([2]) بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ([3]) الطَّمَعَ، وَرَضِيَ بِالذُّلِّ مَنْ كَشَفَ ضُرَّهُ، وَهَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمَّرَ عَلَيْهَا لِسَانَهُ. وَالْبُخْلُ عَارٌ، وَالْـجُبْنُ مَنْقَصَةٌ، وَالفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ، وَالْـمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ، وَالْعَجْزُ آفَةٌ، وَالصَّبْرُ شَجَاعَةٌ، وَالزُّهْدُ ثَرْوَةٌ، وَالْوَرَعُ جُنَّةٌ، وَنِعْمَ الْقَرِينُ الرِّضَا، وَالْعِلْمُ وِرَاثَهٌ كَرِيمَةٌ، وَالأدَبُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ، وَالْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ، وَصَدْرُ الْعَاقِلِ صُنْدُوقُ سِرِّهِ، وَالْبَشَاشَةُ حِبَالَةُ([4]) الْـمَوَدَّةِ، وَالاحْتِمالُ([5]) قَبْرُ العُيُوبِ([6]).
3 ـ وروي عنه (عليه السلام) أنّه قال في العبارة عن هذا المعنى أيضاً: الْـمُسَالَـمَةُ خَبْءُ الْعُيُوبِ، وَمَنْ رَضِيَ عَنْ نَفْسِهِ كَثُرَ السَّاخِطُ عَلَيْهِ، وَالصَّدَقَةُ دَوَاءٌ مُنْجِحٌ، وَأَعْمَالُ الْعِبَادِ فِي عَاجِلِهِمْ، نُصْبُ أَعْيُنِهِمْ فِي آجِلِهِمْ.
4 ـ وقال (عليه السلام): اعْجَبُوا لِهذَا الإِنْسَانِ يَنْظُرُ بِشَحْمٍ، وَيَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ، وَيَسْمَعُ بِعَظْمٍ، وَيَتَنَفَّسُ مِنْ خَرْمٍ.
5 ـ وقال (عليه السلام): إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَدٍ أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ.
6 ـ وقال (عليه السلام): خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ.
7 ـ وقال (عليه السلام): إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
8 ـ وقال (عليه السلام): أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الإخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ.
9 ـ وقال (عليه السلام): إِذَا وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ([7]) فَلاَ تُنْفِرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ.
10 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ ضَيَّعَهُ الأقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الأبْعَدُ.
11 ـ وقال (عليه السلام): مَا كُلُّ مَفْتُونٍ يُعَاتَبُ.
12 ـ وقال (عليه السلام): تَذِلُّ الأمُورُ لِلْمَقَادِيرِ، حَتَّى يَكُونَ الْـحَتْفُ في التَّدْبِيرِ.
13 ـ وسئل (عليه السلام) عن قول النَّبيّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وَآله] وَسلّم: «غَيِّرُوا الشَّيْبَ، وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ». فَقَال (عليه السلام): إِنَّمَا قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ذلِكَ وَالدِّينُ قُلٌّ([8])، فَأَمّا الآنَ وَقَدِ اتَّسَعَ نِطَاقُهُ([9])، وَضَرَبَ بِجِرَانِهِ([10])، فَامْرُؤٌ وَمَا اخْتَارَ.
14 ـ وقال (عليه السلام) في الذين اعتزلوا القتال معه: خَذَلُوا الْـحَقَّ، وَلَمْ يَنْصُرُوا الْبَاطِلَ([11]).
15 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ جَرَى فِي عِنَانِ([12]) أَمَلِهِ عَثَرَ بِأَجَلِهِ([13]).
16 ـ وقال (عليه السلام): أَقِيلُوا ذَوِي الْـمُرُوءَاتِ عَثَرَاتِهِمْ([14])، فَمَا يَعْثُرُ مِنْهُمْ عَاثِرٌ إلَّا وَيَدُهُ بِيَدِ اللهِ يَرْفَعُهُ.
17 ـ وقال (عليه السلام): قُرِنَتِ الْـهَيْبَةُ([15]) بِالْـخَيْبَةِ، وَالْـحَيَاءُ بِالْـحِرْمَانِ، وَالْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، فَانْتَهِزُوا فُرَصَ الْـخَيْرِ([16]).
18 ـ وقال (عليه السلام): لَنَا حَقٌّ فَإِنْ أُعْطِينَاهُ، وَإلَّا رَكِبْنَا أَعْجَازَ الإبِلِ وَإِنْ طَالَ السُّرَى([17]).
وهذا القول من لطيف الكلام وفصيحه، ومعناه: أنّا إن لم نعط حقّنا كنّا أذلّاء، وذلك أنّ الرديف يركب عجُزَ البعير، كالعبد والأسير ومن يجري مجراهما.
19 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ حَسَبُهُ.
20 ـ وقال (عليه السلام): مِنْ كَفَّارَاتِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِغَاثَةُ الْـمَلْهُوفِ، وَالتَّنْفِيسُ عَنِ الْـمَكْرُوبِ.
21 ـ وقال (عليه السلام): يَابْنَ آدَمَ، إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وَأَنْتَ تَعْصِيهِ فَاحْذَرْهُ.
22 ـ وقال (عليه السلام): مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إلَّا ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ، وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ([18]).
23 ـ وقال (عليه السلام): امْشِ بِدَائِكَ مَا مَشَى بِكَ.
24 ـ وقال (عليه السلام): أَفْضَلُ الزُّهْدِ إِخْفَاءُ الزُّهْدِ.
25 ـ وقال (عليه السلام): إِذَا كُنْتَ فِي إِدْبَارٍ، وَالْـمَوْتُ فِي إِقْبَالٍ، فَمَا أسْرَعَ الْـمُلْتَقَى!
26 ـ وقال (عليه السلام): في كلام له: الْـحَذَرَ الْـحَذَرَ! فَوَاللهِ لَقَدْ سَتَـرَ، حتَّى كَأَنَّهُ قَدْ غَفَرَ([19]).
27 ـ وسُئِلَ (عليه السلام) عَنِ الإِيمَانِ، فَقَالَ: الإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: عَلَى الصَّبْرِ، والْيَقِينِ، وَالْعَدْلِ، وَالْـجِهَادِ.
فَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَربَعِ شُعَبٍ: عَلَى الشَّوْقِ، وَالشَّفَقِ([20])، وَالزُّهْدِ، وَالتَّـرَقُّبِ، فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْـجَنَّةِ سَلاَ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ الْـمُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بِالْـمُصِيبَاتِ، وَمَنِ ارْتَقَبَ الْـمَوْتَ سَارَعَ فِي الْـخَيْرَاتِ.
وَالْيَقِينُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ، وَتَأَوُّلِ الْـحِكْمَةِ([21])، وَمَوْعِظَةِ الْعِبْرَةِ([22])، وَسُنَّةِ الأوَّلِينَ، فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي الْفِطْنَةِ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْـحِكْمَةُ، وَمَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْـحِكْمَةُ عَرَفَ الْعِبْرَةَ، وَمَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الأوَّلِينَ.
وَالْعَدْلُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى غائِصِ الْفَهْمِ، وَغَوْرِ الْعِلْمِ([23])، وَزُهْرَةِ الْـحُكْمِ([24])، وَرَسَاخَةِ الْـحِلْمِ، فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ، وَمَنْ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الْـحُكْمِ([25])، وَمَنْ حَلُمَ لَمْ يُفَرِّطْ فِي أَمْرِهِ وَعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيداً.
وَالْـجِهَادُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى الأمْرِ بِالْـمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَنِ الْـمُنكَرِ، وَالصِّدْقِ فِي الْـمَوَاطِنِ، وَشَنَآنِ الْفَاسِقيِنَ، فَمَنْ أَمَرَ بِالْـمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ الْـمُؤمِنِينَ، وَمَنْ نَهَى عَنِ الْـمُنْكَرِ أَرْغَمَ أُنُوفَ الْـمُنَافِقِينَ، وَمَنْ صَدَقَ فِي الْـمَوَاطِنِ قَضَى مَا عَلَيْهِ، وَمَنْ شَنِئَ الْفَاسِقِينَ وَغَضِبَ لِـلّهِ غَضِبَ اللهُ لَهُ وَأَرْضَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَالْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: عَلَى التَّعَمُّقِ، وَالتَّنَازُعِ، وَالزَّيْغِ، وَالشِّقَاقِ، فَمَنْ تَعَمَّقَ لَمْ يُنِبْ إِلَى الْـحَقِّ، وَمَنْ كَثُرَ نِزَاعُهُ بِالْـجَهْلِ دَامَ عَمَاهُ عَنِ الْـحَقِّ، وَمَنْ زَاغَ سَاءَتْ عِنْدَهُ الْـحَسَنَةُ وَحَسُنَتْ عِنْدَهُ السَّيِّئَةُ وَسَكِرَ سُكْرَ الضَّلاَلَةِ، وَمَنْ شَاقَّ وَعُرَتْ([26]) عَلَيْهِ طُرُقُهُ، وَأَعْضَلَ([27]) عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَضَاقَ [عَلَيْهِ] مَخْرَجُهُ.
وَالشَّكُّ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى التَّمارِي([28])، وَالْـهَوْلِ، وَالتَّـرَدُّدِ، والاسْتِسْلَامِ، فَمَنْ جَعَلَ الْـمِرَاءَ دَيْدَناً لَمْ يُصْبِحْ لَيْلُهُ([29])، وَمَنْ هَالَهُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَمَن تَرَدَّدَ فِي الرَّيْبِ وَطِئَتْهُ سَنَابِكُ الشَّيَاطِينِ، وَمَنِ اسْتَسْلَمَ لِـهَلَكَةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هَلَكَ فِيهِمَا([30]).
وبعد هذا كلام تركنا ذكره خوف الإطالة والخروج عن الغرض المقصود في هذا الكتاب.
28 ـ وقال (عليه السلام): فَاعِلُ الْـخَيْرِ خَيْرٌ مِنْهُ، وَفَاعِلُ الشَّرِّ شَرٌّ مِنْهُ.
29 ـ وقال (عليه السلام): كُنْ سَمْحَاً وَلا تَكُنْ مُبَذِّراً، وَكُنْ مُقَدِّراً وَلا تَكُنْ مُقَتِّـراً.
30 ـ وقال (عليه السلام): أَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْـمُنى([31]).
31 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ أَسْرَعَ إِلَى النَّاسِ بِمَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا فِيهِ ما لا يَعْلَمُونَ.
32 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ أَطَالَ الأمَلَ أَسَاءَ الْعَمَلَ([32]).
33 ـ وقال (عليه السلام) وقد لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الأنبار، فترجّلوا له واشتدّوا بين يديه:
مَا هذَا الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ؟ فقالوا: خُلُقٌ مِنَّا نُعَظِّمُ بِهِ أُمَرَاءَنَا. فقال (عليه السلام): وَاللهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهذَا أُمَرَاؤُكُمْ، وَإِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ بِهِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [فِي دُنْيَاكُمْ]، وَتَشْقَوْنَ بِهِ فِي آخِرَتِكُمْ، وَمَا أخْسَرَ الْـمَشَقَّةَ وَرَاءَهَا الْعِقَابُ، وَأَرْبَحَ الدَّعَةَ مَعَهَا الأمَانُ مِنَ النَّارِ([33])!
34 ـ وقال (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام): يَا بُنَيَّ، احْفَظْ عَنِّي أَرْبَعاً وَأَرْبَعاً، لا يَضُرُّكَ مَا عَمِلْتَ مَعَهُنَّ: إِنَّ أَغْنَى الْغِنَى الْعَقْلُ، وَأَكْبَرَ الْفَقْرِ الْـحُمْقُ، وَأَوْحَشَ الْوَحْشَةِ الْعُجْبُ، وَأَكْرَمَ الْـحَسَبِ حُسْنُ الْـخُلُقِ. يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الأحْمَقِ، فَإِنَّهُ يُريِدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرَّكَ. وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْبَخِيلِ، فَإِنَّهُ يَقْعُدُ عَنْكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ. وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْفَاجِرِ، فَإِنَّهُ يَبِيعُكَ بِالتَّافِهِ. وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْكَذَّابِ، فَإِنَّهُ كَالسَّرَابِ: يُقَرِّبُ عَلَيْكَ الْبَعِيدَ، وَيُبَعِّدُ عَلَيْكَ الْقَرِيبَ.
35 ـ وقال (عليه السلام): لا قُرْبَةَ بِالنَّوَافِلِ إِذَا أَضَرَّتْ بِالْفَرَائِضِ.
36 ـ وقال (عليه السلام): لِسَانُ الْعَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ، وَقَلْبُ الأحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ.
وهذا من المعاني العجيبة الشريفة، والمراد به أنّ العاقل لايطلق لسانه إلّا بعد مشاورة الرَّوِيّةِ ومؤامرة الفكرة، والأحمق تسبق خذفاتُ([34]) لسانه وفلتاتُ كلامه مراجعةَ فكره ومماخضة رأيه([35])، فكأنّ لسان العاقل تابع لقلبه، وكأنّ قلب الأحمق تابع للسانه.
37 ـ وقد روي عنه (عليه السلام) هذا المعنى بلفظ آخر، وهو قوله: قَلبُ الأحْمَقِ فِي فِيهِ، وَلِسَانُ الْعَاقِلِ فِي قَلْبِهِ. ومعناهما واحد.
38 ـ وقال (عليه السلام) لبعض أَصحابه في علّة اعتلّها: جَعَلَ اللهُ مَا كَانَ مِنْ شَكْوَاكَ حَطّاً لِسَيِّئَاتِكَ، فَإِنَّ الْـمَرَضَ لا أَجْرَ فِيهِ، وَلكِنَّهُ يَحُطُّ السَّيِّئَاتِ، وَيَحُتُّهَا حَتَّ الأوْرَاقِ، وَإِنَّمَا الأجْرُ فِي الْقَوْلِ بِالّلسَانِ، وَالْعَمَلِ بِالأيْدِي وَالأقْدَامِ، وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يُدْخِلُ بِصِدْقِ النِّـيَّةِ وَالسَّرِيرَةِ الصَّالِـحَةِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الْـجَنَّةَ([36]).
وأقول: صدق (عليه السلام) «إِنَّ الْـمَرَضَ لا أَجْرَ فِيهِ»، لأنّه ليس من قبيل ما يُستحَقّ عليه العوض، لأنّ العوض يستحق على ما كان في مقابلة فعل الله تعالى بالعبد، من الآلام والأمراض، وما يجري مجرى ذلك، والأجر والثواب يستحقان على ما كان في مقابلة فعل العبد، فبينهما فرق قد بينه (عليه السلام)، كما يقتضيه علمه الثاقب ورأيه الصائب.
39 ـ وقال (عليه السلام) في ذكر خباب بن الأرتّ: يَرْحَمُ اللهُ خَبَّاباً، فَلَقَدْ أَسْلَمَ رَاغِباً، وَهَاجَرَ طَائِعاً، وَعَاشَ مُجَاهِداً. طُوبَى لِـمَنْ ذَكَرَ الْـمَعَادَ، وَعَمِلَ لِلْحِسَابِ، وَقَنِعَ بِالْكَفَافِ، وَرَضِيَ عَنِ اللهِ([37]).
40 ـ وقال (عليه السلام): لَوْ ضَرَبْتُ خَيْشُومَ([38]) الْـمُؤْمِنِ بِسَيْفِي هذَا عَلَى أَنْ يُبْغِضَنِي مَا أَبْغَضَنِي ، وَلَوْ صَبَبْتُ الدُّنْيَا بِجَمَّاتِهَا([39]) عَلَى الْـمُنَافِقِ عَلَى أَنْ يُحِبَّنِي مَا أَحَبَّنِي ؛ وَذلِكَ أَنَّهُ قُضِيَ فَانْقَضَى عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «لاَ يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ، وَلا يُحِبُّكَ مُنَافِقٌ»([40]).
41 ـ وقال (عليه السلام): سَيِّئَةٌ تَسُوءُكَ خَيْرٌ عِنْدَاللهِ مِنْ حَسَنَةٍ تُعْجِبُكَ.
42 ـ وقال (عليه السلام): قَدْرُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ، وَصِدْقُهُ عَلَى قَدْرِ مُرُوءَتِهِ، وَشَجَاعَتُهُ عَلَى قَدْرِ أَنَفَتِهِ، وَعِفَّتُهُ عَلَى قَدْرِ غَيْرَتِهِ.
43 ـ وقال (عليه السلام): الظَّفَرُ بِالْـحَزْمِ، وَالْـحَزْمُ بِإِجَالَةِ الرَّأْيِ، وَالرَّأْيُ بِتَحْصِينِ الأسْرَارِ.
44 ـ وقال (عليه السلام): احْذَرُوا صَوْلَةَ الْكَرِيمِ إذَا جَاعَ، واللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ.
45 ـ وقال (عليه السلام): قُلُوبُ الرِّجَالِ وَحْشِيَّةٌ، فَمَنْ تَأَلَّفَهَا أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ.
46 ـ وقال (عليه السلام): عَيْبُكَ مَسْتُورٌ مَا أَسْعَدَكَ جَدُّكَ([41]).
47 ـ وقال (عليه السلام): أَوْلَى النَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ([42]).
48 ـ وقال (عليه السلام): السَّخَاءُ مَا كَانَ ابْتِدَاءً ، فَأَمَّا مَا كَانَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَحَيَاءٌ وَتَذَمُّمٌ([43]).
49 ـ وقال (عليه السلام): لا غِنَى كَالْعَقْلِ، وَلا فَقْرَ كَالْـجَهْلِ، وَلا مِيرَاثَ كَالأَدَبِ، وَلا ظَهِيرَ كَالْـمُشَاوَرَةِ.
50 ـ وقال (عليه السلام): الصَّبْرُ صَبْرَانِ: صَبْرٌ عَلَى مَا تَكْرَهُ، وَصَبْرٌ عَمَّا تُحِبُّ.
51 ـ وقال (عليه السلام): الْغِنَى فِي الْغُرْبَةِ وَطَنٌ، وَالْفَقْرُ فِي الْوَطَنِ غُرْبَةٌ.
52 ـ وقال (عليه السلام): الْقَنَاعَةُ مَالٌ لا يَنْفَدُ([44]).
53 ـ وقال (عليه السلام): الْـمَالُ مَادَّةُ الشَّهَوَاتِ.
54 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ حَذَّرَكَ كَمَنْ بَشَّرَكَ.
55 ـ وقال (عليه السلام): الِّلسَانُ سَبُعٌ، إِنْ خُلِّيَ عَنْهُ عَقَرَ([45]).
56 ـ وقال (عليه السلام): الْـمَرْأَةُ عَقْرَبٌ حُلْوَةُ اللَّسْبَةِ([46]).
57 ـ وقال (عليه السلام): إِذَا حُيِّيْتَ بِتَحِيَّةٍ فَحَيِّ بِأَحْسَنَ مِنْهَا، وإِذَا أُسْدِيَتْ إِلَيْكَ يَدٌ فَكَافِئْهَا بِمَا يُرْبِي عَلَيْهَا، وَالْفَضْلُ مَعَ ذلِكَ لِلْبَادِئِ].
58 ـ وقال (عليه السلام): الشَّفِيعُ جَنَاحُ الطَّالِبِ.
59 ـ وقال (عليه السلام): أَهْلُ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ يُسَارُ بِهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ.
60 ـ وقال (عليه السلام): فَقْدُ الأحِبَّةِ غُرْبَةٌ.
61 ـ وقال (عليه السلام): فَوْتُ الْـحَاجَةِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِهَا إِلَى غَيْرِ أَهْلِهَا.
62 ـ وقال (عليه السلام): لا تَسْتَحِ مِنْ إِعْطَاءِ الْقَلِيلِ، فَإِنَّ الْحِرْمَانَ أَقَلُّ مِنْهُ.
63 ـ وقال (عليه السلام): الْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ، [والشُّكْرُ زِينَةُ الغِنَى].
64 ـ وقال (عليه السلام): إِذَا لَمْ يَكُنْ مَا تُرِيدُ فَلاَ تُبَلْ كَيْفَ كُنْتَ.
65 ـ وقال (عليه السلام): لاَتَرَى الْـجَاهِلَ إلَّا مُفْرِطاً أَوْ مُفَرِّطاً.
66 ـ وقال (عليه السلام): إِذَا تَمَّ الْعَقْلُ نَقَصَ الْكَلاَمُ.
67 ـ وقال (عليه السلام): الدَّهرُ يُخْلِقُ الأبْدَانَ، وَيُجَدِّدُ الآمَالَ، وَيُقَرِّبُ الْـمَنِيَّةَ، ويُبَاعِدُ الأُمْنِيَّةَ، مَنْ ظَفِرَ بِهِ نَصِبَ، ومَنْ فَاتَهُ تَعِبَ.
68 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ، وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالإجْلاَلِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ.
69 ـ وقال (عليه السلام): نَفَسُ الْـمَرْءِ خُطَاهُ إِلَى أَجَلِهِ.
70 ـ وقال (عليه السلام): كُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ، وَكُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ.
71 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ الأُمُورَ إذا اشْتَبَهَتِ اعْتُبِرَ آخِرُهَا بِأَوَّلِـهَا.
72 ـ ومن خبر ضرار بن ضَمُرَةَ الضُّبابِيِّ عند دخوله على معاوية ومسألته له عن أميرالمؤمنين (عليه السلام)، قال: فأشهَدُ لقَدْ رَأَيْتُهُ في بعض مواقِفِهِ وقَد أرخى الليلُ سُدُولَهُ([47])، وهو قائمٌ في محرابِهِ قابِضٌ على لِحْيَتِهِ يَتَمَلْمَلُ([48]) تَمَلْمُلَ السَّليمِ([49]) ويبكي بُكاءَ الحَزينِ، ويقولُ: يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا، إِلَيْكِ عَنِّي، أَبِي تَعَرَّضْتِ؟ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ! لا حَانَ حِينُكِ([50])، هيْهَاتَ، غُرِّي غَيْرِي، لا حَاجَةَ لِي فيِكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلاَثاً لا رَجْعَةَ فِيهَا، فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ، وَخَطَرُكِ يَسِيرٌ، وَأَمَلُكِ حَقِيرٌ. آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ، وَطُولِ الطَّرِيقِ، وَبُعْدِ السَّفَرِ، وَعَظِيمِ الْـمَوْرِدِ([51]).
