مرَةً واحِدَةً فقَط كُلَ عَامٍ تستَيقِظ إِيڤَانِچيلِيكَا فَجرًا علىَ قَرعِ طبوُلٍ شَديدُ الصخَب، وفِيمَا تَمدُ يدهَا للتشَبُثِ بقِلَادتهَا علهَا تُهَدأ مِن روعِتهَا وتُنظَِم أنفَاسِهَا المُتلاحِقَة تَضرِبهَا حَقِيقَةٌ شَنِيعَةٌ آخرىَ كصفعَةٍ علىَ وَجههَا..
عادَ المَزاح.
لَيِلتهَا كانَتْ السَاعَة الثَالِثَةُ فَجرًا، القَمرُ قَد توارىَ وراءَ السحُب وَالضَجِيجُ كانَ كلُ مَا يُحِيطُ بِهَا فِيمَا تَجِلسُ علىَ فراشهَا الوَثِير مُحاطَةٌ بأغطِيتهَا المُبعثَرة، لَم تسمَع شَيئًا سِوَا صدىَ الضحَكاتِ الصَاخبَة التِي يُقشَعر لهَا الأبدَانِ، إضافَةً إلىَ حفنَةٌ مِن الآلاتِ الموسيِقيَةِ الآخرى مِنهَا المزَامِيرُ والأبوَاقُ العَالِيَة ذاتُ النغَماتِ الحَادَة، كُلهَا كانَتْ تُشكِلُ معزوفَةً مَرِحَة ظنَت أنهَا لَن تسمعهَا هذَا العَام.
يَالا سذاجَتِهَا.
أزاحَتْ إِيڤَانِچيلِيكَا خصَلاتهَا الشَقرَاء المُلتَصِقَه بجوَانِب فَمهَا بَعِيدًا فِيمَا تُجابِهُ لإدرَاكِ مَا يَحدُث، تُغلِقُ وتفتَحُ عينيهَا مرَارًا وتكرَارًا، إذ كانَ النُعَاسُ لايزَالُ يَغلبهَا، يَشدُهَا مِن ذرَاعهَا كحَبيبٍ يَبتغِي رِفقتهَا بِضعَ سَاعَاتٍ إضافِيَة، إلَا أنهَا مَالبُثَت حتىَ انتفضَت فجَأةً مُبعِدَه الأغِطيَة عَن جَسِدهَا بيقَظةٍ تَامَة وبحرَكةٍ مُتعجِلَة فورمَا استوعبَ عَقُلهَا أخِيرًا مَا يَجرِي..
لقَد عادَ المزَاحُ إلىَ بَلدتِهم!.
قهقهَتْ إِيڤَانِچيلِيكَا قهقهَةُ مُراهِقَةٍ مَجنونَة حالَ وقوفهَا ثُمَ أطلقَت العنَانَ لقدميهَا وركَضَت إلىَ الخَارِج، غَيرُ آبِهةٍ بأيِ شَيءٍ فِيمَا تُسابِق الرِيح مُنعطِفَة يسَارًا بعدَ تركهَا لَبابِ حُجرتهَا مَفتوحًا علىَ مصَراعيه. لَم تعبَأ بالًا للبروُدةِ التِي تسلَلت علىَ طوُلِ جسدهَا لأنهَا نسَت ارتِداءَ خُفيهَا ولَا حقيقَة أنهَا لَاتزَالُ بلبَاسِ نومهَا الرَقِيق، إضافَةً لذِلك أتَهُ لأوَلِ مرَةٍ منذُ زمَنٍ طَويِل لَم تخاف مِن اللوحَاتِ الزَيتيَة المُعلقَة لأفرَادِ عائلتهَا علىَ طَولِ المَمر.
كانَ عَقُلهَا وقَتذَاكٍ مُركزٌ علىَ مسَارٍ وَاحِدٍ فقَط فِيمَا تَهبِط سلَالم الطَابق العلوُي شِبهُ قَافِزَة، مسَار يَقودهَا إلىَ رُؤيَةِ المزَاحِ ومَوكبهِ.
كُلَ عَامٍ كانَ يَأتِي فِي تَوقيتٍ يختَلفُ عَن سابقَه، فلَا ترَاهُ يَعُود أبدًا فِي نَفسِ اليوَمِ ولَا الشَهرِ وَلا الفَصل. كانَ رُجلًا خَبِيثًا، يُفضَلُ الظهُور فِي أوقَاتٍ غَيرُ مُتوقعَةٍ لشُرطَةِ القريَة التِي تَسعىَ ورَاءَ رَقبتِه، فَيصيبهُم فِي مَقتلٍ علىَ سَهوةٍ منهُم ولَا يُعطيهُم فُرصَةً لينصبُوا لَهُ مَصيدَةً لإيقاعه بَدورهِم.
وقَد كانَ الأمَرُ مُعقدًا قَليلًا معَه.. فَأجَل، صَحيحٌ أنَ الكُلُ علىَ درايَةٍ تامَة بأنَهُ مُسَبب هَذهِ الفضَائِح، الكلُ علىَ درَايةٍ بأنَ مَا يَحدُث بعدَ ظهورهِ ببضعِ سَاعَاتٍ ليسَ صُدفَةً والكلُ علىَ علمٍ تَام بأنَهُ هُوَ رَأسُ الأفعىَ المُدَبِر ولَكِن كمَا هُوَ الحَالُ دَائِمًا لَا دَلِيل يُدينَه، ذاكَ الوَغد لَا يترُك شعرَةً ورَائَه.
فِي نَظرِ العَالمِ أجمَع، المزَاحُ هُوَ مُدِيرُ حَلبةٍ عَفيفٍ فقَط، كانَ وسيظَل قَائِدُ سيركِ 'أُودِيسَة الأسحَار'، مُهَرِجٌ بَشوُشٌ يُدخِلُ البهَجة فِي قلوُبِ الأطفال.
والأهمُ مِن كُل مَا قِيلَ سَابقًا أنَهُ لَا أحدَ فِي العالمِ أجمَع قَد رَأىَ ملَامِحَ وَجهه بَعد..
كانَ أسطُورَةً مَجهُولَةَ الهوِيَة، رَجُلًا تارَةً يُرىَ فِي نَظرِ البعِض ملَاكًا وفِي أكثَرِ الأحيَانِ شيطَانًا، لهذَا كانَ عُرضَةً للشُبهَات المُسَتمِرَة، وَلَكِن مَا إجتمعَ سُكانِ القرَيةِ عَليهِ هُوَ أنَهُ حَتمًا يستَحِقُ لقبَ روُبِن هُود عَصرِهم؛ فَجرائمهُ قَد يُعَد مَضومنهَا مُشابَهةٌ قَلِيلًا.
