قوله: ((أَمَّا هنا)) أي: في ديباجة المصنف، وحُكْمُ غيرِها مما في الخطب ونحوِها يُعْلَمُ بالقياس عليها فإنها في جميعها باستعمالٍ.
واحترز بـ«هنا» عن غير ذلك الاستعمال مما فيه تفصيل ظاهر كآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ﴾ أو مُقَدَّرٌ كآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ ...إلخ﴾ أي: وأما الذين كفروا فلهم كذا، وليس القيد لبيان الواقع كما يرشد إليه قوله «في جميع استعمالاتها».
قوله: ((لمجرد التأكيد)) الحصر إضافي أي: للتأكيد المجرد عن التفصيل لا عنه وعن غيره كما بينه بعدُ، فلا ينافي أن الشرط يلزمها وأنها تكون لفصل الخطاب، نقل السعد في آخر علم البديع إجماع المحققين على أن فصل الخطاب هو (أَمَّا بَعْدُ) لأن المتكلم يفتتح كل كلام ذي شأن بذكر الله تعالى ثم يفصل بينه وبين غرضه بـ(أَمَّا بَعْدُ)، وإنما لم ينبه على ذلك لأن الشرط وفصل الخطاب مشهوران فيها، وأما التوكيد فيحتاج لبيان لخفائه وقَلَّ مَن ذكره، لكن أحكم الزمخشري شرحه فقال كما في الأشموني «فائدةُ (أمَّا) في الكلام أن تُعطيه فضل توكيد فقولك أَمَّا زيدٌ فذاهبٌ يفيد توكيد الذهاب وأنه لا محالة حاصلٌ وأن الذهاب منه عزيمةٌ، ولذلك قال سيبويه في تفسيره مهما يكن من شيء فزيد ذاهب فأفاد بهذا التفسير فائدتين بيان كونه توكيدا أي: حيث إن المعنى مهما يقع شيء في الدنيا يقع ذهاب زيد، ففيه تحقيق وقوعه لربطه بمقطوع به؛ إذ ما دامت الدنيا باقية لابد من حصول شيء فيها، والثانية أنها في معنى الشرط أي: لأنها نائبة عن أداة الشرط وفعله بدليل لزوم الفاء بعدها، قال في المغني «لأنه لا يمكن كونها للعطف؛ إذ لا يعطف الخبر على مُبْتَدَئِهِ في نحو هذا المثال ولا زائدةً؛ لعدم الاستغناء عنها فتعين أنها فاء الجزاء» اهـ، فأصلها مهما يكن من شيء، فحُذِفَ الشرط وفعله وعوّضت عنهما «أمَّا»، فلما وقعت موقع لفظ الشرط لزمتها الفاء اللازمة للشرط غالبا، ولوقوعها موقع المبتدأ وهو «مهما» لزمها لصوق الاسم اللازم للمبتدأ لزوم العام للخاص فلا يقع بعدها فعل أصلا قضاء بحق ما حذف وإبقاءً لأثره في الجملة، قاله الشارح في كبيره على السلم.
وقوله «موقع لفظ الشرط» هو الذي ينبغي أن يعبر به، وأما ما في بعض العبارات من أنها لزمتها الفاء لوقوعها موقع فعل الشرط فغير ظاهر لأن الفاء لنفس الأداة لأنها التي عملت في جواب الشرط كما هو مذهب المحققين من البصريين لا للفعل، إلا أن يجري على مذهب الأخفش من أن الذي عمل في الجواب هو فعل الشرط لاستدعائه له بما أحدثت فيه الأداة من معنى الاستلزام، لكن قال الصبان في حواشي الأشموني «قد يقال إن «أَمَّا» لم تقم إلا مقام «مهما»، وإن الفعل بعدها محذوف، وأيده بقول ابن الحاجب إنهم التزموا حذف الفعل بعدها، وأن يقع بينها وبين جوابها ما هو كالعوض من الفعل المحذوف، والصحيحُ أنه جزء من الجملة الواقعة بعدها قُدِّمَ عليها لقصد العوضية» اهـ فعلى هذا لم تَنُبْ «أمَّا» عن الفعل حتى يقال إن الفاء لنيابتها عنه فتأمل.
