﴿الفريدة الثالثة﴾
قوله: ((ذهب السكاكي)) اسمه يوسف وكنيته أبو يعقوب منسوب إلى سكاكة قرية باليمن، وهذا التقسيم خاص به.
أما القوم فلا يقولون بالتخييلية بالمعنى الآتي فلا يقولون باستعارة الأظفار مثلا للأمر الوهمي بل هي مستعملة في حقيقتها وإنما التجوز في الإثبات أي: إثبات الأظفار للمنية، فهي مجاز عقلي لا لغوي، فالاستعارة التي هي قسم من المجاز اللغوي لا تكون عندهم إلا تحقيقية، نعم يوافقونه في التسمية تسمحا، فيسمون هذا الإثبات استعارة تخييلية، فالاستعارة على مذهبهم حقيقة عرفية على سبيل الاشتراك اللفظي بين الكلمة المستعملة...إلخ وبين هذا الإثبات، كما أن إطلاقها على المعنى المصدري وعلى مكنية الخطيب أعني التشبيه المضمر في النفس كذلك، وأما عند السكاكي فمن الاشتراك المعنوي لأن تخييليته قسم من المجاز اللغوي، إذ هي كلمة استعملت في غير ما وضعت له للمشابهة.
قوله: ((المستعار له)) قال الأمير «وأما المستعار منه فلم يُعثر عليه إلا محققا» اهـ أي: لأن اللفظ لا يستعار إلا من معنى قد وضع له وضعا حقيقيا إن كان مستعارا من الحقيقة أو مجازيا إن كان مستعارا من المجاز، ولا شك أن كلا منهما محقق حسا أو عقلا.
نعم إن كان السكاكي يُجَوِّزُ نقل اللفظ المستعمل في التخييلية بالمعنى الذي قاله إلى معنى آخر فيكون مجازا مبنيا على مجاز التخييلية تُصُوِّرَ كون المستعار منه مخيلا، فتتم القسمة العقلية، وهي رباعية بل تزيد إن اعتبر كون التحقق حسيا أو عقليا.
ولا حاجة لهذا كله فإن التمثيلية قد تكون مستعارة من هيئة متخيلة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية على ما سيأتي بيانه.
فالقسمة العقلية متصورة قطعا، لكن التسمية بالتحقيقية والتخييلية عند السكاكي إنما هي باعتبار المستعار له.
قوله: ((حسا أو عقلا)) منصوبان على التمييز أو المفعولية المطلقة أي: تحقيق حس أو عقل.
والمراد بالمحقق ما ليس صورة وهمية محضة كما يؤخذ من التلخيص من حَقَّ إذا ثبت، فيشمل المجزوم والمظنون مطابقا للواقع أَوْ لا، ويخرج عنه الموهوم والمشكوك، أفاده الصبان.
قوله: ((إلى أمر معلوم)) أي: إلى معنى مجازي معلوم، ومحط التصوير للمحقق الحسي على تقييد الإشارة بالحسية، وما قبله مشترك بينه وبين العقلي.
فالمحقق الحسي ما يدرك تحققه ووجوده بالحس أي: بإحدى الحواس الظاهرة بأن كان له وجود في الخارج كالرجل الشجاع المستعار له الأسد.
والمحقق العقلي ما يدرك تحققه ووجوده بالعقل بأن كان له ثبوت في نفس الأمر لا في الخارج كدين الإسلام المستعارِ له الصراطُ المستقيمُ
وظاهرٌ أنه يلزم من التحقق الحسي التحقق العقلي من غير عكس.
قوله: ((عن مسماه الأصلي)) في المحشي المسمى لا يكون إلا أصليا بخلاف المعنى لانفراده في المعنى المجازي.
قوله: ((في تشبيهه)) أي: المعنى المجازي.