73 ـ ومن كلام له (عليه السلام) للشامي لـمّا سأله: أَكان مسيرنا إِلى الشام بقضاء من الله وقدر؟ بعد كلام طويل هذا مختاره:
وَيْحَكَ! لَعَلَّكَ ظَنَنْتَ قَضَاءً لاَزِماً، وَقَدَراً حَاتِماً! وَلَوْ كَانَ ذلِكَ كَذلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ والْعِقَابُ، وَسَقَطَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ. إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخْيِيراً، وَنَهَاهُمْ تَحْذِيراً، وَكَلَّفَ يَسِيراً، وَلَمْ يُكَلِّفْ عَسِيْراً، وَأَعْطَى عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيراً، وَلَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً، وَلَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً، وَلَمْ يُرْسِلِ الأنْبِيَاءَ لَعِباً، وَلَمْ يُنْزِلِ الكُتُبَ لِلْعِبَادِ عَبَثاً، وَلا خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً، ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ([52]).
74 ـ وقال (عليه السلام): خُذِ الْـحِكْمَةَ أَنَّى كَانَتْ، فَإِنَّ الْـحِكْمَةَ تَكُونُ في صَدْرِ الْـمُنَافِقِ فَتَتَلَجْلَجُ فِي صَدْرِهِ حَتَّى تَخْرُجَ فَتَسْكُنَ إِلَى صَوَاحِبِهَا فِي صَدْرِ الْـمُؤْمِنِ([53]).
75 ـ وقال (عليه السلام) في مثل ذلك: الْـحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْـمُؤْمِنِ، فَخُذِ الْـحِكْمَةَ وَلَوْ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ([54]).
76 ـ وقال (عليه السلام): قِيمَةُ كُلِّ امْرِىءٍ مَا يُحْسِنُهُ([55]).
وهذه الكلمة التي لاتُصابُ لها قيمةٌ، ولا توزن بها حكمةٌ، ولا تُقرنُ إِليها كلمةٌ.
77 ـ وقال (عليه السلام): أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ لَوْ ضَرَبْتُمْ إِلَيْهَا آبَاطَ الإبِلِ([56]) لَكَانَتْ لِذلِكَ أَهْلاً: لا يَرْجُوَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إلَّا رَبَّهُ، وَلا يَخَافَنَّ إلَّا ذَنْبَهُ، وَلا يَسْتَحْيِيَنَّ أَحَدٌ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ: لا أَعْلَمُ، وَلا يَسْتَحْيِيَنَّ أَحَدٌ إِذَا لَمْ يَعَلَمِ الشَّيْءَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ. وَ[عَلَيْكُمْ] بِالصَّبْرِ، فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الإِيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْـجَسَدِ، وَلا خَيْرَ فِي جَسَدٍ لا رأْسَ مَعَهُ، وَلا في إِيمَانٍ لا صَبْرَ مَعَهُ([57]).
78 ـ وقال (عليه السلام) لرجل أفرط في الثناء عليه، وكان له مُتَّهماً: أَنَا دُونَ مَا تَقُولُ، وَفَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ([58]).
79 ـ وقال (عليه السلام): بَقِيَّةُ السَّيْفِ أَبْقَى عَدَداً، وَأَكْثَرُ وَلَداً.
80 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ تَرَكَ قَوْلَ لا أَدْري أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ.
81 ـ وقال (عليه السلام): رَأْيُ الشَّيْخِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَلَدِ الْغُلاَمِ([59]).
وَروي: مِنْ مَشْهَدِ الْغُلاَمِ([60]).
82 ـ وقال (عليه السلام): عَجِبْتُ لِـمَنْ يَقْنَطُ وَمَعَهُ الاسْتِغْفَارُ.
83 ـ وحكى عنه أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) أَنّه قال: كَانَ فِي الأرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا، فَدُونَكُمُ الآخَرَ فَتَمَسَّكُوا بِهِ: أَمَّا الأمَانُ الَّذِي رُفِعَ فَهُوَ رَسُولُ اللهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ). وَأَمَّا الأمَانُ الْبَاقِي فَالاسْتِغْفَارُ، قَالَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).
وهذا من محاسن الاستخراج ولطائف الاستنباط.
84 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ أَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللهُ لَهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ حَافِظٌ([61]).
85 ـ وقال (عليه السلام): الْفَقِيهُ كُلُّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَلَمْ يُؤْيِسْهُمْ مِنْ رَوْحِ اللهِ، وَلَمْ يُؤْمِنْهُمْ مِنْ مَكْرِ اللهِ([62]).
86 ـ وقال (عليه السلام): أَوْضَعُ الْعِلْمِ([63]) مَا وُقِفَ عَلَى اللِّسَانِ([64])، وَأَرْفَعُهُ مَا ظَهَرَ فِي الْـجَوَارِحِ وَالأرْكَانِ.
87 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ هذِهِ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الأبْدَانُ، فَابْتَغُوا لَـهَا طَرَائِفَ الْـحِكْمَةِ([65]).
88 ـ وقال (عليه السلام): لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إلَّا وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فِتْنَةٍ، وَلكِنْ مَنِ اسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلاَّتِ الْفِتَنِ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ)، وَمَعْنَى ذلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُهُمْ بِالأمْوَالِ وَالأوْلاَدِ لِيَتَبَيَّنَ السَّاخِطَ لِرِزْقِهِ وَالرَّاضِي بِقِسْمِهِ، وإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلكِن لِتَظْهَرَ الأفْعَالُ الَّتِي بِهَا يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ الذُّكُورَ وَيَكْرَهُ الإنَاثَ، وَبَعْضَهُمْ يُحِبُّ تَثْمِيرَ الْـمَالِ([66]) وَيَكْرَهُ انْثِلَامَ الْـحَالِ([67]).
وهذا من غريب ما سمع منه (عليه السلام) في التفسير.
89 ـ وسئل (عليه السلام) عن الخير ما هو؟ فقال: لَيْسَ الْـخَيْرُ أَنْ يَكْثُرَ مَالُكَ وَوَلَدُكَ، وَلكِنَّ الْـخَيْرَ أَنْ يَكْثُرَ عِلْمُكَ، وَأَنْ يَعْظُمَ حِلْمُكَ، وَأَنْ تُبَاهِيَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ، فَإِنْ أَحْسَنْتَ حَمِدْتَ اللهَ، وَإِنْ أَسَأْتَ اسْتَغْفَرْتَ اللهَ. وَلا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إلَّا لِرَجُلَيْنِ: رَجُلٌ أَذْنَبَ ذُنُوباً فَهُوَ يَتَدَارَكُهَا بِالتَّوْبَةِ، وَرَجُلٌ يُسَارِعُ فِي الْـخَيْرَاتِ. وَلا يَقِلُّ عَمَلٌ مَعَ التَّقْوَى، وَكَيْفَ يَقِلُّ مَا يُتَقَبَّلُ([68])!
90 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالأنْبِيَاءِ أَعْلَمُهُمْ بِمَا جَاؤُوا بِهِ، ثُمَّ تَلاَ (عليه السلام): (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا واللهُ وَليُّ الْـمُؤْمِنِينَ).
ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): إِنَّ وَلِيَّ مُحَمَّدٍ مَنْ أَطَاعَ اللهَ وإِنْ بَعُدَتْ لُـحْمَتُهُ([69])، وَإِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ مَنْ عَصَى اللهَ وَإِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ!
91 ـ وقال (عليه السلام) وقد سمع رجلاً من الحرورية يتهجّد ويقرأ، فقال: نَوْمٌ عَلَى يَقِينٍ خَيْرٌ مِنْ صَلاَةٍ فِي شَكٍّ.
92 ـ وقال (عليه السلام): اعْقِلُوا الْـخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ لا عَقْلَ رِوَايَةٍ، فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ([70]).
93 ـ وقال (عليه السلام) وقد سمع رجلاً يقول: (إنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ). فقال: إِنَّ قَوْلَنا: (إِنَّا لله) إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْـمُلْكِ، وقولَنَا: (وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْـهُلْكِ([71]).
94 ـ وقال (عليه السلام) وقد مدحه قوم في وجهه: اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي، وَأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا خَيْراً مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لَنَا مَا لا يَعْلَمُونَ([72]).
95 ـ وقال (عليه السلام): لَا يَسْتَقِيمُ قَضَاءُ الْـحَوَائِجِ إلَّا بِثَلَاثٍ: بِاسْتِصْغَارِهَا لِتَعْظُمَ، وَبِاسْتِكْتَامِهَا لِتَظْهَرَ، وَبِتَعْجِيلِهَا لِتَهْنُؤَ.
96 ـ وقال (عليه السلام): يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يُقَرَّبُ فِيهِ إلَّا الْـمَاحِلُ([73])، وَلا يُظَرَّفُ([74]) فِيهِ إلَّا الْفَاجِرُ، وَلا يُضَعَّفُ فِيهِ إلَّا الْـمُنْصِفُ، يَعُدُّونَ الصَّدَقَةَ فِيهِ غُرْماً([75])، وَصِلَةَ الرَّحِمِ مَنّاً، وَالْعِبَادَةَ اسْتِطَالَةً عَلَى النَّاسِ([76])! فَعِنْدَ ذلِكَ يَكُونُ السُّلْطَانُ بِمَشُورَةِ الإمَاءِ، وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ، وَتَدْبِيرِ الْـخِصْيَانِ([77])!
97 ـ ورُؤيَ عليه إزارٌ خَلِقٌ مرقوعٌ، فقيل له في ذلك، فقال (عليه السلام): يَخْشَعُ لَهُ الْقَلْبُ، وَتَذِلُّ بِهِ النَّفْسُ، وَيَقْتَدِي بِهِ الْـمُؤْمِنُونَ([78]).
98 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ عَدُوَّانِ مُتَفَاوِتَانِ، وَسَبِيلاَنِ مُخْتَلِفَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا وَتَوَلاَّهَا أَبْغَضَ الآخِرَةَ وَعَادَاهَا، وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْـمَشْرِقِ وَالْـمَغْرِبِ، وَمَاشٍ بَيْنَهُمَا كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعُدَ مِنَ الآخَرِ، وَهُمَا بَعْدُ ضَرَّتَانِ([79])!
99 ـ وعن نوف البكاليّ، قال: رأيت أميرالمؤمنين (عليه السلام) ذاتَ ليلةٍ، وقد خرج من فراشهِ، فنظر إلى النجومِ فقال: يَا نَوْفُ، أَرَاقِدٌ أنتَ أَمْ رَامِقٌ([80])؟ فقلتُ: بَلْ رَامِق يَا أَميرَالمؤمِنِينَ. قال: يَا نَوْفُ، طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبِينَ فِي الآخِرَةِ، أُولئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الأرْضَ بِسَاطاً، وَتُرَابَهَا فِرَاشاً، وَمَاءَهَا طِيباً، وَالْقُرْآنَ شِعَاراً، وَالدُّعَاءَ دِثَاراً، ثُمَّ قَرَضوا الدُّنْيَا قَرْضاً عَلَى مِنْهَاجِ الْـمَسِيحِ.
يَا نَوْفُ، إِنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَامَ فِى مِثْلِ هذِهِ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: إِنَّهَا سَاعَةٌ لا يَدْعُو فِيهَا عَبْدٌ إلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَشَّاراً([81]) أَوْ عَرِيفاً([82]) أَوْ شُرْطِيّاً أَوْ صَاحِبَ عَرْطَبَةٍ (وهي الطنبور) أَوْ صَاحِبَ كَوْبَةٍ (وهي الطبل)([83]).
وقد قيل أيضاً: إنّ العَرْطَبَةَ: الطبلُ، والكوبةَ: الطنبورُ.
100 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ اللهَ افْتَـرَضَ عَلَيْكُمُ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ لَكُمْ حُدُوداً فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَنَهَاكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا([84])، وَسَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ وَلَمْ يَدَعْهَا نِسْيَاناً فَلاَ تَتَكَلَّفُوهَا([85]).
101 ـ وقال (عليه السلام): لايَتْـرُكُ النَّاسُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ لاسْتِصْلاَحِ دُنْيَاهُمْ إلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ.
102 ـ وقال (عليه السلام): رُبَّ عَالِـمٍ قَدْ قَتَلَهُ جَهْلُهُ، وَعِلْمُهُ مَعَهُ لا يَنْفَعُهُ([86]).
103 ـ وقال (عليه السلام): لَقَدْ عُلِّقَ بِنِيَاطِ([87]) هذَا الإِنْسَانِ بَضْعَةٌ([88]) هِيَ أَعْجَبُ مَا فِيهِ: وَذلِكَ الْقَلْبُ، وَلَهُ مَوَادٌّ مِنَ الْـحِكْمَةِ وَأَضْدَادٌ مِنْ خِلاَفِهَا، فَإِنْ سَنَحَ لَهُ([89]) الرَّجَاءُ أَذَلَّهُ الطَّمَعُ، وَإِنْ هَاجَ بِهِ الطَّمَعُ أَهْلَكَهُ الْـحِرْصُ ، وَإِنْ مَلَكَهُ الْيَأْسُ قَتَلَهُ الأسَفُ، وإِنْ عَرَضَ لَهُ الْغَضَبُ اشْتَدَّ بِهِ الْغَيْظُ، وَإِنْ أَسْعَدَهُ الرِّضَا نَسِيَ التَّحَفُّظَ، إِنْ غَالَهُ الْـخَوْفُ شَغَلَهُ الْـحَذَرُ، وَإِنِ اتَّسَعَ لَهُ الأمْنُ اسْتَلَبَتْهُ الْغِرَّةُ، وَإِن أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَضَحَهُ الْـجَزَعُ، وَإِنْ أَفَادَ مَالاً أَطْغَاهُ الغِنَى، وَإِنْ عَضَّتْهُ الْفَاقَةُ شَغَلَهُ الْبَلاَءُ، وَإِنْ جَهَدَهُ الْـجُوعُ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ، وإِنْ أَفْرَطَ بِهِ الشِّبَعُ كَظَّتْهُ([90]) الْبِطْنَةُ، فَكُلُّ تَقْصِيرٍ بِهِ مُضِرٌّ، وَكُلُّ إِفْرَاطٍ لَهُ مُفْسِدٌ([91]).
104 ـ وقال (عليه السلام): نَحْنُ النُّمْرُقَةُ([92]) الْوُسْطَى، بِهَا يَلْحَقُ التَّالِي، وَإِلَيْهَا يَرْجِعُ الْغَالِي([93]).
105 ـ وقال (عليه السلام): لا يُقِيمُ أَمْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ إلَّا مَنْ لا يُصَانِعُ([94])، وَلا يُضَارِعُ([95])، وَلا يَتَّبِعُ الْـمَطَامِعَ.
106 ـ وقال (عليه السلام) وقد توفي سهل بن حُنَيْفٍ الأنصاريُّ بالكوفةِ بعد مرجعه معه من صفين، وكان من أحبّ الناس إليه: لَوْ أَحَبَّنِي جَبَلٌ لَتَهَافَتَ.
معنى ذلك: أنّ المحنة تَغلُظُ عليه، فَتُسْرعُ المصائبِ إليه، ولا يفعل ذلك إلَّا بالأتقياءِ الأبرارِ والمصطفينَ الأخيارِ، وهذا مثل قوله (عليه السلام): مَنْ أَحَبَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيَسْتَعِدَّ لِلْفَقْرِ جِلْبَاباً. وقد تُؤُوّل ذلك على معنى آخر ليس هذا موضعَ ذكرِهِ.
107 ـ وقال (عليه السلام): لا مَالَ أَعْوَدُ([96]) مِنَ الْعَقْلِ، وَلا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ، وَلا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ، وَلا كَرَمَ كَالتَّقْوَى، وَلا قَرِينَ كَحُسْنِ الْـخُلْقِ، وَلا مِيرَاثَ كَالأدَبِ، وَلا قَائِدَ كَالتَّوْفِيقِ، وَلا تِجَارَةَ كَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَلا رِبْحَ كَالثَّوَابِ، وَلا وَرَعَ كَالْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبْهَةِ، وَلا زُهْدَ كَالزُّهْدِ فِي الْـحَرَامِ، ولاَ عِلْمَ كَالتَّفَكُّرِ، وَلا عِبَادَةَ كَأَدَاءِ الْفَرائِضِ، وَلا إِيمَانَ كَالْـحَيَاءِ وَالصَّبْرِ، وَلا حَسَبَ كَالتَّوَاضُعِ، وَلا شَرَفَ كَالْعِلْمِ، وَلا مُظَاهَرَةَ أَوْثَقُ مِن مُشَاوَرَةٍ ([97]).
108 ـ وقال (عليه السلام): إِذَا اسْتَوْلَى الصَّلاَحُ عَلَى الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ ثُمَّ أَسَاءَ رَجُلٌ الظَّنَّ بِرَجُلٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ خَزْيَةٌ فَقَدْ ظَلَمَ، وَإِذَا اسْتَوْلَى الْفَسَادُ عَلَى الزَّمَانِ وأَهْلِهِ فَأَحْسَنَ رَجُلٌ الظَّنَّ بِرَجُلٍ فَقَدْ غَرَّرَ([98]).
109 ـ وقيل له (عليه السلام): كيف تجدك يا أميرالمؤمنين؟ فقال: كَيْفَ يَكُونُ مَنْ يَفْنَى بِبَقَائِهِ، وَيَسْقَمُ بِصِحَّتِهِ، وَيُؤْتَى مِنْ مَأْمَنِهِ([99])!
110 ـ وقـال (عليه السلام): كَمْ مِـنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالإحْسَـانِ إلَيْـهِ، وَمَغْرورٍ بِالسَّتْـرِ عَلَيْهِ، وَمَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ ! وَمَا ابْتَلَى اللهُ أَحَداً بِمِثْلِ الإمْلاَءِ لَهُ([100]).
111 ـ وقال (عليه السلام): هَلَكَ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ غَالٍ، وَمُبْغِضٌ قَالٍ([101]).
112 ـ وقال (عليه السلام): إضَاعَةُ الْفُرْصَةِ غُصَّةٌ.
113 ـ وقال (عليه السلام): مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْـحَيَّةِ: لَيِّنٌ مَسُّهَا، وَالسُّمُّ النَّاقِعُ فِي جَوْفِهَا، يَهْوِي إِلَيْهَا الْغِرُّ الْـجَاهِلُ، وَيَحْذَرُهَا ذُو اللُّبِّ الْعَاقِلُ([102]).
114 ـ وقال (عليه السلام) وقد سُئل عن قريشٍ: أَمَّا بَنُو مَخْـزُومٍ فَرَيْحَانَةُ قُرَيْشٍ، نُحِبُّ حَدِيثَ رِجَالِهِمْ، وَالنِّكَاحَ فِي نِسَائِهِمْ، وَأَمَّا بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ فَأَبْعَدُهَا رَأْياً، وَأَمْنَعُهَا لِـمَا وَرَاءَ ظُهُورِهَا، وَأَمَّا نَحْنُ فَأَبْذَلُ لِـمَا فِي أَيْدِينَا، وَأَسْمَحُ عِنْدَ الْـمَوْتِ بِنُفُوسِنَا، وَهُمْ أَكْثَرُ وَأَمْكَرُ وَأَنْكَرُ، وَنَحْنُ أَفْصَحُ وَأَنْصَحُ وَأَصْبَحُ([103]).
115 ـ وقال (عليه السلام): شَتَّانَ بَيْنَ عَمَلَيْنِ: عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وَتَبْقَى تَبِعَتُهُ، وَعَمَلٍ تَذْهَبُ مَؤُونَتُهُ وَيَبْقَى أَجْرُهُ.
116 ـ وتبع جنازة فسمع رجلاً يَضحك، فقال (عليه السلام): كَأَنَّ الْـمَوْتَ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا كُتِبَ، وَكَأَنَّ الْـحَقَّ فِيهَا عَلَى غَيْرِنَا وَجَبَ، وَكَأَنَّ الَّذِي نَرَى مِنَ الأمْوَاتِ سَفْرٌ عَمَّا قَلِيلٍ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ، نُبَوِّئُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ، وَنَأْكُلُ تُرَاثَهُمْ، كَأَنَّا مُخَلَّدُونَ، قَدْ نَسِينَا كُلَّ وَاعِظٍ وَوَاعِظَةٍ، وَرُمِينَا بِكُلِّ جَائِحَةٍ([104]) [وَدَاهِيَةٍ مُسْتَأْصِلَةٍ]. طُوبَى لِـمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ، وَطَابَ كَسْبُهُ، وَصَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ، وَحَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ، أَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ، وَعَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ، وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ، وَلَمْ يُنْسَبْ إِلَى الْبِدْعَةِ([105]).
ومن الناس من ينسب هذا الكلام إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
117 ـ وقال (عليه السلام): غَيْرَةُ الْـمَرْأَةِ كُفْرٌ، وَغَيْرَةُ الرَّجُلِ إيمَانٌ.
118 ـ وقال (عليه السلام): لَأَنْسُبَنَّ الإسْلاَمَ نِسْبَةً لَمْ يَنسُبْهَا أَحَدٌ قَبْلِي: الإسْلَامُ هُوَ التَّسْلِيمُ، وَالتَّسْلِيمُ هُوَ الْيَقِينُ، وَالْيَقِينُ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الإقْرَارُ، وَالإقْرَارُ هُوَ الأدَاءُ، وَالأدَاءُ هَوَ الْعَمَلُ([106]).
119 ـ وقال (عليه السلام): عَجِبْتُ لِلْبَخِيلِ يَسْتَعْجِلُ الْفَقْرَ الَّذِي مِنْهُ هَرَبَ، وَيَفُوتُهُ الْغِنَى الَّذِي إِيَّاهُ طَلَبَ، فَيَعِيشُ فِي الدُّنْيَا عَيْشَ الْفُقَرَاءِ، وَيُحَاسَبُ فِي الآخِرَةِ حِسَابَ الأغْنِيَاءِ. وَعَجِبْتُ لِلْمُتَكَبِّرِ الَّذِي كَانَ بِالأَمْسِ نُطْفَةً، وَيَكُونُ غَداً جِيفَةً، وَعَجِبْتُ لِـمَنْ شَكَّ فِي اللهِ، وَهُوَ يَرَى خَلْقَ اللهِ، وَعَجِبْتُ لِـمَنْ نَسِيَ الْـمَوْتَ، وهُوَ يَرَى الْـمَوْتَى، وَعَجِبْتُ لِـمَن أَنْكَرَ النَّشْأَةَ الأُخْرَى، وَهُوَ يَرَى النَّشْأَةَ الأُولَى، وَعَجِبْتُ لِعَامِرٍ دَارَ الْفَنَاءِ، وَتَارِكٍ دَارَ الْبَقَاءِ.
