قوله: ((إن أحق ما يتزين...إلخ))، «ما» عبارة عن الألفاظ، و«التزين» التحسن، و«النشر» الرائحة الطيبة.
و«المنطق» اسم مكان بمعنى آلة النطق، فالمعنى أحق ألفاظ يتحسن برائحتها الطيبة محلها.
وفي الكلام استعارة بالكناية وهي تشبيه الألفاظ الحسنة بذي نشر طيب كالمسك أو ذو النشر بالطيب المدلول عليه بلازمه أو الألفاظ المراد بها ذو النشر بقرينة إضافة النشر إليها على ما عرف من المذاهب فيها، وإثبات النشر لها أو لفظ النشر المستعمل في صورة وهمية للألفاظ شبيهة به استعارة تخييلية.
و«القاصي» البعيد، والمراد به من لم يُنْعَمْ عليه، والمراد بـ«الحاضر» المنعم عليه وفيه إشارة إلى أن الحمد لا يلزم أن يقع من المنعم عليه، ولا يخفى ما في «مَنْطِقُ» من براعة الاستهلال.
وقوله: ((ويتوشح بذكره))، «التوشيح» في الأصل إلباس الوُشَاحِ وهو شيء يتخذ من أديم عريض ويُرَصَّعُ بالجواهر تجعله المرأة بين عاتقها وكَشْحِهَا.
والـ«صُّدُورُ» جمع صدر وهو محل القلب من الإنسان، وأول كل شيء.
و«الكتب» جمع كتاب وهو الصحيفة.
و«الدفاتر» جمع دفتر وهو جريدة الحساب، وكسر الدال لغة حكاها الفراء، قال ابن دريد: «ولا يُعْرَفُ له اشتقاقٌ».
والمعنى أحق ألفاظ يُسْتَحْسَنُ بإيرادِها صدورُ الكتب.
ثم إِنْ كان الـ«صدورُ» جمع صدر وهو محل القلب ففي الكلام استعارة بالكناية وتخييلية؛ لأنه شبه الكتب بنساءٍ حِسَانٍ لها صدورٌ، وقوله: «يتوشح» ترشيح.
وإن كان صدر بمعنى أول فلا تجوز في «صدور الكتب»، بل في «يتوشح» بذكره؛ لأنه إما استعارة تبعية لجريانها في المشتق بأن شبه التحسين بالتوشيح واشتق منه «يتوشح»، أو استعارة بالكناية وتخييلية وهذا متعين عند السكاكي المُنْكِرِ لِلتَّبَعِيَّةِ وإن كان في تقرير مذهبه هنا خفاءٌ، أو مجاز مرسل عن يتحسن علاقته السببية والمسببية.
قوله: ((حمدُ اللهِ))، إن قلت: قَصْدُهُ من قوله: «إن أحق...إلخ» بدايةُ هذا الشرح بالحمد ليحصل له الفضل الوارد في ذلك وليس هذا حمدا فضلا عن أن يكون حمدا مبدوءا به بل هو إخبار عن حكم من أحكام الحمد.
قلت: حمد الله هو الثناء عليه بصيغة الحمد أو غيرها والثناء على حمده ثناء عليه فهو حمد له.
فإن قلت: كون حمد الله بهذه الصفة مما لا شك فيه ولا شبهة تعتريه، فما وجه تأكيد الحكم في قوله: «إِنَّ أَحَقَّ...إلخ».
قلت: لا يلزم في «إِنَّ» أَنْ تكـون لدفع الشـك والإنكار، فقـد تأتي للتنبيـه على
عِظَمِ الخبر ورِفْعَتِهِ وإن كان في غاية الاشتهار.
((على آلائه المزهرة الرياض))، «الآلاء» جمع «أَلَى» بالقصر وأبدلت الهمزة التي هي فاء الفعل ألفًا استثقالا لجمع همزتين، و«الرياض» جمع روضة وهي البستان، وفي الكلام استعارة لا يخفى تقريرها.
