فصل
في تعريف الدلالات الثلاث وأحكامها
قوله: ((وأحكامها)) وهي لزوم المطابقة للتضمن والالتزام من غير عكس.
واعلم أن المصنفَ ذَكَرَ في هذا الفصلِ مباحثَ الألفاظِ فكان ينبغي للشـارح أن يتعرض لذلك بل يستفاد من كلامهم أنه هو المقصود بالترجمة وأن التعرض للدلالة إنما هو لأن البحث في الألفاظ من جهتها، فتدبر.
وقوله: «وتوقف إفادة المعاني...إلخ» يفيد ذلك كما لا يخفى.
لكن هنا بحث وهو أن أكثر تلك المباحث بحسب الإفادة والاستفادة قليل الجدوى، ولو سلم فإنها اصطلاحات وأوضاع مذكورة مع سائر ما تتوقف عليه الإفادة في العلوم العربية فلا وجه لتخصيصها بالذكر.
والجواب أن أحوال اللفظ من حيث الدلالة على المعاني يمكن إدراجها تحت قوانين كلية شاملة لكل لغة بخلاف سائر الأمور المذكورة في علوم العربية مما يتوقف عليه الإفادة فإنها مخصوصة بلغة العرب فلا تناسب قواعد هذا الفن.
قوله: ((وتوقف إفادة المعاني واستفادتها على الألفاظ)) أي: بأي لغة كانت، وهذا بالنسبة للغير أما للشخص نفسه إذا أراد أن يحصل لنفسه مفهوم الموصل فليس الألفاظ هنا أمرا ضروريا؛ إذ يمكنه تعقل المعاني مجردة عن الألفاظ وإن كان فيه عسر لتعود النفس ملاحظةَ المعاني من الألفاظ، نبه عليه السيد.
قوله: ((دلالة اللفظ)) لَـمَّا كان غيرُ دلالةِ اللفظِ لا تسمى بالمطابقةِ والتضمنِ والالتزامِ قَيَّدَ الدلالةَ في تعريفاتها باللفظ، ولا حاجة إلى تقييد الدلالة بالوضعية لإخراج باقي الدلالات عن التعريفات بناء على أن ما عدا الوضعية لا تسمى بهذه الأسامي لأنه يخرجها باقي القيود المذكورة.
نعم لو أريد اشتمال التعريفات على الجنس القريب اعتبر قيد الوضعية ويقال ترك لظهور أن القوم لا يبحثون عن غيرها.
قوله: ((على تمام ما وُضِعَ)) أي: الأمرِ الذي وُضِعَ له بعينِهِ وتمامِهِ بحيث لا يخرج ما اعتبره الواضع في مقابله.
ولو كان اللفظ موضوعا لمعان متعددة أي: لكل واحد منها فكل منها تمام الموضوع له بالمعنى المذكور لا المجموع من حيث هو مجموع إذ اللفظ لم يجعل في مقابلته، هذا.
وفي شرح القسطاس تعريف المطابقة بدون لفظ التمام تمام ويمكن دفعه بأن مقابلته بقوله: «وعلى جزئه» يقتضي ذكر التمام لأن العادة في البيان مقابلة التمام بالجزء.
قال الدواني: «ولم يقل على جميع ما وضع له لإشعاره بالتركيب وعلى عين ما وضع له مع أنه أخصر تنبيها على أن التمام لا يشعر بالتركيب لأن مقابله النقص بخلاف الجميع فإن مقابله البعض».
قوله: ((اللفظ)) تفسير للضمير المستتر في وضع بحذف أداة التفسير وفيه إشارة إلى أن الضمير في الصفة أو الصلة جار على غير من هو له وأن حقه الإبراز لأن التقدير تمام معنى أو المعنى الذي وضع اللفظ له أي: لذلك المعنى.
قوله: ((كدلالة الإنسـان على الحيوان الناطق)) فإنه كلما فهم لفظ الإنـسـان فهم الحيوان الناطق منه بسبب العلم بوضعه له فالعلاقة فيها مُجردُ وَضْعِ اللفظِ له والعلمِ به.
وناقش صدر الفضلاء في وضعه له.