120 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ قَصَّرَ فِي الْعَمَلِ ابْتُلِيَ بِالْـهَمِّ، وَلا حَاجَةَ للهِ فِيمَنْ لَيْسَ لِـلّهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ نَصِيبٌ.
121 ـ وقال (عليه السلام): تَوَقَّوا الْبَرْدَ فِي أَوَّلِهِ، وَتَلَقَّوْهُ فِي آخِرِهِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ فِي الأبْدَانِ كَفِعْلِهِ فِي الأشْجَارِ، أَوَّلُهُ يُحْرِقُ وَآخِرُهُ يُورِقُ([107]).
122 ـ وقال (عليه السلام): عِظَمُ الْـخَالِقِ عِنْدَكَ يُصَغِّرُ الْـمَخْلُوقَ فِي عَيْنِكَ.
123 ـ وقال (عليه السلام) وقد رجع من صفين، فأَشرف على القبور بظاهر الكوفة: يَا أَهْلَ الدِّيَارِ الْـمُوحِشَةِ، وَالْـمَحَالِّ الْـمُقْفِرَةِ([108])، وَالْقُبُورِ الْـمُظْلِمَةِ. يَا أَهْلَ التُّـرْبَةِ، يَا أَهْلَ الْغُرْبَةِ، يَا أَهْلَ الْوَحْدَةِ، يَا أَهْلَ الْوَحْشَةِ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ سَابِقٌ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ لاَحِقٌ، أَمَّا الدُّورُ فَقَدْ سُكِنَتْ، وَأَمَّا الأزْوَاجُ فَقَدْ نُكِحَتْ، وَأَمَّا الأمْوَالُ فَقَدْ قُسِمَتْ. هذَا خَبَرُ مَا عِنْدَنَا، فَمَا خَبَرُ مَا عِنْدَكُمْ؟
ثم التفت إِلى أَصحابه فقال: أَمَا لَوْ أُذِنَ لَـهُمْ فِي الْكَلاَمِ لأخْبَرُوكُمْ أَنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى([109]).
124 ـ وقال (عليه السلام) وقد سمع رجلاً يذم الدنيا: أَيُّهَا الذَّامُّ للدُّنْيَا، الْـمُغْتَـرُّ بِغُرُورِهَا، الْـمَخْدُوعُ بِأَبَاطِيلِهَا؛ أَتَغْتَـرُّ بِالدُّنْيَا ثُمَّ تَذُمُّهَا! أَأَنْتَ الْـمُتَجَرِّمُ([110]) عَلَيْهَا، أَمْ هِيَ الْـمُتَجَرِّمَةُ عَلَيْكَ!
مَتَى اسْتَهْوَتْكَ([111]) ، أَمْ مَتى غَرَّتْكَ! أَبِمَصَارِعِ آبَائِكَ مِنَ الْبِلَى([112])، أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى! كَمْ عَلَّلْتَ([113]) بِكَفَّيْكَ، وَكَـمْ مَرَّضْتَ بِيَدَيْكَ تَبْغِـي لَـهُمُ الشِّفَـاءَ، وَتَسْتَوْصِفُ([114]) لَـهُمُ الأطِبَّاءَ [غَدَاةَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ دَوَاؤُكَ ، وَلا يُجْدِي عَلَيْهِمْ بُكَاؤُكَ]، لَمْ يَنْفَعْ أَحَدَهُمْ إِشْفَاقُكَ([115])، وَلَمْ تُسْعَفْ فِيهِ بِطِلبَتِكَ، وَلَمْ تَدْفَعْ عَنْهُ بِقُوَّتِكَ! قَدْ مَثَّلَتْ لَكَ بِهِ الدُّنْيَا نَفْسَكَ، وَبِمَصْرَعِهِ مَصْرَعَكَ. إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِـمَنْ صَدَقَهَا، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِـمَنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنىً لِـمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا، وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لِـمَنِ اتَّعَظَ بِهَا، مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اللهِ، وَمُصَلَّى مَلاَئِكَةِ اللهِ، وَمَهْبِطُ وَحْيِ اللهِ، وَمَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ اللهِ، اكْتَسَبُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ، وَرَبِحُوا فِيهَا الْـجَنَّةَ.
فَمَنْ ذَا يَذُمُّهَا وَقَدْ آذَنَتْ([116]) بِبَيْنِهَا، وَنَادَتْ بِفِراقِهَا وَنَعَتْ نَفْسَهَا وَأَهْلَهَا، فَمَثَّلَتْ لَـهُمْ بِبَلاَئِهَا الْبَلاَءَ، وَشَوَّقَتْهُمْ بِسُرُورِهَا إِلَى السُّرُورِ! رَاحَتْ بِعَافِيَةٍ، وَابْتَكَرَتْ([117]) بِفَجِيعَةٍ، تَرْغِيباً وَتَرْهِيباً، وَتَخْوِيفاً وَتَحْذِيراً، فَذَمَّهَا رِجَالٌ غَدَاةَ النَّدَامَةِ، وَحَمِدَهَا آخَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ذَكَّرَتْهُمُ الدُّنْيَا فَذَكَرُوا، وَحَدَّثَتْهُمْ فَصَدَّقُوا، وَوَعَظَتْهُمْ فَاتَّعَظُوا([118]).
125 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ للهِ مَلَكَاً يُنَادِي فِي كُلِّ يَوْمٍ: لِدُوا لِلْمَوْتِ، وَاجْمَعُوا لِلْفَنَاءِ، وَابْنُوا لِلْخَرَابِ.
126 ـ وقال (عليه السلام): الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ إلى دَارِ مَقَرٍّ، وَالنَّاسُ فِيهَا رَجُلاَنِ: رَجُلٌ بَاعَ نَفْسَهُ فَأَوْبَقَهَا، وَرَجُلٌ ابْتَاعَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَهَا.
127 ـ وقال (عليه السلام): لا يَكُونُ الصَّدِيقُ صَدِيقاً حَتَّى يَحْفَظَ أَخَاهُ فِي ثَلاَثٍ: فِي نَكْبَتِهِ، وَغَيْبَتِهِ، وَوَفَاتِهِ([119]).
128 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ أُعْطِيَ أَرْبَعَاً لَمْ يُحْرَمْ أَرْبَعَاً: مَنْ أُعْطِيَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَمِ الإجَابَةَ، وَمَنْ أُعْطِيَ التَّوْبَةَ لَمْ يُحْرَمِ الْقَبُولَ، وَمَنْ أُعْطِيَ الاسْتِغْفَارَ لَمْ يُحْرَمِ الْـمَغْفِرَةَ، وَمَنْ أُعْطِيَ الشُّكْرَ لَمْ يُحْرَمِ الزِّيَادَةَ.
وتصديقُ ذَلِكَ في كتَابِ اللهِ، قَالَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ في الدُّعَاء: (ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ)، وَقَالَ في الاسْتِغْفَارِ: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً)، وَقَالَ في الشُّكْرِ: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاَزِيدَنّكُمْ)، وَقَالَ في التَّوْبَةِ: (إنّما التّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُم يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً).
129 ـ وقال (عليه السلام): الصَّلاَةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ، وَالْـحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ، وَزَكَاةُ الْبَدَنِ الصِّيَامُ، وَجِهَادُ الْـمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ([120]).
130 ـ وقال (عليه السلام): اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ، ومَنْ أَيْقَنَ بِالْـخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ([121]).
131 ـ وقال (عليه السلام): تَنْزِلُ الْـمَعُونَةُ عَلَى قَدْرِ الْـمَؤُونَةِ.
132 ـ وقال (عليه السلام): مَا عَالَ امرؤٌ اقْتَصَدَ([122]).
133 ـ وقال (عليه السلام): قِلَّةُ الْعِيَالِ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ، وَالتَّوَدُّدُ نِصْفُ الْعَقْلِ، وَالْـهَمُّ نِصْفُ الْـهَرَمِ([123]).
134 ـ وقال (عليه السلام): يَنْزِلُ الصَّبْرُ عَلَى قَدْرِ الْـمُصِيبَةِ، وَمَنْ ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ حَبِطَ أجْرُهُ([124]).
135 ـ وقال (عليه السلام): كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إلَّا الظَّمَأُ وَالْـجُوعُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إلَّا [السَّهَرُ وَ] الْعَنَاءُ، حَبَّذَا نَوْمُ الأكْيَاسِ وَإِفْطَارُهُمْ!
136 ـ وقال (عليه السلام): سُوسُوا إِيمَانَكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَحَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ، وَادْفَعُوا أَمْواجَ الْبَلاَءِ بِالدُّعَاءِ.
137 ـ ومن كلام له (عليه السلام) لكُمَيْل بن زياد النخعي، قال كُمَيْل بن زياد: أخذ بيدي أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فأخرجني إلى الجبّان([125])، فلمّا أصحر([126]) تنفّس الصّعَدَاء([127])، ثمّ قال:
يَا كُمَيْلُ بْن زِيَادٍ، إِنَّ هذهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا، فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ: النَّاسُ ثَلاَثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ([128])، أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَؤُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ. يَا كُمَيْلُ، الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْـمَالِ: الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْـمَالَ، وَالْـمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الإنْفَاقِ، وَصَنِيعُ الْـمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ. يَا كُمَيْلُ بْن زِيَادٍ، مَعْرِفَةُ العِلْمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ، بِهِ يَكْسِبُ الإنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ، وَجَمِيلَ الأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ، وَالْـمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ. يَا كُمَيْلُ بْن زِيادٍ، هَلَكَ خُزَّانُ الأمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ: أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُـهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ.
هَا إِنَّ هاهُنَا لَعِلْماً جَمّاً (وَأَشَارَ إِلى صَدرِهِ) لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً! بَلَى أَصَبْتُ لَقِناً([129]) غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ، مُسْتَعْمِلاً آلَةَ الدِّينِ لِلدُّنْيَا، وَمُسْتَظْهِراً بِنِعَمِ اللهِ عَلَى عِبادِهِ، وَبِحُجَجِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، أَوْ مُنْقَاداً لِـحَمَلَةِ الْـحَقِّ، لا بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ؛ يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ لِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ.
أَلا لا ذَا وَلا ذَاكَ! أَوْ مَنْهُوماً([130]) بِاللَّذَّةِ، سَلِسَ الْقِيَادِ لِلْشَّهْوَةِ، أَوْ مُغْرَماً([131]) بِالْـجَمْعِ وَالإدِّخَارِ، لَيْسَا مِنْ رُعَاةِ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، أَقْرَبُ شَيْءٍ شَبَهاً بِهِمَا الأنَعَامُ السَّائِمَةُ! كَذلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ.
اللَّهُمَّ بَلَى! لا تَخْلُو الأرْضُ مِنْ قَائِمٍ للهِ بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، أوْ خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلاَّ تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتُهُ. وَكَمْ ذَا وَأَيْنَ أُولئِكَ؟ أُولئِكَ ـ وَاللهِ ـ الأقَلُّونَ عَدَداً، وَالأعْظَمُونَ قَدْراً، يَحْفَظُ اللهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وَبَيِّنَاتِهِ، حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ، وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ، هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ، وَبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ، وَاسْتَلاَنُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْـمُتْـرَفُونَ، وَأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْـجَاهِلُونَ، وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْـمَحَلِّ الأعْلَى، أُولئِكَ خُلَفَاءُ اللهِ فِي أَرْضِهِ، وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ، آهٍ آهٍ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ!
انْصَرِفْ إذَا شِئْتَ([132]).
138 ـ وقال (عليه السلام): الْـمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ([133]).
139 ـ وقال (عليه السلام): هَلَكَ امْرُؤُ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَهُ([134]).
140 ـ وقال (عليه السلام) لرجل سأَله أَن يعظه: لا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الآخِرَةَ بِغَيْرِ الْعَمَلِ، وَيُرْجِئُ التَّوْبَةَ([135]) بِطُولِ الأَمَلِ، يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِ الزَّاهِدِينَ، وَيَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِ الرَّاغِبِينَ، إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعْ، يَعْجِزُ عَنْ شُكْرِ مَا أُوتِيَ، وَيَبْتَغِي الزِّيَادَةَ فِيَما بَقِيَ، يَنْهَى وَلا يَنْتَهِي، وَيَأْمُرُ بِمَا لا يَأْتِي، يُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلا يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ، وَيُبْغِضُ الْـمُذْنِبِينَ وَهُوَ أَحَدُهُمْ، يَكْرَهُ الْـمَوْتَ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ، وَيُقِيمُ عَلَى مَا يَكْرَهُ الْـمَوْتَ لَهُ، إِنْ سَقِمَ ظَلَّ نَادِماً، وَإِنْ صَحَّ أَمِنَ لَاهِياً، يُعْجَبُ بِنَفْسِهِ إِذَا عُوفِيَ، وَيَقْنَطُ إِذَا ابْتُلِيَ، إِنْ أَصَابَهُ بَلاَءٌ دَعَا مُضْطَرّاً، وإِنْ نَالَهُ رَخَاءٌ أَعْرَضَ مُغْتَـرّاً، تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ عَلَى مَا يَظُنُّ، وَلا يَغْلِبُهَا عَلَى مَا يَسْتَيْقِنُ، يَخَافُ عَلَى غَيْرِهِ بِأَدْنىَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَيَرْجُو لِنَفْسِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ عَمَلِهِ، إِنِ اسْتَغْنَى بَطِرَ وَفُتِنَ، وَإِنِ افْتقَرَ قَنَطَ وَوَهَنَ، يُقَصِّرُ إِذَا عَمِلَ، وَيُبَالِغُ إِذَا سَأَلَ، إِنْ عَرَضَتْ لَهُ شَهْوَةٌ أَسْلَفَ([136]) الْـمَعْصِيَةَ وَسَوَّفَ التَّوْبَةَ، وَإِنْ عَرَتْهُ مِـحْنَةٌ انْفَرَجَ عَنْ شَرَائِطِ الْـمِلَّةِ([137])، يَصِفُ الْعِبْرَةَ وَلا يَعْتَبِرُ، وَيُبَالِغُ فِي الْـمَوْعِظَةِ وَلا يَتَّعِظُ، فَهُوَ بِالْقَوْلِ مُدِلٌّ([138])، وَمِنَ الْعَمَلِ مُقِلٌّ، يُنَافِسُ فِيَما يَفْنَى، وَيُسَامِحُ فِيَما يَبْقَى، يَرَى الْغُنْمَ مَغْرَماً، وَالْغُرْمَ مَغْنَماً، يَـخْشَى الْـمَوْتَ وَلا يُبَادِرُ الْفَوْتَ، يَسْتَعْظِمُ مِنْ مَعْصِيَةِ غَيْرِهِ مَا يَسْتَقِلُّ أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَسْتَكْثِرُ مِنْ طَاعَتِهِ مَا يَحْقِرُهُ مِنْ طَاعَةِ غَيْرِهِ، فَهُوَ عَلَى النَّاسِ طَاعِنٌ، وَلِنَفْسِهِ مُدَاهِنٌ، اللَّغْوُ مَعَ الأغْنِيَاءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ مَعَ الْفُقَرَاءِ، يَحْكُمُ عَلَى غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ وَلا يَحْكُمُ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ، يُرْشِدُ غَيْرَهُ وَيُغْوِي نَفْسَهُ، فَهُوَ يُطَاعُ وَيَعْصِي، وَيَسْتَوْفِي وَلا يُوفِي، وَيَخْشَى الْـخَلْقَ فِي غَيْرِ رَبِّهِ، وَلا يَخْشَى رَبَّهُ فِي خَلْقِهِ.
ولو لم يكن في هذا الكتاب إلّا هذا الكلام لكفى به موعظةً ناجعةً، وحكمةً بالغةً، وبصيرةً لمبصر، وعبرةً لناظر مفكّر([139]).
141 ـ وقال (عليه السلام) : لِكُلِّ امْرِئٍ عَاقِبَةٌ حُلْوَةٌ أَوْ مُرَّةٌ.
142 ـ وقال (عليه السلام) : لِكُلِّ مُقْبِلٍ إِدْبَارٌ، وَمَا أَدْبَرَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.
143 ـ وقال (عليه السلام) : لا يَعْـدَمُ الصَّبُورُ الظَّفَرَ وَإِنْ طَـالَ بِـهِ الـزَّمَانُ.
144 ـ وقال (عليه السلام): الرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ، وَعَلَى كُلِّ دَاخِلٍ فِي بَاطِلٍ إِثْمَانِ: إِثْمُ الْعَمَلِ بِهِ، وَإِثْمُ الرِّضَا بِهِ.
145 ـ وقال (عليه السلام): اعْتَصِمُوا بِالذِّمَمِ([140]) فِي أَوْتَادِهَا([141]).
146 ـ وقال (عليه السلام): عَلَيْكُمْ بِطَاعَةِ مَنْ لا تُعْذَرُونَ بِجَهَالَتِهِ([142]).
147 ـ وقال (عليه السلام): قَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ، وَقَدْ هُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ، وأُسْمِعْتُمْ إِنِ اسْتَمَعْتُمْ.
148 ـ وقال (عليه السلام): عَاتِبْ أَخَاكَ بِالإحْسَانِ إِلَيْهِ، وَارْدُدْ شَرَّهُ بِالإنْعَامِ عَلَيْهِ.
149 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مَوَاضِعَ التُّهمَةِ فَلاَ يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ([143]).
150 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ.
151 ـ وقال (عليه السلام): مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ، وَمَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُوْلـِهَا.
152 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ الْـخِيرَةُ بِيَدِهِ.
153 ـ وقال (عليه السلام): الْفَقْرُ الْـمَوْتُ الأكْبَرُ([144]).
154 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ قَضَى حَقَّ مَنْ لا يَقْضِي حَقَّهُ فَقَدْ عَبَدَهُ.
155 ـ وقال (عليه السلام): لا طَاعَةَ لِـمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْـخَالِقِ([145]).
156 ـ وقال (عليه السلام): لا يُعَابُ الْـمَرْءُ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ، إِنَّمَا يُعَابُ مَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ.
157 ـ وقال (عليه السلام): الإعْجَابُ يَمْنَعُ مِنَ الازْدِيَادِ.
158 ـ وقال (عليه السلام): الأمْرُ قَرِيبٌ وَالاصْطِحَابُ قَلِيلٌ.
159 ـ وقال (عليه السلام): قَدْ أَضَاءَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ([146]).
160 ـ وقال (عليه السلام): تَرْكُ الذَّنْبِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِ التَّوْبَةِ.
161 ـ وقال (عليه السلام): كَمْ مِنْ أَكْلَةٍ مَنَعَتْ أَكَلاَتٍ!
162 ـ وقال (عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا([147]).
163 ـ وقال (عليه السلام): مَنِ اسْتَقْبَلَ وُجُوهَ الآرَاءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ الْـخَطَإِ ([148]).
164 ـ وقال (عليه السلام): مَن أَحَدَّ سِنَانَ الْغَضَبِ لله قَوِيَ عَلَى قَتْلِ أَشِدَّاءِ الْبَاطِلِ.
165 ـ وقال (عليه السلام): إِذَا هِبْتَ أَمْراً فَقَعْ فِيهِ، فَإِنَّ شِدَّةَ تَوَقِّيهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ مِنْهُ.
166 ـ وقال (عليه السلام): آلَةُ الرِّيَاسَةِ سَعَةُ الصَّدْرِ.
167 ـ وقال (عليه السلام): اُزْجُرِ الْـمُسِيءَ بِثوَابِ الْـمُحْسِنِ.
168 ـ وقال (عليه السلام): اُحْصُدِ الشَّرَّ مِنْ صَدْرِ غَيْرِكَ بِقَلْعِهِ مِنْ صَدْرِكَ.
169 ـ وقال (عليه السلام): اللَّجَاجَةُ تَسُلُّ الرَّأْيَ.
170 ـ وقال (عليه السلام): الطَّمَعُ رِقٌّ مُؤَبَّدٌ.
171 ـ وقال (عليه السلام): ثَمَرَةُ التَّفْرِيطِ النَّدَامَةُ، وَثَمَرَةُ الْـحَزْمِ السَّلاَمَةُ([149]).
172 ـ وقال (عليه السلام): لا خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْـحُكْمِ، كَمَا أَنَّهُ لا خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْـجَهْلِ([150]).
173 ـ وقال (عليه السلام): مَا اخْتَلَفَتْ دَعْوَتَانِ إلَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ضَلاَلَةً.
174 ـ وقال (عليه السلام): مَا شَكَكْتُ فِي الْـحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ([151]).
175 ـ وقال (عليه السلام): مَا كَذَبْتُ وَلا كُذِّبْتُ، وَلا ضَلَلْتُ وَلا ضُلَّ بِي([152]).
176 ـ وقال (عليه السلام): لِلظَّالِمِ الْبَادِي غَداً بِكَفِّهِ عَضَّةٌ([153]).
177 ـ وقال (عليه السلام): الرَّحِيلُ وَشِيكٌ.
178 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ([154]) لِلْحَقِّ هَلَكَ([155]).
179 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ لَمْ يُنْجِهِ الصَّبْرُ أَهْلَكَهُ الْـجَزَعُ.