بقي في المقام إشكالان:
الأول لِـمَا قَدَّرُوهَا بخصوص «مهما»؟ مع أن الفاء إنما تدل على مطلق الشرط.
وأجيب بأن غيرها لا يناسب هنا لأن «إِنْ» للشك، و«أَىّ» للزومها الإضافةَ تستدعي زيادةَ المقدر، وغيرَ هذين خاص بقبيل كالزمان أو المكان أو العاقل أو غيره، والقصدُ هنا العمومُ، لكن هذا إنما يتم على أن «مهما» أعم من «ما» لا على أنها مساوية لها.
الثاني لِـمَ وجبت الفاء بعد «أَمَّا» مطلقا؟ مع أنها لا تجب بعد الشرط إلا إذا لم يصلح الجواب لمباشرة الأداة بأن كان جملة اسمية أو طلبية...إلخ.
وجوابه أن ذلك لضعف شرطية «أَمَّا» لكونها بطريق النيابة فجعل لزوم الفاء قرينة شرطيتها بخلاف «مهما» لقوتها بالأصالة.
قوله: ((لا للتأكيد)) لم يضمر مع تقدم المرجع لأن التأكيد المتقدم مقيد بكونه مجردًا فلا يحسن مرجعا لأنه لا يصاحب التفصيل.
لا يقال هذا وارد على الإظهار أيضا إذ المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت عينَها لأن ذلك أغلبي كذا قيل، والظاهر أن محل هذه القاعدة إذا كان كل من المعرفتين مطلقا أو مقيدا كما يؤخذ من تمثيلهم، أما مع اختلافهما بالإطلاق والتقييد فلا تكون الثانية عين الأولى، فتأمل.
قوله: ((تكلفا)) أي: بتقديرِ المجملِ ومقابلٍ لـ«أَمَّا» وما بعدها، فالتقدير في نحو «أما زيدٌ فذاهبٌ» الناسُ مختلفون أمَّا زيد فكذا وأما عمرو فكذا، قيل والتقدير هنا العلوم شتى أمَّا النحو مثلا فلا أبغيه وأما الاستعارات فأريدها وأقول...إلخ.
قال الأمير «وأنت خبير بأن التفصيل من جنس الوالي لـ«أَمَّا» كالرجال في أما زيد فذاهب، والوالي لـ«أمَّا» هنا الظرفُ وهو «بَعْدُ»، فالأنسب أن التقدير أما المقام السابق فللبسملة وما بعدها وأما بعد..إلخ» اهـ وأظهرُ منه أن التقدير أَمَّا بعدَ البسملة فأقول إن معاني...إلخ وأما قبلها فلا أقول ذلك لأنه من ذوات البال»، وكون التفصيل من جنس الوالي لـ«أمَّا» دائمًا ممنوعٌ، بل المدار على دخوله في المجمل السابق نحو هلك الرجال ودوابُّهم، أما الرجال فكذا وأما دوابهم فكذا، فتأمل.
وقال الزمخشري «التفصيل إما لمجملٍ سابقٍ أو لمتعدد في الذهن، يختار المتكلم منه ما يهمه ويترك ما عداه، ومنه قولهم في أوائل الكتب (أَمَّا بَعْدُ)، فلا تقدير على هذا إلا أنه مخالف لأكثر النحاة» اهـ حفيد.
قوله: ((فإن معاني...إلخ)) أورد عليه إشكالان:
الأول أن جواب الشرط يجب أن يكون مستقبلا وذكر معاني الاستعارات في الكتب سابق لا يصح تعليقه.
الثاني أن المعنى مهما يقع شيء في الدنيا فإن المعانيَ قد ذكرت في الكتب بعد حمدي بناء على المختار من تعليق الظرف بالجزاء، ولا معنى لتقييد الذكر ببعدية الحمد إذ هو ثابت حَمِدَ أو لم يَحْمَدْ.
