وَالَشَّكلُ الأَوَّلُ هُوَ الَّذِي جُعِلَ مِعْيَاراً لِلعُلُومِ، فَنُورِدُهُ ههُنَا لِيُجْعَلَ دُسْتُوراً ومِيزَانًا، وَيُسْتَنْتَجَ مِنْهُ المَطَالِبُ كُلُّهَا
وَشَرْطُ إِنْتَاجِهِ:
- إِيجَابُ الصُّغْرَى
- وَكُلِّيَّةُ الْكُبْرَى
وَضُرُوبُهُ المُنْتِجَةُ أَرْبَعَةٌ:
الضَّرْبُ الأَوَّلُ: كُلُّ جِسْمٍ مُؤَلَّفٌ وَكُلُّ مُؤَلَّفٍ مُحْدَثٌ، فَكُلُّ جِسْمٍ مُحْدَثٌ.
الثَّانِي: كُلُّ جِسْمٍ مُؤَلَّفٌ وَلاشَيْءَ مِنَ المُؤَلَّفِ بِقَدِيمٍ، فلاشَيْءَ مِنَ الْجِسْمِ بِقَدِيمٍ.
الثَّالِثُ: بَعْضُ الْجِسْمِ مُؤَلَّفٌ وَكُلُّ مُؤَلَّفٍ حَادِثٌ، فَبَعْضُ الْجِسْمِ حَادِثٌ.
الرَّابِعُ: بَعْضُ الْجِسْمِ مُؤَلَّفٌ وَلاشَيْءَ مِنَ المُؤَلَّفِ بِقَدِيمٍ، فَبَعْضُ الْجِسْمِ لَيْسَ بِقَدِيمٍ.
(والشكل الأول هو الذي جعل معيارا) أي: ميزانا (للعلوم) لأنه هو الأصل من بين الأشكال، والباقية مرتدة إليه عند الاحتياج (فنورده ههنا) وحده مع ضروبه (ليُجعل دستورا) أي: قانونا ومرجعا يُكتفى به وتوطئة لتفهيم الباقي (ويستنتج) أي: يستحصل (منه المطلوب).
ولما كان الشكل الأول واردا على نظم الطبع وكان دستورا في هذا الفن، والشكل الثاني لا يحتاج من له عقل سليم وطبع مستقيم إلى رده إلى الأول في الاستنتاج، بخلاف الثالث والرابع؛ اهتم المصنف بالأول والثاني، حيث تعرّض لبيان شرط إنتاجهما.
ولما كان الأول مستحقا لمزيد من الاهتمام، تصدى لبيان ضروبه أيضا، فقال:
(وضروبه المنتجة أربعة) والقياس العقلي يقتضي ستة عشر ضربا، وهذا بناء على أنه لا عبرة للشخصية والطبعية في الإنتاج وإلا فالقياس يقتضي أربعة وستين ضربا، أو على أن الشخصية في قوة الجزئية أو الكلية، والطبعية ساقطة من درجة الاعتبار، وأن المهملة في قوة الجزئية، فتكون القضية المعتبرة منها هي المحصورة.
والمحصورات أربع:
- الموجبة الكلية،
- والسالبة الكلية،
- والموجبة الجزئية،
- والسالبة الجزئية
وهي كلها معتبرة في الصغرى والكبرى، فإذا قرنت إحدى الصغريات الأربع بإحدى الكبريات الأربع، يحصل ستة عشر ضربا، وذلك لأنه:
إن كانت الصغرى موجبة كلية، فالكبري إما:
- موجبة كلية،
- أو سالبة كلية،
- أو موجبة جزئية،
- أو سالبة جزئية.
وإن كانت الصغري سالبة كلية، فالكبرى إما:
- موجبة كلية،
- أو سالبة كلية،
- أو موجبة جزئية،
- أو سالبة جزئية.
وإن كانت موجبة جزئية، فالكبرى إما:
- موجبة كلية،
- أو سالبة كلية،
- أو موجبة جزئية،
- أو سالبة جزئية.
وإن كانت سالبة جزئية، فالكبرى كذلك.
ولمَّا اشتُرِطَ فيه إيجابُ الصغرى، بناء على أنها لو كانت سالبة لم يندرج الأصغر تحت الأوسط، فلم يتعد الحكم من الأوسط إلى الأصغر لأن الحكم في الكبرى على ما ثبت له الأوسط، والأصغر ليس مما ثبت له الأوسط، فلا يلزم من الحكم على الأوسط الحكم على الأصغر سقط ثمانية أضرب وهي :
الصغرى السالبة الكلية مع الكبريات الأربع.
والصغرى السالبة الجزئية مع الكبريات الأربع.
وكذلك لمَّا اشترط فيه كلية الكبرى، بناء على أنها لو كانت جزئية لم يندرج الأصغر تحت الأوسط، لأن الحكم في الكبرى على بعض الأوسط، ويجوز أن يكون الأصغر غير ذلك البعض فالحكم على بعض الأوسط لا يتعدى إلى الأصغر، سقط أربعة أخرى وهي:
-الصغرى الموجبة الكلية، مع الموجبة الجزئية أو السالبة الجزئية الكبرى.
-والصغرى الموجبة الجزئية مع الموجبة الجزئية أو السالبة الجزئية كبرى.
فبقي بعد الإسقاط أربعة أضرب:
الضرب (الأول) من موجبتين كليتين، ينتج: موجبة كلية.
(كقولنا : كل جسم مؤلف، وكل مؤلف محدث، فكل جسم محدث)
(و) الضرب (الثاني) من موجبة كلية صغرى، وسالبة كلية كبرى، ينتج: سالبة كلية.
(كقولنا: كل جسم مؤلف، ولاشيء من المؤلف بقديم، فلا شيء من الجسم بقديم)
(و) الضرب (الثالث) من موجبة جزئية صغرى، وموجية كلية كبرى، ينتج: موجبة جزئية.
(كقولنا : بعض الجسم مؤلف، وكل مؤلف حادث، فبعض الجـسم حادث)
(و) الضرب (الرابع) من موجبة جزئية صغرى، وسالبة كلية كبرى، ينتج: سالبة جزئية.
(كقولنا بعض الجسم مؤلف، ولاشيء من المؤلف بقديم، فبعض الجسم ليس بقديم).
وترتيب هذه الضروب باعتبار النتيجة:
-فالضرب الأول: ينتج أشرف المحصورات وهو الموجبة الكلية، لاشتمالها على الشرفين: الإيجاب والكلية.
-والثاني: ينتج السالبة الكلية، وهي أشرف من الموجية الجزئية، لأن الكلي أشرف من الجزئي، لكونه شاملا ومضبوطا ونافعا في العلوم.
-والثالث: ينتج الموجبة الجزئية، وهي أشرف من السالبة الجزئية ، لأن فيه شرفا واحدا وهو الإيجاب.
-وليس في نتيجة الرابع من الشرفية، ولهذا وضع في المرتبة الرابعة.
فعلم من هذا أن الشكل الأول ينتج المطالب الأربعة الموجبتين والسالبتين كما مر، والضروب المنتجة للشكل الثاني أربعة أيضا، وللشكل الثالث ستة، وللشكل الرابع ثمانية عند المتأخرين، وخمسة عند المتقدمين. وتفصيل ذلك وأمثلته وإقامة البرهان عليه يطلب من المطولات.
واعلم أن النتيجة تتبع أخس المقدمتين، مثلا: إذا كان القياس مركبا من موجبة وسالبة، ينتج سالبة، وإذا كان مركبا من جزئية وكلية، ينتج جزئية.