180 ـ وقال (عليه السلام): وَاعَجَبَاهُ! أَتَكُونُ الْـخِلَافَةُ بِالصَّحَابَةِ وَلَا تَكُونُ بِالصَّحَابةِ وَالْقَرَابَةِ! وروي له شعر في هذا المعنى، وهو:
فَإِنْ كُنْتَ بِالشُّورَى مَلَكْتَ أُمُورَهُمْ
وَإِنْ كنْتَ بِالْقُرْبَى حَجَجْتَ خَصِيمَهُمْ
فَكَيْفَ بِهذَا وَالْـمُشِيرُونَ غُيَّبُ؟
فَغَيْرُكَ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ وَأَقْرَبُ
181 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّمَا الْـمَرْءُ فِي الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ([156]) الْـمَنَايَا، وَنَهْبٌ تُبَادِرُهُ الْـمَصَائِبُ، وَمَعَ كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقٌ([157])، وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ، وَلا يَنَالُ الْعَبْدُ نِعْمَةً إلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى، وَلا يَسْتَقْبِلُ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إلَّا بِفِرَاقِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ. فَنَحْنُ أَعْوَانُ الْـمَنُونِ، وَأَنْفُسُنَا نَصْبُ الْـحُتُوفِ([158])، فَمِنْ أَيْنَ نَرْجُو الْبَقَاءَ وَهذَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ لَمْ يَرْفَعَا مِنْ شَيْءٍ شَرَفاً إلَّا أَسْرَعَا الْكَرَّةَ فِي هَدْمِ مَا بَنَيَا، وَتَفْرِيقِ مَا جَمَعا([159])!
182 ـ وقال (عليه السلام): يَابْنَ آدَمَ مَا كَسَبْتَ فَوْقَ قُوتِكَ، فَأَنْتَ فِيهِ خَازِنٌ لِغَيْرِكَ([160]).
183 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَهْوَةً وَإِقْبَالاً وَإِدْبَاراً، فَأْتُوهَا مِنْ قِبَلِ شَهْوَتِهَا وَإِقْبَالِـهَا، فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا أُكْرِهَ عَمِيَ([161]).
184 ـ وكان (عليه السلام) يقول: مَتَى أَشْفِي غَيْظِي إِذَا غَضِبْتُ! أَحِينَ أَعْجِزُ عَنِ الإنْتِقَامِ فَيُقَالُ لِي: لَوْ صَبَرْتَ؟ أَمْ حِينَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيُقَالُ لِـي: لَوْ عَفَوْتَ([162]).
185 ـ وقال (عليه السلام) وقد مرّ بقذر على مزبلة: هذا مَا بَخِلَ بِهِ الْبَاخِلُونَ([163]).
و روي في خبر آخر أَنّه قال: هذَا مَا كُنْتُمْ تَتَنَافَسُونَ فِيهِ بِالأَمْسِ.
186 ـ وقال (عليه السلام): لَمْ يَذْهَبْ مِنْ مَالِكَ مَا وَعَظَكَ([164]).
187 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ هذِهِ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الأبْدَانُ، فَابْتَغُوا لَـهَا طَرَائِفَ الْـحِكْمَةِ([165]).
188 ـ وقال (عليه السلام) لما سمع قول الخوارج ـ لا حكم إلَّا للهِ ـ : كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ([166]).
189 ـ وقال (عليه السلام) في صفة الغوغاء: هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا غَلَبُوا، وَإِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُعْرَفُوا. وقيل: بل قال: هُمُ الَّذِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا ضَرُّوا، وَإِذَا تَفَرَّقُوا نَفَعُوا. فقيل: قد علمنا مضرة اجتماعهم، فما منفعة افتراقهم؟ فقال: يَرْجِعُ أَصْحَابُ الْـمِهَنِ إِلَى مِهَنِهِمْ، فَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِمْ، كَرُجُوعِ الْبَنَّاءِ إِلَى بِنَائِهِ، وَالنَّسَّاجِ إِلَى مَنْسَجِهِ، وَالْـخَبَّازِ إِلَى مَخْبَزِهِ([167]).
190 ـ وقال (عليه السلام)وقد أُتي بجان ومعه غوغاءُ: لا مَرْحَباً بِوُجُوهٍ لا تُرى إلَّا عِنْدَ كُلِّ سَوْأَةٍ([168]).
191 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ، فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَإِنَّ الأجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ([169]).
192 ـ وقال (عليه السلام) وقد قال له طلحة والزبير: نبايعك على أَنّا شركاؤُكَ في هذا الأَمر. فقال : لا ، وَلكِنَّكُمَا شَرِيكَانِ فِي الْقُوَّةِ وَالاسْتِعَانَةِ ، وَعَوْنَانِ عَلَى الْعَجْزِ وَالأَوَدِ([170]).
193 ـ وقال (عليه السلام): أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِنْ قُلْتُمْ سَمِعَ، وَإِنْ أَضْمَرْتُمْ عَلِمَ، وَبَادِرُوا الْـمَوْتَ الَّذِي إِنْ هَرَبْتُمْ أَدْرَكَكُمْ، وَإِنْ أَقَمْتُمْ أَخَذَكُمْ، وَإِنْ نَسِيتُمُوهُ ذَكَرَكُمْ([171]).
194 ـ وقال (عليه السلام): لا يُزَهِّدَنَّكَ فِي الْـمَعْرُوفِ مَنْ لا يَشْكُرُهُ لَكَ، فَقَدْ يَشْكُرُكَ عَلَيْهِ مَنْ لا يَسْتَمْتِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَقَدْ تُدْرِكُ مِنْ شُكْرِ الشَّاكِرِ أَكْثَرَ مِمَّا أَضَاعَ الْكَافِرُ، وَاللهُ يُحِبُّ الْـمُحْسِنِينَ.
195 ـ وقال (عليه السلام): كُلُّ وِعَاءٍ يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ إلَّا وِعَاءَ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ يَتَّسِعُ [بِهِ].
196 ـ وقال (عليه السلام): أَوَّلُ عِوَضِ الْـحَلِيمِ مِنْ حِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ أَنْصَارُهُ عَلَى الْـجَاهِلِ.
197 ـ وقال (عليه السلام): إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ، فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ إلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ.
198 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ رَبِحَ، وَمَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ، وَمَنْ خَافَ أَمِنَ، وَمَنِ اعْتَبَرَ أَبْصَرَ، وَمَنْ أَبْصَرَ فَهِمَ، وَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ.
199 ـ وقال (عليه السلام): لَتَعْطِفَنَّ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ([172]) عَلَى وَلَدِهَا. وتلا عقيب ذلك: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)([173]).
200 ـ وقال (عليه السلام): اتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ مَنْ شَمَّرَ تَجْرِيداً، وَجَدَّ تَشْمِيراً، وَكَمَّشَ([174]) فِي مَهَلٍ، وَبَادَرَ عَنْ وَجَلٍ، وَنَظَرَ فِي كَرَّةِ الْـمَوْئِلِ([175])، وَعَاقِبَةِ الْـمصْدَرِ، وَمَغَبَّةِ([176]) المرْجِعِ([177]).
201 ـ وقال (عليه السلام): الْـجُودُ حَارِسُ الأعْرَاضِ، وَالْـحِلْمُ فِدَامُ([178]) السَّفِيهِ، وَالْعَفْوُ زَكَاةُ الظَّفَرِ، وَالسُّلُوُّ عِوَضُكَ مِمَّنْ غَدَرَ، وَالاسْتِشَارَةُ عَيْنُ الْـهِدَايَةِ، وَقَد خَاطَرَ مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ، وَالصَّبْرُ يُنَاضِلُ الْـحَدَثَان([179])، والْـجَزَعُ مِنْ أَعْوَانِ الزَّمَانِ، وَأَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْـمُنَى، وَكَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسيِرٍ تَحْتَ هَوَىً أَمِيرٍ! وَمِنَ التَّوْفِيقِ حِفْظُ التَّجْرِبَةِ، وَالْـموَدَّةُ قَرَابَةٌ مُسْتَفَادَةٌ، وَلا تَأْمَنَنَّ مَلُولاً.
202 ـ وقال (عليه السلام): عُجْبُ الْـمَرْءِ بِنَفْسِهِ أَحَدُ حُسَّادِ عَقْلِهِ.
203 ـ وقال (عليه السلام): أَغْضِ عَلَى الْقَذَى وَالألَمِ تَرْضَ أَبَداً.
204 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ لاَنَ عُودُهُ كَثُفَتْ أَغْصَانُهُ([180]).
205 ـ وقال (عليه السلام): الْـخِلَافُ يَهْدِمُ الرَّأْيَ.
206 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ نَالَ اسْتَطَالَ([181]).
207 ـ وقال (عليه السلام): فِي تَقَلُّبِ الأحْوَالِ عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ([182]).
208 ـ وقال (عليه السلام): حَسَدُ الصَّدِيقِ مِنْ سُقْمِ الْـمَوَدَّةِ.
209 ـ وقال (عليه السلام): أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْـمَطَامِعِ([183]).
210 ـ وقال (عليه السلام): لَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ الْقَضَاءُ عَلَى الثِّقَةِ بِالظَّنِّ([184]).
211 ـ وقال (عليه السلام): بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْـمَعَادِ الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَادِ([185]).
212 ـ وقال (عليه السلام): مِنْ أَشْرَفِ أَفْعَالِ الْكَرِيمِ غَفْلَتُهُ عَمَّا يَعْلَمُ.
213 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ كَسَاهُ الْـحَيَاءُ ثَوْبَهُ لَمْ يَرَ النَّاسُ عَيْبَهُ([186]).
214 ـ وقال (عليه السلام): بِكَثْرَةِ الصَّمْتِ تَكُونُ الْـهَيْبَةُ، وَبِالنَّصَفَةِ يَكْثُرُ الْـمُوَاصِلُونَ، وَبِالإفْضَالِ تَعْظُمُ الأقْدَارُ، وَبِالتَّوَاضُعِ تَتِمُّ النِّعْمَةُ، وَبِاحْتِمَالِ الْـمُؤَنِ([187]) يَجِبُ السُّؤْدَدُ، وَبِالسِّيرَةِ الْعَادِلَةِ يُقْهَرُ الْـمُنَاوِئُ([188])، وَبِالْـحِلْمِ عَنِ السَّفِيهِ تَكْثُرُ الأنْصَارُ عَليْهِ([189]).
215 ـ وقال (عليه السلام): الْعَجَبُ لِغَفْلَةِ الْـحُسَّادِ عَنْ سَلاَمَةِ الأجْسَادِ!
216 ـ وقال (عليه السلام): الطَّامِعُ فِي وِثَاقِ الذُّلِّ.
217 ـ وقال (عليه السلام) وقد سئل عن الإِيمان: الإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ، وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ، وعَمَلٌ بِالأرْكَانِ([190]).
218 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ أَصْبَحَ عَلَى الدُّنْيَا حَزِيناً فَقَدْ أَصْبَحَ لِقَضَاءِ اللهِ سَاخِطاً، وَمَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ فَقَدْ أَصْبَحَ يَشْكُو رَبَّهُ، وَمَنْ أَتى غَنِيَّاً فَتَوَاضَعَ لِغِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ، وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَهُوَ مِمَّنْ كَانَ يَتَّخِذُ آيَاتِ اللهِ هُزُواً، وَمَنْ لَـهِجَ قَلْبُهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا الْتَاطَ قَلْبُهُ مِنْهَا بِثَلَاثٍ: هَمٍّ لا يُغِبُّهُ([191])، وَحِرْصٍ لا يَتْـرُكُهُ، وَأَمَلٍ لا يُدْرِكُهُ([192]).
219 ـ وقال (عليه السلام): كَفَى بِالْقَنَاعَةِ مُلْكاً، وَبِحُسْنِ الْـخُلُقِ نَعِيماً.
220 ـ وسئل (عليه السلام) عن قوله تعالى: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)، فَقَالَ: هِيَ الْقَنَاعَةُ([193]).
221 ـ وقال (عليه السلام): شَارِكُوا الَّذِي قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ الرِّزْقُ، فَإِنَّهُ أَخْلَقُ لِلْغِنَى، وَأَجْدَرُ بِإِقْبَالِ الْـحَظِّ عَلَيْهِ.
222 ـ وقال (عليه السلام) في قول الله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ): الْعَدْلُ الإنْصَافُ، وَالإحْسَانُ التَّفَضُّلُ([194]).
223 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ يُعْطِ بِالْيَدِ الْقَصِيرَةِ يُعْطَ بِالْيَدِ الطَّوِيلَةِ([195]).
ومعنى ذلك: أنّ ما ينفقه المرء من ماله في سبيل الخير والبر ـ وإن كان يسيراً ـ فإنّ الله تعالى يجعل الجزاء عليه عظيماً كثيراً، واليدان هاهنا عبارتان عن النعمتين، ففرّق (عليه السلام) بين نعمة العبد ونعمة الرب، فجعل تلك قصيرة وهذه طويلة، لأنّ نعم الله سبحانه أبداً تُضعَّف على نعم المخلوقين أَضعافاً كثيرة، إذ كانت نعمه تعالى أصل النعم كلها، فكل نعمة إليها تَرجِعُ ومنها تنزع.
224 ـ وقال لابنه الحسن (عليه السلام): لا تَدعُوَنَّ إِلَى مُبَارَزَةٍ، وَإِنْ دُعِيتَ إِلَيْهَا فَأَجِبْ، فَإِنَّ الدَّاعِيَ بَاغٍ، وَالبَاغِيَ مَصْرُوعٌ([196]).
225 ـ وقال (عليه السلام): خِيَارُ خِصَالِ النِّسَاءِ شِرَارُ خِصَالِ الرِّجَالِ: الزَّهْوُ وَالْـجُبْنُ وَالْبُخْلُ، فَإذَا كَانَتِ الْـمَرْأَةُ مَزْهُوَّةً لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِهَا، وَإِذَا كَانَتْ بَخِيلَةً حَفِظَتْ مَالَـهَا وَمَالَ بَعْلِهَا، وَإِذَا كَانَتْ جَبَانَةً فَرِقَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَعْرِضُ لَـهَا.
226 ـ وقيل له (عليه السلام): صف لنا العاقل. فقال (عليه السلام): هُوَ الِّذِي يَضَعُ الشَّيْءَ مَوَاضِعَهُ. قيل: فصف لنا الجاهل، قال: قَدْ فَعَلْتُ.
يعني: أنّ الجاهل هو الذي لا يضع الشيء مواضعه، فكأن ترك صفته صفة له، إذ كان بخلاف وصف العاقل.
227 ـ وقال (عليه السلام): وَاللهِ لَدُنْيَاكُمْ هذِهِ أَهْوَنُ فِي عَيْنِي مِنْ عِرَاقِ خِنْزِير فِي يَدِ مَجْذُومٍ([197]).
228 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الأحْرَارِ.
229 ـ وقال (عليه السلام): الْـمَرْأَةُ شَرٌّ كُلُّهَا، وَشَرُّ مَا فِيهَا أَنَّهُ لاَبُدَّ مِنْهَا([198]).
230 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ أَطَاعَ التَّوَانِيَ ضَيَّعَ الْـحُقُوقَ، وَمَنْ أَطَاعَ الْوَاشِيَ ضَيَّعَ الصَّدِيقَ.
231 ـ وقال (عليه السلام): الْـحَجَرُ الْغَصِيبُ فِي الدَّارِ رَهْنٌ عَلَى خَرَابِهَا.
و يروى هذا الكلام للنبي صلّى الله عليه، ولا عجب أن يشتبه الكلامان، فإنّ مستقاهما من قليب، ومفرغهما من ذَنوب.
232 ـ وقال (عليه السلام): يَوْمُ الْـمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الظَّالِمِ عَلَى الْـمَظْلُومِ.
233 ـ وقال (عليه السلام): اتَّقِ اللهَ بَعْضَ التُّقَى وَإِنْ قَلَّ، وَاجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ سِتـْراً وَإِنْ رَقَّ.
234 ـ وقال (عليه السلام): إِذَا ازْدَحَمَ الْـجَوَابُ خَفِيَ الصَّوَابُ.
235 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ لِـلّهِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ حَقّاً، فَمَنْ أَدَّاهُ زَادَهُ مِنْهَا، وَمَنْ قَصَّرَ مِنْهُ خَاطَرَ بِزَوَالِ نِعْمَتِهِ([199]).
236 ـ وقال (عليه السلام): إِذَا كَثُرَتِ الْـمَقْدِرَةُ قَلَّتِ الشَّهْوَةُ.
237 ـ وقال (عليه السلام): احْذَرُوا نِفَارَ النِّعَمِ، فَمَا كُلُّ شَارِدٍ بِمَرْدُودٍ.
238 ـ وقال (عليه السلام): الْكَرَمُ أَعْطَفُ مِنَ الرَّحِمِ.
239 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ([200]).
240 ـ وقال (عليه السلام): أَفْضَلُ الأعْمَالِ مَا أَكْرَهْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ.
241 ـ وقال (عليه السلام): عَرَفْتُ اللهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ، وَحَلِّ الْعُقُودِ [وَنَقْضِ الْـهِمَمِ] ([201]).
242 ـ وقال (عليه السلام): مَرَارَةُ الدُّنْيَا حَلاَوَةُ الآخِرَةِ، وَحَلاَوَةُ الدُّنْيَا مَرَارَةُ الآخِرَةِ.
243 ـ وقال (عليه السلام): فَرَضَ اللهُ الإيمَانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلاَةَ تَنْزِيهاً عَنِ الْكِبْرِ، وَالزَّكَاةَ تَسْبِيباً لِلرِّزْقِ، وَالصِّيَامَ ابْتِلاَءً لإِخْلاَصِ الْـخَلْقِ، وَالْـحَجَّ تَقْرِبَةً لِلدِّينِ، وَالْـجِهَادَ عِزّاً لِلإسْلاَمِ، وَالأمْرَ بِالْـمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعَوَامِّ، وَالنَّهْيَ عَنِ الْـمُنْكَرِ رَدْعاً لِلسُّفَهَاءِ، وَصِلَةَ الأرْحَامِ مَنْماةً لِلْعَدَدِ، وَالْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاءِ، وَإِقَامَةَ الْـحُدُودِ إِعْظَاماً لِلْمَحَارِمِ، وَتَرْكَ شُرْبِ الْـخَمْرِ تَحْصِيناً لِلْعَقْلِ، وَمُجَانَبَةَ السَّرِقَةِ إِيجاباً لِلْعِفَّةِ، وَتَرْكَ الزِّنَى تَحْصِيناً لِلنَّسَبِ، وَتَرْكَ اللَّوَاطِ تَكْثِيراً لِلنَّسْلِ، وَالشَّهَادَاتِ اسْتِظهَاراً عَلَى الْـمُجَاحَدَاتِ، وَتَرْكَ الْكَذِبِ تَشْرِيفاً لِلصِّدْقِ، وَالسَّلاَمَ أَمَاناً مِنَ الْـمَخَاوِفِ، وَالإمَامَةَ نِظَاماً لِلأُمَّةِ، وَالطَّاعَةَ تَعْظِيماً لِلإمَامَةِ([202]).
244 ـ وكان (عليه السلام) يقول: أَحْلِفُوا الظَّالِمَ ـ إِذَا أَرَدْتُمْ يَمِينَهُ ـ بِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ حَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا حَلَفَ بِهَا كَاذِباً عُوجِلَ الْعُقُوبَةَ، وَإِذَا حَلَفَ بِاللهِ الَّذِي لا إِلهَ إلَّا هُوَ لَمْ يُعَاجَلْ، لِأَنَّهُ قَدْ وَحَّدَهُ سُبْحَانَهُ([203]).
245 ـ وقال (عليه السلام): يَابْنَ آدَمَ، كُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ، وَاعْمَلْ فِي مَالِكَ مَا تُؤْثِرُ أَنْ يُعْمَلَ فِيهِ مِنْ بَعْدِكَ.
246 ـ وقال (عليه السلام): الْـحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ الْـجُنُونِ، لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنُونُهُ مُسْتَحْكِمٌ.
247 ـ وقال (عليه السلام): صِحَّةُ الْـجَسَدِ مِنْ قِلَّةِ الْـحَسَدِ.
248 ـ وقال (عليه السلام) لِكُمَيْلِ بن زيادٍ النَّخعِي: يَا كُمَيْلُ، مُرْ أَهْلَكَ أَنْ يَرُوحُوا([204]) فِي كَسْبِ الْـمَكَارِمِ، وَيُدْلِـجُوا([205]) فِي حَاجَةِ مَنْ هُوَ نائِمٌ، فَوَالَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصْوَاتَ مَا مِنْ أَحَدٍ أَوْدَعَ قَلْباً سُرُوراً إلَّا وَخَلَقَ اللهُ لَهُ مِنْ ذلِكَ السُّرُورِ لُطْفاً، فَإِذَا نَزَلَتْ بِهِ نَائِبَةٌ جَرَى إلَيْهَا كَالْـمَاءِ فِي انْحِدَارِهِ حَتَّى يَطْرُدَهَا عَنْهُ كَمَا تُطْرَدُ غَرِيبَةُ الإبلِ.
249 ـ وقال (عليه السلام): إِذَا أَمْلَقْتُمْ فَتَاجِرُوا اللهَ بِالصَّدَقَةِ([206]).
250 ـ وقال (عليه السلام): الْوَفَاءُ لِأَهْلِ الْغَدْرِ غَدْرٌ عِنْدَ اللهِ، وَالْغَدْرُ بِأَهْلِ الْغَدْرِ وَفَاءٌ عِنْدَ اللهِ([207]).
251 ـ وقال (عليه السلام): كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالإحْسَانِ إِلَيْهِ، وَمَغْرُورٍ بِالسَّتْـرِ عَلَيْهِ، وَمَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ، وَمَا ابْتَلَى اللهُ سُبْحَانَهُ أَحَداً بِمِثْلِ الإمْلَاءِ لَهُ.
و قد مضى هذا الكلام فيما تقدّم، إلّا أنَ فيه هاهنا زيادة مفيدة.
فصل
نذكر فيه شيئاً من اختيار غريب كلامه (عليه السلام)
المحتاج إلى التفسير
1 ـ في حديثه (عليه السلام): فَإِذَا كَانَ ذلِكَ ضَرَبَ يَعْسُوبُ الدِّينِ بِذَنَبِهِ، فَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ كَمَا يَجْتَمِعُ قَزَعُ الْـخَرِيفِ([208]).
يعسوب الدين: السيد العظيم المالك لأمور الناس يومئذٍ، والقزع: قطع الغيم التي لا ماء فيها.
2 ـ وفي حديثه (عليه السلام): هذَا الْـخَطِيبُ الشَّحْشَحُ([209]).
يريد: الماهر بالخطبة الماضي فيها، وكل ماض في كلام أو سير فهو شحشح، والشحشح في غير هذاالموضع: البخيل الممسك.
3 ـ وفي حديثه (عليه السلام): إنَّ لِلْخُصُومَةِ قُحَماً([210]).