وقوله «الموضوع» نائب فاعله يعود لـ«اللفظ» وضمير له يعود للمعنى ولم يُبْرِزْ لأمن اللبس، لأن الوضع وصف للفظ لا للمعنى أي: مبالغة في تشبيه المعنى المجازي بالمعنى الأصلي الذي وضع له اللفظ.
قوله: ((أي: الدين الحق)) هذا هو المعنى المجازي الذي استعير له الصراط المستقيم، فإن معناه الأصلي الطريق الواضح المعتدل شبه به الدين في التوصل إلى المطلوب.
قوله: ((أي: القواعد)) جمع قاعدة، وهي القضية الكلية التي تعرف منها الأحكام نحو كلُّ زنًا محرمٌ، فالمراد بالدين الأحكام التي وضعها الشارع، ولا شك أنها يُدْرِكُ العقلُ تحققَها ويحكمُ بثبوتها، إما لأنها ثابتـة في نفسها وإن كانت لا ترتقي لمرتبة الوجود بناء على القول بالأحوال، وإما لاستنادها لمقتضيها الخارجي كما يشير إليه قول الشارح «المدلولة للكتاب والسنة» بناء على أنها اعتبارات لا ثبوت لها إلا في الذهن، وبالجملة فليس المراد بالتحقق في العقل مجرد كونه موجودا في الذهن وجودَ إدراك فإن هذا القدر موجود في التخييلية كما لا يخفى.
والحاصل أن الحال عند القائل بها واسطة بين الموجود والمعدوم، والحق أن لا حالَ وليس إلا موجودٌ أو معدومٌ، وما عداهما أمور اعتبارية، وهي قسمان.
اعتبارية محضة أي: خالية عن شائبة التحقق كاعتبار الكريم بخيلا.
واعتبارية لها تحقق وثبوت في نفسها بقطع النظر عن اعتبار المعتبر وفرض الفارض كالوجود والأحكام.
واعترض بأن هذا الثاني هو عينُ الحالِ الواسطةِ بين الموجود والمعدوم، والفرق بأن ثبوت الحال أشد وَاهٍ أو بأنه له ثبوت في نفسه وثبوت في محله والاعتبارَ في نفسه فقط يَرِدُ عليه أن الاعتبار صفة للمحل، ولا يصح ثبوت صفة لا في محل حتى تتميز عن الحال.
وأيضا لو كان الاعتبار ثابتا لكان ثبوته اعتبارًا له ثبوت فيدور أو يتسلسل.
وأيضا تتعلق به القدرة إذ لا يثبت بدونها ثم التعلق اعتبارٌ يحتاج لتعلق، كما هو الدليل على نفي الحال، فالحق أن الاعتبار لا ثبوت له أصلا، وإلا لكان هو الحال.
نعم منه ما يساعده الخارج ومنه ما يكذبه، فالفرق بين الصادق والكاذب أن الأول منتزع والثانيَ مخترع يخالف الخارج ويصادمه.
قوله: ((في أنشبت المنية)) أي: في هذا المثال ونحوه، وإلا فالأظفار في قولنا أظفار المنية الشبيهة بالسبع نشبت بفلان ليست قرينة للمكنية أي: لأنه ليس فيه استعارة للتصريح بالتشبيه كذا في الحفيد وتبعه المحشي.
وفيه نظر كما قاله الصبان لأننا لسنا بصدد التمثيل لقرينة المكنية بل لتخييلية السكاكي وهو مصرِّح بأن التخييلية قد توجد بدون المكنية كما في أظفار المنية الشبيهة بالسبع أهلكت فلانا، لأن المنية لما شبهت بالسبع صريحا اخترع الوهم لها صورة مثل صورة الأظفار المحققة وأطلق عليها لفظ الأظفار، فهي تخييلية بدون مكنية لانتفائها بصريح التشبيه، كما أن المكنية عنده توجد بدون التخييلية بأن تكون قرينتها أمرًا محققًا كالإنبات في أنبت الربيع البقل، كما في شرح التلخيص.