ولو جُعِلَ اصطلاحيا فلا كلام فيه.
قوله: ((فالدلالة...إلخ)) في هذا التفريع نظر وكان ينبغي أن يقدم تعريف الدلالة ثم يبين أنها لفظية وغير لفظية ثم يقسم غير اللفظية إلى وضعية وعقلية وطبيعية ثم اللفظية كذلك ثم يعرف الوضع ويبين أن مراد المصنف الدلالة اللفظية الوضعية كما فعل غيره.
وهنا أمران لابد من التعرض لهما:
الأول قد يقال العلاقة في الطبـيعية نوع من العلاقات العـقليـة؛ إذ فهم المعنى لكونه سببًا للدال وأما اقتضاء طبع السامع واللافظ بلا اختيار فلا يزيد على تلك العلاقة شيئا.
ويجاب بأنه لما كان هذا القسم من هذه الدلالة العقلية أعني ما يسمى بالطبيعية ممتازا عن سائر الدلالات العقلية من حيث إنه يجوز فيه تخلف المدلول عن الدال فإنه يجوز أن يتلفظ شخص بـ«أح» من غير عروض وجع له في نفس الأمر وكذا يجوز أن يتصف شخص بالحمرة من غير عروض خجل له في نفس الأمر وذلك لأن العلاقة ضعيفة مستندة إلى اقتضاء طبعِ نحوِ اللافظِ بالدال بخلاف سائر الدلالات العقلية فإنها ذوات علاقات قوية يمتنع لأجلها تخلف المدلول عن الدال، أُخْرِجَ هذا القسم من الدلالات العقلية وسُمِّيَ باسم الطبيعية لوجود اقتضاء الطبع لذلك.
وأجيب بأن المراد من العقلية ما ليس لغير العقل مدخل فيه لا ما للعقل مدخل فيه وإلا كانت الدلالات كلها عقلية ولا شك أن لغير العقل في هذا القسم مدخل.
الثاني انحصار الدلالات في الأقسام الستة استقرائي لا عقلي، فإن قلت صرحوا بأن ما ليس للوضع والطبع فيه مدخل عقلية فيصح الحصر العقلي بأن يقال إن كان لأحدهما فيها مدخل فوضعية أو طبيعية وإلا فعقلية فلا يمكن قسم آخر فلا يكون التقسيم استقرائيا على هذا إذ الاستقرائي ما يمكن عقلا فيه قسم آخر.
قلت: قد عرفت من الجواب الثاني عن الأمر الأول أن المراد بالعقلية ما لم يكن لغـير العقـل فيـه مدخـل ولا يلـزم من أن لا يكون للوضع والطبـع مدخـل أل
يكون لغير العقل مدخل لجواز أن يكون لأمر غيرهما مدخل فلا يكون من الدلالات الثلاث إلا أنهم تتبعوا فلم يجدوا ذلك القسم فحكموا بأن ما لم يكن للوضع والطبع فيه مدخل فهو عقلية فهذه مقدمة لم تثبت إلا بالاستقراء.
قوله: ((يلزم من العلم به العلم بشيء آخر)) أي: بحيث كلما يحصل ذلك في الذهن ينتقل الذهن منه إلى شيء آخر ويدركه سواء لزم من التصورِ التصورُ أو من التصديقِ التصديقُ.
والمراد من العلم في الموضعين ما يشمل غير اليقيني ومعلوم أن غير اليقيني لا يلزم منه إلا غير اليقيني.
وإنما عدلوا عن قولهم العلم بالمدلول إلى ما ذكر لئلا يلزم الدور لأن المدلول مشتق من الدلالة، وإن أجيب عنه بأن الدلالة المعرفة هي الحاصل بالمصدر والدلالة المعتبرة في المشتق هي معنى المصدر.
قوله: ((والوضع...إلخ)) إنما عرفه بعد تعريف الدلالة لأنه من علاقاتها والمعول عليه عند المناطقة.
وإنما اشترط في دلالة شيء على آخر أن يكون بينهما علاقة تقتضي أن ينتقل منه إليه إذ لولا ذلك لدل على جميع ما سواه لأن الانتقال إلى شيء دون آخر ترجيح من غير مرجح.