يريد بالقحم المهالك، لأنّها تُقِحمُ أصحابَها في المهالك والمتالف في الأكثر، ومن ذلك قُحْمَةُ الأعراب، وهو أن تصيبهم السَّنةُ فتتعرّق أموالهم، فذلك تقحّمها فيهم. و قيل فيه وجهٌ آخر: وهو أنّها تُقْحِمُهُمْ بلادَ الريف، أي تحوجهم إلى دخول الحضر عند مُحولِ البَدْوِ.
4 ـ وفي حديثه (عليه السلام): إِذَا بَلَغَ النِّسَاءُ نَصَّ الْـحِقَاقِ فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى([211]).
والنص: منتهى الأشياء ومبلغ أقصاها كالنص في السير، لأنّه أقصى ما تقدر عليه الدابة، وتقول: نصصت الرجل عن الأمر، إذا استقصيت مسألته عنه لتستخرج ما عنده فيه، فنص الحقاق يريد به الإدراك، لأنّه منتهى الصغر، والوقت الذي يخرج منه الصغير إلى حد الكبير، وهو من أفصح الكنايات عن هذا الأمر وأغربها، يقول: فاذا بلغ النساء ذلك فالعَصَبَةُ أولى بالمرأة من أمها إذا كانوا مَحْرَماً، مثل الإخوة والأعمام،بتزويجها إن أَرادوا ذلك.
والحِقاق: مُحاقّةُ الأم للعصبةِ في المرأة، وهو الجدال والخصومة، وقول كلّ واحد منهما للآخر: أنا أحق منك بهذا، ويقال منه: حاققته حقاقاً، مثل جادلته جدالاً. و قد قيل: إن نصّ الحقاق بلوغ العقل، وهو الإدراك، لأنّه (عليه السلام) إنّما أراد منتهى الأمر الذي تجب فيه الحقوق والأحكام، ومَن رواه: «نص الحقائق» فإنّما أراد جَمْعَ حَقيقة. هذا معنى ما ذكره أبو عُبيد القاسم بن سلام.
والذي عندي: أنّ المراد بنص الحِقاق هاهنا بلوغ المرأة إلى الحد الذي يجوز فيه تزويجها وتصرّفها في حقوقها، تشبيهاً بالِحقاق من الإبل، وهي جمع حِقّة وحِقّ، وهو الذي استكمل ثلاث سنين ودخل في الرابعة، وعند ذلك يبلغ إلى الحد الذي يُتمكّن فيه من ركوب ظهره، وَنَصِّهِ في السير، والحقائقُ أيضاً: جمع حِقّة.
فالروايتان جميعاً ترجعان إلى معنىً واحد، وهذا أشبه بطريقة العرب من المعنى المذكور أولاً.
5 ـ وفي حديثه (عليه السلام): إنَّ الإيمَانَ يَبْدُو لُـمْظَةً فِي الْقَلْبِ، كُلَّمَا ازْدَادَ الإيمَانُ ازْدَادَتِ اللُّمْظَةُ([212]).
اللُّمْظَةُ مثل النكتة أو نحوها من البياض، ومنه قيل: فرس ألمظ، إذا كان بجحفلته شيء من البياض.
6 ـ وفي حديثه (عليه السلام): إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ لَهُ الدَّيْنُ الظَّنُونُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَهُ لِـمَا مَضَى إِذَا قَبَضَهُ([213]).
فالظَّنُونُ: الذي لايَعْلَمُ صاحبُهُ أيقبضُه من الذي هو عليه أم لا، فكأنّه الذي يُظَنُّ به، فمرة يرجوه ومرة لا يرجوه. و هو من أفصح الكلام، وكذلك كلّ أمر تطلبه ولا تدري على أي شيء أنت منه فهو ظَنون، وعلى ذلك قول الأعشى:
مَا يُجْعَلُ الْـجُـدُّ الظَّنُونُ الَّذِي
مِثْلَ الْفُرَاتِيِّ إِذَا مَا طَمَا
جُنِّبَ صَوْبَ اللَّجِبِ الْـمَاطِرِ
يَقْذِفُ بِالْبُوصِيِّ وَالْـمَاهِرِ
والجُدّ: البئر، والظنون: التي لا يُدرى هل فيها ماء أم لا.
7 ـ وفي حديثه (عليه السلام): انّه شيّع جيشاً يغْزِيهِ فقال: اعْذِبُوا عَنِ النِّسَاءِ مَا اسْتَطَعْتُمْ([214]).
ومعناه: اصدِفوا عن ذكر النساء وشُغُلِ القلب بهنّ، وامتنعُوا من المقاربة لهنّ، لأنّ ذلك يَفُتُّ في عضُد الحميّة، ويقدح في معاقد العزيمة، ويكسِر عن العَدْوِ، وَيلفِتُ عن الإبعاد في الغزو، وكلُّ من امتنع من شيء فقد أعْذَبَ عنه، والعاذبُ والعَذُوب: الممتنع من الأكل والشرب.
8 ـ وفي حديثه (عليه السلام): كَالْيَاسِرِ الْفَالِجِ يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ([215]).
الياسرون: هم الذين يتضاربون بالقِداح على الجَزُورِ، والفالجُ: القاهرُ الغالبُ، يقال: قد فلج عليهم وفَلَجَهُم، وقال الراجز:
«لـمّا رأيتُ فالجاً قد فَلَجَا»
9 ـ وفي حديثه (عليه السلام): كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ([216]).
ومعنى ذلك: أنّه إذا عَظُم الخوفُ من العدو واشتد عِضَاضُ الحربِ، فَزِعَ المسلمون إلى قتال رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) بنفسه، فينزل الله تعالى النصر عليهم، ويأمنون ما كانوا يخافونه بمكانه. وقوله (عليه السلام): « إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ» كناية عن اشتداد الأمر، وقد قيل في ذلك أقوال أحسَنُها: أنّه شبّه حَمْيَ الحرب بالنار التي تجمع الحرارة والحمرة بفعلِها ولونها، وممّا يقوي ذلك قول الرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وقد رأى مُجْتَلَدَ الناس يوم حُنين وهي حرب هوازنَ: «الآن حَمِيَ الوَطِيسُ» فالوطيسُ: مستوقَدُ النار، فشبه رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ما استحرّ من جلاد القوم باحتدامِ النار وشدةِ التهابها.
انقضى هذا الفصل، ورجعنا إلى سنن الغرض الأوّل في هذا الباب.
***
252 ـ وقال (عليه السلام) لما بلغه إغارةُ أصحاب معاويةَ على الأنبار، فخرج بنفسه ماشياً حتى أتى النُّخَيْلَةَ، فأدركه الناسُ وقالوا: يا أميرالمؤمنين نحن نكفيكَهُمْ.
فقال (عليه السلام): وَاللهِ مَا تَكْفُونَنِي أَنْفُسَكُمْ، فَكَيْفَ تَكْفُونَنِي غَيْرَكُمْ! إِنْ كَانَتِ الرَّعَايَا قَبْلِي لَـتَشْكُو حَيْفَ رُعَاتِهَا، وَإِنَّنِي الْيَوْمَ لَأَشْكُو حَيْفَ رَعِيَّتِي، كَأَنَّنِيَ الْـمَقُودُ وَهُمُ الْقَادَةُ، أَوِ الْـمَوْزُوعُ وَهُمُ الْوَزَعَةُ!
فلما قال (عليه السلام) هذا القول، في كلام طويل قد ذكرنا مختارَه في جملةِ الخُطَب، تقدّم إليه رجلان من أصحابه، فقال أحدهما: إنّي لا أملك إلّا نفسي وأخي، فَمُرْنا بأمرك يا أميرالمؤمنين نُنْفِذ له. فقال (عليه السلام): وأَيْنَ تَقَعَانِ مِمَّا أُريدُ ([217])!
253 ـ وقيل: إنّ الحارث بن حَوْط أتاه (عليه السلام) فقال: أتُراني أظنّ أصحابَ الجمل كانوا على ضلالة؟
فقال (عليه السلام): يَا حَارِث، إِنَّكَ نَظَرْتَ تَحْتَكَ وَلَمْ تَنْظُرْ فَوْقَكَ فَحِرْتَ؛ إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ الْـحَقَّ فَتَعْرِفَ مَنْ أَبَاهُ، وَلَمْ تَعْرِفِ الْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ.
فقال الحارث: فإنّي أَعتزل مع سعيد بن مالك وعبدالله بن عمر. فقال (عليه السلام): إِنَّ سَعِيداً وَعَبْدَاللهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَنْصُرَا الْـحَقَّ، وَلَمْ يَخْذُلا الْبَاطِلَ([218]).
254 ـ وقال (عليه السلام): صَاحِبُ السُّلْطَانِ كَرَاكِبِ الأسَدِ: يُغْبَطُ بِمَوْقِعِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَوْضِعِهِ.
255 ـ وقال (عليه السلام): أَحْسِنُوا فِي عَقِبِ غَيْرِكُمْ تُحْفَظُوا فِي عَقِبِكُمْ.
256 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ كَلاَمَ الْـحُكَمَاءِ إذَا كَانَ صَوَاباً كَانَ دَوَاءً، وَإِذَا كَانَ خَطَأً كَانَ دَاءً.
257 ـ وسأَله (عليه السلام) رجل أَن يعرّفه ما الإيمان، فقال: إِذَا كَانَ غَدٌ فَأْتِنِي حَتَّى أُخْبِرَكَ عَلَى أَسْمَاعِ النَّاسِ، فَإِنْ نَسِيتَ مَقَالَتِي حَفِظَهَا عَلَيْكَ غَيْرُكَ، فَإِنَّ الْكَلاَمَ كَالشَّارِدَةِ، يَنْقُفُهَا([219]) هذَا وَيُخْطِئُهَا هذَا.
وقد ذكرنا ما أجابه به (عليه السلام) فيما تقدّم من هذا الباب، وهو قوله: الإيمان على أربع شعب.
258 ـ وقال (عليه السلام): يَابْنَ آدَمَ، لا تَحْمِلْ هَمَّ يَوْمِكَ الَّذِي لَمْ يَأْتِكَ عَلَى يَوْمِكَ الَّذِي قَدْ أَتَاكَ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ مِنْ عُمُرِكَ يَأْتِ اللهُ فِيهِ بِرِزْقِكَ([220]).
259 ـ وقال (عليه السلام): أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَّا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَّا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْناً مَّا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً مَّا([221]).
260 ـ وقال (عليه السلام): النَّاسُ فِي الدُّنْيَا عَامِلاَنِ: عَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِلدُّنْيَا، قَدْ شَغَلَتْهُ دُنْيَاهُ عَنْ آخِرَتِهِ، يَخْشَى عَلَى مَنْ يَخْلُفُهُ الْفَقْرَ، وَيأْمَنُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَيُفْنِي عُمُرَهُ فِي مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ. وَعَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِـمَا بَعْدَهَا، فَجَاءَهُ الَّذِي لَهُ مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ عَمَلٍ، فَأَحْرَزَ الْـحَظَّيْنِ مَعاً، وَمَلَكَ الدَّارَيْنِ جَمِيعاً، فَأَصْبَحَ وَجِيهاً عِنْدَاللهِ، لا يَسْأَلُ اللهَ حَاجَةً فَيَمْنَعَهُ.
261 ـ وروي أنه ذكر عند عمر بن الخطاب في أيامه حَلْي الكعبةِ وكثرتُهُ، فقال قوم: لو أخذته فجهزتَ به جيوش المسلمين كان أَعظم للأجر، وما تصنع الكعبةُ بالْـحَلْي؟ فهمّ عمر بذلك، وسأل عنه أميرالمؤمنين (عليه السلام)، فقال: إِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَالأمْوَالُ أَرْبَعَةٌ: أَمْوَالُ الْـمُسْلِمِينَ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْفَرَائِضِ، وَالْفَيْءُ فَقَسَّمَهُ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ، وَالْـخُمُسُ فَوَضَعَهُ اللهُ حَيْثُ وَضَعَهُ، وَالصَّدَقَاتُ فَجَعَلَهَا اللهُ حَيْثُ جَعَلَهَا. وَكَانَ حَلْيُ الْكَعْبَةِ فِيهَا يَوْمَئِذٍ، فَتَـرَكَهُ اللهُ عَلَى حَالِهِ، وَلَمْ يَتْـرُكْهُ نِسْيَاناً، وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَكَاناً، فَأَقِرَّهُ حَيْثُ أَقَرَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ.
فقال له عمر: لولاك لافتضحنا، وترك الحَلْي بحاله.
262 ـ وروي أنّه (عليه السلام) رُفع إليه رجلان سرقا من مال الله، أحدهما عبدٌ من مالِ الله، والآخر من عُرْضِ الناس، فقال (عليه السلام): أَمَّا هذَا فَهُوَ مِنْ مَالِ اللهِ وَلا حَدَّ عَلَيْهِ، مَالُ اللهِ أَكَلَ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَأَمَّا الآخَرُ فَعَلَيْهِ الْـحَدُّ، فقطع يده([222]).
263 ـ وقال (عليه السلام): لَوْ قَدِ اسْتَوَتْ قَدَمَايَ مِنْ هذِهِ الْـمَدَاحِضِ([223]) لَغَيَّرْتُ أَشْيَاءَ.
264 ـ وقال (عليه السلام): اعْلَمُوا عِلْماً يَقِيناً أَنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَبْدِ ـ وَإِنْ عَظُمَتْ حِيلَتُهُ، وَاشْتَدَّتْ طِلْبَتُهُ، وَقَوِيَتْ مَكِيْدَتُهُ ـ أَكْثَرَ مِمَّا سُمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْـحَكِيمِ، وَلَمْ يَحُلْ بَيْنَ الْعَبْدِ فِي ضَعْفِهِ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ مَا سُمِّيَ لَهُ فِي الذِّكْرِ الْـحَكِيمِ، وَالْعَارِفُ لِهذَا الْعَامِلُ بِهِ أَعْظَمُ النَّاسِ رَاحَةً فِي مَنْفَعَةٍ، وَالتَّارِكُ لَهُ الشَّاكُّ فِيهِ أَعْظَمُ النَّاسِ شُغُلاً فِي مَضَرَّةٍ. وَرُبَّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ مُسْتَدْرَجٌ بِالنُّعْمَى، وَرُبَّ مُبْتَلًى مَصْنُوعٌ لَهُ بِالْبَلْوَى، فَزِدْ أَيُّهَا الْـمُسْتَمِعُ فِي شُكْرِكَ، وَقَصِّرْ مِنْ عَجَلَتِكَ، وَقِفْ عِنْدَ مُنتَهَى رِزْقِكَ([224]).
265 ـ وقال (عليه السلام): لا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلاً، وَيَقِينَكُمْ شَكّاً، إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا، وَإِذَا تَيَقَّنْتُمْ فَأَقْدِمُوا.
266 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ الطَّمَعَ مُورِدٌ غَيْرُ مُصْدِرٍ([225])، وَضَامِنٌ غَيْرُ وَفِيٍّ. وَرُبَّمَا شَرِقَ شَارِبُ الْـمَاءِ قَبْلَ رِيِّهِ، وَكُلَّمَا عَظُمَ قَدْرُ الشَّيْءِ الْـمُتَنَافَسِ فِيهِ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ لِفَقْدِهِ، وَالأَمَانِيُّ تُعْمِي أَعْيُنَ الْبَصَائِرِ، وَالْـحَظُّ يَأتِي مَنْ لا يَأْتِيهِ.
267 ـ وقال (عليه السلام): اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَحْسُنَ فِي لاَمِعَةِ الْعُيُونِ عَلاَنِيَتِي، وَتَقْبُحَ فِيَما أُبْطِنُ لَكَ سَرِيرَتيِ، مُحَافِظاً عَلَى رِيَاءِ النَّاسِ مِنْ نَفْسِي بِجَمِيعِ مَا أَنْتَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مِنِّي، فَأُبْدِيَ لِلنَّاسِ حُسْنَ ظَاهِرِي، وَأُفْضِيَ إِلَيْكَ بِسُوءِ عَمَلِي، تَقَرُّباً إلَى عِبَادِكَ، وَتَبَاعُداً مِنْ مَرْضَاتِكَ([226]).
268 ـ وقال (عليه السلام): لا وَالَّذِي أَمْسَيْنَا مِنْهُ فِي غُبْرِ([227]) لَيْلَةٍ دَهْمَاءَ([228])، تَكْشِرُ([229]) عَنْ يَوْمٍ أَغَرَّ([230])، مَا كَان كَذَا وَكَذا.
269 ـ وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ تَدُومُ عَلَيْهِ أَرْجَى مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ.
270 ـ وقال (عليه السلام): إذَا أَضَرَّتِ النَّوَافِلُ بِالْفَرَائِضِ فَارْفُضُوهَا.
271 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ تَذَكَّرَ بُعْدَ السَّفَرِ اسْتَعَدَّ.
272 ـ وقال (عليه السلام): لَيْسَتِ الرَّوِيَّةُ([231]) كَالْـمُعَايَنَةِ مَعَ الإبْصَارِ، فَقَدْ تَكْذِبُ الْعُيُونُ أَهْلَهَا، وَلا يَغُشُّ الْعَقْلُ مَنِ اسْتَنْصَحَهُ.
273 ـ وقال (عليه السلام): بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْـمَوْعِظَةِ حِجَابٌ مِنَ الْغِرَّةِ.
274 ـ وقال (عليه السلام): جَاهِلُكُمْ مُزْدَادٌ([232])، وَعَالِـمُكُمْ مُسَوِّفٌ([233]).
275 ـ وقال (عليه السلام): قَطَعَ الْعِلْمُ عُذْرَ الْـمُتَعَلِّلِينَ.
276 ـ وقال (عليه السلام): كُلُّ مُعَاجَلٍ يَسْأَلُ الإنْظَارَ، وَكُلُّ مُؤَجَّلٍ يَتَعَلَّلُ بالتَّسْويفِ.
277 ـ وقال (عليه السلام): مَا قَالَ النَّاسُ لِشَيْءٍ: طُوبَى لَهُ، إلَّا وَقَدْ خَبَأَ لَهُ الدَّهْرُ يَوْمَ سَوْءٍ.
278 ـ وسئل عن القدر، فقال: طَرِيقٌ مُظْلِمٌ فَلاَ تَسْلُكُوهُ، وَبَحْرٌ عَمِيقٌ فَلاَ تَلِجُوهُ، وَسِرُّ اللهِ فَلاَ تَتَكَلَّفُوهُ([234]).
279 ـ وقال (عليه السلام): إِذَا أَرْذَلَ اللهُ عَبْداً حَظَرَ عَلَيْهِ الْعِلْمَ.
280 ـ وقال (عليه السلام): كَانَ لِي فيِما مَضَى أَخٌ فِي اللهِ، وَكَانَ يُعْظِمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ، وَكَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ فَلاَ يَشْتَهِي مَا لا يَجِدُ وَلا يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ، وَكَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً، فإِنْ قَالَ بَذَّ([235]) الْقَائِلِينَ، وَنَقَعَ غَلِيلَ([236]) السَّائِلِينَ، وَكَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفاً، فَإِنْ جَاءَ الْـجِدُّ فَهُوَ لَيْثُ غَابٍ، وَصِلُّ([237]) وَادٍ، لا يُدْلِي بِحُجَّةٍ حَتَّى يَأْتِيَ قَاضِياً، وَكَانَ لا يَلُومُ أَحَداً عَلَى مَا يَجِدُ الْعُذْرَ فِي مِثْلِهِ حَتَّى يَسْمَعَ اعْتِذَارَهُ، وَكَانَ لايَشْكُو وَجَعاً إلَّا عِنْدَ بُرْئِهِ، وَكَانَ يقُولُ مَا يَفْعَلُ وَلا يَقُولُ مَا لا يَفْعَلُ، وَكَانَ إذَا غُلِبَ عَلَى الْكَلاَمِ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى السُّكُوتِ، وَكَانَ عَلَى مَا يَسْمَعُ أَحْرَصَ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَكَان إذَا بَدَهَهُ([238]) أَمْرَانِ نَظَرَ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى الْـهَوَى فَخَالَفَهُ. فَعَلَيْكُمْ بِهذِهِ الْـخَلاَئِقِ فَالْزَمُوهَا وَتَنَافَسُوا فِيهَا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوهَا فَاعْلَمُوا أَنَّ أَخْذَ الْقَلِيلِ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِ الْكَثِيرِ([239]).
281 ـ وقال (عليه السلام): لَوْ لَمْ يَتَوَعَّدِ اللهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ لَكَانَ يَجِبُ أَنْ لا يُعْصَى شُكْراً لِنِعَمِهِ.
282 ـ وقال (عليه السلام)، وقد عزّى الأشعثَ بن قيس عن ابن له: يَا أَشْعَثُ، إِنْ تَحْزَنْ عَلَى ابْنِكَ فَقَدِ اسْتَحَقَّتْ ذلِكَ مِنْكَ الرَّحِمُ، وَإِنْ تَصْبِرْ فَفِي اللهِ مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ خَلَفٌ، يَا أَشْعَثُ، إِنْ صَبَرْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَأْجُورٌ، وَإِنْ جَزِعْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَأْزُورٌ، ابْنُكَ سَرَّكَ وَهُوَ بَلاَءٌ وَفِتْنَةٌ، وَحَزَنَكَ وَهُوَ ثَوَابٌ وَرَحْمَةٌ([240]).
283 ـ وقال (عليه السلام) على قبر رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ساعة دُفِنَ: إِنَّ الصَّبْرَ لَـجَمِيلٌ إلَّا عَنْكَ، وَإِنَّ الْـجَزَعَ لَقَبِيحٌ إلَّا عَلَيْكَ، وَإِنَّ الْـمُصَابَ بِكَ لَـجَلِيلٌ، وَإِنَّهُ قَبْلَكَ وَبَعْدَكَ لَـجَلَلٌ.
284 ـ وقال (عليه السلام): لا تَصْحَبِ الْـمَائِقَ فَإِنَّهُ يُزَيِّنُ لَكَ فِعْلَهُ، وَيَوَدُّ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُ.
285 ـ وقال (عليه السلام) وقد سئل عن مسافة ما بين المشرق والمغرب: مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلشَّمْسِ([241]).