وهذَا قَد يدَفعُ البَعض للتعَاطُفِ معَ قَضيتَهِ النَبِيلَة ظَنًا مِنهُم أنَ أعمَالهُ شريفَةً تستَحِقُ الثنَاء، جَمِيعُ أهَالِي القريَة خُيلَ لَهِم هذَا فِي بَاديِء الأمر، ولكِن مَا لَم يُبَلع لأحدٍ مِنهُم بعدهَا ومَا رَسموُا عندَهُ خَطًا أحمرًا دَامِيًا هىَ حَالاتُ الخَطفِ التِي تلِي كُلَ هَذهِ الفوضىَ، إذ أنَهُ عندَ صبَاحِ ثَامن يومٍ، أيَ بعدَ رَحيلِ المزَاحِ ببضعِ ساعَات، يستَيقِظ سُكَانُ القريَة دائِمًا علىَ خبرَ خَطفِ ضحَيةٍ أخرىَ، سُرعَانَ مَا يُضَمُ إسمهَا بأسَفٍ إلىَ قَائمَةِ المَفقوُدِين الطَوِيلَة..
حتىَ لحظتنَا هَذهِ لا أحدَ يعَلمُ السَببُ الحَيوِي وراءَ أخذهِ لَهم، واليَوم.. هَذهِ الليلَة سَيُعلِن المزاح عَن ضَحِيتهُ الجَدِيدَة فِي ساحَةِ البلدَة، أي أنهُ قَريبًا أيضًا ستُخطَف امرَأةٌ، صَبيٌ أو حتىَ رَجُلًا جَدِيدًا.
"وَيحِي!، ترَيثِي يَا آنِسَه آرِشنُوبِل قَد تتعَرقِلينَ!."
أفاقَت إِيڤَانِچيلِيكَا مِن شُرودِهَا علىَ صَوتٍ هَلِع، وقبَل أن تَعِي أيًا مِمَا يَحدُِث أحسَت بَشيءٍ يَجذُبهَا مِن ياقَةِ ثوبهَا قبَل أنَ يَسحبهَا نحوَه، حَيثُ أنقذتهَا مُرَبِيتهَا نَانِي مِنَ الإصطدَامِ بطاولَةٍ خشبيَة سهَت هِىَ عَن وجوِدهَا، كانَت قد وضعَت جوارَ بابِ القَصر تمَامًا.
رمشَت إِيڤَانِچيلِيكَا فِي وَجهِ نَانِي، التِي كانَت امرَأةٌ تخطَت عقِدهَا الخَامِس، أوَل مَا يلفتُ نظركَ فِي مَلامِحهَا هىَ وجَنتيهَا المُمتَلئتَين وَعينيهَا الواسِعَتين، قبَل أنَ تتأسَف علىَ عجلَةٍ مِنهَا، "كنتُ شارِدَةً ولَم أعِي مُحيطِي أعتَذرُ حَقًا!،" قبلَ أن تسعىَ لإستكمَالِ جريهَا مرَةً آخرىَ، لَكِن نَانِي شَدتهَا مِن ذرَاعهَا هَذهِ المرةَ مُتسَائلَه بقَلق، "مَابَالِكِ مُتعجَلةٌ هكذَا؟، إلىَ أينَ أنتِ ذَاهِبَةٌ فِي مُثلَ هَذهِ الساعَة يَا صَغِيرتي؟، إن الوقَت مُتَأخِرٌ."
حِينهَا صاحَت إِيڤَانِچيلِيكَا بدهَشة، "ألا تَسمعِينَ جلبةَ المزَامِير والطبوُل؟، عليّ الذهَابُ إلىَ المَيداَن حَالًا!."
فتحتَ نَانِي فمهَا ناويَة أنَ تُجيبهَا بشَيءٍ مَا أيضًا إلَا أنهَا سُرعَانَ مَا تنهدَت عِوضًا عَن ذَلِك مُختارَه الصَمت، فَتِلكَ الشابَةِ المُتهوِرَة لَم تُعِطهَا إنذَارًا حتىَ قبَل أنَ تَختفِي دوُنَ أثرٍ بالفِعل، لتَهُزَ العَجوزُ رأسهَا –الذِي وضعَ عَليهُ غطاءَ نَومٍ منَفوُشٍ– بقَلةِ حيلَة، دَاعِيَة فقَط أنَ تَعوُدَ فتاتهَا إليهَا سالمَةً مُعافِيَة.
حتىَ وإنْ كانَ الشَرُ قَد خرجَ ورَائهَا مُترَبِصًا بهَا.
مُحاطَةٌ بالظِلَالِ وَتحتَ ضَوءِ القَمرِ المُنِير جرَتْ إِيڤَانِچيلِيكَا عبرَ الشَارعِ الخَالِي، حَيثُ كانَت المَنازِلُ العَاِليَة ذَاتُ الأسَقُفِ البيضَاء وشُجيرَاتِ الحدَائقِ المُشذبَة تَمرُ بلمحَةٍ ضبَابِيَة جِوارَ بَصرهَا، كمَا أمسَت أنفاسهَا المُتَلاحِقَة فقَط كُل مَا يُسمَعُ حولهَا، ممَا عنىَ أنَ مَوكِبَ المزَاحِ قَد توقَف ونُصِبَت خَيمهُم، لتَزِيدَ مِن سُرعتهَا أكثَر وأكثَر، مُتَبِعة طَرِيقٌ تَحفظهُ عَن ظَهرِ قَلبٍ يَقوُدهَا إلىَ وَسطِ القريَة.
عليمَا أن تُسِرع، لَابُدَ أنَ المزَاحَ ثبتَ الفزاعَة فِي الميدَان.
طريَقةُ إعلَانِ المزَاحِ عَن فَريستِة الجِديدَة حَتمًا لَا نَظِيرَ لهَا، فلَيدُبَ الرُعَب فِي القلوُب يأتِي بخيَالِ مَآتكٍ مِنَ القَشِ ثُمَ يُلبِسهُ قطعَةً واحدَةً فقَط مُحَددةً ومُميزَةً مِنَ الملَابسِ أو الأكسسورَات أشتُهِرَ بهَا ذلكَ النَبِيل، –سواءَ أكانَت ساعَةً، قلادَةً أو حتىَ صَلِيب–، قبَل أنَ يَترُك الفزاعَة واقَفةً برَأسٍ مُنكَسٍ فِي ساحَةِ القرَيَةِ الرَئِيسيَة..
