قوله: ((وها أنا أشرع)) فيه إدخال «ها التنبيه» على ضمير الرفع المنفصل من أن خبره ليس اسم إشارة وصرح ابن هشام في حواشي التسهيل بشذوذ قوله: «أبا حكم ها أنت نجم مجالد» وذلك هو قضية كلامه في المغني في بحث «ها التنبيه» لكنه استعمله في مواضع منه على خلاف ذلك وكذا ابن مالك.
قوله: ((المقصود)) أراد به ما يشمل المقصود لغيره كالمقدمة فلا ينافي قوله بعدُ «أن يذكروا قبل الشروع في المقصود بعضا...إلخ» المقتضي لكون المقدمة ليست من المقصود لأنها ليست من المقصود بالذات.
قوله: ((بأن يذكروا قبل الشروع في المقصود بعضا من الكلام ويسمونه مقدمة الشروع في العلم...إلخ)) ظاهره أن مقدمة العلم اسم للألفاظ المذكورة.
والمختار عند المصنف أنها اسم لمعان يتوقف عليها الشروع في المقصود.
ومقدمة الكتاب اسم لطائفة من كلامه قدمت أمام المقصود لارتباط له بها وانتفاع بها فيه سواء توقف عليها الشروع في المقصود أم لا.
فبين المقدمتين مباينة كلية.
وبين مقدمة العلم ومدلولات مقدمة الكتاب أو دوال مقدمة العلم ومقدمة الكتاب عموم وخصوص مطلق.
والتمثيل لمقدمة العلم بما ذكره الشارح هو ما في المختصروهو مبني على أن المراد بالتوقف في تعريفها التوقف على بصيرة، والمصنفُ رَدَّهُ في شرح الشمسية واختار أن مقدمة العلم التصور بوجه ما والتصديق بفائدة ما.
وهذا حديثٌ إجماليٌّ تفصيلُهُ رسالتُنا المعمولةُ في تحقيقِ مقدمةِ العلمِ ومقدمةِ الكتابِ وما يتعلق بذلك والخلافِ بين المصنفِ والسيدِ في تحقيقِ تلك المدارك.
قوله: ((أي: هذه مقدِّمة)) إشارة إلى أن لفظ «مقدِّمة»في المتن مُعْرَبٌ لا مبنيٌّ كما قيل لعدم التركيب لوجود التركيب تقديرا وأنه خبر حذف مبتدؤه وليس بلازم لجواز أن يكون مفعولا لفعل محذوف أي: اقرأ ونحوه.
قوله: ((وفيه تكلّف)) لعل وجهه ما أشار إليه بقوله: «فكأنها تقدمه...إلخ»، أو ما قاله شيخ الإسلام الهروي في حواشي المختصر وعبارته: «وإنما اختاروا أخذها من قَدِمَ اللازمِ دون المتعدِّي لأن الظاهر أن تضاف الصفة المتعدية إلى المفعول لا إلى ما له نوع تعلق كالكتاب هنا لأن المقدم في الحقيقة الطائفة لا الكتاب نفسه».
قوله: ((اسم مفعول من المتعدي)) دون اللازم؛ إذ لو كانت منه لزم ذكر الجار والمجرور.
قوله: ((وبالجملة المراد من المقدمة ههنا...إلخ)) الجار والمجرور متعلق محذوف والتقدير ونقول بالجملة سواء كانت المقدمة بكسر الدال أو بفتحها.
وإنما قال «ههنا»؛ لأن المقدمة في مباحث القضايا تطلق على قضية جعلت جزء قياس أو حجة، وقد تطلق ويراد بها ما يتوقف عليه صحة الدليل فتتناول المقدمات الأدلة وشرائطها كإيجاب الصغرى وفعليتها وكلية الكبرى.
قوله: ((ولَـمَّا كان بيان الحاجة إلى المنطق المنساق...إلخ))، وذلك لأن بيان الحاجة هو أن يبين أن الناس في أي شيء يحتاجون إليه، فذلك الشيء أي المبين يكون غايته وغرضه، ويحصل بذلك معرفة العلم بغايته وهي تصوره برسمه.
وأما بيان ماهية العلم برسمه فلا يستلزم بيان الحاجة لجواز أن يكون رسمه بشيء آخر دون غايته فصار بيان الحاجة أصلا متضمنا لبيان الماهية برسمها، فلذلك أوردهما المصنف في بحث واحد وابتدأ ببيان الحاجة فشرع في تقسيم العلم إلى قسميه أعني التصور والتصديق لتوقفه عليه.
فإن قلت: لا حاجة إلى هذا التقسيم بل يكفي أن يقال العلم منقسم إلى ضروري ونظري إلى آخر المقدمات.
قلت: المقصود بيان الاحتياج إلى علم المنطق بقسميه أعني الموصل إلى التصور والتصديق.
ولو لم يبين أن كلا منهما ضروري ونظري يمكن اكتسابه من الضروري لجاز أن يكون التصورات بأسرها ضرورية فلا حاجة إذن إلى الموصل إلى التصور ولا يثبت الاحتياج إلى جُزْئَيِ المنطق معًا وقد علمت أن المقصود ذلك.
قوله: ((تقسيم العلم إلى قسميه)) أي: التـصور والتـصديق أي: من تقسـيم العلم الكلي إلى جزئياته لوجود علامته وهي الإخبار بالمقسم عن كل واحد من الأقسام.
قوله: ((وهو الإدراكُ مطلقًا)) أي: سواء كان معه إذعان أم لا.
ولعله أشار بذلك إلى دفع السؤال المشهور في كل تقسيم من لزوم تقسيم الشيء إلى نفسه وغيره فَلْيُحَرَّرْ.
واعلم أنه سيأتي في كلامه أن الإدراكَ انفعالٌ وقَضِيَّتُهُ أن العلم من مقولة الانفعال والتحقيق أنه من مقولة الكيف وأن الأظهر في تعريفه أنه الصورة الحاصلة من الشيء عند الذات المجردة.
