وَالجَدَلُ
وَهُوَ قِيَاسٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ مُقَدِّمَاتٍ مَشْهُورَةٍ كَقَوْلِنَا : الْعَدْلُ حَسَنٌ وَالظُّلْمُ قَبِيحٌ .
وَالخَطَابَةُ
وَهِيَ قِيَاسٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ مُقَدِّمَاتٍ مَقْبُولَةٍ مِنْ شَخْصٍ مُعْتَقَدٍ فِيهِ أَوْ مَظنْونَةٍ .
وَالشِّعْرُ
وَهُوَ قِيَاسٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ مُقدَّمَاتٍ تَنْبَسِطُ مِنهَا النَّفْسُ أَوْ تَنْقَبِضُ
وَالمُغَالَطَةُ
وَهِيَ قِيَاسٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ مُقَدِّمَاتٍ كَاذِبةٍ شَبِيهَةٍ بِالْحَقِّ أَوْ بِالمَشْهُورةِ أَو مُقَدِّمَاتٍ وَهْمِيَّةٍ كَاذِبَةٍ
وَالْعُمْدَةُ هُوَ الْبُرْهَانُ لاَ غَيْرُ .
(ولْيَكُنْ هذا آخِرَ الرسالةِ)
ولما فرغ من القياس البرهاني ومقدماته اليقينية، شرع في غير اليقينيات، فقال:
(والجدل) أي: من جملة الصناعات الخمس الجدل (وهو قياس مؤلف من مقدمات مشهورة) والمراد من المقدمات المشهورة هي القضايا التي يحكم العقل بها بواسطة اعتراف عموم الناس بها:
-إما لمصلحة عامة، كقولنا: العدل حسَن، والظلم قبيح.
-وإما لرقة، كقولنا: مواساة الفقراء محمودة، وإكرام الضعفاء واجب، لقوله عليه السلام: «أكرموا الضعفاء، ولو كان كافرا».
-أو لحمية، مثل قولنا: كشف العورة مذموم في المحافل، ومحافظة أهل البيت لازمة.
-أو لعادة، كقبح ذبح الحيوان عند أهل الهند، وعدم قبحه عند غيرهم.
والمقدمات المشهورة قد تبلغ في الشهرة مرتبة الأوليات، والفرق بينهما:
-أن في الأوليات يكفي تصور الطرفين بحكم العقل، بخلاف المشهورات فإنها تحتاج إلى شيء من هذه المذكورات.
-وأيضا أن المشهورات قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة، بخلاف الأوليات، فإنها لا تكون إلا صادقة.
والغرض من ترتيب الجدل: إلزام الخصم وإقناع من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان.
(والخطابة) أي: من جملة الصناعات الخمس الخطابة (وهي قياس مؤلف من مقدمات مقبولة من شخص معتقد فيه)
-إما لأمر سماوي، كمعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء.
-وإما لاختصاصه بمزيد عقله كالعلماء، أو بمزيد دينه كالصلحاء.
(أو) قياس مؤلف من مقدمات (مظنونة) وهي القضايا التي يحكم بها العقل حكما راجحا مع تجويز نقيضه تجويزا مرجوحا، كقولنا: هذا الحائط ينتشر منه التراب فينهدم، وكقولنا: فلان يطوف بالليل فهو سارق.
والغرض من الخطابة: ترغيب الناس في فعل الخير، وتنفيرهم عن فعل الشر كما يفعله الخطباء والوعَّاظ.
(والشعر) أي: من جملة الصناعات الخمس الشعر (وهو قياس مؤلف من مقدمات تنبسط منها النفس أو تنقبض) ومثل هذه المقدمات تسمى مُـخيَِّلات، وهي القضايا التي يُتَخيل بها فتتأثر النفس منها قبضا وبسطا، كما لو قيل: «الخمر ياقوتة سيَّالة» تنبسط بها النفس وترغب في شربها، وكما لو قيل: «العسل مرة مُهَوِّعة» فالنفس تنقبض منه وتنفر.
والغرض من الشعر: انفعال النفس بالترغيب والترهيب ، لتصير مبدأَ فعلٍ أو تركٍ أو رضاءٍ أو سخطٍ، ولهذا يفيد في بعض الحروب، وعند الاستماحة والاستعطاف ما لا يفيد غيرُه، فإن الناس أطوع للتخيل منهم للتصديق لكونه أعذب وألذّ.
قال العلامة الرازي: ويزيد في انفعال النفس أن يكون الشعر على وزن أو ينشد بصوت طيب.
فإن قيل: قد علم منه أن الشعر لا يطلب به التصديق بل يطلب به التخيل، فلا يكون قياسا.
قلنا: إن التخييل لما جرى مجرى التصديق من جهة تأثيره في النفس قبضا وبسطا، عُدّ من الأقيسة.
(والمغالطة) أي: من جملة الصناعات الخمس المغالطة (وهي قياس مؤلف من):
-(مقدمات كاذبة شبيهة بالحق) ولم تكن حقا، وتسمى سفسطة.
