القَوْلُ الشَّارِحُ
الحَدُّ قَوْلٌ دَاْلٌ عَلَى مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ
وَهُوَ الذي يَتَرَكَّبُ مِنْ جِنْسِ الشَّيْءِ وَفَصْلِهِ الْقَرِيبَيْنِ ، كَالحَيَوَانِ النَّاطِقِ بِالنِّسبَةِ إِلَى الإِنْسَانِ وَهْوَ الحَدُّ التَّامُّ
وَالحَدُّ النَّاقِصُ وَهْوَ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنْ جِنْسِ الشَيْءِ الْبَعِيدِ وَفَصْلِهِ الْقَرِيبِ، كَالجِسْمِ النَّاطِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الإِنْسَانِ
وَالرَّسْمُ التَامُّ وَهُوَ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنْ جِنْسِ الشَّيءِ الْقَرِيبِ وَخَوَاصِّهِ اللَّازِمَةِ لَهُ كَالحَيَوَانِ الضَّاحِكِ في تَعْرِيفِ الإِنْسَانِ
وَالرَّسْمُ النَّاقِصُ وَهُوَ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنْ عَرَضِيَّاتٍ تَخْتَصُّ جُمْلَتُهَا بِحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ كَقَوْلِنَا فِي تَعْرِيفِ الإنْسَانِ إنَّهُ مَاشٍ عَلَى قَدمَيْهِ عَرِيضُ الأَظْفَارِ بَادِي الْبَشَرَةِ مُسْتَقِيمُ الْقَامَةِ ضَحَّاكٌ بِالطَبْعِ.
مقاصد التصورات
القول الشارح
ولما فرغ من مبادئ التصورات، وهي الكليات الخمس، شرع في مقاصدها، فقال:
(القَوْلُ الشَّارِحُ) أي: مما يجب استحضاره القول الشارح، ويرادفه المعرِّف.
ويسمى بالقول لكونه مركبا، ويسمى شارحا لشرحه الماهية، إما بأن يكون تصوره سببا لاكتساب تصور الماهية بكنهها، وهو الحد. أو بأن يكون تصوره سببا لاكتساب تصورها بوجهٍ مّا يميِّزها عما عداها، وهو الرسم.
وبهذا عُلم أن القول الشارح إما حد أو رسم، فعرَّف الحد بقوله:
(الحَدُّ: قَوْلٌ دَاْلٌ عَلَى مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ) أي: حقيقته الذاتية.
قيل: لم يجز تعريف المعرِّف لئلا يتسلسل.
وأجيب: بأن التسلسل غير لازم؛ لأن معرِّف المعرِّف من حيث هو هو غير محتاج إلى معرِّف آخر، إما لبداهة أجزائه أو لكونه معلوما بالكسب، وبأن التسلسل ههنا في الأمور الاعتبارية، والتسلسل فيها ليس بمحال؛ لأنه ينقطع بانقطاع اعتبار المعتبر.
(و)المعرِّف منحصر في أربعة أقسام؛ لأنه إما بمجرد الذاتيات أو لا:
- فإن كان بمجرد الذاتيات:
فإما أن يكون بجميعها وهو الحد التام،
أو ببعضها وهو الحد الناقص.
- وإن لم يكن بمجرد الذاتيات:
فإما أن يكون بالجنس القريب والخاصة اللازمة وهو الرسم التام،
أو بغير ذلك وهو الرسم الناقص.
الحد التام والناقص
فالحد التام (وَهُوَ الذي يَتَرَكَّبُ مِنْ جِنْسِ الشَّيْءِ وَفَصْلِهِ الْقَرِيبَيْنِ).
فالجنس القريب للشيء: هو الذي لا يكون بينه وبينه جنس آخر، كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان.
والفصل القريب للشيء: هو الذي لا يكون بينه وبينه فصل آخر، كالناطق بالنسبة إلى الإنسان.
فالمركب منهما هو الحد التام، (كَالحَيَوَانِ النَّاطِقِ بِالنِّسبَةِ إِلَى الإِنْسَانِ)؛ فإنك إذا قلت: ما الإنسان؟ يقال: هو الحيوان الناطق (وَهُوَ الحَدُّ التَّامُّ).
أما تسميته «حدا» فلأن الحد في اللغة: المنع، وهو لاشتماله على جميع الذاتيات مانع من دخول الأغيار الأجنبية فيه.
وأما تسميته «تاما» فلكون الذاتيات مذكورة بتمامها فيه.
ويُعتبر في الحد التام تقديم الجنس على الفصل؛ لأنه مفسِّر للجنس، ومفسر الشيء متأخر عنه.
(وَالحَدُّ النَّاقِصُ: وَهُوَ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنْ جِنْسِ الشَيْءِ الْبَعِيدِ وَفَصْلِهِ الْقَرِيبِ) فالجنس البعيد للشيء، هو الذي يكون بينه وبينه جنس آخر.
(كَالجِسْمِ النَّاطِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الإِنْسَانِ) أما كونه حدا فلما مر، وأما كونه ناقصا فلعدم ذكر جميع الذاتيات فيه.
الرسم التام والناقص
(وَالرَّسْمُ التَامُّ: وَهُوَ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنْ جِنْسِ الشَّيءِ الْقَرِيبِ وَخَوَاصِّهِ اللَّازِمَةِ له، كَالحَيَوَانِ الضَّاحِكِ في تَعرِيفِ الإِنْسَانِ).
أما كونه «رسما» فلأن رسم الدار أثرها، ولما كان هذا التعريف تعريفا بالخاصة اللازمة الخارجة التي هي من آثار الشيء كان تعريفا بالأثر.
وأما كونه «تاما» فلكونه مشابها للحد التام، من جهة أنه وضع في كل واحد منهما الجنس القريب المقيَّد بأمر مخصَّص. وإنما قيَّد الخواص باللازمة؛ لامتناع التعريف بالخاصة المفارقة لكونها أخص من ذي الخاصة، والتعريف بالأخص غير جائز.
(وَالرَّسْمُ النَّاقِصُ: وَهُوَ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنْ عَرَضِيَّاتٍ تَخْتَصُّ جُمْلَتُهَا بِحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، كَقَوْلِنَا فِي تَعْرِيفِ الإنْسَانِ: إنَّهُ مَاشٍ عَلَى قَدمَيْهِ)يخرج: الماشي على الأقدام الأربعة كالفرس والبقر.
(عَرِيضُ الأَظْفَارِ) يخرج: ما ليس بعريض الأظفار، كالطيور.
(بَادِي الْبَشَرَةِ) يخرج: ما هو مستُور البشرة بالشعر.
(مُسْتَقِيمُ الْقَامَةِ) يخرج: ما هو منحني القامة، كالإبل والبقر.
فلما قال: (ضَحَّاكٌ بِالطَبْعِ) اختص الجميع بالإنسان وخرج غيره؛ لأن جملة هذه الأمور العرضية مختصة بالإنسان لا غيرُ، بخلاف كل واحد منها؛ لوجود البعض منها في غيره أيضا، فإن الماشي على القدمين يوجد أيضا في الطيور، وعريض الأظفار يوجد في نحو الفرس، وبادي البشرة يوجد في نحو الحية والسمك، ومستقيم القامة يوجد في الأشجار، وأما الضحاك بالطبع ففي وجوده في غير الإنسان خلاف، لكن الأولى أن لا يوجد.
أما كونه «رسما» فلِما مر، وأما كونه «ناقصا» فلعدم ذكر بعض أجزاء الرسم التام فيه حتى تتحقق المشابهة بالحد التام كتحققها بين الرسم التام والحد التام.