قوله: ((بحيث إذا فهم الأول)) أي: وعلم ذلك التخصيص لأنه لو لم يعلم لم يفهم الثاني من الأول أصلا وإن ثبت الوضع في نفس الأمر.
وكان المناسب أن يعبر كغيره بَدَلَ «إذا» التي هي للإهمال فتصير القضية معها في حكم الجزئية بـ«متى» التي هي من سور الكلية لأنه لابد في الوضع من فهم الثاني عند فهم الأول في جميع الأحوال والأوقات.
قوله: ((فهم الثاني))، أورد على كل من تعريفي الدلالة والوضع أنه إذا كان الموضوع له أو المدلول حاضرا في ذهننا وعلمنا الموضوع أو الدال لم يحصل منه علم الموضوع له أو المدلول عليه؛ لأنه كان حاصلا قبله فلو حصل منه لزم حصول الحاصل مرة ثانية وهو محال فلا يصدق تعريف الوضع والدلالة على شيء أصلا إذ ما من شيء إلا وقد يعلم ولا يفهم منه الثاني إذا كان الثاني حاضرا فلا يصدق أنه إذا فهم فهم منه.
وأحسن ما أجيب به أن المراد من الفهم بعموم المجاز ما هو أعم من الحصول والتوجه فالمعنى إذا فهم الأول فهم الثاني إما بالحصول أو التوجه فقط.
وعلى هذا لا يتوجه أنه من الجائز أن يلزم من الأول حصول الثاني بلا توجه إليه فتأمل.
وأورد أيضا أنه يلزم أن لا يكون الحرف موضوعا ولا دالا لأن فهم معناه موقوف على ذكر المتعلق فلو ذكر بلا متعلق لم يفهم منه المعنى.
وأجيب بأن المراد أنه متى فهم وحده أو مع شيء آخر.
وتُعِقِّبَ بأنه يستلزم أن تكون المجازات موضوعة لأنها متى فهمت مع القرينة فهم المعنى.
وأجيب بأن المجاز قد خصص بإزاء المعنى واعتبر المخصص مع القرينة ولا يعلم المعنى إلا من المجموع كما قرر في موضعه بخلاف الحرف فإنه قد خصص وحده بإزاء المعنى من غير اعتبار المتعلق في التخصيص إلا أن معناه لا يمكن فهمه بدون المتعلق فإذا ذكر المتعلق كان المعنى مفهوما من الحرف الموضوع له إلا أنه يشترط وجود المتعلق.
قوله: ((لكون الجزء في ضمن الموضوع له)) فسبب الدلالة كونه جزءًا
للموضوع له بمعنى أن انتقال الذهن إليه لأجل أنه انتقل إلى الموضوع له وهو عبارة عن جميع أجزائه فيلزم الانتقال إلى كل منها؛ إذ الكل لا يتعقل بدون الجزء لعلاقةٍ هي الوضعُ والجزئية وعدم انفكاك الجزء فليس كل دلالة على أحدهما تضمنا بل ما كان في ضمن دلالته على المجموع.
وفَهْمُ أحدِهِما لا في تلك الحالة ليس تضمنا لأنه ليس لمجرد العلاقة السابقة بل لعلاقة أخرى.
وهنا بحث وهو إذا علم أن اللفظ موضوع لشيء معين وغيرِهِ ولم يعلم ذلك الغير بعينه فكلما سُمِعَ اللفظُ فُهِمَ الجزء بسبب أنه جزء مع أنه ليس في ضمن الكل فهذه الدلالة إن كانت تضمنية لم يصح قولهم «إن التضمن في ضمن المطابقة» وإن لم تكن تضمنية فسد التعريف والانحصار في الثلاثة.
فإن قُلْتَ: إذا فهم اللفظ فهم الجزء من شيء ما مجملا ففهم الجزء في ضمن الكل في الجملة.
قُلْتُ: المراد بالكل المدلول المطابقي كما صرح به السيد وذلك ليس مدلولا مطابقيا فإن اللفظ لم يوضع لهذا المجمل بل لماصدق عليه فلم يكن التضمن في ضمن المطابقة حقيقة.