قوله: ((في الاغتيال)) أي: إتلاف النفوس من غير تفرقة بين نَفَّاعٍ وضَرَّارٍ ولا رقة لمرحوم ولا بُقْيًا على ذي فضيلة.
قوله: ((فأخذ الوهم)) يحتمل أنه أراد به التوهم الكاذب المقابل للتعقل الصادق، ويحتمل إجراؤه على كلام الحكماء من أن في الرأس خمس قوى تسمى الحواس الباطنة كالحواس الخمس الظاهرة مجموعة على الترتيب من الجبهة إلي القفا في قوله:
امْنَعْ شَرِيكَكَ عن خيالِكَ وانْصَرِفْ
عَنْ وَهْـمِهِ واحْفَظْ لذلكَ واعْقِلا
وبيانه أنهم زعموا أن في الرأس ثلاث تجاويف للقُوَى المغايرة للعقل أعظمها التجويف الأول في مقدَّمه مما يلي الوجه وفيه قوتان.
إحداهما في مقدَّمه تسمى الحس المشترك وهي قوة ترسم فيها صورة الجزئيات المحسوسة بإحدى الحواس الظاهرة، فجميع ما أدركته الحواس على اختلافها تورده إلى تلك القوة فتقبله كحوض تصب فيه خمسُ عيونٍ، ولذلك سميت بالحس المشتَرَك.
القوة الثانية في مؤخَّر ذلك التجويف تسمى الخيال، وهي خزانة الحس المشترك تحفظ تلك الصورة بعد غيبتها عن الحس، فالحس قابل والخيال حافظ.
التجويف الثاني في وسط الرأس، وهو أصغر التجاويف، وفيه قوة واحدة تسمى المتصرفة لتصرفها في الصور التي تأخذها من الخيال بالتركيب والتفريق، كأَنْ تفرق أجزاء زيد وتركب رأس جمل على جثة آدمي، وهذه القوة لا تسكن نوما ولا يقظة، وليس عملها منتظما بل النفس التي تستعملها على أي نظام تريد، فإن استعملتها بواسطة القوة الواهمة الآتية سميت متخيلة أو بواسطة العقل وحده أو مع الوهم سميت مفكرة.
التجويف الثالث في مؤخَّر الرأس مما يلي القفا وهو دون الأول وفيه قوتان:
الأولى في مقدَّمه تسمى الوهم تدرك المعاني الجزئية المنتزعة من الصور المحسوسة كعداوة زيد وصداقة عمر.
والثانية في مؤخَّرِهِ تسمى الحافظة، وهي خزانة الوهم تحفظ المعاني الجزئية التي أدركها الوهم بعد غيبتها عنه.
فقول الشارح «فأخذ الوهم» المراد به القوة المتصرفة، وسماها وَهْماً لاستعمالها بواسطة القوة الواهمة.
قوله: ((واختراع لوازمه)) أي: المتعلقة بوجه الشبه، وهي ما يقع بها الاغتيال في هذا المثال لا مطلق لوازم.
قوله:((على أحد المذاهب))هو مذهب السكاكي القائل بأن المراد بالمنية السبع بادعاء السبعية لها بقرينة إضافة الأظفار إليها، فهي استعارة بالكناية كما سيأتي.
قوله: ((فتخييلية)) هذا زبدة ما ذكره السكاكي، وإلا فالقسمة التي تستفاد من المفتاح ثلاثية (تحقيقية، وتخييلية، ومحتملة لهما)، ولما كانت المحتملة لا تخرج عنهما اقتصر على ما ذكر.
وقد عُلِمَ مما مر أن المراد بالمحقق ما يشمل المظنونَ ثبوتُه والمعتقد، فهما من التحقيقية، ويخرج عنه المشكوك في ثبوته والموهوم، فهما من التخييلية.
قال الحفيد «وفي كون المحتملة لا تخرج عنهما نظر ظاهر، إذ المحتملة لهما هي المشكوك في كونها إحداهما فلا يصدق عليها أن المستعار له فيها محقق ولا أنه متخيل»اهـ.