وأجيب عنهما معًا بأن هناك قولا محذوفا، والتقدير فأقول إن معاني...إلخ، ولا شك أن القول مستقبل وواقع بعد الحمد.
وجواب الروداني بأن الشرط هنا ليس للتعليق بل لمجرد الاستلزام والربط، وأن التعليق قد يكون في الماضي كشرط «لو» فليكن هذا منه لا يَدْفَعُ إلا الأولَ.
وجعلُ الظرف من متعلقات الشرط بناء على غير المختار لا يدفع إلا الثاني كذا قيل وفيه نظر، فتأمل.
وأما تقدير القول فدافع لهما، لكن يعكر عليه وجوب حذف الفاء مع القول كما صرح به الأشموني في شرح قول ابن مالك (وحذفُ ذي الفا قَلَّ في نثرٍ...إلخ) كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم﴾ أي: فيقال له أكفرتم، فلما حذف القول تبعته الفاء وجوبا.
ويجاب بأنه غير متفق عليه ففي المغني والهمع حكايةُ قولٍ بوجوب ذكر الفاء في الاختيار حتى مع حذف القول، وأن الجواب في الآية ﴿فَذُوقُوا﴾ والأصل فيقال لهم ذوقوا، فحذف القول وانتقلت الفاء للمقول، وما بين «أَمَّا» والفاء اعتِرَاضٌ.
وإنما كان المختار كونَ الظرف من متعلقات الجزاء ليكون المعلَّق عليه وجود شيء مطلق، بخلاف تعلقه بالشرط فإنه يكون المعلَّق عليه وجود شيء مقيد ببعدية الحمد، والمعلَّق على المطلق أقوى تحققا، وليكون أدل على امتثال تقديم البسملة على القولِ المجعولِ جوابًا.
ولا يرد عليه أن ما بعد فاء الجزاء لا يعمل فيما قبلها لأنهم أجازوا ذلك في خصوص «أمَّا» لكون تقديم المعمول فيها لأغراض مهمة من جملتها الفصل بينها وبين الفاء تخلصا من وجود صورة العاطف من غير معطوف عليه، فلا يلتفت إلى المانع من التقديم، ولذلك اختار ابن مالك تبعا للفرَّاء وغيـره في نحو أما اليـوم فإني ذاهب، وأما في الدار فإني جالس أن الظرف متعلِّق بالجزاء مع أنه يمتنع عمل ما بعد «إِنَّ» فيما قبلها للزومها الصدرَ لأن محلَّهُ في غير «أمَّا» لما مر، فلا نظر للمانع وإن تعدّد، وهذا هو المختار وإن كان مذهب سيبويه والجمهور أنه متعلِّقٌ بـ«أمَّا» لنيابتها عن فعل الشرط المحذوف أو بالفعل نفسه.
ويؤيد الأول أنه ليس القصد تعليق الذهاب والجلوس على وجود شيء اليوم أو في الدار بل أن الذهابَ نفسَهُ حاصلٌ اليومَ والجلوسَ في الدارِ.
وأيضا ليكون المعلَّق عليه مطلقا كما مَرَّ، هذا.
واستغنى الزيباري عن تقدير القول هنا بفتح همزة «أَنَّ» وتقدير اللام قبلها على أنه علة مقدمة لقوله «فأردت» الذي هو الجواب بتأويله بـ«أريد» والمعنى مهما يقع شيء فأريد ذكر المعاني لأَنَّ...إلخ، ولا يخفى أنه تَكَلُّفٌ، لكنه لا يرد عليه شيء مما مر، وعلى هذا فيجب أن تكون فاء الجواب هي الداخلة على «أَنَّ» والفاء في «فأردت» زائدة، لأنه يجب أن لا يفصل بين «أمَّا» والفاء بغير اسم واحد أو ما هو في حكم الواحد كجملة الشرط والجار والمجرور كما قال ابن مالك:
(................. وَفَا
*
لِتِلْوِ تِلْوِهَا وُجُوبًا أُلِفَا)
وأما قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ﴾ فإنه وإن فُصِلَ فيه بين «أمَّا» وجوابها وهو «فيقول» بأكثر من اسم لكنه في حكم اسم واحد لأن الظرف وهو «إذا» حالٌ من «الإنسان» بناءً على مجيء الحال من المبتدأ، والشيءُ مع متعلقه كالشيء الواحد كما قُرِّرَ في محله.