كانَ نِطَاقُ وسَطِ القريَة يُدعىَ 'بَاكِس'، وَهىَ كَلِمَةٌ لَاتِينيَة تعنىَ السَلام إختارتهَا زوُجَةُ أوَلِ رَئيسٍ نظرًا لأنَهُ فِي هذَا المكَانِ تَحديدًا إنتهت الصرَاعَاتُ علىَ العَرش وإختيرَت هىَ وزوجهَا لتوَلِي الحُكم. مَفهوُمُ ساحِةِ بَاكس هُوَ تَصورٌ حَيٌ لمَا قَد تَبدوُ عَليهِ أغُورَا اليونانيَة فِي عَصرهِم، والتِي كانَت بدورهَا قَديمًا ساحَةٌ دَائريَة شكَلت مرَكزًا هامًا إدرَايًا وإجتمَاعيًا للدولَة، بحَيثُ كانَ الموَاطِنونَ الأحرَار –ما عدىَ العَبيدِ والجوَارِي– يَجتمعونَ فِيهَا ليسمَعوُا تصريحَاتِ البلَاطِ الملَكِي السياسيَة.
وبطَريقةٍ مَا سُكان هَذهِ القريَة أيضًا كَانوُا دَائمًا مَا يلتَقوُنَ هُنَا معَ بَعضهِم عِندَ النَافوُرَةِ ليتسَامروُا عَن أحدَث الأخبَار، النمَائِم وَمعرفَةِ هُويَةِ النَبيلِ القَادِم الذِي سينَالُ مِنهُ المزَاح.
لهذَا فورَمَا وطَأت إِيڤَانِچيلِيكَا بقدمهَا علىَ أرضِ الميدَانِ الحَجرِيَة ورَأت إحتِشادَ الأهَالِي فِي المكَانِ مُشَكِلينَ دائرَةً ضَيقَة حوُلَ شَيءٍ مَا قبعَ فِي مُنتصَفِ النُطَاقِ الوَاسِع لَم تستَغرِب كَثيرًا مِن وجوُدِهم..
وبَقدرِ مَا كانَ فضُولهَا يُخَربشهَا كَقطٍ بمخَالِبة لمعرَفةِ هويَةِ الأضحيَةِ التِي إختِيرَت، رَدُ فعِل سُكانِ القريَة حالَ رؤيتهِم لهَا طغىَ علىَ كُل شَيءٍ أخرَ كانَت تُخَططُ لمَعرفتهِ فِي ذهنهَا.
بَدأ الأمرُ معَ صَبيٍ لَا يتعدىَ العَاشِرَة مِن عُمرهِ عندمَا شهقَ شهقَةً عاليَةً فورمَا وقعَ نظرَهُ عليهَا ثُمَ أخذَ يَشُدَ ثَوبِ والدتَهُ مِرارًا بيَديه مُحاوِلًا أنَ يَسترعِي إنتبَاههَا، وعندمَا إلتفَت أمَهُ صوبَهُ بتكشِيرَةٍ مُستعدَةٌ لتَوبيخِه مَالبُثَت حتىَ تتبعَت مَا يُشِيرُ إليَه بإصبَعة قبلَ أنَ تشهَق هِىَ الأخرىَ بصخَبٍ أكثَر جَاذِبَه أنظَار كافَة السًكَانِ نحوهَا هَذهِ المرَة.
حينذَاك مرَت بِضعُ ثوَانٍ مِنَ الصَمتْ، قبَل أن يلحَظوُا الضَيف الجَدِيد الذِي إنضمَ إلَيهم، لتتعَلق أبصَارهُم علىَ إِيڤَانِچيلِيكَا واحدَةً تَل والآخرىَ بعدهَا، حَيثُ إلتفَت الرؤوُسِ نحوَهَا فِي تَسلسُلٍ شابهَ حرَكةِ وقوُعِ الدوُمِينوُ.
تعالَت الهمسَاتِ والتمتمَاتِ الخافتَة فِي طُرفَةِ عَين، إذ سُرعانَ مَا حمَل الرِيحُ القَارصِ حِفنَةٌ مِنَ الأحَاديثِ المُتدَاخلّةِ ببعَضهَا والتِي لَم تقوىَ إِيڤَانِچيلِيكَا علىَ فهمِهَا أو حتىَ فَك تشَابُكهَا علىَ الرَغمِ مِن أنهَا كانَتْ علىَ علمٍ تَام بأنَها حَتمًا تَدوُر حولهَا، لتبتَِلع صَاحِبةُ الشَعرِ القَصِير رِيقهَا بصعُوبَةٍ فِيمَا تتمَلملُ علىَ ساقيهَا.. كانَ بإمكَانِهَا الشعوُر بموجَةٍ مِنَ الحيَاءِ المُفَاجيءِ تَغُمرهَا أثناءَ مَا تَقِفُ بتَردُدٍ عِندَ حوَافِ الساحَة.
أجرَت إِيڤَانِچيلِيكَا فَحصًا ذهِنيًا سَرِيعًا لهَيئتِهَا، وَفِي بادِيء الأمر خُيلَ لهَا بسذَاجَةٍ أنَ تصَرفُاَتهِم الغَريبَة قَد تَكوُن بسَببِ ثوبِ النَومِ الذِي تَرتدِيه، لتَكمِشهُ بينَ أصَابِعهَا، أهُوَ شفَافٌ ويَفضَح تفَاصِيلُ جسدهَا للنَاظِرين؟، قبَل أنَ تَتركهُ بعدَ ثانِيَة، لَا.. حَتمًا لَا، الجَمِيعُ حَولهَا كانَوا يَرتدونَ منَامَاتٍ مُماثلَةٍ لهَا وقَد كانَ بَعضهُم حَافِي القَدمينِ أيضًا، نظَرًا لأنهُم كافَةً بَلا أِي استِثنَاء أفَاقوُا بُغتَةً مِن نَومهِم الهَنيء، مَظهرهَا كانَ لَا يَختلِفُ كَثيرًا عَنهُم.
إذًا مَا الَذِي يَجرِي بحَقِ خَالقِ السموَات؟.
وقتهَا كانَ صَبرُهَا قَد بدَأ ينَفذ، يَحترِقُ كفتِيل شمَعةٍ علىَ وشَكِ الذوبَانْ، لترفَع رأسهَا عَالِيًا فِيمَا تضَع كِلتَا يَديهَا علىَ خَصرِهَا، "أسيَتكرَم أحَدكُم ويُفَسِر لِي مَا يَحدُث أمَ ستَبقىَ وَجوهُكم مُثبَتةٌ عَليّ ببلَاهَةِ فقَط؟، مابَلكُم تُبَحلقوُنَ فِي الخوَاءِ كخِرَافٍ ضلَت سَبِيلهَا؟."
لم يجفَل أحَدٌ مِن فظَاظَةِ إِيڤَانِچيلِيكَا كمَا لَم يُجِيبُوهَا أيضًا، حَيثُ كانوُا مُعتَادِينَ علىَ حِدَةِ لسَانِهَا ولذوُعِيَة حَدِيثهَا. كانَ البَعضً يتمَازحُ قَائِلًا أنَهَا تَنتقِي كلمَاتِهَا مِن حقُولٍ تَحُفهَا الأشوَاكِ عِوضًا عَن أروقَةِ عَقلهَا، وأنَ جُمِلهَا تُغنيهَا عَن الأسلحَةِ فَيُمكِنهَا أنَ تقطَع بهِم كالسَيف إن إبتَغتْ.