وأورد على كونه من مقولة الكيف أنه يلزم أن يكون حقيقة واحدة باعتبارٍ من مقولة الجوهر وباعتبارٍ آخر من مقولة العرض بناء على ما عليه المحققون من أن الأشياء بأنفسها تحضر في الذات وأن العلم عين المعلوم بالذات مغاير له بالاعتبار فإن الصورة باعتبار أنها سبب للانكشاف علم وباعتبار أنها حاصلة في النفس مثلا معلوم.
لا يُقالُ كل ما حصل في النفس فهو عِلْمٌ.
لأنا لا نسلم ذلك ألا ترى أن الأربعة إذا تصورت وحضرت في الذهن يحضر معها الزوجية وليست الزوجية علما قطعا نعم إذا التفتت النفس لها ثانيا صارت علما.
وأجاب المصنف بأنه لا مانع من كون الشيء جوهرا في الخارج وعرضا في الذهن.
ونوقش بأن العرض ماهية إذا وجدت في الخارج كانت لا في موضوع وما هنا ليس كذلك.
وأورد عليه أيضا شيخنا العلامة أحمد الغنيمي سامحه الله ورحمه بأن كونه من مقولة الكيف مُشْكِلٌ مع قولهم الكيف عرض لا يقبل القسمة لذاته ولا يتوقف على تصور غيره لأنه لا يصدق على العلوم الكسبية لأن تصورها يتوقف على تصور غيرها.
قوله: ((للنسبة الحكمية)) أي: الوقوع أو اللاوقوع.
قوله: ((ومعنى إذعان النسبة..إلخ)) قال العصام: «الإذعان الاعتقاد سواء كان راجحا وهو الظن أو جازما غير مطابق وهو الجهل المركب أو مطابقا راسخا لا يعرض له الزوال بتشكيك المشكك وهو اليقين أو غير راسخ وهو التقليد».
قوله: ((فالتصديق على تعريفه هو الحكم فقط كما هو مذهب الحكماء))، إنما اختار مذهب الحكماء لأن مذهب الإمام معترض بما سيأتي.
وما اشتهر بين المتأخرين من أن العلم إذا كان إدراكا ساذَجا فتصور وإن كان مع الحكم فتصديق على ظاهره يلزم أن يكون كل من إدراك المحكوم عليه وبه أوالنسبة مع الحكم تصديقا وهو إثبات مذهب جديد بلا سند وذلك غير معتد به مع أن الحق مذهب الحكماء لأن التصديق يوصف بصفات الحكم من اليقينية والظنية.
قوله: ((لكن يشترط في وجـوده))، قال شيخـنا العلامة الغنيمي ظاهره أنهـا ليست شرطا في تسميته بالتصديق؛ إذ لا يلزم من توقف وجوده عليها اشتراطها في التسمية فتأمل.
قوله: ((على الوجه المذكور)) أي: وجه يطلق عليه اسم التسليم والقبول.
قوله: ((وكذا من أدرك النسبة السلبية)) هذا مبني على أن النسبة الحكمية في السالبة سلبية بمعنى أنه يلاحظ عدم الربط ويذعن به ومذهب المتأخرين كما صرح به السيد المحقق في حواشي التجريد أن النسبة الحكمية في الموجبة والسالبة على نَهْجٍ واحدٍ فيُلاحَظُ الربطُ والإضافةُ فيها لا عدمُ الربطِ ثم يُذْعَنُ في الموجبة أن الربط ثابت وفي السالبة أنه غيرُ ثابت، ومن حمل كلام المتأخرين على خلافه فقد أخطأ.
قوله: ((وإثباتا للفرق...إلخ)) أي: فالتعبير بالإذعان أحسن مما عبر به القوم ولهذا قال المحقق الدواني: «إن المصنف عدل عن العبارة المشهورة لأنه يدخل فيها التخييل فإنه إدراك لوقوع النسبة أو لاوقوعها وكذا الشك والوهم ضرورة أن المدرك في جانب الوهم هو الوقوع أو اللاوقوع».
واعترض عليه بأن ما ذكره ممنوع وما ذكره في بيانه من أنه إدراك لوقوع النسبة أو لاوقوعها لا يقتضي ذلك فإن إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة أخص من إدراك وقوع النسبة أو لاوقوعها لاختصاص ذلك بالعلم التصديقي دون هذا ألا ترى أنهم إذا أرادوا التنصيص على العلم التصديقي يفسرون إدراك وقوع النسبة بإدراك أن النسبة واقعة وكذا الحكم في الوهم والشك.
وأجاب السيد الصفوي قدس سره بأن الدواني أراد بوقوع النسبة «أَنَّ النسبةَ واقعةٌ» فإن التعبير عن المصدر بِأَنَّ واسمِها شائع وما ذكره من اختصاص «أَنَّ النسبةَ واقعةٌ» بالعلم التصديقي كالإذعان مصادم للضرورة والوجدان إذ كل من له إنصاف معترف بأنه لم يمكن تصور أن النسبة واقعة وتخيله من غير حكم وترجيح ومنع ذلك مكابرة بل سفسطة لا ينبغي أن يتفوه بها فاضل.
والفرق بينه وبين الإذعان أن الإذعان في الاصطلاح عبارة عن إدراك غير تصوري بخلاف الإدراك فإنه أعم.
وما ذكره بقوله: «ألا ترى» لا يفيد إذ التفسير لا يدل على الذي ذكره بل الفرق بالإجمال والتفصيل ومن يدعي ما ذكره فقد صادم البداهة.
قوله: ((سِيَّما)) كلمة للتخصيص والتنبيه على أولوية ما بعدها بالحكم المتقدم وتفصيل الكلام عليها يطلب من المغني.
قوله: ((لا على هذا الوجه)) تفسير لقوله: «فقط».
قوله: ((وعند متأخري المنطقيين...إلخ)) هذا مع قوله سابقا: «والإدراك على الوجه المذكور يسمى حكما فالتصديق على تعريفه هو الحكم فقط كما هو مذهب الحكماء» انتهى.
حاصله أن الحكماء ومتأخري المنطقيين اختلفوا.