286 ـ وقال (عليه السلام): أَصْدِقَاؤُكَ ثَلاَثَةٌ، وَأَعْدَاؤُكَ ثَلاَثَةٌ: فَأَصْدِقَاؤُكَ: صَدِيقُكَ، وَصَدِيقُ صَدِيقِكَ، وَعَدُوُّ عَدُوِّكَ. وَأَعْدَاؤكَ: عَدُوُّكَ، وَعَدُوُّ صَدِيقِكَ، وَصَدِيقُ عَدُوِّكَ([242]).
287 ـ وقال (عليه السلام) لرجل رآه يسعى على عدوّ له بما فيه إِضرار بنفسه: إنَّمَا أَنْتَ كَالطَّاعِنِ نَفْسَهُ لِيَقْتُلَ رِدْفَهُ([243]).
288 ـ وقال (عليه السلام): مَا أَكْثَرَ الْعِبَرَ وأَقَلَّ الاعْتِبَارَ.
289 ـ وقال (عليه السلام): مَن بَالَغَ فِي الْـخُصوُمَةِ أَثِمَ، وَمَنْ قَصَّرَ فِيهَا ظُلِمَ، وَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ مَنْ خَاصَمَ([244]).
290 ـ وقال (عليه السلام): مَا أَهَمَّنِي ذَنْبٌ أُمْهِلْتُ بَعْدَهُ حَتَّى أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَأسْأَلَ اللهَ الْعَافِيَةَ.
291 ـ وسئل (عليه السلام): كيف يحاسب الله الخلق على كَثْرتهم؟ فقال (عليه السلام): كَمَا يَرْزُقُهُمْ عَلَى كَثْرَتِهِمْ. فَقيل: كيف يُحاسِبُهُم ولا يَرَوْنَهُ؟ قال (عليه السلام): كَمَا يَرْزُقُهُمْ وَلا يَرَوْنَهُ.
292 ـ وقال (عليه السلام): رَسُولُكَ تَرْجُمَانُ عَقْلِكَ، وَكِتَابُكَ أَبْلَغُ مَا يَنْطِقُ عَنْكَ.
293 ـ وقال (عليه السلام): مَا الْـمُبْتَلَى الَّذِي قَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْبَلَاءُ، بِأَحْوَجَ إِلَى الدُّعَاءِ مِنَ الْـمُعَافَى الَّذِي لا يَأمَنُ البَلاَءَ.
294 ـ وقال (عليه السلام): النَّاسُ أَبْنَاءُ الدُّنْيَا، وَلا يُلاَمُ الرَّجُلُ عَلَى حُبِّ أُمِّهِ([245]).
295 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ الْـمِسْكِينَ رَسُولُ اللهِ، فَمَنْ مَنَعَهُ فَقَدْ مَنَعَ اللهَ، وَمَنْ أَعْطَاهُ فَقَدْ أَعْطَى اللهَ([246]).
296 ـ وقال (عليه السلام): مَا زَنَى غَيُورٌ قَطُّ.
297 ـ وقال (عليه السلام): كَفَى بِالأَجَلِ حَارِساً([247]).
298 ـ وقال (عليه السلام): يَنَامُ الرَّجُلُ عَلَى الثُّكْلِ، وَلا يَنَامُ عَلَى الْـحَرَبِ.
ومعنى ذلك: أنّه يصبر على قتل الأولاد، ولا يصبر على سلب الأموال.
299 ـ وقال (عليه السلام): مَوَدَّةُ الآبَاءِ قَرَابَةٌ بَيْنَ الأبْنَاءِ، وَالْقَرَابَةُ إِلَى الْـمَوَدَّةِ أَحْوَجُ مِنَ الْـمَوَدَّةِ إِلَى الْقَرَابَةِ.
300 ـ وقال (عليه السلام): اتَّقُوا ظُنُونَ الْـمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الْـحَقَّ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ.
301 ـ وقال (عليه السلام): لا يَصْدُقُ إِيمَانُ عَبْد، حَتّى يَكُونَ بِمَا فِي يَدِ اللهِ سُبْحَانَهُ أَوْثَقَ مِنهُ بِمَا فِي يَدِهِ([248]).
302 ـ وقال (عليه السلام) لأنس بن مالك، وقد كان بعثه إلى طلحةَ والزبيرِ لما جاءا إلى البصرة يذكرهما شيئاً سمعه من رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) في معناهما، فلوى عن ذلك، فرجع إليه، فقال: إِنِّي أُنسيتُ ذلك الأمرَ.
فَقال (عليه السلام): إِنْ كُنْتَ كَاذِباً فَضَرَبَكَ اللهُ بِهَا بَيْضَاءَ لاَمِعَةً لا تُوَارِيهَا الْعِمَامَةُ([249]).
يعني البرص، فأصاب أَنَساً هذا الداء فيما بعدُ في وجهه، فكان لايُرى إلّا مُبَرقعاً.
303 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ لِلْقُلُوبِ إقْبَالاً وَإِدْبَاراً، فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَاحْمِلُوهَا عَلَى النَّوَافِلِ، وَإذَا أَدْبَرَتْ فَاقْتَصِرُوا بِهَا عَلَى الْفَرَائِضِ([250]).
304 ـ وقال (عليه السلام): فِي الْقُرْآنِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَابَيْنَكُمْ([251]).
305 ـ وقال (عليه السلام): رُدُّوا الْـحَجَرَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ، فَإِنَّ الشَّرَّ لا يَدْفَعُهُ إلَّا الشَّرُّ.
306 ـ وقال (عليه السلام) لكاتبه عبيدالله بن أَبي رافع: أَلِقْ([252]) دَوَاتَكَ، وَأَطِلْ جِلْفَةَ قَلَمِكَ([253])، وَفَرِّجْ بَيْنَ السُّطُورِ، وقَرْمِطْ بَيْنَ الْـحُرُوفِ([254])، فَإِنَّ ذلِكَ أَجْدَرُ بِصَباحَةِ الْـخَطِّ.
307 ـ وقال (عليه السلام): أَنا يَعْسُوبُ الْـمُؤْمِنِينَ، وَالْـمَالُ يَعْسُوبُ الْفُجَّارِ([255]).
ومعنى ذلك أنّ المؤمنين يتبعونني، والفجار يتبعون المال، كما تتبع النحل يعسوبها، وهو رئيسها.
308 ـ وقال له بعض اليهود: ما دَفَنْتُم نَبِيَّكُم حتّى اختلفتم فيه. فقال (عليه السلام) له: إِنَّمَا اخْتَلَفْنَا عَنْهُ لا فِيهِ، وَلكِنَّكُمْ مَا جَفَّتْ أَرْجُلُكُمْ مِنَ الْبَحْرِ حَتَّى قُلْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ: (اجْعَلْ لَنَا إلهاً كَمَا لَـهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ).
309 ـ وقيل له: بأيّ شيء غلبتَ الأَقران؟ فقال (عليه السلام): مَا لَقِيتُ رَجُلاً إلَّا أَعَانَنِي عَلَى نَفْسِهِ.
يومئ (عليه السلام) بذلك إلى تمكّن هيبته في القلوب.
310 ـ وقال (عليه السلام) لابنه محمّد بن الحنفية: يَا بُنَيَّ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ الْفَقْرَ، فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْه، فَإِنَّ الْفَقْرَ مَنْقَصَةٌ لِلدِّينِ، مَدْهَشَةٌ لِلْعَقْلِ، دَاعِيَةٌ لِلْمَقْتِ.
311 ـ وقال (عليه السلام) لِسائل سأَله عن معضلة: سَلْ تَفَقُّهاً وَلا تَسْأَلْ تَعَنُّتاً، فَإِنَّ الْـجَاهِلَ الْـمُتَعَلِّمَ شَبِيهٌ بِالْعَالِمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ الْـمُتَعَسِّفَ شَبِيهٌ بِالْـجَاهِلِ الْـمُتَعَنِّتِ.
312 ـ وقال (عليه السلام) لعبدالله بن العباس ، وقـد أشـار عليه في شيء لم يوافق رأيه: لَكَ أَنْ تُشِيرَ عَلَيَّ وأَرَى، فَإِنْ عَصَيْتُكَ فَأَطِعْنِي([256]).
313 ـ وروي أنّه (عليه السلام) لما ورد الكوفة قادماً من صفين مرّ بالشّباميين، فسمع بكاء النساء على قتلى صفين، وخرج إليه حرب بن شُرَحْبِيل الشّبامي، وكان من وجوه قومه، فقال (عليه السلام): أَتَغْلِبُكُمْ نِسَاؤُكُمْ عَلَى مَا أسْمَعُ! أَلاَ تَنْهُونَهُنَّ عَنْ هذَا الرَّنِينِ!
وأقبل يمشي معه وهو (عليه السلام) راكب، فقال (عليه السلام) له: ارْجِعْ، فَإِنَّ مَشْيَ مِثْلِكَ مَعَ مِثْلِي فِتْنَةٌ لِلْوَالِي، وَمَذَلَّةٌ لِلْمُؤْمِنِ([257]).
314 ـ وقال (عليه السلام) وقد مرّ بقتلى الخوارج يوم النَّهْرَوَان: بُؤْساً لَكُمْ، لَقَدْ ضَرَّكُمْ مَنْ غَرَّكُمْ. فقيل له: مَن غرّهم يا أميرالمؤمنين؟ فقال: الشَّيْطَانُ الْـمُضِلُّ، وَالأنْفُسُ الأمَّارَةُ بِالسُّوءِ، غَرَّتْهُم بِالأمَانِيّ، وَفَسَحَتْ لَـهُمْ فِي الْـمَعَاصِي، وَوَعَدَتْهُمُ الإظْهَارَ، فَاقْتَحَمَتْ بِهِمُ النَّارَ([258]).
315 ـ وقال (عليه السلام): اتَّقُوا مَعَاصِيَ اللهِ فِي الْـخَلَوَاتِ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الْـحَاكِمُ.
316 ـ وقال (عليه السلام) لمّا بلغه قتل محمّد بن أبي بكر: إِنَّ حُزْنَنَا عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ سُرُورِهِمْ بِهِ، إلَّا أَنَّهُمْ نَقَصُوا بَغِيضاً، وَنَقَصْنَا حَبِيباً([259]).
317 ـ وقال (عليه السلام): الْعُمْرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللهُ فِيهِ إِلَى ابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً([260]).
318 ـ وقال (عليه السلام): مَا ظَفِرَ مَنْ ظَفِرَ الإثْمُ بِهِ، وَالْغَالِبُ بِالشَّرِّ مَغْلُوبٌ.
319 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الأغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ، فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إلَّا بِمَا مَنَعَ بِهِ غَنِي، وَاللهُ تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ ذلِكَ.
320 ـ وقال (عليه السلام): الاسْتِغْنَاءُ عَنِ الْعُذْرِ أَعَزُّ مِنَ الصِّدْقِ بِهِ.
321 ـ وقال (عليه السلام): أَقَلُّ مَا يَلْزَمُكُمْ للهِ أَلَّا تَسْتَعيِنُوا بِنِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ.
322 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الطَّاعَةَ غَنِيمَةَ الأكْيَاسِ عِنْدَ تَفْرِيطِ الْعَجَزَةِ.
323 ـ وقال (عليه السلام): السُّلْطَانُ وَزَعَةُ اللهِ فِي أَرْضِهِ([261]).
324 ـ وقال (عليه السلام) في صفة المؤمن: الْـمُؤْمِنُ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ، وَحُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ، أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً، وَأَذَلُّ شَيْءٍ نَفْساً، يَكْرَهُ الرِّفْعَةَ، وَيَشْنَأُ السُّمْعَةَ، طَوِيلٌ غَمُّهُ، بَعِيدٌ هَمُّهُ، كَثِيرٌ صَمْتُهُ، مَشْغُولٌ وَقْتُهُ، شَكُورٌ صَبُورٌ، مَغْمُورٌ([262]) بِفِكْرَتِهِ، ضَنِينٌ بِخَلَّتِهِ، سَهْلُ الْـخَلِيقَةِ، لَيِّنُ الْعَرِيكَةِ؛ نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ، وَهُوَ أَذَلُّ مِنَ الْعَبْدِ([263]).
325 ـ وقال (عليه السلام): لَوْ رَأَى الْعَبْدُ الأجَلَ وَمَسِيرَهُ لأَبْغَضَ الأمَلَ وَغُرُورَهُ ([264]).
326 ـ وقال (عليه السلام): لِكُلِّ امْرِىءٍ فِي مَالِهِ شَريِكَانِ: الْوَارِثُ، وَالْـحَوَادِثُ.
327 ـ وقال (عليه السلام): الْـمَسْؤُولُ حُرٌّ حَتَّى يَعِدَ ([265]).
328 ـ وقال (عليه السلام): الدَّاعِي بِلاَ عَمَلٍ كَالرَّامِي بِلاَ وَتَرٍ ([266]).
329 ـ وقال (عليه السلام): الْعِلْمُ عِلْمَانِ: مَطْبُوعٌ وَمَسْمُوعٌ، وَلا يَنْفَعُ الْـمَسْمُوعُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْـمَطْبُوعُ.
330 ـ وقال (عليه السلام): صَوَابُ الرَّأْيِ بِالدُّوَلِ: يُقْبِلُ بِإِقْبَالِـهَا، وَيَذْهَبُ بِذَهَابِهَا.
331 ـ وقال (عليه السلام): الْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ، وَالشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى ([267]).
332 ـ وقال (عليه السلام): يَوْمُ الْعَدْلِ عَلَى الظَّالِمِ أَشَدُّ مِنْ يَومِ الْـجَوْرِ عَلَى الْـمَظْلُومِ!
333 ـ وقال (عليه السلام): الْغِنَى الأكْبَرُ الْيَأْسُ عَمَّا فِي أَيْدِى النَّاسِ([268]).
334 ـ وقال (عليه السلام): الأقَاوِيلُ مَحْفُوظَةٌ، وَالسَّرَائِرُ مَبْلُوَّةٌ([269])، وَكُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، وَالنَّاسُ مَنْقوُصُونَ([270]) مَدْخُولُونَ([271]) إلَّا مَنْ عَصَمَ اللهُ، سَائِلُهُمْ مُتَعَنِّتٌ، وَمُجِيبُهُمْ مُتَكَلِّفٌ، يَكَادُ أَفْضَلُهُمْ رَأْياً يَرُدُّهُ عَنْ فَضْلِ رَأْيِهِ الرِّضَا وَالسُّخْطُ، وَيَكَادُ أَصْلَبُهُمْ عُوداً تَنْكَؤُهُ اللَّحْظَةُ([272])، وَتَسْتَحِيلُهُ الْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ.
مَعَاشِرَ النَّاسِ اتَّقُوا اللهَ، فَكَمْ مِنْ مُؤَمِّلٍ مَا لا يَبْلُغُهُ، وَبَانٍ مَا لا يَسْكُنُهُ، وَجَامِعٍ مَا سَوْفَ يَتْـرُكُهُ، وَلَعَلَّهُ مِنْ بَاطِلٍ جَمَعَهُ، وَمِنْ حَقٍّ مَنَعَهُ، أَصَابَهُ حَرَاماً، وَاحْتَمَلَ بِهِ آثَاماً، فَبَاءَ بِوِزْرهِ، وَقَدِمَ عَلَى رَبِّهِ آسِفاً لاهِفاً، قَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْـخُسْرَانُ الْـمُبِينُ.
335 ـ وقال (عليه السلام): مِنَ الْعِصْمَةِ تَعَذُّرُ الْـمَعَاصِي.
336 ـ وقال (عليه السلام): مَاءُ وَجْهِكَ جَامِدٌ يُقْطِرُهُ السُّؤَالُ، فَانْظُرْ عِنْدَ مَنْ تُقْطِرُهُ.
337 ـ وقال (عليه السلام): الثَّنَاءُ بِأَكْثَرَ مِنَ الاسْتِحْقَاقِ مَلَقٌ، وَالتَّقْصِيرُ عَنِ الاسْتِحْقَاقِ عَيٌّ أَوْ حَسَدٌ.
338 ـ وقال (عليه السلام): أَشدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَهَانَ بِهِ صَاحِبُهُ.
339 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ نَظَرَ فِي عَيْبِ نَفْسِهِ اشْتَغَلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرهِ، وَمَنْ رَضِيَ برِزْقِ اللهِ لَمْ يَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَهُ، وَمَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ، وَمَنْ كَابَدَ الأمُورَ ([273]) عَطِبَ ([274])، وَمَنِ اقْتَحَمَ اللُّجَجَ غَرِقَ، وَمَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ السُّوءِ اتُّهِمَ، وَمَنْ كَثُرَ كَلاَمُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ، وَمَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ، وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ، وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ، وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ، وَمَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ فَأَنْكَرَهَا ثُمَّ رَضِيَهَا لِنَفْسِهِ فذَاك الأحْمَقُ بِعَيْنِهِ.
وَالْقَنَاعَةُ مَالٌ لا يَنْفَدُ، وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الْـمَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسيرِ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلاَمَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلاَمُهُ إلَّا فِيَما يَعْنيِهِ ([275]).
340 ـ وقال (عليه السلام): لِلظَّالِمِ مِنَ الرِّجَالِ ثَلَاثُ عَلاَمَاتٍ: يَظْلِمُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْـمَعْصِيَةِ، وَمَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ، وَيُظَاهِرُ الْقَوْمَ الظَّلَمَةَ([276]).
341 ـ وقال (عليه السلام): عِنْدَ تَنَاهِي الشِّدَّةِ تَكُونُ الْفُرْجَةُ، وَعِنْدَ تَضَايُقِ حَلَقِ الْبَلاَءِ يَكُونُ الرَّخَاءُ ([277]).
342 ـ وقال (عليه السلام) لبعض أصحابه: لا تَجْعَلَنَّ أَكْثَرَ شُغُلِكَ بِأَهْلِكَ وَوَلَدِكَ: فَإِنْ يَكُنْ أَهْلُكَ وَوَلَدُكَ أَوْلِيَاءَ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَوْلِيَاءَهُ، وَإِنْ يَكُونُوا أَعْدَاءَ اللهِ، فَمَا هَمُّكَ وَشُغُلُكَ بأَعْدَاءِ اللهِ!
343 ـ وقال (عليه السلام): أَكْبَرُ الْعَيْبِ أَنْ تَعِيبَ مَا فِيكَ مِثْلُهُ.
344 ـ وهنَّأَ بحضرته (عليه السلام) رجل رجلاً بغلام ولد له فقال له: لِيَهْنِئْكَ الْفَارسُ.
فقال (عليه السلام): لا تَقُلْ ذلِكَ، وَلكِنْ قُلْ: شَكَرْتَ الْوَاهِبَ، وَبُورِكَ لَكَ فِي الْـمَوْهُوبِ، وَبَلَغَ أَشُدَّهُ، وَرُزِقْتَ بِرَّهُ ([278]).
345 ـ وبنى رجل من عمّاله بناءً فخماً، فقال (عليه السلام): أَطْلَعَتِ الْوَرقُ([279]) رُؤُوسَهَا؛ إِنَّ الْبِنَاءَ لَيَصِفُ عَنْكَ الْغِنَى.
346 ـ وقيل له (عليه السلام): لو سُدَّ على رجل بَابُ بيته وتُرِكَ فيه، من أَين كان يأتيه رزقُه؟ فقال (عليه السلام): مِنْ حَيْثُ كَانَ يَأْتِيهِ أَجَلُهُ.
347 ـ وعَزّى (عليه السلام) قوماً عن ميّتٍ ماتَ لهم فقال: إِنَّ هذَا الأمْرَ لَيْسَ بِكُمْ بَدَأَ، وَلا إِلَيْكُمُ انْتَهَى، وَقَدْ كَانَ صَاحِبُكُمْ هذَا يُسَافِرُ، فَعُدُّوهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَإِنْ قَدِمَ عَلَيْكُمْ وَإلَّا قَدِمْتُمْ عَلَيْهِ.
348 ـ وقال (عليه السلام): أَيُّهَا النَّاسُ، لِيَرَكُمُ اللهُ مِنَ النِّعْمَةِ وَجِلِينَ، كَمَا يَرَاكُمْ مِنَ النِّقْمَةِ فَرِقِينَ، إِنَّهُ مَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذلِكَ اسْتِدْرَاجاً فَقَدْ أَمِنَ مَخُوفاً، وَمَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذلِكَ اخْتِبَاراً فَقَدْ ضَيَّعَ مَأْمُولاً ([280]).
349 ـ وقال (عليه السلام): يَا أَسْرَى الرَّغْبَةِ أَقْصِرُوا فَإِنَّ الْـمُعَرِّجَ([281]) عَلَى الدُّنْيَا لا يَروُعُهُ([282]) مِنْهَا إلَّا صَرِيفُ([283]) أَنْيَابِ الْـحِدْثَانِ([284]). أَيُّهَا النَّاسُ تَوَلَّوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ تَأْدِيبَهَا، وَاعْدِلُوا بِهَا عَنْ ضَرَاوَةِ ([285]) عَادَاتِهَا.
350 ـ وقال (عليه السلام): لا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدٍ سُوْءَاً، وَأَنْتَ تَجِدُ لَـهَا فِي الْـخَيْرِ مُحْتَمَلاً ([286]).
351 ـ وقال (عليه السلام): إِذَا كَانَتْ لَكَ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ حَاجَةٌ فَابْدَأْ بِمَسْأَلَةِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ثُمَّ سَلْ حَاجَتَكَ، فَإِنَّ اللهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ حَاجَتَيْنِ، فَيَقْضِيَ إِحْدَاهُمَا وَيَمْنَعَ الأُخْرَى ([287]).
352 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ ضَنَّ بِعِرْضِهِ فَلْيَدَعِ الْـمِرَاءَ ([288]).
353 ـ وقال (عليه السلام): مِنَ الْـخُرْقِ ([289]) الْـمُعَاجَلَةُ قَبْلَ الإمْكَانِ، وَالأَنَاةُ بَعْدَ الْفُرْصَةِ([290]).
354 ـ وقال (عليه السلام): لاَتَسْأَلْ عَمَّا لايَكُونُ، فَفِي الَّذِي قَدْ كَانَ لَكَ شُغُلٌ ([291]).