قوله:((أي:الاستعارة التصريحية...إلخ)) رَدٌّ لاعتراض العصام بأن المعانيَ لِلَفْظِ «استعارةٍ» بالإفراد فلا وجه للجمع، وحاصل الرد أنه إنما يرد لو كان لفظ «استعارة» موضوعا لكل من الأقسام الثلاثة بالاشتراك اللفظي بينها، وليس كذلك بل لكل منها اسم خاص هو استعارة مصرحة واستعارة مكنية واستعارة تخييلية، فهو من مقابلة الجمع بالجمع المقتضي للقسمة آحادًا، فأراد بـ«الاستعارات» الأسماء الثلاثة، ولكل واحد معنى إلا أنه اقتصر على جمع الجزء الأول منها عملا بالممكن وتعويلا على «أل» العهديةِ.
ولا يقال إن هذه الأسماء الثلاثة أعلام والتصرف في الأعلام بحذف أو زيادة ممنوع، لأنا نمنع ذلك بل هي أسماء أجناس، وما قيل إنها أعلام تُصُرِّفَ فيها لشهرتها كعصام الدين وسعد الدين حيث قيل العصام والسعد رَدَّهُ الأميرُ بأن التصرف في العلم المشتهر إنما يجوز حيث اقتصر على الجزء المعين؛ كـ«عصام» و«سعد»، وهنا ليس كذلك لأن الجزء المعين تصريحية ومكنية...إلخ لا استعارة.
ولا يخفى أن اعتراض العصام لا يرد إلا على جعلها من إضافة المدلول للدال أما على كونها للبيان والمعنى فإن المعاني التي هي الاستعارات فلا، وأن كلام الشراح لا يكون رَدًّا له إلا على جعله تفسيرا للاستعارات لا المعاني، فتأمل.
قوله: ((الغير التخييلية)) جمع بين «أل» والإضافة لأن «غير» بمعنى مغاير فهو وصف كالضاربِ الرجلِ.
واحترز بهذا القيد عن التخييلية على مذهب السكاكي لأنها مصرَّحة عنده لأن الأظفار في أظفار المنية مستعار لمعنى وهمي شبيه بالأظفار الحقيقية، أما على مذهب الجمهور فالقيد لبيان الواقع لأن التخييلية عندهم إثبات لازم المشبه به للمشبه والتصريحية لفظ المشبه به المستعارُ.
قوله: ((قد ذكرت)) فيه حذف مضاف أي: دوالها، ولم يقل ذكرتا أي: معاني الاستعارات وما يتعـلق بها نظرا إلى أن ما يتعـلق بها شيئـان وهمـا الأقسام والقرائـن فصار المرجع جماعةً.
واعترض بأن الذِّكْرَ التلفظُ وهو لا يكون في الكتب لأنها مجموع الورق والنقوش كما يفيده كلام الجوهري أو النقوش فقط على ما قاله بعضهم، فالذي في الكتب هو النقش لا الذكر.
وأجيب بأنه مجاز مرسل من إطلاق المتعلِّق بالمدلول وهو الذِّكْرُ على المتعلِّق بالدال لأن الألفاظ التي يتعلق بها الذكر مدلولة للنقوش التي يتعلق بها النقش أو من إطلاق اللازم على الملزوم لأن مَنْ نَقَشَ شيئا تلفظ به عادةً، فصار المعنى (نُقِشَتْ في الكتب).