فقال الحكماء التصديق هو الحكم فقط وهو إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة.
وقال متأخروا المنطقيين: التصديق مركب من التصورات الثلاث والحكم وهو إما إدراك أو فعل.
فيقتضي أن الاختلاف في كون الحكم فعلا أو إدراكا إنما هو على القول بأن التصديق مركب وأن قول متأخري المنطقيين يقابل قول الحكماء والذي في القطب وحاشيته وغيرهما أن الخلاف في كون الحكم إدراكا أو فعلا لا يختص بالتفريع على القول بأن التصديق مركب وأن القول بأنه فعل لمتأخري المنطقيين وأن الخلاف في كون التصديق بسيطا أو مركبا إنما هو بين الإمام والحكماء فالإمام قائل بالثاني والحكماء قائلون بالأول وأن الحق أنه بسيط وأنه إدراك.
أما الأول فلأن تقسيم العلم إلى التصور والتصديق لأجل أن يبين أن لكل منهما كاسبا فالإدراك المسمى بالحكم ينفرد بطريق خاص يوصل إليه وهو الحجة المنقسمة إلى أقسامها وما عدا هذا الإدراك له طريق واحد يوصل إليه وهو القول الشارح، فالتصورات الثلاث التي قبل الحكم تفارق التصورات في الاستحصال بالقول الشارح فلا فائدة في ضَمِّها إلى الحكم وجَعْلِ المجموع قسمًا واحدًا من العلم يسمى بالتصديق لأن هذا المجموع ليس له طريق خاص.
وأما الثاني فلأنا إذا راجعنا وجداننا علمنا أنا بعد إدراكنا النسبة الحكمية أو الاتصالية أو الانفصالية لم يحصل لنا سوى إدراكنا أن تلك النسبة واقعة أي: مطابقة لما في نفس الأمر أو أنها ليست بواقعة أي: غير مطابقة لما في نفس الأمر.
قوله: ((فالتصديق مركب من تصورات أربعة)) نُسِبَ إلى الإمام في أحد قَوْلَيْهِ.
واعترض بأن الإمام ذهب إلى أن التصورات كلها ضرورية والتصديق قد يكون نظريا فلو كان الحكم عنده أيضا إدراكا لزم أن يكون التصديقات كلها ضرورية أيضا اللهم إلا أن يجعل الحكم نوعا من الإدراك غير التصور والتصديق فيبطل انحصار العلم فيهما والمشهور الانحصار.
ويمكن أن يجاب بجواز أن يكون الحكم عنده إدراكا من قبيل التصور ويكون هذا التصور المخالف بالحقيقة لسائر التصورات مخصوصا من عموم قوله «التصورات كلها ضرورية» بدليل أن دلائله غير جارية في هذا القسم أعني التصور الذي هو الحكم فلا يلزم كون التصديقات أيضا ضرورية عنده ولا يلزم بطلان ما هو المشهور من الانحصار.
هذا وقد ذكر المصنف في شرح المقاصد أن الإمام يجعل الحكم تارة من قبيل الأفعال وتارة هيئة مسماة بالكلام النفسي ليست من جنس الاعتقاد والإرادة.
وقال السيد في حاشية الشمسية: «مذهب الإمام أن الإيقاع فعل لا إدراك».
قال الشهاب ابن قاسم: «وعلى هذا يكون الحكم خارجا عن العلم لأنه فعل والعلم من مقولة الانفعال».
قوله: ((وإن كان فعلا...إلخ)) هذا مقابلُ قولِهِ أَوَّلاً «فإن كان إدراكا» وجوابُهُ «فحينئذ» وما بينهما معترضٌ.
قوله: ((إذ الإدراك انفعال))، قال السيد: «هذا إذا فسر الإدراك بانتقاش النفس بالصورة الحاصلة من الشيء وأما إذا ».فسر بالصورة الحاصلة في النفس فيكون من مقولة الكيف فلا يكون انفعالا أيضا.
قوله: ((وإذا لم...إلخ)) هذا بيان لكون التصديق مركبا من التصورات الثلاث والحكم لا من أربعة تصورات.
ووجهه أن الحكم ليس تصورا لأنه ليس إدراكا لكن هذا لا يناسب ذكره على القول بأن الحكم فعل مع القول بأن التصديق مركب منه ومن التصورات الثلاث إذ القائل بذلك ليس الإدراك عنده مقسما للتصديق وإلا لزم انتفاء كون ذلك المركب تصديقا لانتفاء كون جزئه إدراكا والتصديق قسم من الإدراك وانتفاء المقسم يوجب انتفاء الأقسام فليتأمل.
قوله: «ويقال له التصديق الساذَج» يقال شيء ساذَج بفتح الذال أي: عُطْلٌ غُفْلٌ غيرُ محلى فارسيٌّ مُعَرَّبٌ.
قوله: ((كالحيوان الناطق وغلام زيد))، ويقال في الأولى وصفية لأن أحد الأمرين وصف له وفي الثانية إضافية لأنه مضاف إليه.
ولما كان في كل منهما أحد الأمرين قيدًا للآخر أطلق على النسبة فيهما أنها تقييدية.
قوله: ((كاضرب)) أي: ونحوها من الجمل الإنشائية فإن فيها نسبة طلب الحدث إلى المخاطب على وجه يصح السكوت عليها لكن ليس مضمونها أن الطلب ثابت أو منفي بل هي موضوعة لطلب الشيء من المخاطب فأما أن الطلب ثابت فهو لازم منه لا عينه وهذا هو الفرق بين قولك «اطْلُبْ» على سبيل الإنشاء و«أَطْلُبُ» على سبيل الإخبار فإن الأول معناه نفس الطلب والثاني معناه أن ذلك الطلب ثابت.
فإدراك الأول تصور؛ إذ ليس مضمونُهُ صريحًا بيانَ حالِ النسبةِ.
وإدراك الثاني على وجه الإذعان تصديق.
قوله: ((لعدم إذعان النسبة فيه)) يعني لعدم كونه إذعانا ليوافق كلام المصنف من أن التصديق بسيط، هذا ولو أبقي على ظاهره لاقتضي أن كلا من هذه لو كان معه إذعان يكون تصديقا وليس كذلك.