355 ـ وقال (عليه السلام): الْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ، وَالاعْتِبَارُ مُنْذِرٌ نَاصِحٌ، وَكَفى أَدَباً لِنَفْسِكَ تَجَنُّبُكَ مَا كَرِهْتَهُ لِغَيْرِكَ ([292]).
356 ـ وقال (عليه السلام): الْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ، وَالْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَهُ وَإلَّا ارْتَحَلَ ([293]).
357 ـ وقال (عليه السلام): يَا أيُّها النَّاسُ، مَتَاعُ الدُّنْيَا حُطَامٌ مُوبِئٌ ([294]) فَتَجَنَّبُوا مَرْعَاهُ، قُلْعَتُهَا أَحْظَى ([295]) مِنْ طُمَأْنِينَتِهَا، وَبُلْغَتُهَا ([296]) أَزْكَى مِنْ ثَرْوَتِهَا، حُكِمَ عَلَى مُكْثِرٍ مِنْهَا بِالْفَاقَةِ، وَأُعيِنَ مَنْ غَنِيَ عَنْهَا([297]) بِالرَّاحَةِ، مَنْ رَاقَهُ زِبْرِجُهَا ([298]) أَعْقَبَتْ نَاظِريهِ كَمَهاً ([299])، وَمَنِ اسْتَشْعَر َالشَّغَفَ ([300]) بِهَا مَلَأَتْ ضَمِيرَهُ أَشْجَانَاً، لَـهُنَّ رَقْصٌ عَلى سُوَيْدَاءِ قَلْبِهِ: هَمٌّ يَشْغَلُهُ، وَغَمٌّ يَحْزُنُهُ، كَذلِكَ حَتَّى يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ([301]) فَيُلْقَى بِالْفَضَاءِ، مُنْقَطِعاً أَبْهَرَاهُ ([302])، هَيِّناً عَلى اللهِ فَناؤُهُ، وَعَلَى الإخْوَانِ إِلْقَاؤهُ.
وَإِنَّمَا يَنْظُرُ الْـمُؤْمِنُ إِلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ الاعْتِبَارِ، وَيَقْتَاتُ([303]) مِنْهَا بِبَطْنِ الاضْطِرَارِ([304])، وَيَسْمَعُ فِيهَا بِأُذُنِ الْـمَقْتِ وَالإِبْغَاضِ، إِنْ قِيلَ أَثْرى([305]) قِيلَ أَكْدَى([306])، وَإِنْ فُرِحَ لَهُ بِالْبَقَاءِ حُزِنَ لَهُ بِالْفَنَاءِ، هذَا وَلَمْ يَأْتِهِمْ يَوْمٌ فِيهِ يُبْلِسُونَ ([307]).
358 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَضَعَ الثَّوَابَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَالْعِقَابَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، ذِيَادَةً لِعِبَادِهِ عَنْ نِقْمَتِهِ، وَحِيَاشَةً ([308]) لَـهُمْ إلَى جَنَّتِهِ.
359 ـ وروي أنّه (عليه السلام) قلّما اعتدل به المنبر إِلاّ قال أَمام خطبته : أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللهَ، فَمَا خُلِقَ امْرِؤٌ عَبَثاً فَيَلْهُوَ، وَلا تُرِكَ سُدىً فَيَلْغُوَ، وَمَا دُنْيَاهُ الَّتِي تَحَسَّنَتْ لَهُ بِخَلَفٍ([309]) مِنَ الآخِرَةِ الَّتي قَبَّحَها سُوءُ النَّظَرِ عِنْدَهُ، وَمَا الْـمَغْرُورُ الَّذِي ظَفِرَ مِنَ الدُّنْيَا بأَعْلَى هِمَّتِهِ كَالآخَرِ الَّذِي ظَفِرَ مِنَ الآخِرَةِ بِأَدْنَى سُهْمَتِهِ ([310]).
360 ـ وقال (عليه السلام): لا شَرَفَ أَعْلَى مِنَ الإسْلَامِ، وَلا عِزَّ أَعَزُّ مِنَ التَّقْوَى، وَلا مَعْقِلَ أَحْصَنُ مِنَ الْوَرَعِ، وَلا شَفِيعَ أَنْجَحُ مِنَ التّوْبَةِ، وَلا كَنْزَ أَغْنَى مِنَ الْقَنَاعَةِ، وَلا مَالَ أَذْهَبُ لِلْفَاقَةِ مِنَ الرِّضَا بِالْقُوتِ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى بُلْغَةِ الْكَفَافِ فَقَدِ انْتَظَمَ الرَّاحَةَ([311])، وَتَبَوَّأَ خَفْضَ الدَّعَةِ ([312])، وَالرَّغْبَةُ مِفْتَاحُ النَّصَبِ، وَمَطِيَّةُ التَّعَبِ، وَالْـحِرْصُ وَالْكِبْرُ وَالْـحَسَدُ دَوَاعٍ إِلَى التَّقَحُّمِ فِي الذُّنُوبِ، وَالشَّرُّ جَامِعُ مَسَاوِئِ الْعُيُوبِ ([313]).
361 ـ وقال (عليه السلام): يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يَبْقى فِيهِمْ مِنَ الْقُرآنِ إلَّا رَسْمُهُ، وَمِنَ الإسْلاَمِ إلَّا اسْمُهُ، مَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ مِنَ البُنَى، خَرَابٌ مِنَ الْـهُدَى، سُكَّانُهَا وَعُمَّارُهَا شَرُّ أَهْلِ الأرْضِ، مِنْهُمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ، وَإِلَيْهِمْ تَأوِي الْـخَطِيئَةُ، يَرُدُّونَ مَنْ شَذَّ عَنْهَا فِيهَا، وَيَسُوقوُنَ مَن تأَخَّرَ عَنْهَا إِلَيْهَا، يَقُولُ اللهُ تعالى: فَبِي حَلَفْتُ لأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولئِكَ فِتْنَةً أَتْرُكُ الْـحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ، وَقَدْ فَعَلَ، وَنَحْنُ نَسْتَقِيلُ اللهَ عَثْرَةَ الْغَفْلَةِ([314]).
362 ـ وقال (عليه السلام) لجابر بن عبدالله الأنصاري: يَا جَابِرُ، قِوَامُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا بِأَرْبَعَةٍ: عَالِمٍ مُسْتَعْمِلٍ عِلْمَهُ، وَجَاهِلٍ لا يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَتَعَلَّمَ، وَجَوَادٍ لا يَبْخَلُ بِمَعْرُوفِهِ، وَفَقِيرٍ لا يَبِيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ؛ فَإِذَا ضَيَّعَ الْعَالِمُ عِلْمَهُ اسْتَنْكَفَ الْـجَاهِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ، وَإِذَا بَخِلَ الْغَنِيُّ بِمَعْرُوفِهِ بَاعَ الْفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ. يَا جَابِرُ، مَنْ كَثُرَتْ نِعَمُ اللهِ عَلَيْهِ كَثُرَتْ حَوَائِجُ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَمَنْ قَامَ لله فِيهَا بِمَا يَجِبُ عَرَّضَهَا لِلدَّوَامِ وَالْبَقَاءِ، وَمَنْ لَمْ يَقُمْ لله فِيهَا بمَا يَجِبُ عَرَّضَهَا لِلزَّوَالِ وَالْفَنَاءِ([315]).
363 ـ وروى ابن جرير الطبري في تاريخه عن عبدالرحمن بن أبي ليلى الفقيه ـ وكان ممن خرج لقتال الحجاج مع ابن الأشعث ـ أنّه قال فيما كان يحضُّ به الناسَ على الجهاد: إنّي سمعتُ عليّاً (عليه السلام) يقول يوم لقينا أهل الشام:
أَيُّهَا الْـمُؤْمِنُونَ، إِنَّهُ مَنْ رَأَى عُدْوَاناً يُعْمَلُ بِهِ وَمُنْكَراً يُدْعَى إِلَيْهِ، فَأَنْكَرَهُ بِقَلْبِهِ فَقَدْ سَلِمَ وَبَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ أُجِرَ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ، وَمَنْ أَنْكرَهُ بِالسَّيْفِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَكَلِمَةُ الظَّالِمِينَ السُّفْلَى، فَذلِكَ الَّذِي أَصَابَ سَبيلَ الْـهُدَى، وَقَامَ عَلَى الطَّريقِ، وَنَوَّرَ فِي قَلْبِهِ الْيَقِينُ ([316]).
364 ـ وقد قال (عليه السلام) في كلام غير هذا يجري هذا المجرى: فَمِنْهُمُ الْـمُنْكِرُ لِلْمُنْكَرِ بيَدِهِ وَلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ فَذَلِكَ الْـمُسْتَكْمِلُ لِـِخِصَالِ الْـخَيْرِ، وَمِنْهُمُ الْـمُنْكِرُ بِلِسَانِهِ وَقَلْبهِ وَالتَّارِكُ بِيَدِهِ فَذلِكَ مُتَمَسِّكٌ بِخَصْلَتيَنِ مِنْ خِصَالِ الْـخَيْرِ وَمُضَيِّعٌ خَصْلَةً، وَمِنْهُمُ الْـمُنْكِرُ بِقَلْبِهِ وَالتَّارِكُ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ فَذلِكَ الَّذِي ضَيَّعَ أَشْرَفَ الْـخَصْلَتَيْنِ مِنَ الثَّلاَثِ وَتَمَسَّكَ بوَاحِدَةٍ، وَمِنْهُمْ تَارِكٌ لإِنْكَارِ الْـمُنكَرِ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَيَدِهِ فَذلِكَ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ، وَمَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا وَالْـجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، عِنْدَ الأمْرِ بِالْـمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْـمُنكَرِ، إلَّا كَنَفْثَةٍ ([317]) فِي بَحْرٍ لُـجِّيٍّ، وَإِنَّ الأمْرَ بِالْـمَعْروُفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْـمُنكَرِ لايُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ، وَلا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ، وَأَفضَلُ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ.
365 ـ وعن أبي جُحَيْفَةَ قال: سمعت أميرالمؤمنين (عليه السلام) يقول: إنَّ أَوَّلَ مَا تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْـجِهَادِ الْـجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ، ثُمَّ بِأَلْسِنَتِكُمْ، ثُمَّ بِقُلُوبِكُمْ; فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ بِقَلْبِهِ مَعْرُوفاً، وَلَمْ يُنْكِرْ مُنْكَراً، قُلِبَ فَجُعِلَ أَعْلاَهُ أَسْفَلَهُ، وَأَسَفَلُهُ أَعْلاَهُ([318]).
366 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ الْـحَقَّ ثَقِيلٌ مَرِيءٌ، وَإِنَّ الْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِيءٌ([319]).
367 ـ وقال (عليه السلام): لا تَأْمَنَنَّ عَلَى خَيْرِ هذِهِ الأُمَّةِ عَذَابَ اللهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالى: (فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إلَّا الْقَوْمُ الْـخَاسِرُونَ). وَلا تَيْأَسَنَّ لِشَرِّ هذِهِ الأُمَّةِ مِنْ رَوْحِ اللهِ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ).
368 ـ وقال (عليه السلام): الْبُخْلُ جَامعٌ لِـمَسَاوِئِ الْعُيُوبِ، وَهُوَ زِمَامٌ يُقَادُ بهِ إِلَى كُلِّ سُوءٍ.
369 ـ وقال (عليه السلام): الرِّزْقُ رِزْقَانِ: رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ، فَلَا تَحْمِلْ هَمَّ سَنَتِكَ عَلَى هَمِّ يَوْمِكَ، كَفَاكَ كُلُّ يَوْمٍ مَا فيِهِ، فَإِنْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَإنَّ اللهَ تَعَالَى سَيُؤْتِيكَ فِي كُلِّ غَدٍ جَدِيدٍ مَاقَسَمَ لَكَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ السَّنَةُ مِنْ عُمُرِكَ فَمَا تَصْنَعُ بِالْـهَمِّ لِـمَا لَيْسَ لَكَ، وَلَنْ يَسْبِقَكَ إِلَى رِزْقِكَ طَالِبٌ، وَلَنْ يَغْلِبَكَ عَلَيْهِ غَالِبٌ، وَلَنْ يُبْطِىءَ عَنْكَ مَا قَدْ قُدِّرَ لَكَ([320]).
وقد مضى هذا الكلام فيما تقدّم من هذا الباب، إلّا أنه ها هنا أوضح وأشرح، فلذلك كرّرناه على القاعدة المقرّرة في أوّل هذا الكتاب.
370 ـ وقال (عليه السلام): رُبَّ مُسْتَقْبِلٍ يَوْماً لَيْسَ بِمُسْتَدْبِرِهِ، وَمَغْبُوطٍ فِي أَوَّلِ لَيْلِهِ قَامَتْ بَوَاكِيهِ فِي آخِرِهِ([321]).
371 ـ وقال (عليه السلام): الْكَلاَمُ فِي وَثَاقِكَ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ، فَإذَا تَكَلَّمْتَ بِهِ صِرْتَ فِي وَثَاقِهِ، فَاخْزُنْ لِسَانَكَ كَمَا تَخْزُنُ ذَهَبَكَ وَوَرقَكَ، فَرُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً([322]).
372 ـ وقال (عليه السلام): لا تَقُلْ مَا لا تَعْلَمُ، [بَلْ لا تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ،] فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قد فَرَضَ عَلَى جَوَارِحِكَ كُلِّهَا فَرَائِضَ يَحْتَجُّ بِهَا عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ([323]).
373 ـ وقال (عليه السلام): احْذَرْ أَنْ يَرَاكَ اللهُ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ، وَيَفْقِدَكَ عِنْدَ طَاعَتِهِ، فَتَكُونَ مِنَ الْـخَاسِرِينَ، وَإِذَا قَوِيتَ فَاقْوَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَإِذَا ضَعُفْتَ فَاضْعُفْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ([324]).
374 ـ وقال (عليه السلام): الرُّكُونُ إِلَى الدُّنْيَا مَعَ مَا تُعَايِنُ مِنْهَا جَهْلٌ، وَالتَّقْصِيرُ فِي حُسْنِ الْعَمَلِ إذَا وَثِقْتَ بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ غَبْنٌ، وَالطُّمَأْنِينَةُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ قَبْلَ الاخْتِبَار عَجْزٌ.
375 ـ وقال (عليه السلام): مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللهِ أَنَّهُ لا يُعْصَى إلَّا فِيهَا، وَلا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إلَّا بِتَـرْكِهَا.
376 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ طَلَبَ شَيْئاً نَالَهُ أَوْ بَعْضَهُ.
377 ـ وقال (عليه السلام): مَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ النَّارُ، وَمَا شَرٌّ بِشَرٍّ بَعْدَهُ الْـجَنَّةُ، وَكُلُّ نَعِيم دوُنَ الْـجَنَّةِ مَحْقُورٌ، وكُلُّ بَلاَءٍ دُونَ النَّارِ عَافِيَةٌ([325]).
378 ـ وقال (عليه السلام): أَلاَ وإِنَّ مِنَ الْبَلاَءِ الْفَاقَةَ، وَأَشَدُّ مِنَ الْفَاقَةِ مَرَضُ الْبَدَنِ، وَأشدُّ مِنْ مَرَضِ الْبَدَنِ مَرَضُ الْقَلْبِ، أَلا وإِنَّ مِنَ النِّعَمِ سَعَةَ الْـمَالِ، وَأَفْضَلُ مِن سَعَةِ الْـمَالِ صِحّةُ الْبَدَنِ، وَأَفْضَلُ مِنْ صِحَّةِ الْبَدَنِ تَقْوَى الْقَلْبِ([326]).
379 ـ وقال (عليه السلام): لِلْمُؤْمِنِ ثَلاَثُ سَاعَاتٍ: فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يَرُمُّ([327]) مَعَاشَهُ، وَسَاعَةٌ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا فِيَما يَحِلُّ وَيَجْمُلُ. وَلَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ شَاخِصاً إلَّا فِي ثَلَاثٍ: مَرَمَّةٍ لِـمَعَاشٍ، أَوْ خُطْوَةٍ فِي مَعَادٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ([328]).
380 ـ وقال (عليه السلام): ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُبَصّرْكَ اللهُ عَوْرَاتِهَا، وَلا تَغْفُلْ فَلَسْتَ بِمَغْفُولٍ عَنْكَ.
381 ـ وقال (عليه السلام): تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا، فَإِنَّ الْـمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ([329]).
382 ـ وقال (عليه السلام): خُذْ مِنَ الدُّنْيَا مَا أَتَاكَ، وَتَوَلَّ عَمَّا تَوَلَّى عَنْكَ، فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَأَجْمِلْ فِي الطَّلَبِ([330]).
383 ـ وقال (عليه السلام): رُبَّ قَوْلٍ أَنْفَذُ مِنْ صَوْلٍ.
384 ـ وقال (عليه السلام): كُلُّ مُقْتَصَرٍ عَلَيْهِ كَافٍ.
385 ـ وقال (عليه السلام): الْـمَنِيَّةُ وَلا الدَّنِيَّةُ، وَالتّقَلُّلُ وَلا التَّوَسُّلُ، وَمَنْ لَمْ يُعْطَ قَاعِداً لَمْ يُعْطَ قَائِماً، وَالدَّهْرُ يَوْمَانِ: يَوْمٌ لَكَ، وَيَوْمٌ عَلَيْكَ; فَإذَا كَانَ لَكَ فَلاَ تَبْطَرْ، وَإِذَا كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِرْ([331]).
[386 ـ وقال (عليه السلام): نِعْمَ الطِّيبُ الْـمِسْكُ، خَفِيفٌ مَحْمِلُهُ، عَطِرٌ رِيحُهُ.
387 ـ وقال (عليه السلام): ضَعْ فَخْرَكَ، وَاحْطُطْ كِبْرَكَ، وَاذْكُرْ قَبْرَكَ([332]).
388 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ لِلْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ حَقّاً، وَإِنَّ لِلْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ حَقّاً: فَحَقُّ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ أَنْ يُطِيعَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَحَقُّ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ أَنْ يُحَسِّنَ اسْمَهُ وَيُحَسِّنَ أَدَبَهُ وَيُعَلِّمَهُ الْقُرْآنَ.
389 ـ وقال (عليه السلام): الْعَيْنُ حَقٌّ، وَالرُّقَى حَقٌّ، وَالسِّحْرُ حَقٌّ، وَالْفَأْلُ([333]) حَقٌّ، وَالطِيَرَةُ لَيْسَتْ بِحَقٍّ، وَالْعَدْوَى لَيْسَتْ بِحَقّ ٍ، والطِّيبُ نُشْرَةٌ([334])، وَالْعَسَلُ نُشْرَةٌ، وَالرُّكُوبُ نُشْرَةٌ، وَالنَّظَرُ إِلَى الْـخُضْرَةِ نُشْرَةٌ].
390 ـ وقال (عليه السلام): مُقَارَبَةُ النَّاسِ فِي أَخْلاَقِهِمْ أَمْنٌ مِنْ غَوَائِلِهِمْ.
391 ـ وقال (عليه السلام) لبعض مخاطبيه، وقد تكلم بكلمة يُسْتَصْغَرُ مثلُه عن قول مثلها: لَقَدْ طِرْتَ شَكيِراً، وَهَدَرْتَ سَقْباً.
والشكير هاهنا: أوّل ما ينبت من ريش الطائر قبل أن يقوى ويستحصف، والسقب: الصغير من الإبل ولا يهدر إلا بعد أن يستفحل.
392 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ أَوْمَأَ([335]) إِلَى مُتَفَاوِتٍ([336]) خَذَلَتْهُ الْـحِيَلُ.
393 ـ وقال (عليه السلام) وَقَدْ سُئِلَ عن معنى قولهم : لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ : إِنَّا لا نَمْلِكُ مَعَ اللهِ شَيْئاً، وَلا نَمْلِكُ إلَّا مَا مَلَّكَنَا، فَمَتَى مَلَّكَنَا مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنَّا كَلَّفَنَا، وَمَتى أَخَذَهُ مِنَّا وَضَعَ تَكْلِيفَهُ عَنَّا.
394 ـ وقال (عليه السلام) لعمّار بن ياسر (رحمه الله)، وقد سمعه يراجع المغيرة بن شعبة كلاماً: دَعْهُ يَا عَمَّارُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الدِّينِ إلَّا مَا قَارَبَتْهُ الدُّنْيَا، وَعَلَى عَمْدٍ لَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ، لِيَجْعَلَ الشُّبُهَاتِ عَاذِراً لِسَقَطَاتِهِ.
395 ـ وقال (عليه السلام): مَا أَحْسَنَ تَوَاضُعَ الأغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ طَلَباً لِـمَا عِنْدَ اللهِ! وأَحْسَنُ مِنْهُ تِيهُ الْفُقَرَاءِ عَلَى الأغْنِيَاءِ اتِّكَالاً عَلَى الله([337]).
396 ـ وقال (عليه السلام): مَا اسْتَوْدَعَ اللهُ امْرَأً عَقْلاً إلَّا اسْتَنْقَذَهُ بِهِ يَوْماً مَا.
397 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ صَارَعَ الْـحَقَّ صَرَعَهُ([338]).
398 ـ وقال (عليه السلام): الْقَلْبُ مُصْحَفُ الْبَصَرِ.
399 ـ وقال (عليه السلام): التُّقَى رَئِيسُ الأخْلاَقِ.
400 ـ وقال (عليه السلام): لا تَجْعَلَنَّ ذَرَبَ([339]) لِسَانِكَ عَلَى مَنْ أَنْطَقَكَ، وَبَلاَغَةَ قَوْلِكَ عَلَى مَنْ سَدَّدَكَ.
401 ـ وقال (عليه السلام): كَفَاكَ أَدَباً لِنَفْسِكَ اجْتِنَابُ مَا تَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِكَ([340]).
402 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ صَبَرَ صَبْرَ الأَحْرَارِ، وَإلَّا سَلاَ([341]) سُلُوَّ الأغْمَارِ([342]).
وفي خبر آخر أنّه (عليه السلام) قال للأشعث بن قيس معزياً: إِنْ صَبَرْتَ صَبْرَ الأكَارِمِ، وَإلَّا سَلَوْتَ سُلُوَّ الْبَهَائِمِ.