لا يقال إنه تحصيل حاصل لأن الكتب لا تنقش بل الصحف الخالية لما مر في «العطية» من أن مثل ذلك من مجاز الأَوْلِ أو الحقيقة لأنها حال تعلق النقش بها يطلق عليها أنها منقوشة، فتسمى كتبا للتلازم بين الناقش والمنقوش، ويحتمل تضمين «ذُكِرَتْ» معنى «وُضِعَتْ» فلا يكون في كلامه إلا مجازُ الأَوْلِ في «الكتب» على ما فيه بناءً على أن التضمين من قسم الحقيقة.
قوله: ((في الكتب)) يقال عليه يفهم من إضافة الكتب فيما سيأتي للمتقدّمين ومقابلتها بـ«زبر المتأخرين» إن المراد بـ«الكتب» هنا كتب المتقدّمين فقط بدليل المقابلة، ومفهومه أنها في كتب المتأخرين مجملةٌ مضبوطةٌ فلا يتم الداعي لتأليف هذه الرسالة.
وجوابه أن المراد بالكتب ما يشتمل الزبر وهو مطلق منقوش سواء كان للمتقدمين أو للمتأخرين بدليل المقام.
قوله: ((أي: مشتتة مفرقة)) جمع بينهما إيضاحًا، فـ«مفصلة» من التفصيل بمعنى التفريق لا بمعنى البيان والإيضاح بدليل قوله «عسيرة الضبط»، ألا ترى أن الاستعارة بالكناية لم يذكرها صاحب الكشاف إلا في ضمن تفسير آية.
قوله: ((عسيرة الضبط)) حالٌ ثانيةٌ من ضمير «ذكرت» أو ضمير «مفصلة» لأنها صفة مشبَّهة لا تتعرّف بالإضافة فهي حال مترادفة أو متداخلة.
قوله: ((أي: غير مفرّقة)) دفع به توهم الإجمال الأصولي وهو خفاء الدلالة وعدم وضوحه.
قال المحشي وفي قوله «مجملة»و«مضبوطة» مجازُ الأَوْلِ إن كانت الخطبة مقدمة على التأليف إذ حال الإرادة لم يحصل الجمع ولا الضبط، بخلافه إذا كانت متأخرة فلا تَجَوُّزَ أصلاً اهـ.
وفيه أن الحال قيدٌ في عاملها ومقارنة له وهو هنا الذكر لا الإرادة، فلم يسمها مجملة إلا في وقت ذكرها سواء كانت الخطبة مقدّمة أو مؤخرة، فتأمل.
قوله: ((أي: سهلة الضبط)) قال العصـام «كـان الأَوْلَـى للمصنـف أن يقـول أَوَّلاً مفصلة غير مضبوطة ليناسب قوله بعدُ «مجملة مضبوطة» أو ثانيًا مجملة سهلة الضبط ليناسب قوله «عسيرة الضبط»، فلْيُحْمَلْ قوله «مضبوطة» على سهلة الضبط ليظهر التعادل بين كلامَيْهِ، فاعترضه الشارح بأن الأَوَّلَ خلاف الواقع لأنهم ضبطوها بعبارات قطعا والثانيَ يوهم أنه سَهَّلَ ضبطَها ولم يضبطها بالفعل، إلا أن يقال لو قال المصنف سهلة الضبط لكان المعنى أن ضبطها الحاصل بالفعل سهل بقرينة مدحه كتابه اهـ.
فلُيحمل قول الشارح هنا «سهلة الضبط» على أن ضبطها الحاصل بالفعل سهل، لئلا يرد عليه الإيهام المذكور.
ولك أن تقول هذا الحمل مع احتياجه للقرينة لا يدفع الاعتراض من أصله بل يخففه بحصول المطابقة المعنوية فقط دون اللفظية إذ لا تحصل إلا مع التصريح بـ«سهلة الضبط»، والمعنويةُ كما تحصل بذلك تحصل بإبقاء «مضبوطة» على أصل معناها من حصول الضبط بالفعل، ويفهم أنه على وجهٍ سَهْلٍ من مقابلته بـ«عسيرة الضبط» إلا أن يجاب بأن المطابقة المعنوية على التأويل أقوى منها بلا تأويل.