قوله: ((مقدم على التصديق طبعا)) التقدم الطبيعي هو كون الشيء محتاجا إلى الشيء ولا يكون مؤثرا فيه كتقدم الجزء على الكل والشرط على المشروط.
قوله: ((لأن القيود))، المـراد بها الجنـس الصادق بالواحد المـراد هنا، لكن في المطول أَنَّ الجمعَ المُحَلَّى بـ«أَلْ» صالح لأن يراد به الجنس وأن يراد به بعضه لا إلى الواحد وأَنَّ «فلانٌ يركبُ الخيلَ» وإنما يركب واحدًا مجازٌ.
قوله: ((لأن تقديم التصديق ههنا في التعريف))، يَرِدُ عليه أن هذا واضح لو كان التعريف مقصودا بالذات وهو مخالف لما أسلفه من أن المقصود هنا التقسيم حيث قال: «ولما كان بيان الحاجة المنساق إلى تعريف المنطق موقوفا على تقسيم العلم إلى قسميه شرع في التقسيم فقال العلم...إلخ» ومعلوم أن التقاسيم إنما ينظر فيها إلى الذوات لها إلى المفاهيم.
قوله: ((على أن الإذعان)) إشارة إلى جواب ثان أي: وإن لم تُرَاعَ الشهرةُ السابقةُ فالقرينةُ موجودةٌ، ويحتمل أن مراده أن القرينةَ هي المُجَوِّزَةُ مطلقًا لكنها إما معنوية أو لفظية، فتدبر.
قوله: ((أي: بحسب الضرورة)) أي: على وجه الضرورة، ويرجع حاصل ذلك إلى أن الانقسام ضروري وفي ذلك إشارة إلى أن الباء ليست للسببية.
والمراد بالضرورة ههنا القطع بدليل الاستدلال لذلك فيما يأتي وقد أفصح بذلك شيخ الإسلام.
وبالضرورة في قوله: «إلى الضرورة البداهة» كما يشير إليه قوله: «وهي..إلخ»، وسيصرح بذلك فيما بعدُ وقد أفصح به هنا شيخ الإسلام.
لكن المحقق الدواني صرح بأن المراد بالضرورة في الأول البداهة أيضًا حيث قال: «يعني انقسام كل من التصور والتصديق إلى الضروري والنظري بديهي فإن كل عاقل يجد من نفسه أنه يحصل له بعض التصورات والتصديقات كتصور الحرارة والبرودة والتصديق بأن الكل أعظم من الجزء من غير نظر واكتساب ويحصل له بعض آخر منها كتصورِ المَلَكِ والجِنِّ والتصديقِ بأن العالم حادث بالنظر والاكتساب» قال: «وهذا الطريق أعني الإحالة إلى البديهة أسلم من تكلف الاستدلال عليه بـ«أنه لو كان الكل من كل...إلخ» ولا يخفى أن تمثيل التصديق بقولنا العالم حادث إنما يصح إذا أريد الموجبة الكلية أعني كل فرد من أفراد ما سوى الله تعالى وصفاته حادث فإن العلم بثبوت الحدوث لكل فرد من أفراد ما سوى الله تعالى نظري إذ لا شك أن العلم بحدوث بعض الأفراد ضروري.
قوله: ((إلى الضرورة)) اعلم أن الثابت في أكثر النسخ «وينقسمان» من باب الانفعال و«إلى الضرورة» بإثبات «إلى».
وظاهر صنيع الدواني والعصام أن العبارة «ويقتسمان بالضرورةِ الضرورةَ» من باب الافتعال وبإسقاط «إلى» لأن الدواني قال: أي: يأخذ كل من التصور والتصديق قسما من الضرورة والاكتساب أي: المكتسب بالنظر، وقال العصام في الأساس قسم الشيء واقتسمه بمعنىً.
فالطريق أن قوله «ويُقْتَسَمانِ» على صيغة المجهول أي: يُقْتَسَمُ كل من التصور والتصديق بالضرورة إلى الضروري والمكتسب بالنظر فقوله «الضرورة والاكتساب بالنظر» بتقدير الجار لكن لابد فيه من السماع.
ولو جعل على صيغة المعلوم فالمعنى يَقْتَسِمُ التصورُ والتصديقُ الضروريَّ والمكتسبَ بالنظر لأنه يحصل بانضمامهما إلى الضروري قسمان هو ضروريُ تصورٍ وضروريُ تصديقٍ وكذا بانضمامهما إلى النظري لكن الحاصل حينئذ تقسيم الضروري والنظري عقب تقسيم العلم إلى التصور والتصديق والمناسب تقسيمهما إلى الضروري والنظري.
ثم قال عن توجيه الدواني إنه نعم التوجيه لو ساعده اللغة ولم نجد في كتب اللغة أن الافتعال يجيء للاتخاذ.
وقد يوجه بأن المراد «يَقْتَسِمانِ بينهما» ويلزمه أن يأخذ كل منهما قسمًا، انتهى.
وقد ذكر بعضهم أن الافتعال يجيء بمعنى الاتخاذ نحو أرتفق زيدًا أي: أتخذه رفيقا.
قوله: ((وهي التي لم يتوقف حصولها على نظر)) فإن قيل إذا عُرِّفَ الضرورةُ بما ذُكِرَ صارت به نظرية وهي ما يتوقف حصولها على نظر فيلزم أن يكون شيء واحد مما يتوقف ومما لا يتوقف لأن تعريفَ الشيء يلزم أن يكون بحيث يصح أن يحمل عليه فيلزم اجتماع النقيضين.
قلت: وحدة الموضوع مشروطة في التناقض وهنا ليس كذلك لأن كونَهُ مما لا يتوقف عليه من حيث إنه مفهومُ ماصَدَقاتٍ بديهيةٍ وكونَهُ مما يتوقف من حيث إنه من أفراد النظري.