ويمكن أن يقال الجزء مفهوم في ضمن الكل المطابقي تقديرا كما يأتي عند قول المصنف «وتلزمهما المطابقةُ ولو تقديرًا» انتهى.
قوله: ((وعلى الخارج التزام..إلخ))، قيل: حَصْرُ الدلالةِ اللفظيةِ الوضعيةِ في الأقسام الثلاثة عقليٌّ أي: مما يجزم به العقل بمجرد ملاحظة مفهوم التقسيم ولا يجوز قسمًا آخر.
وأورد عليه أن الالتزام ليس مجرد الدلالة على خارج كما يفهم من ظاهر كلام المصنف بل الدلالة على الخارج اللازم فجاء قسم آخر وهو الدلالة على الخارج الغير اللازم وإن كان غير واقع.
وأجاب الدواني بأن اللزوم شرط تحقق الدلالة الالتزامية وليس معتبرا في حده ولذا شرط فيه اللزوم ولو دخل في مفهومه لغى الاشتراط.
وأورد عليه العصام أنه لابد من تقييد التعريفات بالحيثية لدفع انتقاض بعضها ببعض ولو لم يعتبر اللزوم في مفهوم الالتزام لم يمكن التقييد بالحيثية؛ إذ يصير المآل الالتزام هو الدلالة على الخارج من حيث هو خارج والدلالة لا تتسبب عن الخروج بدون ضميمة اللزوم.
وأما وجه اشتراط اللزوم مع اعتباره في المفهوم فهو أن المعتبر في المفهوم اللزوم المطلق والشرط اللزوم الذهني.
واعلم أنه أورد على تعريف الدلالات أنه يجوز أن يكون معنى واحدا تمام الموضوع له وجزءه ولازمه بأن يكون اللفظ تارة موضوعا لمعنى وتارة أخرى لذلك المعنى مع ملزومه وتارة أخرى لملزومه فقط كما إذا وضع لفظ الشمس للنور فقط ووضع له مع القرص وأيضا للقرص فقط فيصدق على دلالته على النور التعاريف الثلاثة.
ودَفَعَ هذا القومُ بقيد الحيثية في التعاريف والمصنفُ لم يقيد بها لعله لما ذكره في شرح الرسالة في بحث الكليات الخمس أن الأمور التي تختلف باختلاف الاعتبارات قَيْدُ الحيثيةِ مراعىً فيها ذُكِرَ أو لم يُذْكَرْ فالمعنى دلالة اللفظ على تمام ما وضع له من حيث إنه تمام ما وضع له وهكذا، وللقوم في هذا المحل كلام طويل.
وأورد على الحصر في الدلالات الثلاث أمور.
منها دلالة العام على بعض أفراده كما أورده القرافي وهو وجوابه لعصريه الأصفهاني مشهوران.
وحاصل الإيراد أن العام يدل على بعض أفراده دلالة خارجة عن الثلاث كما بينه.
وحاصل الجواب أنه لا يدل لكنه في قوة ما يدل بالمطابقة لأنه في قوة قضايا بعدد أفراده تدل على معناها بالمطابقة فيكون العام الذي في قوتها دالا على بعض أفراده بالمطابقة.
وتحقيقُ المقامِ يُطْلَبُ من حواشي جمع الجوامع.
ومنها دلالة الكلام الفصيح على فصاحة المتكلم فإنها دلالة لفظية وضعية خارجة عن الأقسام الثلاثة إلا أن يخرج من تلك الدلالة بأن يراد بها ما لأجله الوضع بإزاء المعنى أو كله أو ملزومه، والظاهر أنه لا دلالة للكلام الفصيح على فصاحة المتكلم عند أصحاب هذا الفن لأنهم اعتبروا الكلية في الدلالة ولا شك أنه قد يدرك معنى الكلام الفصيح ولا يخطر بالبال فصاحة المتكلم، نعم عند أهل العربية والأصول له دلالة على ذلك وهي من قبيل دلالة الالتزام وعلى التقديرين لا نقض في الانحصار.