قوله: ((على وجه)) متعلق بـ«ذُكِرَ» بقطع النظر عن تقييده بـ«مجملة مضبوطة» وإلا اقتضى اشتمال الكتب على الإجمال والضبط فينافي ما سبق.
ولا داعي لتعليقه بـ«مجملة مضبوطة» بتكلف تجريدهما عن صفتي الإجمال والضبط واعتبارِ أصل المعنى وهو مطلق الذِّكْرِ لبُعْدِ المسافة مع قرب المقصد.
قوله: ((واضحة)) أخذه من التعبير عن الدلالة بالنطق.
قوله: ((شبه الدلالة)) إشارة إلى أنها استعارةٌ مصرحةٌ تبعيةٌ، وتقريرها شبه الدلالة الواضحة بالنطق بجامع إيضاح المعنى، واستعار النطق للدلالة استعارة مصرحة أصلية، واشتق من النطق بمعنى الدلالة نَطَقَ بمعنى دَلَّ، فهي في الفعل تبعية لجريانها فيه بعد جريانها في المصدر، والقرينة إسناد النطق للكتب.
ويحتمل أنها مكنيةٌ بأن تشبه الكتب بذي نطق، ويُطْوَى ذكر المشبه به ويثبت من لوازمه النطق تخييلا.
أو مجازٌ مرسلٌ من إطلاق الملزوم وهو النطق على اللازم وهو الدلالة.
أو مجازٌ عقليٌ حيث أسند للكتب ما هو لغيرها.
قوله: ((في إيضاح المعنى)) «في» ليست سببية كمـا توهم لدخولـها على وجه الشبه، وليس هو الحامل على التشبيه بل الحامل عليه قصدُ المبالغة مثلا، فهي للظرفية إلا أنها اعتبارية، لأن وجه الشبه محل اعتباري للتشبيه، فتأمل.
قوله: ((وإيصاله)) عطف لازم أو مسبب عادةً لا عقلاً.
قوله: ((ودل عليه)) عبر في جانب المتقدمين بالنطق وفي المتأخرين بالدلالة لأن عبارة المتقدمين مبسوطة واضحة فناسبها النطق وعبارة المتأخرين مختصرة فرارا من الملل بزيادة الإيضاح، ففيها نوع خفاء فناسبها الدلالة، ولذلك ذَكَرَ الكتب في الأول والزبر في الثاني، لأن الزبر ظاهرها الكتب الصغيرة.
قوله: ((بضمتين)) أي: ككُتُب، وأَمَّا بضم ففتح كغُرَف فجمع زبرة بضم الزاي كغرفة وهي القطعة من الحديد ونحوه، ومنه قوله تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾، والزبور بفتح الزاي، وقرأ حمزة بضمها في ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
قوله: ((أنسب بالكتب)) أي: لفظا لأنه بوزنه ومعنىً لأنه بمعناه إذ الزبور هو الكتاب بمعنى المزبور أي: المكتوب.
لا يقال الأنسبية تقتضي المغايرة مع أنه عينه لأن المغايرة هنا باعتبار الإضافة للمتقدّمين والمتأخرين، فـ«أل» في الكتب للعهد الذكري، لكنْ فيه صَوْغُ «أفعل» التفضيل من المناسبة وفعلها رباعي أو من التناسب وفعله خماسي وكلاهما شاذّ.
قوله: ((والثاني أعم)) أي: مطلقا بناء على أن الكتب اسم للألفاظ الـمكتوبة أي: المكتوبِ دَوَالُّها وهي النقوش.
أما على أنه اسم لمجموع الورق والنقوش كما يفيده كلام الجوهري أو للنقوش نفسها كما قاله بعضهم فبينهما التباين، نعم الكلام أعم من مدلول النقوش اهـ صبان.