وهنا بحث وهو أنه لاشيء من الإدراكات مما لا يمكن حصوله بلا نظر لجواز أن يحصل كل إدراك بإلهام من الله تعالى أو حدس قوي لا بنظر كما يحصل لكثير من الأنبياء والمقربين.
وما قيل إن البداهة والنظرية يختلفان بحسب الأحوال والأشخاص فقد يكون الشيء بديهيا في حال أو عند شخص نظريا في حال أخرى أو عند شخص آخر ليس له كبيرُ نفعٍ لجواز الإلهام في كل حال ولكل شخص إلا أن يقيد بشرط عدم الإلهام.
وقد يجاب بأن الصورة الحاصلة من النظر غير الصورة الحاصلة من الإلهام والحدس بالشخص وإن توافقتا في المادة فالشخص الحاصل من النظر لا يمكن حصوله إلا منه ومجرد المنع غير مضر في مقام التعريف.
فالأَوْلَى أن البديهي ما يحصل من غير النظر والنظري ما يحصل منه وعلى هذا الجوابُ.
بل التعريف الآخر يلزم أن لا يمكن وصف المعلوم بكونه نظريا غيرَ بديهيٍّ لأنه يدرك بصورتين.
وفي الأخير نظر آخر وهو أن البديهي الذي فيه خفاء يمكن تحصيله من نظر وإذا كان كذلك فلا يمكن وصف ذلك المعلوم بالبداهة أيضا لأنه قد يحصل من نظر ومجرد المنع قادح في قولهم بل البعض من كل منهما نظري فافهم.
وفي المقام أبحاث تطلب من محلها.
قوله: ((كتصور الحرارة والبرودة)) أي: بوجه ما وأما تصورهما بكنه الحقيقة فهو متوقف على النظر والاكتساب.
قوله: ((وإلى الاكتساب بالنظر))، قيد الاكتساب بالنظر مع أنه لا يكون في عرفهم إلا بالنظر حذرًا من الحمل على مطلق الطلب بمقتضى اللغة لأنه طلب الرزق فيصرفه المقام إلى مطلق الطلب أو تَوْطِئَةً لتعريف النظر.
قوله: ((وكالتصديق بأن العالم حادث)) مر ما فيه فلا تغفل.
قوله: ((إلى الضروري)) فيه إشارة إلى أن في قول المصنف إلى الضرورة مسامحة.
قوله: ((لأنهما لو لم ينقسما إليهما...إلخ))، قال الدواني دعوى البداهة أسلم من تكلف الاستدلال؛ لأنه لا يتم إلا بدعوى البداهة في مقدمات الدليل وأطرافها وذلك كاف في بداهة البعض فلا حاجة إلى الدليل عليه، ثم لابد من دعوى البداهة في ثبوت الاحتياج إلى النظر وذلك بعينه دعوى البداهة في المطلوب فلْيُكْتَفَ به أَوَّلاً.
وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم توقف الدليل على بداهة المقدمات وأطرافها ولا على دعوى بداهة ثبوت الاحتياج بل على المعلومية ولو سلم أنه لابد من دعوى البداهة في بعض المقدمات فذلك ليس عين الدعوى لأنها عدم بداهة الكل بل يصلح دليلا عليه.
قوله: ((وأما بطلان القسم الثاني...إلخ)) المشهور تعليل هذا بأنه مستلزم للدور أو التسلسل واعترض بأنه مبني على امتناع اكتساب التصديق من التصور ثم على حدوث النفس على ما هو المشهور.
قوله: ((أي: الاكتساب...إلخ)) في عودِهِ الضميرَ على ذلك تخلص مما يلزم عليه من ارتكاب التجوز بناء على أن النظر حقيقة هو حركة النفس في المعقولات أي: ارتسامها فيها بالاستقراض من المتصرفة ولا شك أن النفس تلاحظها عند ذلك فإطلاق النظر على الملاحظة تجوز لما بينهما من التلازم وهذا هو الموافق لما في شرح شيخ الإسلام.
والذي في شرح المطالع أن النظر حقيقة هو الملاحظة وأن إطلاقه على الحركة المذكورة تجوز لما بينهما من التلازم وأن الحركة تسمى الفكر حقيقة فحينئذ عود الضمير على النظر أنسب.
على أن ما سلكه الشـارح للتخلص مما مر بناءً على ما مر لا يُجْدِيهِ نفعًا إِذِ المرادُ بالاكتسابِ المعرَّفِ التحصيلُ فلا يصح تعريفُهُ بالملاحظةِ فليتأمل.
واعلم أن المشهور أن النظر والفكر مجموع الحركتين:
حركةٍ في المجهول المطلوب نحو المعلومات لتحصل معلومات مناسبة للمطلوب ونهايةُ تلك حصولُ المبادئِ المناسبةِ.
وحركةٍ من المبادئ إلى المطلوب بترتيب المعلومات ونهـايتُها حصول المطلوب.
وأورد عليه النظر في المفرد كما في التعريف بالمفرد فإنه ليس فيه إلا الحركة نحو المعلومات ولا حركة في المبادئ إلى المطلوب بل الانتقالُ من ذلك المفردِ المناسبِ دفعيٌّ.
واعْتُذِرَ بأنه قليل ليس للصناعة كبيرُ مدخلٍ فلم يُعْتَبَرْ.
ولما كان هذا تكلفًا وحق الصناعة التكفل بجميع قوانين الكسب عرف بعضهم النظر على وجه يشمل ذلك.
والمصنف اعتبر في بيان الحاجة لأن الاحتياج إلى المنطق باعتباره أكثر فهو أوفق بمقام بيان الحاجة واختار ما هو المشهور في قسم الكلام لأن النظر في المفرد مع قلته غير معلوم الوقوع في معرفة الله تعالى فلا يعلم وجوبه بل المعلوم وجوبه النظر بمعنى مجموع الحركتين؛ لأنه واقع لا محالة ولو في الاستدلال.
وبهذا يسقط قول شيخ الإسلام يمكن أنه تَجَوَّزَ عن الحركتين بالملاحظة ويؤيده أنه جعل قدس الله سره في القسم الثاني حقيقة النظر الحركتين.