"يَبدوُ أنَهُ يتَحتمُ عَليّ شرَاءَ حمُولَةً إضافِيَة مِنَ البَرسِيم.." تمتمَتْ إِيڤَانِچيلِيكَا بسُخرَيةٍ فِيمَا تجمَع أهدَابَ ثوبهَا بيَديهَا، عاقِدَه العَزم علىَ الذهَابِ إلىَ الصفُوفِ الأماميَة بعدمَا لَاحظَت أنَ البَعضُ كان يُبدلُ نظرَهُ بينهَا وبينَ شيءٍ مَا هُنَاك.
إن لَم يُجِيبهَا أحَدٌ ستُنَقِب وتنَبُش هِىَ عَن الإجابَةِ بنفِسهَا كخلدٍ لَعِين.
جهزَتْ إِيڤَانِچيلِيكَا نفسَها للإصطدَامِ بمَن يُحِيطُ بِهَا ضريَبةُ حشرَ نفسهَا بينَ ذلكَ الحَشد، لكنِ بُغتَةً وبخطوَةٍ آخرىَ بدىَ أنهَا شقَت الأَرض بقَدميهَا، فَتوزَع السُكَانِ علىَ قَسمَينِ يَمِينًا ويسَارًا مُتَفرقِينَ كالموَج، مُتِيحينَ لهَا فُرصَةً للعُبورِ وسَطهُم دوُنَ أنَ يُزِيحَ أحدَهُم نظَره مِن عليهَا.
كَانوُا لايزَالوُنَ يطَالعُونهَا بأعيُنٍ قَلِقَة، كُلمَا تعمقَتْ مُنزلَقةٌ بينَهُم أكثَر كانَت تتصاعَد التمتمَاتِ الهَلِعَة، ولَو قُدرَ رُعبهَمُ بالميَاهِ لإنسكبَت وفاضَت بحَارًا مِن وجوهِهم.
احتضَنتْ أمٌ رأسَ رَضِيعهَا لصَدرِهَا فِيمَا تتَلوُ دُعَاءً مَا سريعًا تحتَ أنفَاسِهَا، وَرجُلًا أخَرًا كانَ يهزُ رأسَهُ بأسَفٍ مُبيِن، إضافَةً إلىَ هذَا ولأنهَا أمسَت علىَ مَقرُبَةٍ منهُم كانَت تسمَعُ مَا يُقَالُ عنهَا بوضُوح.
"أحمِنَا َيَا ربنَا!،"
"حَاذِر لَا تُطِيل النَظر إليهَا قَد تُصِيبَك لعنتَه!،"
"إسمَعينِي جَيدًا يَا مَارِينتِ، إنسيهَا، أنتِ لَن تَمُرِ جوارَ قصرهم مُجَددًا!"
مَا— مَا هذَا الذِي يَحدُث حقًا؟!
كانَ هذَا سُؤَالٌ راودَ إِيڤَانِچيلِيكَا وهِىَ تَطرفُ بَعينيهَا مِرارًا، سِؤَالٌ زادهَا حِيرَةً فوقَ حِيرتهَا وأيقظَ دَاخِلهَا شُعلَةً مِنَ الفضُولِ تَحُثهَا علىَ الإسِرَاعِ لإيجَادِ إجَابةٍ شافِيَةً لَه، ولَكِنهَا لَم تحتَج سِوىَ للمَشِي بضعَ خطوَاتٍ قَصِيرَة آخرىَ فقَط قبَل أنَ تأتِيهَا الإجابَةُ إزاءَ قدميهَا.. حَرفِيًا.
فورمَا رسَت بعَينيهَا اللوزيتيَنِ علىَ الفزَاعةِ التِي توسطَتْ الساحَة إتصَلتْ كافَةُ الخطوطُ ببعِضهَا، وعلَمتْ السَبب الذِي دفعَ أهَالِي القريَة لتفَادِيهَا كوبَاءٍ بُغتَةً.
يَبدوُ أنَ مَن تبحَث عَنه أتىَ بَاحِثًا عنهَا.
تمهلَتْ إِيڤَانِچيلِيكَا فِي خُطاهَا حتىَ توقَفت تَدرِيجيًا عَن المَشِي، قبلَ أن تصفَع كِلتَا يَديهَا علىَ فمهَا قامِعَه شهقَةٌ كادَت تّفِلتُ مِنهَا أثناءَ مَا تَجِيلُ ببصرَهَا علىَ قطعَ المَلابِس التِي ترتَدِيهَا تلكَ الفَزاعَة بنظَراتٍ مَحمومَة، كانَ يُمكنهَا أنَ تُخَمِن هويَةُ الضَحيَة القَادِمَة بالفِعل مِنَ الثَوبِ الأسَودِ السَميكِ الذِي تدثَرَ بهِ إضافَةً إلىَ القُبعَة الباهِظَة التِي اعتلَتْ رأسِهَ..
ذَاتُ القُبعَةِ السودَاء التِي إشتكىَ وَالدُهَا مِن إختَفائِهَا منذُ بضعِة أيَام.
🂾
عدَلتْ إِيڤَانِچيلِيكَا القُبعَةُ القَشِيَة علىَ رأسهَا، مُتحسسَه سطحهَا الَخشِن رَيثمَا تتنهَدُ بخيبَةِ أمَلٍ.
"مِن حُسن حَظِي أنَ وَالدِي مُسَافِرٌ
كُلَ عامٍ يختَار المزَاح نَبِيلًا جَدِيدًا لَفضحِه، ويُمرَمِغ سُمَعةُ ذَلكَ المسكِين فِي الطِين لسَبعِ أيَامٍ مُتواصِلَة ثُمَ يَأخذ منهُ كلُ مَا يَملُك فِي خزَائنِه–مِن مَالٍ وذهَبٍ وجوَاهِر– يُفَرقهُ خِتَامًا علىَ كُلِ مُحتَاجٍ أوَ علىَ مَن خُرِبَت حيَاتهُ بَسبب أعمَالِ ذاكَ النَبِيل.
هِىَ بكُلِ تَأكيدٍ لديهَا خُطَة.. خُطَةٌ تَقتَضِي علىَ إيَقَافِ المزَاح قبَل عودَةِ وَالدِهَا، أي لَديهَا سِتُ أيَامٍ فقَط.
"هَل لَاتزَالِينَ ستُقِيمينَ الحَفل؟،"
🂾
كاَنتْ إِيڤَانِچيلِيكَا تُحِبُ حفَلاتَ الرَقص.