قوله: ((لكون الخارج...إلخ)) أي: فَسَبَبُ الدلالةِ أنه لازمٌ للموضوعِ فإنه مَتَى فُهِمَ الملزومُ فُهِمَ اللازمُ فَفَهْمُ اللازمِ بِسَبَبِ فَهْمِ الملزومِ.
وأما إذا فهم اللازم لا بمجرد ذلك فإنه ليس بالتزام لأنه ليس بسبب أنه لازم الموضوع له بل بعلاقة أخرى.
قوله: ((وهو أن لا يكون تصور الملزوم...إلخ)) في هذا التعريف نظر إذ عليه لا يكون هذا أعم من الأخص الآتي بل مباين له والمفهوم من كلامهم أَنَّ اللازمَ البينَ بالمعنى الأعم هو ما يكون تصور الملزوم وتصور اللازم كافيين في جزم العقل باللزوم واللازمَ البينَ بالمعنى الأخص ما يكون تصور الملزوم كافيا في جزم العقل باللزوم.
ووجه كون الأول أعم حينئذ ظاهر إذ كلما كان تصور الملزوم كافيا كان تصور الملزوم وتصور اللازم كافيين، والمراد بكونه كافيا عدم الاحتياج إلى وسط وهو المقترن بـ«لأنه» في قولنا مثلا العالم حادث لأنه متغير كما صرحوا بذلك.
واعلم أن اللزوم البين هو الذي لا يفتقر إلى وسائط وغير البين ما يفتقر إليها كما في الكنايات نحو فلان كثير الرماد.
قوله: ((إلا أنه يوجب اعتبار اللزوم بالمعنى الأعم...إلخ)) في شرح إيساغوجي للعلامة الفناري أن اشتراط الأخص يوجب اشتراط الأعم لعدم تحقق الأخص بدون الأعم فيكون المعنى الأعم أيضا شرطا والتمثيل له لا للأخص وبهذا القدر يصح التمثيل، فأمَّا كفايةُ المعنى الأعمِّ لكونِ الالتزامِ مقبولاً وعدمُ كفايتِهِ فبَحْثٌ آخَرُ فيه خلافٌ بين الإمامِ والجمهورِ انتهى.
فقول الشـارح «إلا أنه يوجب...إلخ» إن أراد اعتباره في الاشتراط فلا ضرر فيه ولا خلاف يعتريه وإن أراد اعتباره في الكفاية فليس في التمثيل ما يقتضيه كما لا يخفى على أهل الدراية.
لكنْ تَعَقَّبَ ذلك الفناريُّ بِأَنَّ إيجابَ اشتراطِ الأخصِّ اشتراطَ الأعمِّ يستلزم اشتراطهما معا فالدلالة إنما تتحقق إذا تحققا معا وفي هذا المثال لم يتحقق الأخص فلا تتحقق الدلالة فكيف يصح التمثيل بهذا القدر، فالصواب جَعْلُ التمثيلِ على مذهب الإمام.
قوله: ((وهذا البحث وإن كان مناقشة...إلخ)) مثل هذا التركيب كثير الوقوع وقد يقع «لَكِنَّ» موقع «إِلَّا» كما يقال زيد وإن كان غنيا لكنَّه بخيل، و«إِلَّا» و«لَكِنَّ» ليسا بخبرين بل هما للاستدراك واقعان موقع الخبر والخبر مقدر بحسب المقام وإن لم يكن عين المذكور.
قوله: ((على أن المعتبر)) أي: على جواب أن المعتبر إلخ.
قوله: ((فلابد للدلالة على الخارج من شرط))، وأما الدلالة على المعنى الموضوع له أعني المطابقة فيكفي فيها العلم بالوضع فإن السامع إذا علم أن اللفظ المسموع موضوع لمعنى فلابد أن ينتقل ذهنه من سماع ذلك اللفظ إلى ملاحظة ذلك المعنى وهذا هو الدلالة المطابقية.
وكذا إذا علم أن ذلك اللفظ موضوع لمعان متعددة فإنه عند سماعه ينتقل ذهنه إلى ملاحظة تلك المعاني بأسرها فيكون دلالة كل واحد منها مطابقة وإن لم يعلم أن مراد المتكلم ماذا من تلك المعاني فإن كون المعنى مرادا للمتكلم ليس معتبرا في دلالة اللفظ عليه إذ هي أعني دلالة اللفظ على المعنى عبارة عن كونه مفهوما من اللفظ سواء كان مراد للمتكلم أو لا.