هذا وأورد على التعريف تعقل المبادئ المترتبة دفعة لصاحب الحدس.
ودُفِعَ بأن المراد الملاحظة القصدية بإرشاد السياق والتقييد بالغاية وذلك التعقل ليس بقصد النفس واختيارها بل يسنح لها إما بغير اختيارها عقيب شوق وتعب أو بدونه.
ونوقش بأنه إن أراد أن حصول المبادئ في الذهن في صورة الحدس ليس بالقصد والاختيار فحصولها فيه في صورة النظر كثيرا ما يكون كذلك كيف وأكثر مبادئه أمور بديهية لا يعلم أنها متى حصلت وكيف حصلت وإن أراد أن التوجه والالتفات إلى المبادئ الحاصلة في صورة النظر بالقصد والاختيار دون صورة الحدس فممنوع ولا يظهر في ذلك فرق بين الصورتين.
ويمكن دَفْعُ هذه المناقشة بالرجوع إلى ما ذكروه في تعريف الحدس مع التدبر.
وأورد على التعريف أيضًا.
صدقُهُ على الحركة الأولى في صورة مجموع الحركتين مع أن النظر هو المجموع في هذه الصورة اتفاقا.
وصدقُهُ على ملاحظة المبادئ المترتبة المعلومة سابقا كما إذا كان الجسم الضاحك معلوما بهذا الترتيب سابقا فتلاحظه النفس قصدا لتحصيل الإنسان ولم يقل أحد بوجود الفكر من غير ترتيب في غير النظر في المفرد وأن لا تفاوت بينه وبين المفرد.
قوله: ((لتحصيل المجهول)) أي: المطلوب لأنه ليس النظر إلا الملاحظة التي لأجل حصول المطلوب وحينئذ فزيادة اللام إشارة إلى أن التحصيل بالفعل ليس بشرط فيتناول النظرَ الفاسدَ.
قوله: ((والمراد بالمعقول...إلخ)) أي: لا المحسوس بناء على أنه ليس بمعلوم بناء على أن الإدراك بالحواس الظاهرة لا يسمى علما هذا.
والأحسن أن يجعل ذلك خارجا بالمعقول من غير احتياج إلى تفسيره بالمعلوم بل تفسيره به يخص ذلك بالقول المذكور وهو وإن كان هو المنقول عن أبي الحسن الأشعري فالتحقيق خلافه بل هو الموافق لتعريف العلم المذكور ففي تفسير الشـارح المذكور ما لا يخفى.
قال العصام وإنما اختار في هذا التعريف المعقولَ على المعلومِ؛
لاشتراك المعلوم كالعلم.
ولقصد التصريح بما يقع به الكسب وهو المعقول دون ما عداه من الموهوم والمحسوس والمتخيل.
قوله: ((بحصول صورة الشيء في العقل)) فيه أمور:
الأول: في إضافة الحصول إلى الصورة مسامحة من حيث إن العلم هو نفس الصورة لأنه من مقولة الكيف لا حصولها الذي هو نسبة بين الصورة والعقل فيقتضي أن العلم من مقولة الإضافة.
الثاني: المتبادر من صورة الشيء الصورة المطابقية فلا يشمل الجهليات المركبة.
الثالث: يخرج عن قوله: «في العقل» العلم بالجزئيات المادية عند من يقول بارتسام صورها في آلات النفس.
فالأَوْلَى أن يقال في تفسيره الصورة الحاصلة من الشيء عند الذات المجردة
وفي المقام أبحاث يضيق عنها هذا التعليق.
قوله: ((وقد يقع)) أتى بكلمة «قد» وصيغة الاستقبال إشارة إلى جزئية الحكم وهو المراد فيما بينهم بكلمة «قد» الموضوعة للقلة في لغة العرب ،ففي صحة تفريع قوله: «فاحتيج...إلخ» على ما قبله نظر؛ إذ لا يلزم من وقوع الخطأ في النظر الجزئي الاحتياج إلى قانون كلي، وذلك لأنه يجوز أن تكفي الفطرة في العصمة ويكون وقوع الخطأ لعدم إعمالها.
ويجوز أن تُعْرَفَ الأنظارُ الجزئيةُ من غير معرفة قانون فيحترز بتلك المعرفة عن الخطأ.
وأجيب بأن التفريع لظهور عدم كفاية الفطرة وإلا لما وقع الخطأ من العقلاء الطالبين للصواب ولتعذر ضبط الأنظار الجزئية أو تعسرها لكثرتها وكأنه لم يتعرض لهما للظهور.
قوله: ((أي: الاكتساب)) يحتمل رجوع الضمير للنظر ولتحصيل المجهول والمآل.
وظاهرُ الكلام بكل تقديرٍ وقوعُ الخطأ في التصورات كالتصديقات وبذلك صرح السيد في حواشي الشمسية وغيرها وعبارته في شرح المواقف «التصورات لا توصف بعدم المطابقة أصلا فإنا إذا رأينا شبحا من بُعْدٍ وهو فرس وحصل في أذهاننا منه صورة إنسان فتلك الصورة صورة الإنسان وحصولها إدراك له والخطأ إنما هو في حكم العقل بأن هذه الصورة للشبح المرئي» انتهى.
ورد بأن هذا التصور جهل.
فإن قلت: إذا تصورنا أنه إنسان يكون تصديقا ولا يكون تصورا،
قلنا: تصورنا أنه إنسان مسبوق بتصور الحكم للإنسان للحكم عليه به وتصور الإنسان للحكم عليه به تصور غير مطابق للواقع فيكون جهلا.
قوله: ((الخـطأ)) هو كالصـواب يكـون صفـة للحـكم ومعنـاهما غير المطـابق للواقع والمطابق له وقد يكونان صفة للفعل ومعناهما غير الموافق للغرض والموافق له. قوله: ((لأن الفكر)) أي: الذي هو النظر المكتسب به فيكون الاكتساب كذلك.