إن صَدُقَت القَول هِىَ لَم ترىَ فِيهم عَيبًا بتَاتًا، فعندمَا يَنظرُ المرَء إليهَا مِن وجهَةِ نظَرٍ شَامِلَة يُلَاحِظ العَديدَ مِنَ المُميزَات التِي قَد يَسهىَ عنهَا؛ فمَثلًا يُمكنهَا أكلُ مَا تشَاء مِنَ الحَلوىَ وَالمُقبَلات المجانَيَة التِي تُقَدم لهُم، كمَا أنهَا يتسنىَ لهَا أيضًا النَمِيمَة دوُنَ رَقِيبٍ معَ نِسَاءِ القريَة، وكلُ هذَا أثناءَ مَا تستَمتِعُ بالمَعزوفَاتِ اللَطِيفَة التِي تُطَربُ مسَامِعهَا.
أيوُجَدُ مَا هِوَ أفضَلُ مِن هذَا؟.
فِي مُثلَ هَذهِ الليَالِي كانَت تُحِبُ أنَ تَقضِي أوقَاتًا حسنَه مُتنَاسِيَة الضغُوطَاتِ التِي تُثقِلُ كَاهِلهَا، وإنْ تودَد رَجُلًا لَهَا أو أزعجهَا حَلهُ بَسِيط ستُخِيفَهُ حتىَ يتسَلل مُبتعِدًا عنهَا برضَاه –وَبسروَالٍ مُبَتل–، لم تَكُن المرَة الأولىَ أو الأخِيرَة التِي تفعلهَا علىَ أي حَال.
إرتخَت إِيڤَانِچيلِيكَا علىَ أقَربِ مضجَعٍ لهَا بعدَ جولَةٍ مِنَ الرَقصِ الحَار معَ تَاجرِ بضَائِعٍ مَا، وقَد استَنفذَت جُلَ طاقتهَا مِن كَثرةِ دهِسهَا علىَ قَدمِه قَصدًا، ذَلِكَ الغَبِي ذِي الشَاربِ الرَفِيع إتخَذ مِنهُ الأمرُ جولَتِين قبَل أن يستَوعِب مدىَ فظاعتِهَا فِي الرقَص، مِن حُسنِ حَظهِ أنهُ استأذنَ للذهَابِ إلىَ الحمَامِ قبَل أنَ يتسنىَ لهَا تَهِشيمُ إصبَعٍ لَه أو ثَقبِ حذَائَهُ الجلدِي بكعِبهَا.
أجَل، هِىَ كانَت تُحِبُ حفَلات الرَقص، لكِن هذَا لَا يَعنِي أنهَا تُجيده.
مِسكين، فكرَت إِيڤَانِچيلِيكَا فِيمَا تُقهقهُ بعلوٍ وهىَ تَمِيلُ برأسهَا خَلفًا، مُحَدِقَه فِي الثريَةِ الضخمَةِ التِي ألقَت بنورهَا عليهَا أثناء مَا تتَأمَلُ نقَاءَ الكرِيستَالاتِ المُتَدلِيَة مِنهَا وصفَائهَا، مِن مكَانِهَا كانَ بإمكَانهَا رُؤيَة الأطيَافِ اللونِيَة التِي تلَألأت معَ كُلِ حركَةٍ خَفيفَةٍ لهَا، الأحَمرِ الأزرقِ والأخَضر..
البُرتقَالِي، الأصَفرِ، الأرجوَانِي وَ… الأسَود.
مرَ َطيفٌ أسَودٌ بَلمحِ البَصرِ جوَارِ عَينيهَا، لتتبعَه، قبَل أنَ تَرسوُ عَليه..
بَعِيدًا عنهَا علىَ الرَغمِ مِن أنَهَا شعرَت بأنَهُ قَرِيبٌ جِدًا توسَط رَجُلًٌ يتَشِحُ بالسوَاد أرضِيَة القَاعَةِ فارِضًا حضُورَه، والدَليلُ علىَ هَذا هُوَ أنَهُ جذبَ أنظارهَا إلَيه، وَلكِنهَا لَم تَكُن الوحيَدة التِي سُحرت، بَل تقريبًا كلُ مَن يُحِيطُ بهَا لَم يَلُبث ثانيَةً قبَل أن يُثبتَ نظرَهُ عَليه، وقَد كانَ هذَا رَدُ فعلٍ طَبيعِي، إذ وسطَ فَوجٍ مِن ذُوِي الأكِسيَةِ المخمَلِيَة ناصِعَةِ البيَاض كانَ هُوَ الوحِيدُ الذِي يُشَكلُ تضَادًا تامًا معَهُم..
بدىَ كَخروُفٍ أسوَد وسَطَ قَطيعٍ مِنَ الخرَافِ البيضَاء..
بدىَ كفَأرٍ وقعَ فِي مصيَدتهَا.
مَرحبًا بِكَ أيُهَا المزَاح، كانَ هذَا أوَلُ مَا طرَأ فِي ذهِنهَا بعدمَا عرفَت هويتَه، ولَم يتخِذ منهَا الأمرُ اكثرَ مِن بضعِ ثوَانٍ، علىَ الرَغمِ مِن أنَهُ كانَ يرتَدِي قِنَاعًا ذهَبِي يُخفِي ملامحَ وَجههُ كَامِلةً مِثَلهُ مِثلَ الآخرَين، لكنهَا كانَت مُتيقنَةٌ مِن أنَهُ هُوَ.
فِي نَظرِ البَعض قَد يَكوُن مُجرَد رَجُلٍ نسىَ أنَ قواعِد لبَاسِ الحَفلِ تغيرَت أخرَ لحظَة، لكِن فِي نظرهَا هِىَ، كانَ الشَخصُ الوحِيدُ الذي لَا صلَة لَهُ بأحَدٍ فِي القريَة بتَاتًا.
عندمَا أعلنَت إِيڤَانِچيلِيكَا نهايَةَ الأسبوُعِ الفَائِت عَن حَفلةِ الرَقصِ التِي ستَقُيمهَا فِي مَنزِلهَا بعدَ سَفرِ أبِيهَا ذهَبت إلىَ ساحَةِ القريَة وعلقَتْ دعوتهَا علىَ الحَائِط القَابعِ فِي ميدَان بَاكس، حَيثُ كُتبَ أنهُ مِن المُفتَرضِ علىَ الحَاضرِين إرتدَاءَ اللونَ الأسَودِ للتمَاشِي معَ أجوَاءِ الحَفل، إلَا أنَهَا سُرعانَ مَا غيرَت رأيهَا صباحَ أمسٍ وطلَبت مِن صَدِيقتهَا إخبَارَ كُل مَن تعرفُه بأنَ عَليهِم التزَيُنَ بمَا هُوَ نَاصِع البيَاض فقَط، ولَم تُعِلن قَصدًا عَن هَذهِ التَغِييرات مرَةً آخرىَ فِي دعوَةٍ رَسميَة فِي الميدَان.