وأما الدلالة التضمنية فلا تحتاج أيضا إلى اشتراط لأن اللفظ إذا وضع لمعنى مركب كان دالا على كل واحد من أجزائه دلالة تضمنية لأن فهم الجزء لازم لفهم الكل ولا يمكن أن يكون اللفظ موضوعا لخصوصية معنى مركب من أجزاء غير متناهية حتى يلزم دلالة الواحد على أمور غير متناهية دلالة تضمنية ولا يمكن أيضا أن يوضع لفظ واحد لكل واحد من أمور غير متناهية حتى يلزم كونه دالا بالمطابقة على ما لا يتناهى.
قوله: ((في الدلالة الالتزامية)) المناسب لظاهر سوق المـتن أن يقـول «ولابد في الالتزام» ولِـمَا وَطَّأَ به الشـارح من قوله «فلابد للدلالة على الخارج» أن يقول «ولابد في الدلالة على الخارج» والمتن يحتمله وعليه يسقط كلام الدواني السابق في إشكال الحصر، فتدبر.
قوله: ((عقلا)) بأن يكون المسمى بحيث يمتنع الالتفات إليه بدون الالتفات إلى الخارج عقلا.
قوله: ((فيكون البصر لازما..إلخ))، إن قلت البصر جزء مفهوم العمى فلا يكون دلالته عليه بالالتزام بل بالتضمن، قلت العمى عدم البصر لا العدم والبصر والعدم المضاف للبصر خارجا عنه والعدم داخل وكذا الإضافة ما لم تعتبره غيرَ مضافٍ فتكون خارجة أيضا كما حرره السيد.
قوله: ((أو عرفا)) بأن يكون المسمى بحيث لا يمكن الالتفات إليه بدون الخارج بسبب عرف عام شامل لجميع الأحوال والأزمنة.
وإنما اعتبرنا الالتفات في تحقيق اللزوم لأنه المعتبر في الدلالة كما حقق وحينئذ وجود لازم ذهني لزوما كليا في غاية الخفاء.
وعقلاً وعرفًا منصوبان على المصدرية كما أشار إليه شيخ الإسلام أي: لزوما عقليا أو لزوما عرفيا والأقرب أنهما منصوبان على التمييز.
قوله: ((وكأن المصنف تبعهم)) وذلك لأنه لو اعتبر اللزوم العقلي فقط لخرج المجازات والكنايات المعتبرة في المجاورات والمخاطبات.
ولا شك أن نظر المنطقي في الألفاظ ليس إلا باعتبار الإفادة والاستفادة فلا وجه لتجديد اصطلاح بلا ضرورة مع إفضائه إلى ضيق في أمر الدلالة لإخراج تلك الدلالات السابقة في الاعتبارات والعبارات عن الاعتبار.
لا يقال الدال عندهم مجموع اللفظ والقرينة فاللزوم عقلي دائمي مطلقا؛
لأنا نقول ليس للمجموع معنى ملزوم لذلك اللازم بل ليس له وضع حقيقي أصلا، تأمل، كذا في شرح شيخ الإسلام.
قوله: ((أي: التضمن والالتزام)) أي: كلا منهما.
قوله: ((ولو تقديرا))، لم يتعرض الشـارح لهذه الغاية وقد اعْتُرِضَتْ بأن الدلالة على جزء الموضوع له أو لازمه لا تنفك عن الوضع بالضرورة والوضع لا تنفك عنه الدلالة المطابقية وحينئذ لا وجه للغاية إذ لا توجد صورة يتحقق فيها شيء من الدلالتين بدون المطابقة فَتُقَدَّرَ.
ويمكن أن يقال: إن ابْنَ سِينا اشترط الإرادة في الدلالة الوضعية فحين إرادة الجزء أو اللازم لا مطابقة لعدم إرادة الموضوع له فتنفك المطابقة عنهما على مذهبه مع أن الاستلزام متفق عليه.