403 ـ وقال (عليه السلام) في صفة الدنيا: تَغُرُّ وَتَضُرُّ وَتَمُرُّ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَهَا ثَوَاباً لِأَوْلِيَائِهِ، وَلا عِقَاباً لِأَعْدَائِهِ، وَإِنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ بَيْنَا هُمْ حَلُّوا إِذْ صَاحَ بِهِمْ سَائِقُهُمْ فَارْتَحَلُوا.
404 ـ وقال لابنه الحسن (عليه السلام): يا بُنَيَّ لا تُخَلِّفَنَّ وَرَاءَكَ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا، فَإِنَّكَ تُخَلِّفُهُ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ: إِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللهِ فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ، وَإِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللهِ فَكُنْتَ عَوْناً لَهُ عَلى مَعْصِيَتِهِ، وَلَيْسَ أَحَدُ هذَيْنِ حَقِيقاً أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ([343]).
و يروى هذا الكلام على وجه آخر، وهو: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الَّذِي فِي يَدِكَ مِنَ الدُّنْيَا قَدْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ قَبْلَكَ، وَهُوَ صَائِرٌ إِلَى أَهْلٍ بَعْدَكَ، وَإِنَّمَا أَنْتَ جَامِعٌ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ عَمِلَ فِيَما جَمَعْتَهُ بِطَاعَةِ اللهِ فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ، أَوْ رَجُلٍ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللهِ فَشَقِيَ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ، وَلَيْسَ أَحَدُ هذَيْنِ أَهْلاً أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ وَلا [أَنْ] تَحْمِلَ لَهُ عَلَى ظَهْرِكَ، فارْجُ لِـمَنْ مَضَى رَحْمَةَ اللهِ، وَلِـمَنْ بَقِيَ رِزْقَ اللهِ([344]).
405 ـ وقال (عليه السلام) لقائل قال بحضرته أَسْتَغْفِرُ اللهَ:
ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، أَتَدْرِي مَا الاسْتِغْفَارُ؟ إنَّ الاْسْتِغْفَارَ دَرَجَةُ الْعِلِّيِّينَ، وَهُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ:
أَوَّلُـهَا: النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى، وَالثَّانِي: الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً، وَالثَّالِثُ: أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى الْـمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اللهَ عَزَّوَجَلَّ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ، وَالرَّابِعُ: أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا، وَالْـخَامِسُ: أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اللَّحْمِ الَّذِي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بِالأحْزَانِ، حَتَّى يَلْصِقَ الْـجِلْدُ بِالْعَظْمِ، وَيَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَـحْمٌ جَدِيدٌ، وَالسَّادِسُ: أَنْ تُذِيقَ الْـجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاَوَةَ الْـمَعْصِيَةِ، فَعِنْدَ ذلِكَ تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ([345]).
406 ـ وقال (عليه السلام): الْـحِلْمُ عَشِيرَةٌ.
407 ـ وقال (عليه السلام): مِسْكِينٌ ابْنُ آدَمَ: مَكْتُومُ الأجَلِ، مَكْنُونُ([346]) الْعِلَلِ، مَحْفُوظُ الْعَمَلِ، تَؤْلِـمُهُ الْبَقَّةُ، وَتَقْتُلُهُ الشَّرْقَةُ([347])، وَتُنْتِنُهُ الْعَرْقَةُ([348]).
408 ـ وروي أنّه (عليه السلام) كان جالساً في أصحابه، فمرّت بهم امرأة جميلة، فرمقها القوم بأبصارهم.
فقال (عليه السلام): إِنَّ أَبْصَار هذِهِ الْفُحُولِ طَوَامِحُ([349])، وَإِنَّ ذلِكَ سَبَبُ هَبَابِهَا([350])، فإِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى امْرَأَةٍ تُعْجِبُهُ فَلْيُلاَمِسْ أَهْلَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَةٌ كَامْرَأَةٍ.
فقال رجل من الخوارج : قاتله الله كافراً ما أفقهه ، فوثب القوم لِيقتلوه ، فقال (عليه السلام): رُوَيْداً، إِنَّمَا هُوَ سَبٌّ بِسَبٍّ، أَوْ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ.
409 ـ وقال (عليه السلام): كَفَاكَ مِنْ عَقْلِكَ مَا أَوْضَحَ لَكَ سَبِيلَ غَيِّكَ مِنْ رُشْدِكَ.
410 ـ وقال (عليه السلام): افْعَلُوا الْـخَيْرَ وَلا تَحْقِرُوا مِنْهُ شَيْئاً، فَإِنَّ صَغِيرَهُ كَبِيرٌ وَقَلِيلَهُ كَثِيرٌ، وَلا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنَّ أَحَداً أَوْلَى بِفِعْلِ الْـخَيْرِ مِنِّي فَيَكُونَ وَاللهِ كَذلِكَ، إِنَّ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ أَهْلاً، فَمَهْمَا تَرَكْتُمُوهُ مِنْهُمَا كَفَاكُمُوهُ أَهْلُهُ.
411 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللهُ عَلاَنِيَتَهُ، وَمَنْ عَمِلَ لِدِينِهِ كَفَاهُ اللهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ أَحْسَنَ فِيَما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ كَفَاهُ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ([351]).
412 ـ وقال (عليه السلام): الْـحِلْمُ غِطَاءٌ سَاتِرٌ، وَالْعَقْلُ حُسَامٌ قَاطِعٌ، فَاسْتُـرْ خَلَلَ خُلُقِكَ بِحِلْمِكَ، وَقَاتِلْ هَوَاكَ بِعَقْلِكَ([352]).
413 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ لِـلّهِ عِبَاداً يَخْتَصُّهُمْ بِالنِّعَمِ لِـمَنَافِعِ الْعِبَادِ، فَيُقِرُّهَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، ثُمَّ حَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ([353]).
414 ـ وقال (عليه السلام): لا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَثِقَ بِخَصْلَتَيْنِ: الْعَافِيَةِ، وَالْغِنَى، بَيْنَا تَرَاهُ مُعَافىً إِذْ سَقِمَ، وَغَنِيّاً إِذِ افْتَقَرَ.
415 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ شَكَا الْـحَاجَةَ إِلَى مُؤْمِنٍ فَكَأَنَّمَا شَكَاهَا إِلَى اللهِ، وَمَنْ شَكَاهَا إلَى كَافِرٍ فَكَأَنَّمَا شَكَا اللهَ.
416 ـ وقال (عليه السلام) في بعض الأَعيَاد: إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِـمَنْ قَبِلَ اللهُ صِيَامَهُ وَشَكَرَ قِيَامَهُ، وَكُلُّ يَوْمٍ لا يُعْصَى اللهُ فِيهِ فَهُوَ يَوْمَ عِيدٍ.
417 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ أَعْظَمَ الْـحَسَرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَسْرَةُ رَجُلٍ كَسَبَ مَالاً فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ، فَوَرَّثَهُ رَجُلاً فَأنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، فَدَخَلَ بِهِ الْـجَنَّةَ، وَدَخَلَ الأوَّلُ بِهِ النَّارَ.
418 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ أَخْسَرَ النَّاسِ صَفْقَةً، وَأَخْيَبَهُمْ سَعْياً، رَجُلٌ أَخْلَقَ بَدَنَهُ فِي طَلَبِ آمَالِهِ، وَلَمْ تُسَاعِدْهُ الْـمَقَادِيرُ عَلَى إِرَادَتِهِ، فَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا بِحَسْرَتِهِ، وَقَدِمَ عَلَى الآخِرَةِ بِتَبِعَتِهِ.
419 ـ وقال (عليه السلام): الرِّزْقُ رِزْقَانِ: طَالِبٌ، وَمَطْلُوبٌ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ الْـمَوْتُ حَتَّى يُخْرِجَهُ عَنْهَا، وَمَنْ طَلَبَ الآخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رِزْقَهُ مِنْهَا.
420 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ هُمُ الَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى بَاطِنِ الدُّنْيَا إِذَا نَظَرَ النَّاسُ إِلَى ظَاهِرِهَا، وَاشْتَغَلُوا بِآجِلِهَا إِذَا اشْتَغَلَ النَّاسُ بِعَاجِلِهَا، فَأَمَاتُوا مِنْهَا مَا خَشُوا أَنْ يُمِيتَهُمْ، وَتَرَكُوا مِنْهَا مَا عَلِمُوا أَنَّهُ سَيَتْـرُكُهُمْ، وَرَأَوُا اسْتِكْثَارَ غَيْرِهِمْ مِنْهَا اسْتِقْلالاً، وَدَرَكَهُمْ لَـهَا فَوْتاً، أَعْدَاءُ مَا سَالَمَ النَّاسُ، وَسِلْمُ مَا عَادَى النَّاسُ، بِهِمْ عُلِمَ الْكِتَابُ وَبِهِ عُلِمُوا، وَبِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا، لا يَرَوْنَ مَرْجُوّاً فَوْقَ مَا يَرْجُونَ، وَلا مَخُوفاً فَوْقَ مَا يَخَافُونَ([354]).
421 ـ وقال (عليه السلام): اذْكُرُوا انْقِطَاعَ الَّلذَّاتِ، وَبَقَاءَ التَّبِعَاتِ.
422 ـ وقال (عليه السلام): اخْبُرْ تَقْلِهِ.
ومن الناس من يروي هذا لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومما يُقوّي أنّه من كلام أميرالمؤمنين (عليه السلام)ما حكاه ثعلب قال: حدّثنا ابن الأعرابي قال: قال المأمون: لولا أنّ علياً (عليه السلام) قال: «اخبُر تَقْلِهِ» لقلت أنا: اقْلِهِ تَخْبُرْ.
423 ـ وقال (عليه السلام): مَا كَانَ اللهُ لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدٍ بَابَ الشُّكْرِ وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الزِّيَادَةِ، وَلا لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدٍ بَابَ الدُّعَاءِ وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الإجَابَةِ، وَلا لِيَفْتَحَ عَلَى عَبْدٍ بَابَ التَّوْبَةِ وَيُغْلِقَ عَنْهُ بَابَ الْـمَغْفِرَةِ.
[424 ـ وقال (عليه السلام): أوْلَى النَّاسِ بِالْكَرَمِ مَنْ عُرِقَتْ([355]) بِهِ الْكِرَامُ.
425 ـ وسئل (عليه السلام) أَيّما أَفضل: العدل أَو الجود؟ فقال: الْعَدْلُ يَضَعُ الأُمُورَ مَوَاضِعَهَا، والْـجُودُ يُخْرِجُهَا عَنْ جِهَتِهَا، وَالْعَدْلُ سَائِسٌ عَامٌّ، وَالْـجُودُ عَارِضٌ خَاصٌّ، فَالْعَدْلُ أَشْرَفُهُمَا وَأَفْضَلُهُمَا.
426 ـ وقال (عليه السلام): النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا([356]).
427 ـ وقال (عليه السلام): الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَينِ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)، فَمَنْ لَمْ يَأْسَ([357]) عَلَى الْـمَاضِي، وَلَمْ يَفْرَحْ بِالآتِي، فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ.
428 ـ وقال (عليه السلام): الْوِلاَيَاتُ مَضَامِيرُ الرِّجَالِ([358]).
429 ـ وقال (عليه السلام): ما أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ.
430 ـ وقال (عليه السلام): لَيْسَ بَلَدٌ بِأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَدٍ، خَيْرُ الْبِلاَدِ مَا حَمَلَكَ.
431 ـ وقال (عليه السلام) وقد جاءه نعي الأشتر (رحمه الله): مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ! وَاللهِ لَوْ كَانَ جَبَلاً لَكَانَ فِنْداً، وَلَوْ كَانَ حَجَراً لَكَانَ صَلْداً، لا يَرْتَقِيهِ الْـحَافِرُ، وَلا يُوفِي عَلَيْهِ الطَّائِرُ([359]).
[قال الرضي]: الفند: المنفرد من الجبال.
432 ـ وقال (عليه السلام): قَلِيلٌ مَدُومٌ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مَمْلُولٍ مِنْهُ.
433 ـ وقال (عليه السلام): إذَا كَانَ في رَجُلٍ خَلَّةٌ رَائِعَةٌ فَانْتَظِرْ أَخَوَاتِهَا.
434 ـ وقال (عليه السلام) لغالب بن صعصعة أبي الفرزدق، في كلام دار بينهما: مَا فَعَلَتْ إِبِلُكَ الْكثِيرَةُ؟ قال: ذَعْذَعَتْها([360]) الحُقُوقُ يا أميرالمؤمنين. فَقال (عليه السلام): ذَاكَ أَحْمَدُ سُبُلِهَا([361]).
435 ـ وقال (عليه السلام): مَنِ اتَّجَرَ بِغَيْرِ فِقْهٍ ارْتَطَمَ([362]) فِي الرِّبَا([363]).
436 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ عَظَّمَ صِغَارَ الْـمَصَائِبِ ابْتَلاَهُ اللهُ بِكِبَارِهَا.
437 ـ وقال (عليه السلام): مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ.
438 ـ وقال (عليه السلام): مَا مَزَحَ امْرُؤٌ مَزْحَةً إلَّا مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ مَجَّةً.
439 ـ وقال (عليه السلام): زُهْدُكَ فِي رَاغِبٍ فِيكَ نُقْصَانُ حَظٍّ، وَرَغْبَتُكَ فِي زَاهِدٍ فِيكَ ذُلُّ نَفْسٍ.
[440 ـ وقال (عليه السلام): مَا زَالَ الزُّبَيْرُ رَجُلاً مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ حَتَّى نَشَأَ ابْنُهُ الْـمَشْؤُومُ عَبْدُ اللهِ([364]).
441 ـ وقال (عليه السلام): مَا لابْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، و َلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلا يَدفَعُ حَتْفَهُ.
442 ـ وقال (عليه السلام): الغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ.
443 ـ وسئل (عليه السلام): من أشعر الشعراء؟ فقال: إِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَجْرُوا فِي حَلْبَةٍ تُعْرَفُ الْغَايَةُ عِنْدَ قَصَبَتِهَا، فَإِنْ كَانَ وَلابُدَّ فَالْـمَلِكُ الضِّلِّيلُ.
يريد امرأ القيس.
444 ـ وقال (عليه السلام): أَلاَ حُرٌّ يَدَعُ هذِهِ اللُّمَاظَةَ([365]) لِأَهْلِهَا؟ إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إلَّا الْـجَنَّةَ، فَلاَ تَبِيعُوهَا إلَّابِهَا.
445 ـ وقال (عليه السلام): مَنْهُومَانِ لا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْمٍ، وَطَالِبُ دُنْيَا.
446 ـ وقال (عليه السلام): عَلامَةُ الإيمَانِ أَنْ تُؤثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ، وَأَلاّ يَكُونَ فِي حَديِثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ، وَأَنْ تَتَّقِيَ اللهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ.
447 ـ وقال (عليه السلام): يَغْلِبُ الْـمِقْدَارُ عَلَى التَّقْديرِ، حَتَّى تَكُونَ الآفَةُ فِي التَّدْبِيرِ([366]).
وقد مضى هذا المعنى فيما تقدّم برواية تخالف بعض هذه الألفاظ.
448 ـ وقال (عليه السلام): الْـحِلْمُ وَالأنَاةُ تَوْأَمَانِ يُنْتِجُهُمَا عُلُوُّ الْـهِمَّةِ([367]).
449 ـ وقال (عليه السلام): الْغِيبَةُ جُهْدُ الْعَاجِزِ.
450 ـ وقال (عليه السلام): رُبَّ مَفْتُونٍ بِحُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِ([368]).
451 ـ وقال (عليه السلام): الدُّنْيَا خُلِقَتْ لِغَيْرِهَا، ولَمْ تُخْلَقْ لِنَفْسِهَا.
452 ـ وقال (عليه السلام): إِنَّ لِبَنِي أُمَيَّةَ مِرْوَدَاً يَجْرُونَ فِيهِ، وَلَوْ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيَما بَيْنَهُمْ ثُمَّ كَادَتْهُمُ([369]) الضِّبَاعُ لَغَلَبَتْهُمْ([370]).
وَالْمِرْوَدُ هاهنا مفعَل من الإرْوَاد، وهو الإمهال والإنظار، وهذا من أفصح الكلام وأغربه، فكأنّه (عليه السلام) شبّه المهلة التي هم فيها بالمضمار الذى يجرون فيه إلى الغاية، فاذا بلغوا مُنقَطَعها انتقضَ نظامُهم بعدها.
453 ـ وقال (عليه السلام) في مدح الأنَصار: هُمْ وَاللهِ رَبَّوا الإسْلاَمَ كَمَا يُرَبَّى الْفَلُوُّ([371]) مَعَ غَنَائِهِمْ، بِأَيْدِيهِمُ السِّبَاطِ([372]) وَأَلْسِنَتِهِمُ السِّلاَطِ([373]).
454 ـ وقال (عليه السلام): الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ([374]).
وهذه من الاستعارات العجيبة، كأنّه شبّه السّهَ بالوعاء، والعين بالوكاء، فإذا أُطلق الوكاءُ لم ينضبطِ الوعاءُ، و هذا القول في الأشهر الأظهر من كلام النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وقد رواه قوم لأميرالمؤمنين (عليه السلام)، ذكر ذلك المبرّد في كتاب المقتضب في باب اللفظ بالحروف، وقد تكلّمنا على هذه الاستعارة في كتابنا الموسوم: بمجازات الآثار النبوية.
455 ـ وقال (عليه السلام) في كلام له: وَوَلِيَهُمْ وَالٍ فأَقَامَ واسْتَقَامَ، حَتَّى ضَرَبَ الدِّينُ بِجِرَانِهِ([375]).
456 ـ وقال (عليه السلام): يَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ([376])، يَعَضُّ الْـمُوسِرُ فِيهِ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ([377]) وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذلِكَ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: (وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)، تَنْهَدُ([378]) فِيهِ الأشْرَارُ، وَتُسْتَذَلُّ الأخْيَارُ، ويُبَايَعُ الْـمُضْطَرُّونَ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ (صَلّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسِلّم) عَنْ بَيْعِ الْـمُضْطَرِّينَ([379]).
457 ـ وقال (عليه السلام): يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلاَنِ : مُحِبٌّ مُفْرِطٌ ، وَبَاهِتٌ([380]) مُفْتـَرٍ([381]).
وهذا مثل قوله (عليه السلام): هَلَكَ فِيَّ رَجُلاَنِ: مُحِبٌّ غَالٍ، وَمُبْغِضٌ قَالٍ.
458 ـ وسئل (عليه السلام) عن التوحيد والعدل فقال: التَّوْحِيدُ أنْ لا تَتَوَهَّمَهُ، وَالْعَدْلُ أَلَّا تَتَّهِمَهُ.
459 ـ وقال (عليه السلام): لا خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْـحُكْمِ، كَمَا أنَّهُ لا خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْـجَهْلِ([382]).
460 ـ وقال (عليه السلام) في دعاء استسقى به: اللَّهُمَّ اسْقِنَا ذُلُلَ السَّحَابِ دُونَ صِعَابِهَا.
وهذا من الكلام العجيب الفصاحة، وذلك أنّه (عليه السلام) شبّه السحاب ذوات الرُّعود والبوارق والرياح والصواعق بالإبل الصّعاب التي تَقْمُصُ([383]) برحالها وتتوقّص([384]) بركبانها، وشبّه السحاب خاليةً من تلك الروائع([385]) بالإبل الذُّلُلِ التي تُحْتَلَبُ طَيِّعَةً وتُقْتَعَدُ مُسْمِحَةً.
461 ـ وقيل له (عليه السلام): لو غيَّرتَ شيبك يا أميرالمؤمنين، فقال (عليه السلام): الْـخِضَابُ زِينَةٌ، وَنَحْنُ قَوْمٌ فِي مُصِيبَةٍ.
يريد برسول الله (صلى الله عليه وآله).
462 ـ وقال (عليه السلام): مَا الْـمُجَاهِدُ الشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَعْظَمَ أَجْراً مِمَّنْ قَدَرَ فَعَفَّ، لَكَادَ الْعَفِيفُ أَنْ يَكُونَ مَلَكاً مِنَ الْـمَلاَئِكَةِ.
463 ـ وقال (عليه السلام): الْقَنَاعَةُ مَالٌ لاَيَنْفَدُ([386]).
وقد روى بعضُهم هذا الكلام عن النبيّ (صلى الله عليه وآله).
464 ـ وقال (عليه السلام) لزياد بن أبيه، وقد استخلفَهُ لعبدالله بن العباس على فارس وأَعمالها، في كلام طويل كان بينهما، نهاه فيه عن تقدّم الخَراج: اسْتَعْمِلِ الْعَدْلَ، وَاحْذَرِ الْعَسْفَ([387]) والْـحَيْفَ([388])، فَإِنَّ الْعَسْفَ يَعُودُ بِالْـجَلاَءِ، وَالْـحَيْفَ يَدْعُو إِلَى السَّيْفِ.
465 ـ وقال (عليه السلام): أَشَدُّ الذُّنُوبِ مَا اسْتَخَفَّ بِهِ صَاحِبُهُ.
466 ـ وقال (عليه السلام): مَا أَخَذَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْـجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا([389]).
467 ـ وقال (عليه السلام): شَرُّ الاخْوَانِ مَنْ تُكُلِّفَ لَهُ.
لأنّ التكليف مستلزمٌ للمشقة، وهو شرٌ لازمٌ عن الأخ المتَكلّفِ له، فهو شرُّ الإخوان.
468 ـ وقال (عليه السلام): إِذَا احْتَشَمَ الْـمُؤْمِنُ أَخَاهُ فَقَدْ فَارَقَهُ([390]).
يقال: حشمه وأحشمه: إذا أغضبه، وقيل: أخجله، واحتشمه: طلب ذلك له، وهو مَظِنّة مفارقته.
وهذا حين انتهاء الغاية بنا إلى قطع المختار من كلام أميرالمؤمنين صلوات الله عليه، حامدين لله سبحانه على ما منّ به من توفيقنا لضمّ ما انتشر من أطرافه وتقريب ما بعد من أقطاره، ومقرّرين العزم ـ كما شرطنا أولاً ـ على تفضيل أوراق من البياض في آخر كلّ باب من الأبواب، لتكون لاقتناص الشارد واسْتلحاق الوارد، وما عساه أن يظهر لنا بعد الغموض ويقع إلينا بعد الشذوذ.
وما توفيقنا إلا بالله عليه توكّلنا
وهو حسبنا ونعم الوكيل