إعتمدَت فقَط علىَ حظهَا –إن وُجِد– وَعلىَ صَديقتهَا التِي أخبرَت أبنَة عمهَا التِي بعدهَا أوصَلت الحَدِيث لرفِيقَةِ رَفيقتهَا ثُمَ دارَت المعلومَة ودارَت داقَه أبوَاب ديُور القرَيةِ كافَةً، لكنهَا بالطَبعِ لَم تَجِد مكَانًا لتَرسوُ عَليهِ عِندَ الشَخصِ الوَحيِد الذِي لَا دارَ لهُ.
إنْ كانَ سيَفضحهَا سيتحتَم عَليهِ فعلهَا علىَ قوَاعِدهَا هِىَ.
شَرِبت إِيڤَانِچيلِيكَا مِن كأس الشامَبانيَا خاصتهَا دُفعَةً واحِدَة قبَل أن تَقِفَ علىَ قدميهَا، إلَا أنهَا سُرعَانَ مَا ترنحَتْ بعدمَا باغتتهَا موجَةٌ مِنَ الدَوَارِ المُفَاجِئ، ووجدَت أنهَا قَد تَكوُن أثقَلت أكثَر مِمَا يَنبغِي بالشرَاب، لكِن هذَا لَم يمنعهَا مِن شَقِ خُطاهَا نحوَه ببُطءٍ ورويَة.
(المزاح هيفضح ويقول ان ايفانجيليكا بلابلا مش بنته!، وانه عشان مامتها ماتت اتحطت هيقولها يعني خاجه تفاجئها جدًا وتخليها عايزه تعرف هو يعني ايه وعرف ده منين، فهتنقذه من الحرس الي بيجروا وراه لكنه هيهرب منها وهتتبعه، ومن بعدها هتسعى انها تعرف هو بيتكلم عن ايه! خالها ممكن يكون هو الي بيعمل تجارب على الاشخاص 'ذوي الاسحار'، وهو الي قتل مامتها، وهو السبب في الداء الي عند البطل، فبدل ما يشفيه زوده سقمًا خالها عالم)
وقَد هَرِبت إِيڤَانِچيلِيكَا، جرَت وجرَت، لكِن لتَتبُعِه.
بطريقَةٍ مَا بدىَ أنَهُ علىَ أُلفَةٍ بإنعطافَاتِ القَصرِ وإعوجاجاتِه، إذ كانَ ظَلهُ يَنزِلقُ برشاقَةٍ وسلاسَة، لَم يتخبَط عندَ حَائطٍ ولَم يتوقَف عندَ بابٍ مُغَلق، بَل قادَتهُ قدمَاهُ دوُنَ عنَاءٍ إلىَ الطوابِقِ الشرقِيَة، حَيثُ بقىَ الطَابِقُ الثَالثِ –أي الأخيرِ– مُغَلقًا بعدَ وفَاةِ والدتهَا، كانَ مُحرَمٌ علىَ أحدٍ الصعوُد إلىَ ذَلكَ الروَاق حتىَ هىَ— بَل خاصَةً هِىَ، إذ قِيلَ أنَهُ يحتوِي علىَ حُجرَاتٍ ستتمنىَ لَو لَم تَدخُلهَا يَومًا وأكَبرُ شُرفَةٍ موجودَةٍ فِي القَصر.
ظلَ هذَا الجَانِبُ مُعِتمًا لسنوَات، لَا يُنِيرهُ بَصيصٌ مِنَ الضَوِء سواءَ مساءً أوَ حتىَ صبَاحًا، كمَا زُعِمَ أنَهُ لَم يًنظَف أبدًا، ولكِن كُلمَا تعمقَت إِيڤَانِچيلِيكَا فِي هذَا الممرِ الضَيقِ أكثَر بعدَ صعُودهَا السَلالِم كُلمَا قلَت الأترِبَة وَالأوساخَ أكثَر، ممَا كانَ مُرِيبًا لهَا.
وبُغتَةً، بدَأت الشمعدانَات المُعلقَة بتتابُعٍ علىَ الحَائِط فِي إنارَةِ سَبيلهَا بوهَجٍ شَدِيدُ الخفُوتِ، لتُدرِكَ إِيڤَانِچيلِيكَا أنَ كُلَ مَا عرفَتهُ سَابِقًا قَد يَكوُنَ كَذِبَة.
شعرَت بفضُوِلهَا يَموُء داخَل عقلهَا، طالبًا مِنهَا التَقُدمَ أكثرَ لإكتشَافِ مَا يُخبَأ عنهَا وراءَ كل هذَا الظلَام، الذِي مَالبُثَ هُنيهَةً آخرىَ قبلَ أنَ يتلاشىَ معَ انعطافهَا يسَارًا وفورمَا وجدَت نفسهَا واقِفَةٌ مُباشرَةً أمامَ أبوَابِ الشُرفةِ المَفتوحَةِ علىَ مصرَاعيهَا، حَيثُ انسكبَ ضيَاءُ القَمرِ عليهَا وحركَ الريحُ الستائرَ الشفافَةِ لتتمَايَل مُتخبِطَةً حولَها.
كانَ يُمكنهَا أنَ تُركِزُ علىَ مئةِ شَيءٍ فِي هَذهِ اللحظَة، كانَ يُمكِنهَا أنَ تسَأل مِئَة سُؤالًا يُحيرهَا دُفعَةً واحِدَه، لكِنهَا استندَت بيَدٍ مُرتِعشَة علىَ إطَارِ بابِ الشُرفَة قبَل أن تقُولَ بنبرَةٍ خالجهَا الوهَن وبعَينينِ شبهُ مُغمَضتِين، "إلىَ أينَ أنتَ ذَاهِبٌ؟، لَم تنتهِي الحفلَة بَعد،"
تمتمَ المزَاحْ بإبتسامَةٍ مُلتَوِيَة استشعرتهَا مِن حَديثِه، "لَقد قلتُ مَا فِي جُعَبتِي مِن حَدِيث، ويَبدوُ أنَكِ لَا تزَالِينَ مُنتشيَةً إثرَه، مَا الذِي تفعَلينهُ هُنَا باحَثةً عَن المَزِيد؟."
وحِينهَا فقَط حتىَ لَا تُظهِرَ لهُ لمحَةً مِن ضعفهَا رفَعت إِيڤَانِچيلِيكَا رأسهَا نحوَه، "أنظُر أيهَا الجُرَذْ القَذ—،" إلَا أنَها سُرعَان مَا توقَفت مُتصنمَة بإصبَعٍ مَرفوعٍ فِي الهوَاءِ فورمَا ألقَت نظرَةً جيدَةً علَيه.
إنَهُ مَجنونٌ حَتمًا، هذَا ليسَ رَجُلًا لديَهِ ذرَةً مِنَ العَقِل أو الرُشد.