ويجوز أن يكون المعنى التي هي كالرياض المزهرة ففي الكلام تشبيه بليغ.
قوله: ((عم نواله)) أي: عطاؤه.
قوله: ((على نعمائه المترعة الحياض))، «النعماء» جمع نعمة وهي ملائم تحمد عاقبته ومن ثَمَّ لا نعمة لله على كافر، «والمترعة» الممتلئة، «والحياض» جمع حوض الماء والأصل حواض لكن قلبت الواو ياء للكسرة قبلها.
وفي الكلام استعارة أو تشبيه بليغ وكُلٌّ مِنْ جملتي «جل جلاله» و«عم نواله» جملة مُعْتَرَضَةٌ قصد بالأولى التنزيه وبالثانية الثناء بالدعاء والإشارة بهما إلى التقابل بين الحمد والشكر من حيث إن متعلق الشكر ليس إلا الإنعام ومتعلق الحمد نعمة وغيرها فاستعماله في غيرها إشارة إلى الفرق بينهما باعتبار المتعلق، وإذا جعل الحمد راجعا إلى القرينة الأولى والشكر إلى القرينة الثانية كان فيه إشارة إلى أن بين الحمد والشكر فرقا من جهة المورد أيضا؛ لأن الحمد مورده اللسان فقط.
قوله:((بحلية الإدراك)) المراد بها التحلي لا المتحلى به بقرينة مقابله ويكون حينئذ استعارة تخييلية للاستعارة بالكناية التي تضمنها قوله: «الإدراك»، ويجوز أن يراد بها المتحلى به كما يراد بالزينة المتزين به ويكون حينئذ من باب التشبيه البليغ لا من باب الاستعارة؛ لأنه لا يجمع فيها بين الطرفين.
قوله: ((خصصه بإدراج)) أي: جعل إدراج ما ذكر مقصورا على نوع الإنسان لا يتجاوزه إلى غيره، فالباء داخلة على المقصور عليه وهو الشائع الكثير في الاستعمال لتضمين التخصيص معنى الانفراد، أو لأنه مجاز مشهور عنه ودخولها على المقصور هو أصل الوضع، و«الإدراج» الطَّيُّ .
والدُّرَر جمع دُرَّةٍ بضم الدال اللؤلؤة الكبيرة، والجواهر جمع جوهر وهو النفيس من الأحجار وأراد بإدراج الدُّرَر في الجواهر جمعها معها ومزجها بها على وجه حسن.
ولو قال في أصداف الألفاظ كان أنسب بقولهم الألفاظ قوالب المعاني.
ولو قال على شرط النظام كان أنسب وأظهر، قال في المصباح: «نظمت الخرز نظما من باب ضرب جعلته في سلك وهو النظام بالكسر، ونظمت الأمر فانتظم أي: أقمته فاستقام».
وفي كل من قوله: «درر المعاني» و«جواهر الألفاظ» إضافة المشبه به إلى المشبه.
قوله: ((على المميز)) يجوز تَعَلُّقُهُ بالصلاة فتكون معطوفة على «حمدُ» ويجوز أن يكون خبرًا عنها فيكون من عطف الجُمَل.
فإن قلت: يلزم على الوجه الأول أن يكون الحاصل للشارح إنما هو الإخبار عن حكم من أحكام الصلاةِ لا الصلاةَ فلا يحصل له الثواب الوارد لمن صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وليس الثناءُ على الصلاةِ صلاةً كما أن الثناءَ على الحمدِ حمدٌ.
قلت: هذا هو الذي شاع والحق خلافه؛ لأن في الثناء عليها إظهارَ الاعتناءِ بالمُصَلَّى عليه وتعظيمه وذلك كافٍ في حصول الغرض.
قوله: ((بفضل نسخ الشرائع والأحكام))، «الشرائع» جمع شريعة وهي والملة والدين واحد والفرق اعتباري.
والظاهر أنه أراد بالشرائعِ والأحكامِ الأحكامَ الفرعيةَ فالعطفُ تفسيري؛ لأن النسخ لا بدخل العقائد.