قوله: ((فنظمت)) عطف على «أردت» من عطف المسبب على السبب لأن الفعل مسبب عن الإرادة غالبًا.
والنظم في اللغة جمع اللؤلؤ في السلك، وفي الاصطلاح تأليف الكلمات والجمل مترتبة المعاني متناسقة الدلالة على حسب ما يقتضيه العقل، وقد يطلق على تلك الألفاظ المترتبة المنسوقة إطلاقا للمصدر على المفعول، ثم إن نقل «النظم» عن معناه اللغوي إلى تأليف الكلمات استعارة مصرحة، «فنظمت» بمعنى أَلَّفْتُ استعارة تبعية باعتبار أصل اللغة، وهي الآنَ حقيقة عرفية، لكن يحتاج للتجريد بأن يراد من النظم مطلق تأليفِ أشياءَ لئلا يتكرّر مع قوله «فرائد».
قوله: ((الثمينة)) أي: كثيرة الثمن.
قوله: ((عن خلطها)) متعلق بالمحفوظة أي: المحفوظة عن أن تخلط بغيرها من اللآليء.
ولا يقال يفهم أنها تخلط بغير اللآليء.
لأنا نقول إذا حفظت عن خلطها باللآليء فلتحفظ عن غيرها بالأَوْلَى، على أن اللآليء لقب فلا مفهوم له إذ المفهوم إنما هو للصفة، والمراد من اللآليء الدر الصغير فقط بقرينة حفظ الفريدة عنه وإن كان يطلق على الدر صغيرًا وكبيرًا.
قوله: ((مضاف إليه ما قبله)) صريح في أنه تركيب إضافي، فتكون الفرائد إمَّا بمعنى الدرر حقيقة، والنظم ليس متعلقا بها بل بالعوائد التي هي صفة لموصوف محذوف مشبه بالفرائد كما بينه الشارح، «فنظمت»و«عقود» ترشيحان للتشبيه، وإما جمع فريدة بمعنى منفردة في الشرف فتكون من إضافة الصفة للموصوف أي: نظمت عوائد منفردة، ففي العوائد أي: المسائل العائدة إليه استعارة مكنية حيث شبهت بالجواهر، والنظم إن كان بالمعنى اللغوي وهو جمع اللآليء فهو تخييلٌ، وعقود ترشيحٌ، وإن كان بالمعنى الاصطلاحي وهو التأليف فهو تجريد، وعقود تخييلٌ.
ويحتمل أنه تركيب توصيفي فـ«عوائد» صفة لـ«فرائد»، فإن جعلت بمعنى الدرر فهي استعارة مصرحة لظريف المسائل، فالنظم وعقود ترشيحان، وإن جعلت بمعنى منفردات كانت صفة لمحذوف أي: نَظَمْتُ مسائل منفردات عوائد ففيها استعارة مكنية، وفي النظم وعقود ما مر.
وكذا يقال على احتمال البدل المذكور في الشارح.
واعلم أن «عوائد» يحتمل أن يكون جـمع عائدة اسم فاعل من العود أو اسم جنس جامد معناه المعروف والصلة، وكل منهما يأتي على الإضافة والبدلية، ويتعين الأول على الوصفية لأنه لا يوصف بالجامد، فإن جعل عطفَ بيان تعين الثاني لاشتراط أن يكون جامدا محضا ليفارق النعت، وسيشير الشارح إلى أن العقود استعارة مصرحة للألفاظ، فتكون الفرائد والنظم ترشيحين لها، وهذا لا ينافي شيئا مما هنا لأن العقود إما ترشيح أو تخييل، وكلاهما يجوز أن يكون باقيا على حقيقته أو مستعارًا لملائم المشبه كما سيأتي في المتن.