كانَ المزَاح يَِقفُ برشَاقةٍ علىَ درَابزِينْ الشُرفَةْ الحَجرِي مُسَتوِيًا علىَ أمشَاطِ قَدمِيه ومقوَسُ الظَهرِ كالقَطط، حَيثُ كانَ عَرضُ ذاكَ الحَاجِز رَحِبٌ بِمَا يَكفِي حتىَ يُفِسحُ لَهُ مَجَالَ التوَازُنِ عَليهِ برَاحَةٍ دبَتْ الرعُب فِي قَلبها، فَإنْ كانَتْ موضِعَه لإتخذَ القَلقُ مِن جسدِهَا مَسكنًا لَه، فكلُ مَا قَد يُحِيطُ بِهَا هُنالكَ لهُوَ وعدٌ وَشِيكٌ بالموَتِ المَحتوُمِ وثَلاثُ طوابقٍ شُيدت علىَ أرضٍ حجريَة صلبَة، أرضٍ حَتمًا ستحولهَا لقَطعةٍ مِنَ اللحَمِ المَفورمَة إن وقعَتْ مِن إرتفَاعٍ كهذَا.
وَعندمَا لمحَ المزاحُ برِيقُ الخوفِ فِي عينيهَا مالَ برَأسِه يسَارًا، مُستعرِضًا وضَعيتهِ فِيمَا يتسَأل بسُخريَة، "مَا الذِي كُنتِ تَقولينَه؟."
استغلَ تشَوشهَا ظانًا أنهَا ستجَفل مُنكَمِشةً خَلفًا، أو حتىَ تَحثهُ علىَ الترَاجُع عَن أيًا ممَا يُخَططُ لفعِله، –إنتحَاريًا بدَت صِفَةٌ آخرىَ مُلائمَةً لَه–، لكِنهَا فِي حَقيقةِ الأمرِ لَم تَهتمَ بهِ ولوَ بمقدَارِ ذرَةٍ مِن خردَل، كلُ مَا كانَ يُهمهَا هُوَ مصدرَ معلومَاتِة، مدىَ مصَدَاقِيتهِ وَكيفَ علمَ شَيءٍ كهذَا.
أزاحَت إِيڤَانِچيلِيكَا خصَلاتهَا المُتطَايِرَة بعَيدًا عَن وَجههَا، ومِن هذَا الإرتفَاعِ كانَ بإمكانهَا الإحسَاسُ بلطمَاتِ الهوَاءِ الحادَة علىَ بَشرتهَا كصفعَاتٍ قَاسِيَة، حَيثُ وهَبتهَا لحظَةً مِن صفَاءِ الذِهن وشَجعتهَا علىَ الإفصَاح عمَا يَجولُ فِي خاطرهَا، "مَا الذِي عنَيتهُ بمَا قُلت؟، وكيفَ عَلِمت كُلَ هذَا عَنِي مِنَ الأسَاس؟، لَا يَحقُ لكَ الفِرارَ ككَلبٍ أجرَب بعدَ إلقاِء قُنبلَةٍ كهَذهِ علىَ مسَامعِي وَاجهِني كَرُجلٍ هيَا، لَا يحقُ لكَ تَخريبَ حيَاتِي ثُمَ التَملُص بإفتعالكَ بعضًا مِن حركاَتكَ البهلوَانيَة!."
معَ كُلَ كلمةٍ تخرجُ مِن ثَغرهَا كانَت إِيڤَانِچيلِيكَا تشعرُ بغَضبهَا يتفَاقَم ويَغلِي، إلَا أنَ هذَا لَم يَدُم طَويلًا، فُسرعَانَ مَا سمعَت هَسهسَة انطَفاءِ النيرَانِ المُشتعَلةِ داخِلهَا كأنمَا أحدٌ سكبَ عليهَا دلوًا مِنَ المَاءِ البَارِد، وكلُ هذَا لأنهُ كشفَ لهَا وجَهه.
"هَا أنَا أوَاجهكِ، راضِيةٌ؟، " أدارَ المَزَاح قُبعَتهُ بَعِيدًا عَن وَجهةِ بحركَةٍ خَفِيفَة مِن رَسغِه، يُزِيحهَا يَسارًا عَن عيَنيهِ اللتَينِ ارِتدَ عَليهمَا بعدهَا مُباشَرةً النُورُ المُسلَط مِن المَمرِ المَفتوُحُ ورَائهمَا، حَيثُ كانَ صُرَاخُ الحُراسِ لايزَالُ يُسمَع عُقبَ بحَثهِم عَنه.
وقَد وجبَ علىَ إِيڤَانِچيلِيكَا حِينهَا أنَ تَصرُخ طالبَةً مِنهُم الإسراعَ أكثَر— وجَب عليهَا أنَ تستَنجِد الحَرس داعيَةً للقَبضِ عَليه بعدمَا حَاصرتهُ فِي رُكن، إلَا أنَهَا بقَت مُتسمِرَةً مكانهَا، ولَم تعبَأ بَالًا لشَيءٍ ممَا يَحدُث، لَم تَقوىَ علىَ التَركيزِ حتىَ.. كُل مَا كانَ يلُفهَا مِن ضَجيجٍ وصخَبٍ وجلَبةٍ كانَ يقَعُ علىَ مسَامعٍ صمَاء.
لأنهَا وكَأيِ غَريقٍ آخَر، كانَتْ تُجَابِهُ لإلتَقاطِ أنفَاسِهَا المَسلُوبَة.
إِيڤَانِچيلِيكَا وقعَتْ غاطِسَةٌ فِي عَينيَه ولَم يَغِثهَا أحَدٌ أوَ يُنَبِهَها قبَل سقُطوِهَا، عَينيهْ النَاعِستين، المَاكِرتَينِ وَبُنِيتَينِ اللوُنْ، أوَ علىَ الأقَلٍ كانَ هذَا مَا خُيِلَ لهَا فِي بَادِيء الأمَر، لَكِنْ بعدهَا بثَانيةٍ فقَط فِيمَا تُطَالِعهِ برَأسٍ مَائِل وَنظرَاتٍ مُدقَقه سُرعَانَ مَا أدركَتْ أنَ عدَستهِ اليُمنىَ كانَتْ درجَتهَا أفتَحُ بكَثيرٍ مِنَ اليُسرَى؛ كانَتْ عَسلِيَة، تَتخِذ مِن صَفارِ وصَفاءِ العسَلِ نَصِيبًا نَقِيضُ التِي جاورتهَا.