قوله: ((وعموم الرسالة إلى كافة الأنام))، لا يرد عموم بعثة نوح بعد الطوفان؛ لأنه كان على سبيل الاتفاق، و«الأنام» الخلق.
وفي كلامه استعمالُ «كافة» غير منصوبة على الحال، وفي المغني في الجملة الخامسة من الباب الخامس، وتجويز الزمخشري للوجهين أي: الحال من الفاعل والمفعول في ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ وهم؛ لأن «كافة» مختصة بمن يعقل.
ووهمُهُ في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ إذ قدر «كافة» نعتا
لمصدر محذوف أي: رسالةً كافةً أَشَدُّ؛ لأنه أضاف إلى استعماله فيما لا يعقل إخراجَهُ عما التُزِمَ فيه من الحالية.
ووهمُهُ في خطبة المُفَصَّلِ إذ قال: «محيط بكافة الأبواب» أَشَدُّ وأَشَدُّ لإخراجه إياه عن النصب ألبتة» انتهى.
ودَعْوَى أَنَّ الزمخشريَّ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بتراكيبه لا تُسْمَعُ؛ لأن تلك مرتبةٌ لا ينالها العربي الحضري فكيف ينالها العجمي، وذلك لأن الله تعالى خص العرب الذين لم يخالطوا الحضر بعصمة ألسنتهم عن الخطأ.
قوله: ((الذي أوتي جوامع الكلم...إلخ)) اقتباس من قوله صلى الله عليه وسلم: «أوتيت جوامع الكلم واختُصِرَ ليَ الكلامُ اختصارًا»، قال الإمام السبكي رحمه الله: يحتمل اختصر لي كلام العرب في جوامع الكلم أو اختصر لي كلامي الذي هو جوامع الكلم من كلام العرب المنتشر، قيل: والاحتمال الأول أظهر.
والبيان المنطق المعرب عما في الضمير وظهورُ ذلك فهمُهُ بسرعة.
قوله: ((ببدائع الحكم الباهرة))، «البدائع» جمع بديع وهو المنفرد من بين نظائره، و«الحكم» جمع حكمة وهي ما يمنع صاحبه من أخلاق الأراذل.
و«البرهان» يقال: بَهَرَه بَهْراً من باب نَفَعَ غَلَبَهُ، والمراد من البرهان مطلق الدليل لا المنطقي بخصوصه.
والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أوحي إليه بشرائع غلبت أخصامه فلم يقدروا على الطعن فيها.
قوله: ((كتابا)) مفعول ثانٍ لـ«رأيت» وهو في الأصل خبر للمبتدإِ الذي هو مفعول أول صحح الإخبار به وصفه بقوله: «مشتملا».
قوله: ((مسائله الصعبة)) أي: الآبية عن الانقياد وفي ذلك استعارة بالكناية وهي تشبيه المسائل بالإبل مثلا واستعارة تخييلية وهي إثبات الصعوبة لها.
قوله: ((لغاية إيجاز...إلخ))، فرق بعضهم بين الإيجاز والاختصار بأن الإيجاز تقليل اللفظ فقط والاختصار تقليل اللفظ وتكثير المعنى فكل مختصر موجز ولا ينعكس بالمعنى اللغوي، والذي يدل عليه كلام الجمهور أنهما بمعنى كالغاية والنهاية وفي الصحاح ما يشهد له، وفي المصباح الغاية المدى ونهاية الشيء أقصاه .
و«أَلْ» في الاختصار عوض عن ضمير الغيبة والأصل اختصارها أي: ألفاظه.
قوله: ((معضِلاته)) بكسر الضاد جمع معضلة أو معضل، يقال: أعضل الأمر أي: اشتد، وفي القاموس عضل عليه ضيق وبه الأمر اشتد كأعضل وأعضله.
قوله: ((إلى الإملال والإضجار))، «الإملال» السآمة و«الإضجار» التبرم، قال في القاموس: «ضَجِرَ منه وبه كفَرِحَ وتضجر تبرم».