فَوَجَّهَ المصنف الاستلزام على مذهبه بأن الاستلزام تقديري بمعنى أن كل لفظ له دلالة تضمنية أو التزامية فهو بحيث لو أريد منه الموضوع له كان له مطابقة فلم يلزم من قوله: «ولو تقديرا» اختيارُ مذهب الشيخ مع أنه أبطله في بعض تصانيفه بل أراد بيان الاستلزام على وجه عام.
ويمكن أيضا أن يقال المصنف فسر الدلالة بفهم المعنى من اللفظ وكثيرا ما يفهم جزء المعنى من حيث إنه جزء المعنى الموضوع له ولا يفهم الكل كما يفهم من لفظ الفعل الحدث والزمان ولا يفهم الكل ما لم يذكر الفاعل لأنه لا تفهم النسبة بدون ذكر الفاعل فقد انفكت المطابقة عن التضمن لكن لم تنفك عنه تقديرا إذ المطابقة متحققة على تقدير ذكر الفاعل وقد مضت الإشارة إلى ذلك.
ويمكن أن يقال إن المقصود منها دفع اعتراض أورده قدس سره في شرح الرسالة على قولهم: «إن المطابقة لازمة للتضمن والالتزام» وتقديره أنهما يتحققان بدونها فيما إذا كانت قرينة صارفة عن إرادة الموضوع له.
وحاصل الدفع على ما أفصح به في الشرح المذكور أن المراد بلزومها لهما أن كل لفظ له دلالة تضمنية أو التزامية فله مطابقة في الجملة وإن لم تكن في تلك الحالة.
وأجاب أيضا بأنا لا نعني بالدلالة الفهم بالفعل بل كون اللفظ بحيث يفهم منه المعنى إذا أطلق بالنسبة إلى العالم بالوضع والمجاز بالنسبة إلى المعنى الحقيقي كذلك ضرورة أنه موضوع له والوضع يستلزم الدلالة بهذا المعنى، ويحتمل أن قوله هنا «ولو تقديرا» إشارة إلى هذا الجواب.
وأجاب أيضا بأنا لا نسلم أن دلالة المجاز على معناه تضمن أو التزام بل مطابقة إذ المراد بالوضع في تعريف الدلالات الثلاث أعم من الجزئي الشخصي والكلي النوعي كما في المركبات وإلا لبقيت دلالة المركبات خارجة عن الأقسام والمجاز موضوع بإزاء معناه المجازي بالنوع على ما تقرر في موضعه فدلالته عليه بالمطابقة لأنها دلالة على ما وضع له بالنوع والتضمن إنما هو فهم الجزء في ضمن الكل والالتزام فهم اللازم مع الملزوم وبتبعيته وذكر كلاما يتعلق بذلك فراجعه.
وقال شيخ الإسلام الأظهر في الجواب أن يقال إن المطابقي في تلك الحالة أيضا مفهوم غاية ما في الباب أنه ليس بمراد والمطابقة لازمة لهما بالفعل.
فليحرر المقام فإنه من مزال الأقدام.
قوله: ((لأنهما تابعان لها)) أي: متفرعان ومتوقفان عليها لما مر في تعريفهما من أن التضمن هو الدلالة على جزء الموضـوع له والالتـزام هو الدلالة على لازمه، فعلم أنه لو لم يوجد الموضوع له لم يكن تضمن ولا التزام، وأيضا هما الدلالة في ضمن الدلالة على الكل وبسبب الدلالة على الملزوم فلا ينفكان عن الدلالة على الكل والملزوم.
قوله: ((من حيث إنه تابع)) يتعين أن الحيثية متعلقة بالمحكوم به أعني «لا يتحقق إلخ» ولا يصح أن تتعلق بالمحكوم عليه الذي هو «التابع» إذ يلزم عدم تكرار الأوسط وعلى تعلقها بالمحكوم به يكون المعنى أن كل تابع لا يوجد بدون متبوعه موصوفا بالتبعية لذلك المتبوع فلا يرد التابع الأعم كالحرارة للنار فإنها تابعة للنار وقد توجد بدونها كما في الشمس والحركة وأما من حيث إنها تابعة للنار فلا توجد بدونها.