وَحِينذَاك، إرتفعَ ثغَرُ المزاحَ فِي بسمَةٍ جانِبيَة عقب نظرَاتِهَا التِي لَم يغَفل عَنهَا، لترفَع إِيڤَانِچيلِيكَا حَاجِبهَا الأيَسرِ سَرِيعًا بدورِهَا، وهذَهِ المرَة بإشمِئزَازٍ حَرِصَتْ أنَ يتلحَف بهِ وَجهِهَا كقِنَاعٍ ثَانٍ، إذْ شعرَتْ فِي ثَانيةٍ أنَ كُلَ ذرَةِ إعجَابٍ خَالجتهَا نحوَهُ تلاشَت معَ أدرَاجِ الرِيح، مَا اللعنَة؟، مَا هَذهِ الحرَكَة التِي إفتعلهَا توًا؟، إلهِي هىَ حَتمًا ستتَقيأ فَلَا يوُجَدُ مَا هُوَ أسوَأ مِن رَجُلٍ مُتفَاخرٍ ومَغرورٍ بنَفِسه، لتَقوُل دونَ تَردُد، "مَا الذِي يضمَنُ لِي أنكَ لَا تَكِذب؟."
"لنلعَب لُعبَةً إذًا، كُلمَا حَللتِ لُغزًا مِن ألغَازِي وفكَكتِ حيلَةً مِن حيَلِي سأهدِيكَ قُبلَةً معَ كُلَ حَقيقَةٍ مِني وَإعفَاءٌ لَكِ مِن فَضِيحَةٍ جديدَة، صَدقينِي يَا لَوزِيَة العَينينِ، هذَا أرَقُ مَا قَد أُهديكِ."
"لِمَاذا أنَا؟،" بنظرَةٍ خاطفَةٍ علَيهِ بعدَ سُؤالهَا أدركَت إِيڤَانِچيلِيكَا أنَ المزَاح لَن يُجِيبهَا علىَ هذَا، رُبمَا لأنَ الوقَتُ لايزَالُ مُبكَرًا جدًا حتىَ تعرِف، أو رُبمَا لَأنهُ لَا يًخَططً إعلامهَا شَيئًا عَن أسَبابِه بتَاتًا، لتتنهَد صَاحِبةُ العَينينِ اللوَزيتَين أثناءَ مَا تَدوُر ترُوس عقَلها وتكدَح مُحَللة المسَألة مِن كافَةِ الجوَانِب، قبَل أنَ تلَاعبَ لسانهَا فِي جدَار وجنتهَا ثُمَ تَقوُل، "حَسنًا، مُوافقَة، مَا هِىَ قواعِدُ اللُعبَة؟، وأينَ سَتُلعَب؟.. بَل بالأحرىَ كيفَ سأصِلُ لألغَازَك؟."
هَل عقَدت لتوهَا صفقَةٌ معَ مُهَرِجٍ مَخبوُل؟، أجَل لقَد فعلَت، وهَل سيَفتَح فضُولهَا عليهَا أبوابَ الجَحيمِ كافَةً؟، حَتمًا أجَل أيضًا.
كانَ ضَوءُ القَمرِ الدَافِيء يوُمِضُ وَيخفُت كُلمَا عبرَتْه السحبُ الكَثِيفَة، وقَد قالَ المزَاحُ فِي لحظَةٍ أظلمَت السمَاءُ فِيهَا، "إتَبعِي سحرِي.." ثُمَ وقَف صالبًا طُولَه، قبلَ أنَ يهَندمُ بذَلته التِي جُعِدَت ريثمَا يتمتمَ تحتَ أنفاسِه، "..فمَا يَربُطنَا ومَا يَضخُ فِي أورِدَتِي سَيرسمُ طَريقكِ لِي."
لَم تفهَم إِيڤَانِچيلِيكَا كلمَةً ممَا قَال، إلَا أنهَا كانَت علىَ يَقينٍ تَام بأنَ أيًا مَا قصَدهُ يَقودهُم إلىَ غايَةٍ واحِدَة، غايَةٍ يَنتهِي عندهَا لقَائهِم، وحينذَاك، فِي خَضمِ تشوشهَا وكلُ مَا يعجُ حولهَا مِن فوضىَ، فتحتَ فمهَا ناويَة أنَ تُطالبَةُ بأعطَائهَا شَرحًا وَافيًا— علَهً يبقىَ فقَط لبضعِ لحظَاتٍ أخرىَ، لَكنهُ أخرسهَا عندمَا قدمَ لهَا شرحًا تَطبِيقيًا لمَا عنَاه بجُمَلتهِ السابِقَة حَرفيًا.
لوحَ المَزَاحْ بإصبَعيهِ عِندَ رَأسهِ فِي تَحِيَةٍ سَرِيعَة، " لنَا لِقَاءٌ قَرِيبٌ، وآه صَحيحِ.. لَا قواعِد يَا عَزيزتِي، فِي الألعَاب كلُ شَيءٍ مًبَاح،" ثُمَ مالَ برَأسهِ وجسَدهِ خَلفًا مُلقِيًا ثَقله فِي الهوَاء.
لقَد وقعَ مِنَ الشُرفَة.. بَل أوقَعَ نفَسهُ مِنَ الشُرفَة!.
شهَقتْ إِيڤَانِچيلِيكَا بعلُوٍ قبَل أنَ تَكتِم أنفاسهَا الثَائِرَة بكفيهَا، ووجَدت قدماهَا تقوُدانِها بعجلَةٍ إلىَ الحافَةِ حيثُ سقَط. عندَ وصولهَا وضعَت يديهَا علىَ الدرَابِزين مُستنَدةً بحَذرٍ بالِغ قبلَ أن تُنكس رأسهَا للأسفِل باحثَةً عَن أي أثَرِ لُجثَتِه، إلَا أنهَا ولغرابَةِ الأمرِ لَم تَجِد شَيئًا، كمَا لَم تسمَع حِسًا لرَطمتِه..
كأنمَا لَم يُوجَد أسَاسًا.
رمَشت صَاحِبَةُ العَينينِ الأرجوَانِتيَنِ بضعَ مرَاتٍ، ثُمَ ضحَكت.. ضحكَت كمَا لَم تضحَك قَبلًا، حتىَ ألمتهَا بطنهَا وحتىَ سالَت الدمُوع مِن عَينيهَا، إلَا أنهَا سُرعَان مَا هدَأت عِندمَا لمحَت شَيءٌ لامِعٌ بَطرفِ نظرَها، شَيءٌ برَاقٌ وَوهَاج.
تطَايرَ غُبَارٌ ذَهِبيٌ حولهَا كذرَاتٍ مِنَ النجوُمِ المُتساطِقَة، مُلتصِقًا بشَعرهَا وَثوبهَا الذِي تمَايلَ بينَ فخذيهَا معَ الرِيح، وبطَريقةٍ مَا فِيمَا تمدُ إِيڤَانِچيلِيكَا أنامِلهَا نحوَهُ مُرادَ تَلمُسَه علمِت أنَ هذَهِ لن تَكوُن أخِرَ مرَةٍ ترىَ فِيهَا سحرًا كهذَا.
سِحرُ المزَاح.