إيسَاغُوجِي
اللَّفْظُ الدَّالُّ بالوضع يدل:
- عَلَى تَمَامِ مَا وُضِعَ لَهُ بِالْمُطَابقَةِ
- وَعَلَى جُزْئِهِ بِالتَّضَمُّنِ إِنْ كَانْ لَه جُزْءٌ
- وَعَلَى مَا يُلاَزمُهُ فِي الذِّهْنِ بالالْتزامِ
كالإِنْسَانِ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ:
- عَلَى الحَيَوَانِ النَّاطِقِ بِالمُطَاَبقَةِ
- وَعَلَى أَحَدِهِمَا بِالتَّضمُّنِ
- وَعَلَى قَابِلِ التَّعَلُّمِ وَصَنْعَةِ الكِتَابةِ بالالْتزَامِ.
الشرح
ثم لما كان الغرض من المنطق معرفة صحة الفكر وفساده، والفكر إما لتحصيل المجهولات التصورية أو التصديقية، كان للمنطق طرفان: تصورات وتصديقات، ولكل منهما مبادئ ومقاصد، فكانت أقسامه أربعة:
- فمبادئ التصورات: الكليات الخمس
- ومقاصدها: القول الشارح
- ومبادئ التصديقات: القضايا وأحكامها
- ومقاصدها: القياس.
ثم القياس بحسب المادة خمسة، يُسمونها الصناعات الخمس، فهي مع الأقسام الأربعة تسعة أبواب للمنطق.
وبعض المتأخرين عد مباحث الألفاظ جزءا منها، فصارت عشرة.
ولما أراد المصنف أن يلمِّح إلى كل واحد من هذه الأبواب تسهيلا للطلاب، رتبها على وَفق ما أشرنا إليه، فصار تقديم مباحث إيساغوجي واجبا عليه، فقال بعد ذكر الخطبة:
(إيساغوجي) أي: هذا باب إيساغوجي، وهو لفظ يوناني مركب حاصل معناه موصل أو مدخل جعله المنطقيون علما للكليات الخمس أعني النوع والجنس والفصل والخاصه والعرض العام
من ثلاثة كلمات،
الأول: إِيس معناه أنت.
والثاني: اغو معناه أنا.
والثالثة: اجي معناه ثَمَّةَ، أي: في هذا المكان.
ثم نقله المنطقيون وجعلوه علما للكليات الخمس، أعني: النوع والجنس والفصل والخاصة والعرض العام
واختلف في سبب تسميتها به:
فقيل: إن حكيما من الحكماء المتقدمين أودع تلك الكليات عند شخص مسمى بإيساغوجي، وكان يطالعها وليس له قوة استخراج ما فيها، ثم جاء الحكيم وقرأها عنده، وكان ذلك الحكيم يخاطب له بـ: «يا إيساغوجي الحال كذا وكذا»، فصار لفظ إيساغوجي علما لها، فعلى هذا يكون تسمية للشيء باسم قارئه.
وقيل: إنه كان علما للحكيم الذي استخرجها ودونها، ثم جُعل علما لها، فعلى هذا يكون تسمية للمستخرَج باسم المستخرِج.
وقيل: إنه كان اسما لورد له خمس ورقات، ثم نُقل إلى هذه الكليات، لمناسبة بين المنقول والمنقول إليه، فعلى هذا يكون تسمية للشيء باسم شبيهه، وهذا الوجه مشهور في وجه تسميتها به.
وإنما انحصرت الكليات في هذه الخمس ؛ لأن الكلي إذا نسبناه إلى ما تحته من الجزئيات فلا يخلو: إما أن يكون تمام ماهيتها، أو داخلا فيها، أو خارجا عنها.
فإن كان الأول فهو النوع
وإن كان الثاني فلا يخلو من أن يكون مقولاً في جواب ما هو أو لا؛ الأول الجنس، والثاني الفصل
وإن كان الثالث فلا يخلو من أن يكون مقولا في جواب أي شيء هو في عرضه الخاص أو لا؛ الأول الخاصة، والثاني العرض العام.
ثم لما كان مقصودهم استحضار الكليات وغيرها من الاصطلاحات المنطقية واستحصال المجهولات، والمجهول إما تصوري أو تصديقي، والموصل إلى الأول القولُ الشارح المركب من الكليات، وإلى الثاني الحجة المركبة من القضايا، كان نظرهم إما إلى القول الشارح وما يتركب هو منه، وإما إلى الحجة وما تتركب هي منه، وذلك لا يتوقَّف لا على الألفاظ ولا على الدلالة، لكن لما كانت معرفة الكليات الخمس تتوقف على معرفة الدلالات الثلاث وأقسام اللفظ، بدأ ببيانهما، فقال:
(اللفظ الدال بالوضع) الدلالة هي: كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، ويسمى الشيء الأول دالا والثاني مدلولا.
والدال إن كان لفظا فالدلالة لفظية وإلا فغير لفظية، وكل منهما إما وضعية أو عقلية أو طبعية؛ لأن دلالة اللفظ على المعنى إما بواسطة وضع اللفظ بإزاء المعنى أو بواسطة العقل أو بواسطة اقتضاء الطبع.