قوله: ((موشحا بدعاء...إلخ))، «النفس القدسية» المطهّرة من الرذائل
منسوبة إلى القُدُس بضمتين وإسكانُ الثاني تخفيفٌ وهو الطهر.
و«الفضائل» جمع فضيلة وهي المزية القاصرة، وأما الفواضل فإنها جمع فاضلة وهي المزية المتعدية فلو عبر بها كان أولى.
و«الإنسية» منسوبة إلى الإنس بخلاف الجن.
و«الأرائك» جمع أريكة وهي السرير وتسميتها بذلك إما لكونها في الأصل متخذة من أراك أو لكونها مكان الإقامة من قولهم «أَرَكَ بالمكان أُرُوكاً»، وأصل الأروك الإقامة على رَعْيِ الأراك ثم تجوز به في غيره من الإقامات.
و«حَضْرَةُ الرجل» فناؤه وقربه، و«الشماء» المرتفعة، وفيه مجاز أو استعارة؛ لأن الشم ارتفاع الأنف فاستعمل في مطلق الارتفاع أو شبهت الحضرة بامرأة شماء وأطلق اسم المشبه به على المشبه على وجه الاستعارة التصريحية.
وفي قوله: «وآتاه الحكمة...إلخ» اقتباس وهو أن يضمن الكلام شيئا من القرآن أو الحديث لا على أنه منه ولا يضر التغيير اليسير.
و«المعالم» جمع معلم وهو الموضع الذي تنصب فيه العلامة على الشيء.
و«الخاقان» بالخاء المعجمة لقبُ كلِّ مَنْ مَلَكَ الروم.
و«الرايات» جمع راية وهي علم الجيش، يقال أصلها الهمز لكن آثرت العرب تركه تخفيفا ومنهم من ينكر هذا القول ويقول لم يسمع الهمز.
و«العدل» خلاف الظلم وكذا الإنصاف وحقيقة الإنصاف كأنه التسوية أو إعطاءُ النَّصَفَةِ.
و«القامع» المُذِلُّ، و«الاعتساف» المشي على غير الطريق الجادة.
و«المآثر» المكارم قال في المصباح، وحديث مأثور أي: منقول ومنه المآثرة أي: المكرمة لأنها تنقل ويتحدث بها.
و«السنة» الطريقة، و«النبوية» نسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
و«السِّنان» الرمح، و«الحجة» الدليل ولو غير يقيني، و«البرهان» الدليل اليقيني وفيه إشارة إلى جمع الممدوح بين فضيلة السيف والقلم.
و«التَّلَأْلُؤُ» الإضاءة والإشراق، و«الصفحات» جمع صفحة.
و«التهلل» الإشراق، قال في الأساس تهلل السحاب بالبرق تَلَأْلَأَ، ثم قال ومن المجاز تهلل وجهه من الفرح، و«الوجنات» جمع وَجْنَةٍ والأشهر فيها فتح الواو وحكي التثليث، وهي من الإنسان ما ارتفع من لَحْمِ خَدِّهِ.
و«الملك» بضم الميم التصرف بالأمر والنهي ويختص بسياسة الناطقين ولذا يقال ملك الناس ولا يقال ملك الأشياء، وأما ﴿ملك يوم الدين﴾ فتقديره في يوم الدين، و«السلطان» القاهر.
و«الميامن» جمع يُمْنٍ بمعنى البركة، و«قبول» الشيء الرضا به، ويقولون على فلانٍ قبولٌ إذا أحبه من رآه، و«المنة» النعمة الثقيلة، و«الإقبال» على الشيء التوجه إليه. و«الملامح» جمع مَلْمَحٍ بمعنى لمح، و«الرداء» بالمد ما يرتدى به مذكر ولا يجوز تأنيثه قاله ابن الأنباري،
ولا يخفى ما في قوله: «أن يُكْسِيَني» وقوله: «وأن يُرْدِيَني» الفقرتين من الاستعارة.