قوله: ((كيف وقد يناقض...إلخ)) الظاهر أن «كيف» هنا للاستفهام المقصود منه التعجب من توهم أن الفكر صواب دائما المنفي بقوله «لأن الفكر ليس بصواب دائما»، وجملة «قد يناقض...إلخ» حال أي: كيف يتوهم أنه صواب دائما والحال أنه قد يناقض إلخ.
قوله: ((بل الإنسان الواحد)) أي: يناقض نفسه لأنه يفكر في وقت ويعتقد حكما ثم يفكر في وقت آخر ويعتقد حكما مناقضا للحكم الأول فالوقتان للفكرين وأما النتيجتان فمشتملتان على اتحاد الزمان المعتبر في التناقض وهو زمان وقوع النسبة أو لاوقوعها.
قوله: ((فعُلِمَ من هذا أَنَّ الناس في أَيِّ شَيْءٍ يحتاجون إلى المنطق)) المصدرُ المنسبكُ من «أَنْ» مع صلتها من مادة خبرها وهو «يحتاجون» نائبُ فاعلِ «عُلِمَ» بحذف مضاف والتقدير عُلِمَ جوابُ احتياج الناس إلى المنطق أي: جوابُ السؤال عن ذلك فإذا قيل الناس في أي شيء يحتاجون إلى المنطق فالجواب في وقوع الخطأ في الاكتساب فظهر أن «أَيِّ» هنا استفهامية وهي ومجرورها متعلقتان بـ«يحتاجون» قُدِّمَا للصدارة.
قوله: ((وذلك بيان الحاجة)) المراد بالبيان هنا التبيين واسم الإشارة راجع للتقرير الواقع قبل قوله «فعلم».
قوله: ((إذ يعلم من بيان الحاجة غاية العلم)) أي: لأن الحاجة والغاية واحد بالذات.
قوله: ((قوانين كلية)) أي: قواعد كلية ووصفها بالكلية باعتبار كلية موضوعها.
وأَطْلَقَ القانونَ على المنطق وهو قوانين تعبيرًا عن الكل باسم الجزء وكأنه إشارة إلى أن تلك القوانين لاشتراكها في جهة واحدة تضبطها وتجعلها كشيء واحد بمنزلة قانون واحد.
وقوله: ((منطبقة)) أي: مشتملة عليها وذلك بأن تجعل كبرى لصغرى سهلة الحصول بأن يقال مثلا كل إنسان حيوان موجبة كلية وكل موجبة كلية تنعكس جزئية.
وقوله: ((على الجزئيات)) أي: على جزئياتها أي: فروعها لأن الشائع إطلاق الجزئيات على أفراد المفهوم الكلي لا على القضايا التي تحت القضية الكلية بل الشائع إطلاق الفروع عليها أو جزئيات موضوعها.
قوله: ((هذا الإطلاق مجازي)) أي: مجاز عقلي لأن التجوز وقع في الإسناد لأنه أسند الفعل إلى السبب.
ويحتمل أنه مجاز لغوي مبني على تشبيه السبب بالفاعل حقيقة فيكون استعارة.
قوله: ((على بيان الحاجة)) أي: بيان أن الناس يحتاجون في المنطق إلى أي شيء أخذا من التعليل المذكور.
والمراد بالعلم هنا التصديق بخلاف التعريف فإن الشروع في العلم موقوف عليه من حيث تصوره.
قوله: ((لأن الشارع...إلخ))، قال السيد قدس سره: «الشروع في العلم فعل اختياري، فلابد أن يعلم أولا أن لذلك العلم فائدة ما وإلا لامتنع فيه الشروع كما بين في موضعه.
ولابد أن يكون تلك الفائدة معتدا بها بالنظر إلى المشقة التي في تحصيل ذلك العلم وإلا لكان الشروع فيه وطلبه مما يعد عبثا عرفا وبذلك يفتر جده فيه قطعا.
ولابد أن تكون تلك الفائدة هي الفائدة التي تترتب على ذلك العلم إذ لو لم تكن إياها لربما زال اعتقاده بعد الشروع فيه لعدم المناسبة فيصير سعيه عبثا في نظره» انتهى المقصود منه، وبه تعلم ما في كلام الشـارح.
قوله: ((وعلى تعريف العلم)) أي: تصوره أخذا من التعليل.
قوله: ((لما كان على بصيرة))، هذا بناء على طريق القوم والمصنف رده في شرح الرسالة فارجع لرسالتنا التي نظمت جواهر أبحاث المتقدمين إن كنت ممن لا يقنع بأثر عن عين.
قوله: ((وموضوعُهُ المعلومُ...إلخ)) ليس المراد أن موضوعه مفهوم المعلومين وإلا لصار أكثر المعلومات أعراضا غريبة للحوقها بواسطة أمر أخص مثلا الإيصال إلى الكنه لا يعرض للتصوريِّ إلا بواسطة أنه حد تام بل الموضوع أفراد المعلومات التصورية والتصديقية على وجه الإطلاق والإجمال أي: من حيث إنها حد أوحجة من غير التعرض لخصوصية شيء منهما فلا يلزم أن يكون الحدود الجزئية المذكورة في العلوم موضوعا لهذا الفن.
قوله: ((كالحيوان والناطق مثلا)) الكاف لإدخال بقية الحدود التامة ومثلا لإدخال بقية المعرِّفات إلا أن هذا التوجيه لا يطرد في قوله بعدُ: «كالإنسان مثلا».
ثم إتيانُ الشارح به هنا مع قوله بعدُ: «كقولنا العالم متغير...إلخ» مع ما يشير له كلام المصنف من أن المراد المعلوم التصوري والتصديقي من حيث كونه معلوما تصوريا أو تصديقيا من حيث الإيصال إلى مطلوب تصوري أو تصديقي من حيث كونه مطلوبا تصوريا أو تصديقيا إيماءٌ إلى تحقيق المقام.
فقد قال المصنف في شرح الشمسية: فإن قلت إن أريد بالمعلومات التصورية والتصديقية مفهومهما فالأمور المذكورة ليست أعراضا ذاتية لها؛ لأنها إنما تلحقها لأمر أخص وهو ظاهر، وإن أريد ما صدقت هي عليه يلزم أن تكون جميع الحدود والحجج المستعملة في العلوم موضوع المنطق، وظاهر أنه لا يبحث عن أحوالها.