-(أو) شبيهة (بالمشهورة) ولم تكن مشهورة، وتسمى مشاغبة.
-(أو من مقدمات وهمية كاذبة) وهي القضايا الكاذبة التي يحكم بها الوهم الإنساني في أمور غير محسوسة فإنه لو حكم في الأمور المحسوسة لم تكن كاذبة، كما لو حكم بحسن الحسناء، وقبح الشوهاء.
وأما لو حكم في المعقولات الصرفة فإنه يكون هذا الحكم كاذبا قطعا، وذلك لأن الوهم قوة جُسمانية للإنسان يدرك بها الجزئية المنتزعة من المحسوسات، فتلك القوة تابعة للحس الذي لا يدرك به إلا المحسوسات، فمتى لو حكم الوهم في المحسوسات يصدق هذا الحكم، والعقل يصدق فيه، ومتى لو حكم في المعقولات، يكذب هذا الحكم، لعدم إدراكه في الأمور المعقولة؛ ويدل على ذلك: بأن الوهم يوافق العقل في المقدمات البينة الإنتاج، مثل قولنا: «الميت جماد، وكل جماد لا يُخاف منه» مع أنه يخالف العقل في النتيجة للحكم بالخوف عن الموتى.
إذا عرفت هذا فاعلم أن المغالطة تنحصر في قسمين :
القسم الأول: وهو المركب من مقدمات كاذبة شبيهة بالحق أو بالمشهورة.
والقسم الثاني: وهو المركب من مقدمات وهمية كاذبة.
وهي بقسميها قياس فاسد لا يفيد يقينا ولا ظنا، بل مجرد الشك والشبهة الكاذبة،
وفساده قد يكون من جهة الصورة وقد يكون من جهة المادة:
-أما فساده من جهة الصورة، فإنه يكون بانتفاء شرط إنتاجه، ككون الصغرى في الشكل الأول سالبة والكبرى جزئية.
-وأما فساده من جهة المادة، فبأن يجعل المطلوب مقدمة القياس، كما يقال: «كل إنسان بشر، وكل بشر ناطق» ينتج: كل إنسان ناطق، وسبب الغلط فيه: ما فيه من المصادرة على المطلوب لما مر في تعريف القياس أن النتيجة تجب أن تكون قولا آخر، وهي هاهنا ليست كذلك، بل هي عين إحدى المقدمتين، لمرادفة الإنسان للبشر.
-أو بأن يستعمل المقدمات الكاذبة على أنها صادقة، بواسطة مشابهتها إياها :
إما من جهة الصورة، كما في قولنا لصورة الفرس المنقوشة على الجدار: «إنها فرس، وكل فرس صهال» ينتج: أن تلك الصورة صهالة.
أو من جهة المعنى، وذلك قد يكون بوضع القضية الطبيعية مقام الكلية، كما يقال: «الاسم كلمة، والكلمة إما اسم أو فعل أو حرف» ينتج: «أن الاسم إما اسم أو فعل أو حرف» وهو انقسام الشيء إلى نفسه وإلى غيره.
-وقد يكون بعدم رعاية وجود الموضوع في الموجبة، كقولنا: «كل إنسان وفرس فهو إنسان، وكل إنسان وفرس فهو فرس» ينتج من الشكل الثالث: أن بعض الإنسان فرس.
ووجه الغلط فيه: أن موضوع الصغرى والكبرى غير موجود، إذ لاشيء من الموجودات يصدق عليه أنه إنسان وفرس معا.
والغرض من تأليف المغالطة: تغليط الخصم ودفعه، والفائدة العظيمة فيها معرفتها للاحتراز عنها.
(والعمدة) أي: ما يُعتمد عليه من هذه الصناعات الخمس (هو البرهان لا غيرُ)
قيل في قوله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجدلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل:125] إن الحكمة إشارة إلى البرهان، والموعظةَ الحسنة إلى الخطابة، وجادلهم إلى الجدل، فيكون كل من هذه الثلاثة معتمدا عليه في الدعوة إلى سبيل الحق، لكن بالنسبة إلى نفس المستدل العمدة هو البرهان فقط، إذ به يتوصل إلى تحقيق الحقايق وتدقيق الدقائق، وبه يتوصل إلى إدراك الصور القدسية والأحكام النبوية؛ ولهذا خص المصنف العمدة بالبرهان فقط.
(وليكن هذا آخر الرسالة) الأثيرية (في المنطق).
قال جامعه الفقير إلى رحمة ربه القدير محمود ابن الحافظ حسن المغنيسي عاملهما الله تعالى بلطفه الخفي والجلي:
وليكن هذا آخر ما أردنا جمعه من الشروح والحواشي إعانة للطالبين وصيانة للراغبين،
جعلنا الله تعالى وإياكم من الطالبين الصادقين،
وحشرنا وإياكم في زمرة السعداء والصالحين.
والحمد لله رب العالمين،
وصلى الله تعالى على رسوله محمد وآله الطيبين الطاهرين.