فإن كانت الأولى فالدلالة لفظية وضعية، كدلالة لفظ «الإنسان» على «الحيوان الناطق»
وإن كانت الثانية فالدلالة لفظية عقلية، كدلالة اللفظ المسموع من وراء الجدار على وجود اللافظ
وإن كانت الثالثة فالدلالة لفظية طبعية، كدلالة «أَخ» بفتح الهمزة وبالخاء المعجمة على «الوجع مطلقا»، وكدلالة «أَُح» بفتح الهمزة أو ضمها وبالحاء المهملة على «وجع الصدر» وهو السعال.
وكذلك الدلالة الغير اللفظية، إما أن تكون بواسطة الوضع أو بواسطة العقل أو بواسطة الطبع؛
فإن كانت الأولى فالدلالة غير لفظية وضعية، كدلالة الدوال الأربع على ما وضعت هي له
وإن كانت الثانية فالدلالة غير لفظية عقلية، كدلالة الأثر على المؤثر
وإن كانت الثالثة فالدلالة غير لفظية طبيعية، كدلالة تغيُّر وجه العاشق عند رؤية المعشوق على العشق.
والمقصود الأصلي بالنظر إلى المنطقي هو الدلالة اللفظية الوضعية لأن غيرها غير منضبطة لاختلافها باختلاف الطبائع والعقول، بخلاف اللفظية الوضعية فإنها منضبطة.
إذا عرفتَ هذا فنقول: إن اللفظ الدال بالوضع (يدل) ذلك اللفظ بتوسط الوضع (على تمام ما وضع له بالمطابقة) لموافقته إياه (وعلى جزئه) أي: جزء ما وضع له (بالتضمن): لدلالته على ما في ضمن الموضوع له.
(إن كان له) أي: لما وضع له (جزء) أما إذا لم يكن له جزء كما في البسائط، مثل الواجب تعالى، والنقطة فلا يُتَصور التضمن.
(وعلى ما يلازمه) أي: ما يلازم الموضوع له (في الذهن، بالالتزام) واللوازم ثلاثة:
- لازم ذهنا وخارجا، كقابل العلم، وصنعة الكتابة للإنسان.
- ولازم خارجا فقط، كالسواد للغراب والزنجي.
- ولازم ذهنا فقط، كالبصر للعمى.
والمعتبر في دلالة الالتزام اللزوم الذهني وهو كون الشيء مقتضيا للآخر في الذهن، بمعنى: أنه كلما تحقق الملزوم في الذهن تحقق اللازم فيه، ولذا قيده بقوله «في الذهن».
ولا يجوز أن يُشترط فيها اللزوم الخارجي، وهو كون الشيء مقتضيا للآخر في الخارج، بمعنى: كلما ثبت الملزوم في الخارج ثبت اللازم فيه، إذ لو كان هذا شرطا لم تتحقق دلالة الالتزام بدونه لامتناع تحقق المشروط بدون الشرط واللازم باطل، فكذا الملزوم؛ لأن العدم كالعمى يدل على الملكة كالبصر التزاما؛ إذ العمى عدم البصر عما من شأنه أن يكون بصيرا، مع أن بينهما معاندة في الخارج.
وفي قوله: (إن كان له جزء) إشارة إلى أن المطابقة لا تستلزم التضمن، وكذا لا تستلزم الالتزام، خلافا للفخر الرازي.
وأما التضمن والالتزام فيستلزمان المطابقة ضرورة، فدلالة المطابقة لفظية؛ لأنها لمحض اللفظ، والأخريان عقليتان؛ لتوقفهما على انتقال الذهن من المعنى إلى جزئه ولازمه، وقيل: وضعيتان، وعليه أكثر المنطقيين.
وإنما انحصرت الدلالة اللفظية الوضعية في هذه الثلاث؛ لأن اللفظ الدال بحسب الوضع على المعنى، لا يخلو من أن يدل على تمام ما وضع له، أو على جزء ما وضع له، أو على ما يلازمه في الذهن.
فإن كان الأول فالدلالة دلالة بالمطابقة، وإن كان الثاني فالدلالة دلالة بالتضمن، وإن كان الثالث فالدلالة دلالة بالالتزام.
مثال الدلالة بالمطابقة (كالإنسان فإنه يدل على الحيوان الناطق بالمطابقة) وإنما سميت هذه الدلالة بالمطابقة؛ لأن اللفظ موافق لتمام ما وضع له، وذلك من قولهم: طابق النعل بالنعل إذا توافقتا.
(و) مثال الدلالة بالتضمن، كالإنسان فإنه يدل على أحدهما أي: على الحيوان فقط أو على الناطق فقط بالتضمن، لكن لا مطلقا، بل عند إرادة المعنى المطابقي، أعني: المجموع من الحيوان والناطق؛ لأنه ربما يكون اللفظ دالا على جزء معناه المطابقي فقط، ولا تكون دلالته عليه تضمنا بل مطابقة، كما في دلالة لفظ الإنسان على الحيوان أو على الناطق عند إرادة أحدهما منه، لا عند إرادة المجموع، وإنما سميت هذه الدلالة تضمنا؛ لأنه يدل على ما في ضمن الموضوع له.
(و) مثال الدلالة بالالتزام كالإنسان فإنه يدل (على قابل العلم وصنعة الكتابة بالتزام) وهذا أيضا عند إرادة الموضوع له، لا دلالته على الأمر الخارج اللازم مطلقا، وإنما سميت هذه الدلالة بالتزام لأن اللفظ لا يدل على كل أمر خارج عنه، وإلا لزم دلالة اللفظ على معان غير متناهية، ولا على بعض غير مضبوط لعدم الفهم، بل يدل على الأمر الخارج اللازم له ذهنا.