لكن اللازم من الدليل حينئذ أن التضمن والالتزام لا يوجدان بدون المطابقة مطلقا أي: لا يلزم بكونهما موصوفين بصفة التبعية للمطابقة والمقصود أنهما لا يوجدان بدونها مطلقا.
بقي أنه أورد في شرح المطالع أنه لو صح البيان لاستلزم المطابقة التضمن والالتزام لأنها متبوعة والمتبوع من حيث إنه متبوع لا يوجد بدون التابع، قال السيد وهو نقض إجمالي لما هو خلاصة الدليل وهو أن الأصغر موصوف بصفة كذا وكل ما هو موصوف بتلك الصفة من حيث هو موصوف بها لا يوجد بدون ما هو موصوف بما يضايفها وأما أن تلك الصفة هي التابعية أو المتبوعية فلا مدخل له في ثبوت المقصود.
قوله: ((أي: لا يلزمان المطابقة)) أي: لا يلزم شيء منهما المطابقة، فتدبر.
قوله: ((لتحققها...إلخ))، لا شك أن وجود المعنى البسيط جائز في نفس الأمر بل معلوم كذات الله تعالى فجاز في نفس الأمر تحقق المطابقة بدون التضمن بل تحققت على الأظهر فلا يلزم من تحقق المطابقة تحقق التضمن.
وأما المعنى الذي لم يكن له لازم فحاله غير معلوم لجواز أن لا يكون ممكن الوجود في نفس الأمر فيمتنع حينئذ انفكاك المطابقة عن الالتزام وتستلزمه وأن يكون ممكنا فيه فيمكن الانفكاك فيه فلا تستلزمه إذ الاستلزام امتناع الانفكاك في نفس الأمر فلما لم يظهر دليل تام على أحد الاحتمالين كان اللزوم وعدمه غير معلومين ولا يلزم من الجواز في نظر العقل لعدم ظهور الدليل عليه أن يكون جائزًا في نفس الأمر.
فمقصود القوم أن ذلك متصور عقلا فإن أمكن في نفس الأمر فلا استلزام وإن لم يكن فالاستلزام.
وذهب البعض إلى أن المطابقة لا تستلزم الالتزام لأنا نعقل كثيرا من الماهيات ولا يخطر ببالنا غيره، واختاره المصنف لقوة دليله لكنه إنما ينهض لو لم يكف اللزوم العرفي وجواز معنى لا لازم عقلي ولا عرفي له إن اريد به مجرد الاحتمال العقلي فهو قائم لكنه لا يفيد العلم بعدم الاستلزام بل عدم العلم بالاستلزام وإن أخذ بمعنى الإمكان الذاتي فيحتاج إلى بيان ليفيد العلم بعدم الاستلزام.
قوله: ((واعلم أن التضمن...إلخ))، قيل لم يتعرض المصنف لهذا إحالة إلى فهم المتعلم فإنه كما يجوز بسيط لا لازم له يجوز مركب كذلك ويجوز بسيط له لازم فحال استلزام التضمن للالتزام كحال المطابقة وأما عدم استلزام الالتزام التضمن فمعلوم إن اعتبر اللزوم العرفي كما رأى المصنف وأما إذا اشترط العقلي فلا لتوقفه على ثبوت بسيط له لازم عقلي وربما يُمْنَعُ هذا كلامه.
وهو مما يقضى منه بالعجب لأنه علم من قوله «فإنه كما يجوز بسيط لا لازم له يجوز مركب كذلك ويجوز أيضا بسيط له لازم» أن التضمن لا يستلزم الالتزام وبالعكس ولأن المصنف جعل في تفصيلات ذلك الجـواز لعدم وجه معلومية استلزام المطابقة الالتزام فكيف يجعله هنا وجه عدم الاستلزام وإنما كان الظاهـر أن يجعله وجه عدم المعلومية.
والأَوْلَى أن يقال إن دلالة المطابقة هي الأهم فلم يتعرضوا إلا لحالها.
قوله: ((أما الأول فلجواز...إلخ)) لا يخفى أن لفظ الجواز يشعر بأن إمكان ذلك في نفس الأمر غير معلوم.