بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمّد وآله وصحبه وسلم
اللهم إِنَّ حَمْدَكَ أَنِيسِي في إِدْلاجِي وتَعْرِيسِي، وشُكْرَكَ دِلِيلي في إِقامَتِي ورَحِيلي، فلا تَقْطَعْنِي عن الوصولِ كَفَانِي دليلاً على ولائي فَرْطُ ثَنَائِي وشاهدًا على مَحْضِ اعتمادي عظيمُ تَذَلّلي وتَرْدَادِي فلا تقابلني بغير القبول، يا من وسيلتي لواسع بابه أَعَزُّ أحبابه، وواسطتي إلى جزيل نعمائه مُبَلِّغُ أَنْبَائِهِ من فروعٍ للدين وأصول، محمّد الآتي لعبيده بباهر توحيده المذل لأهل جحوده بأعز جنوده، سيد كل نبي ورسول، على مَقَامِهِ مُسَلْسَلُ صِلاتٍ من زاهر الصلوات وسَلْسَلُ تسنيمات من باهر التسليمات نَبْلُغُ بها من رضاه المأمولَ وكذا على آسَادِ عصابته ساداتِ صحابته وعظماء كبراء أشباله وبقيةِ آله ما هَبَّتِ الصَّبَا بالقبول.
﴿وَبَعْدُ﴾: فيقولُ أفقرُ العبيدِ محمّدُ بنُ عليِّ بنِ سعيدِ سَلَكَ الله به الطريقَ الحُسْنَى لَـمَّا كانَ عِلْمُ المنطقِ مِعْيارَ العلومْ وقُطْبَهَا الذي عليه أَدِلَّتُهَا تَحُومْ المرشدَ بقضاياه الصحيحةِ إلى صحيح الاعتقادِ والماحِي بنور بَرَاهِينِهِ ظلامَ الفسادِ القائلَ في مدحه إمامُ العلماءِ الأعلامِ وحُجَّةُ الإسلامِ «مَنْ لا مَعْرِفَةَ له بالمنطقِ لا ثِقَةَ بعلمِهِ» ومَنْ طَعَنَ فيه فإنما عَنَى ما كان على قواعد الفلاسفة الأَوَّلِينَ بِذَمِّهِ.
ولَـمَّا كنتُ ممن أجالَ فِكْرَهُ في مِضْمَارِ أبحاثِهِ وأَتْعَبَ خاطرَهُ في تحقيقِ مُشْكِلاتِهِ، خَطَرَ لي أن أجمع فيه ما يكون تَذْكِرَةً للإخوان ولسانَ صِدْقٍ في غابر الأزمان وسببا للدعاء بالرحمة والرضوان.
وَرَأَيْتُ أَنَّ أَحقَّ كتابٍ أُقَلِّدُ جِيَدَهُ دُرَرَ القلائدِ وأُهْدِي إلى دخائره نفيسَ الفوائد، شرحُ التهذيب للإمام الـخَبِيصِيّ تغمده الله برضوانه وأسكنه فسيح جناته، لـِمَا أَنَّ الطلاب لحلاوته عكفوا عليه ولسهولته تسارعوا من كل صَعْبٍ إليه، ولقصور هممهم عن الكتب المُحَصَّنَةِ بغوامض التحقيق والأَبِيَّةِ إلا على مَنْ شَمَّرَ ساعدَ الاجتهاد بخفايا التدقيق.
وبوأه المقر الأسنى: إن الوضعَ الغريبْ الموسومَ بـ«التَّهْذِيبْ» صنعةَ العلامةِ الثانِي النحريرِ التفتازانِي كتابٌ وقع على تفضيله الإجماعْ، وتتابعت بالشهادة على حسنِهِ الأبصارُ والأسماعْ، خفقت بغاية التحقيق أَلْوِيَتُهْ، وسالت بنهاية التدقيق أوديتُهْ، على أنه أَخْصَرُ من خَصْرٍ مليح، وألطفُ مِنْ لفحات الجَوَى في القلب القريح، قد اشتَغَلَتْ به الفضلاءُ في الآفاق وسَعَتْ في خدمتِهِ ألسنتُهم وأقلامُهم على الأحداق فَكَمْ من مُقَرِّرْ في رقيقِهِ يُحَرِّرْ ومِنْ شارحْ في غياضه سارحْ، ومِنْ مُحَشِّي في رِياضِهِ يُوَشِّي، ولكن لم يأت بالمواتي للقريب الإدراكِ والقَصِيّ، إلا شارِحُهُ الفاضلُ الخَبِيصِيّ، تولاه الله بمغفرتِهِ وأَسْبَلَ على مَضْجَعِهِ رِوَاقَ رحمتِهِ.
وقد كنتُ حينَ آنَسْتُهُ إذ دَارَسْتُهُ رأيتُ عليه حاشيةً أنيقةَ النشأةِ منسوبةً للعلامة يس بن زين الدين شكر الله سعيه وأباحه في الجنان رَعْيَه إلا أنه كثيراً ما يقول ما حقه أن لا يقال ويتمسك بظلمات يظنها بُدُورَ كمالٍ، مع أنه نَسَخَ شرحَ المولى العِصَامِ ظناً منه أنه التحقيقاتُ العِظَامُ، وجُـلُّ الناسِ على استحسان ذلك متوافرون، وعلى قبول عامة ما هنالك متظافرون.
فَبَعَثَ الله مِنِّي نفساً جامِحةً من التقليد، جانِحةً إلى فيوضات النظر السديد، فأَمْلَيْتُ لذلك هذه الحاشيةْ وأوجبتُ عليها أن تكون مع الإنصاف ماشيةْ، فحينئذ كَشَفَتْ عن وجوهِ الحقِّ اللِّثامْ، وأزالتْ عن مُـحَيَّا الصدقِ الإبهامْ، ونَفَحَتْ للاسفرايني على هَبَابِهِ الذي عارَضَ به جِبالَ الدَّوَّانِيِّ، وَرَدَّتْ من غَلْوَائِهِ ما رَمَى به عن التحقيق الإتقاني، وأَوْضَحَتْ من سُبُلِ الشرحْ ما كان طَوَى دون مُرِيدِيهِ الكَشْحْ في تقريرْ كأنه الكأسُ والمديرْ، ضِمْنَ تعبيرْ هل تعرف الروض والغديرْ، على تحريرْ تُنْسَى به الغِيدُ في السريرْ، فما أَنْفَسَ فرائدَها وأبلغَ فوائدَها، وأفصحَ مقالَها وأفسحَ مجالَها، ومِنْ ثَمَّ وُسِمَتْ بـ«تَشْحِيرِ التَّذْهِيبِ لِكِتَابِ التَّهْذِيبِ».
أَسْأَلُ اللهَ أن يجعلَ فيها نفعَ طالِبِيهَا، وأن يمنحَهَا قبولاً يَمْلَؤُ بها الدنيا وصولاً، وأن يَقِيَهَا الأَقْفِيَةَ العَرِيضَةْ، والأُحْجِيَةَ الغليظةْ، أَمَّا صَرْفُها لوجهِهِ الكريمِ وقَصْرُها على جنابِهِ العظيم، فهو غايةُ مرادي ونهايةُ مُنْتَجَعِي وقِيَادِي.
وما توفيقي إلا بالله لا إله إلا الله.