وَرُدَّ بأن المراد بالمحتملة كما في المفتاح ما يكون المستعار له فيها صالحا للحمل على المحقق تارةً وعلى المتخيل أخرى، وحينئذ فلا تخرج عنهما، على أن المشكوك فيه في كونه محققا أو متخيلا من قسم المتخيل لأن الشك في تحققه وتخيله شك في ثبوته، وقد مر اندراجه في التخييلية.
وبهذا يندفع الاعتراض بأن السكاكي لم يستوف الأقسام بل بقي عليه قسم رابع، وهو هذا، فَيَنْجَرُّ الاعتراض إلى المصنف حيث لم ينبه عليه.
وأمثلة المحتملة لهما كثيرة منها قول زهير:
صَحَا القَلْبُ عن سَلْمَى وأَقْصَرَ باطِلُهُ
*
وعـُرِّىَ أَفْـرَاسُ الـصِّـبَـا وَرَوَاحِـلُـهُ
أراد أن يبين أنه ترك ما كان يرتكبه زمن المحبة من الجهل والغي وأعرض عن معاودته، فشبه في نفسه الصبا بجهة من جهات المسير كالحج قضى منها الوطر فأهملت آلاتها، ووجه الشبه الاشتغال التام وركوب المسالك الصعبة، فهذه مكنية، وأثبت للصبا بعض ما يخص تلك الجهة أعني الأفراس والرواحل، فيحتمل أن تكون استعارة تخييلية إن جعلت مستعارة لأمر وهمي اخترعه الوهم وقدر ثبوته للصبا مشبها بالأفراس والرواحل، ويحتمل أن تكون تحقيقية إن جعلت مستعارة لأمر محقق حسا ملائم للصبا أعني الأشياء التي تكون أسبابا لاتباع الغي كالمال والمنال والأعوان أو محقق عقلا أعني دواعي النفس وشهواتها والقوة الحاصلة لها في استبقاء اللذات، اهـ.
وكذا كل قرينة للمكنية أمكن جعلها مستعارة لملائم المشبه كنطقت الحال و﴿يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾، فإن السكاكي يجوز في مثله كونَ القرينةِ مستعارةً لأمرٍ متخيلٍ مثبتٍ للحال، والعهد مثلا شبيه بالنطق والنقض، فتكون تخييلية، وكونها مستعارة لملائم المشبه كالنطق للدلالة والنقض للإبطال فتكون تحقيقية.
وكذا أظفار المنية إن جعلت مستعارة لأسباب الموت فتحقيقية أو لما مر فتخييلية.
وأما المصنف فإنه يجوز في مثله كون التخييل باقيا على حقيقته لا تجوز فيه أو مستعارًا لملائم المشبه كما سيأتي.
قوله: ((فوائد)) سبق أكثرُها.
وبقي أن هذا التقسيم للتصريحية لا للمكنية بدليل كلامه في المفتاح، وأما التمثيلية فجعلها قسما من التحقيقية اهـ أي: حيث قال في قسم التصريحية التحقيقية «ومن الأمثلة استعارة وصف إحدى صورتين منتزعتين من أمور لوصفِ صورةٍ أخرى» لكن قدمنا في الأقسام أنها تكون تخييلية أيضًا نحو أرى الحال تقدم رجلا وتؤخر أخرى حيث أثبت للحال صورة وهمية شبيهة بالتقديم والتأخير الحسيين واستعار لها اللفظ، هذا.
واعترض على السكاكي بأنه لا مانع من تقسيم المكنية إلى تحقيقية وهي ما يكون المشبه فيها ثابتا في الحس أو العقل وإلى تخييلية وهي ماليست كذلك.
وأجيب بأن المكنية عنده لا تكون تخييلية لأن المستعار له فيها هو المشبه ادعاء لا حقيقة كما يعلم من الكلام على مذهبه الآتي.
والله سبحانه وتعالى أعلم