قلت: المراد ما صدقت هي عليه لكن من حيث إنها توصل إلى تصور ما وتصديقا ما لا إلى تصور أو تصديق مخصوص، والحدود والحجج المستعملة في العلوم لا دخل لخصوصيتها في الإيصال إلى مطلق التصور والتصديق بل إنما توصل إليه من حيث إنها حد أو حجة إطلاقا وإجمالا، وهي بهذه الحيثية موضوع المنطق ويبحث عن أحوالها.
قوله: ((لا مطلقا)) إشـارة إلى أن الحيـثـيـة هـنا للتـقييـد كقـولهم الإنسان من حيث إنه يصح ويزول عنه الصحة موضوع علم الطب لا للتعليل كقولهم النار من حيث إنها حارة تسخن ولا للإطلاق كما في قولنا الإنسان من حيث هو إنسان جسم.
وإنما كانا موضوعين له بتلك الحيثية لا مطلقا لئلا يلزم كون جميع مسائل العلوم من المنطق لأن البحث في كل علم عن حال أحد المعلومين.
قوله: ((من حيث إن ذلك المعلوم التصوري...إلخ)) جعل النشر على ترتيب اللف، وأرجع الضمير في «يوصل» إلى المعلوم التصوري بالنسبة إلى المطلوب التصوري وإلى المعلوم التصديقي بالنسبة إلى المطلوب التصديقي وهو مُشْكِلٌ؛ لأنه يقتضي خروج البحث عن المعلوم التصوري من حيث الإيصال إلى المعلوم التصديقي.
وقيل: الضمير في «يوصل» عائد على كل من المعلومين بالتأويل إن كان العطف بالواو وبلا تأويل إن كان بـ«أو» كما في بعض النسخ نظرا لِلَفْظِهَا وإن كانت بمعنى الواو كما يراعي معناها فيعطف بها بعد «بَيْنَ» نحو «ما بَيْنَ سَافِعِ مُهْرِهِ أَوْ مُلْجِمِ».
واعترض بأنه لا يبحث في المنطق عن المعلوم التصديقي من حيث الإيصال إلى التصور وهذا الصنيع يستلزمه.
وأجيب بأن عدم البحث عنه ليس لأنه ليس من هذا الفن بل لأنه لم يوجد ولو وجد لكان البحث عنه من الفن قطعا؛ لأن المنطق مجموع قوانين الاكتساب.
قوله: ((فانحصر المقصود الأصلي)) احتراز عن المقصود التبعي وهو في الأول الكليات الخمس وفي الثاني القضايا.
وهذا جواب عما يقال إن أراد المصنف الإيصال القريب أشكل بالمعلومين من حيث الإيصال البعيد أعني توقف الموصل القريب عليهما توقفا بعيدا في المعرِّف والحجة أو أبعد في الحجة فقط أو الأعم، أشكل قوله فيسمى معرِّفا وقوله فيسمى حجة لأن المسمى بذلك إنما هو الموصل القريب فيهما.
وحاصل الجواب فيهما أن المراد الإيصال القريب واقتصر عليه لأنه المقصود الأصلي.
وأجاب الحفيد بأن في الكلام استخداما فذكر الإيصال أَوَّلاً مرادًا به الأعم وأعاد عليه الضمير مرادا به الأخص.
وأجاب المحقق الدواني بأن ذلك تصرف منه بضم النشر وإرجاع جميع المباحث إلى الموصل القريب حتى يكون قولهم الجنس كذا في قوة الحد يتألف من الأمر الذي هو كذا والمعرِّفُ جزؤُهُ كذا وقس عليه حال القضايا.
قوله: ((عن أعراضهما الذاتية))، الأعراض الذاتية هي التي تلحق الشيء لما هو هو أي:لذاته كالتعجب اللاحق لذات الإنسان أو بواسطة أمر خارج عنه مساو له كالضحك العارض للإنسان بواسطة التعجب أو لجزئه الأعم كالحركة بالإرادة اللاحقة للإنسان بواسطة أنه حيوان عند المتأخرين.
قال السيد: والحقُّ انحصار العرض الذاتي في الأولين ويقابل الأعراض الذاتية الأعراض الغريبة وهي اللاحقة للشيء بواسطة أمر خارج عنه أعم من المعروض أو أخص منه أو مباين له.
فالأول كالحركة العارضة للأبيض بواسطة أنه جسم وهو أعم من الأبيض
والثاني كالضاحك اللاحق للحيوان بواسطة أنه إنسان.
والثالث كالحرارة العارضة للماء بواسطة النار.
ومعنى البحث فيه عنها حملها عليه أو على أجزائه أو على أنواعه أو على أعراضه الذاتية أو على أنواعها وقد ذكر الشـارح الأمثلة آخر الكتاب.
قوله: ((ووجه توقف الشروع على موضوع العلم)) أي: الشروع على زيادة البصيرة أخذًا من تقرير الشـارح الآتي.
والمراد أنه يتوقف على التصديق بأن موضوع العلم الشيء الفلاني كما يؤخذ من تقريره الآتي.
قوله: ((فلو لم يعرف الشارع)) أي: يصدق.
قال المصنف في شرح الرسالة: «ولما كان التصديق بأن موضوع المنطق أي شيء هو موقوفا على بعض تصور الموضوع عرفه وهذا أولى من قولهم لما كان العلم بالخاص موقوفا على العلم بالعام عرفه وذلك لأنه يوهم أن ما ذكروه في موضوع المنطق تعريف له وأفاده لتصوره وليس كذلك بل هو حكم مطلوب بالبرهان ومفهوم موضوع المنطق ليس إلا ما يبحث في المنطق عن أعراضه الذاتية ولهذا اختلفوا في أن موضوع المنطق هو التصورات والتصديقات أو المعقولات الثانية مع اتفاقهم في مفهومه على أن العلم بالخاص إنما يتوقف على العلم بالعام إذا كان العام ذاتيا له» انتهى.