هكذا ينبغي تقرير المقام فإن في غيره قصورًا أو منافاة كقول الحفيد عند قوله «في ثلاثة عقود» إن الاستعارة مكنية حيث شبهت المسائل بالجواهر، والنظم تخييلٌ، وعقود ترشيحٌ، فلا يظهر هذا إلا على جعل الفرائد بمعنى المنفردات في الحسن كما علمت، مع أنه قال الفريدة بمعنى الدرة في الأصل والمراد منها الآن المسألة لشبهها بها فينافي كونها مكنية لأنها على هذا مصرحة كما علمت، اللهم إلا أن يبنى على تناسي التشبيه وأن الدرة صارت اسما عرفيا للمسألة فتأمل.
قوله: ((كلُجَيْنِ)) بضم اللام هو الفضة، شبه بها الماء لصفائه وضيائه، وهذا من قول الشاعر:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى
*
ذهـبُ الأصيــلِ على لُجَــيْنِ المــاءِ
قوله: ((عائدة إلى)) يشير إلى نكتة التعبير بـ«عوائد» وهي التنبيه على أنها عائدة إليه من القوم فيوافق قوله «على وجه نطق به كتب المتقدّمين...إلخ»، وفيه رد لقول العصام «لو قال فوائد بدل عوائد لكان أحسن» أي: ليكون فيه الجناس المضارع وهو اختلاف الكلمتين بحرفين متقاربي المخرج أو متشابهي الرسم كما هنا، إذ لو قال فوائد لاحتمل أنها من عنده لا من القوم فينافي ما مر، ولا شك أن مراعاة المعنى آكَدُ من مراعاة اللفظ.
لا يقال إن الفائـدة ما استـفيـد من علم أو مال، ففـي الفوائد لتـضمنـها معنـى الاكتساب إشارةٌ إلى أن تلك الفرائد مكتسبة من القوم سواء جعلت «مِنْ» في تعـريف الفائـدة ابتدائية، وهو ظاهر؛ إذ تفيد أنها من شيء كان موجودا لا من مخترعاته أو بيانية خلافا للحفيد، فإن مادة الاكتساب تفيده؛ لأنا نمنع ذلك.
أما على الابتداء فيجوز أن تكون مبتدأة من علمه الموجود قبلُ، وأما على البيان فإن الاكتساب معناه التحصيل فلا ينافي الابتكار، فظهر أن التعبير بـ«فوائد» يفوّت التنصيص على الموافقة المارَّةِ.
والحق كما أفاده الصبان أن الـ«عوائد» كذلك إذ يحتمل أن تسميتها عوائد باعتبار عودها من المصنف على من بعده وكونِها معروفًا ووصلةً منه لهم بل هذا أظهر فيها، بخلاف الفائدة فإنها دالة على الاكتساب، والظاهر منه أنه من الغير، والله أعلم.
قوله: ((لتحقيق...إلخ)) علة لـ«نَظَمْتُ»، والتحقيق كما يطلق على ذكر الشيء بدليله يطلق على ذكره على الوجه الحق وإن لم يكن حَقِّيًّا ، وهو المرادُ هنا؛ إذ المصرحة لم يختلف فيها لظهورها أو أن التحقيق باعتبار أكثر المعاني، وهو معنى المكنية والتخييلية، ولم يقل لتحقيق معانيها مع تقدّم المرجع إيضاحًا لطول الفصل.
وما قيل من أن الإظهار لشرح إجمال قوله السابق «وما يتعلق بها» غير صحيح، لأن شرحه حصل بقوله بعدُ «وأقسامها وقرائنها»اهـ ابن يونس، وفيه نظر لإمكان أن يراد بالإظهار على هذا القيل إظهارُ المعاني مع عطف الأقسام والقرائن عليه لتقدّم ذكر المعاني أيضًا، لأنه لو قال لتحقيقها لعادَ الضميرُ لمعاني الاستعارات وما يتعلق بها جميعا واستغنى عن ذكر الأقسام والقرائن لدخولها في الضمير وحينئذ فقوله بعدُ «وأقسامها وقرائنها» يوهم أنهما غير ما يتعلق بها إذ عود الضمير للمعاني فقط بعيد، فَإِذًا لم يحصل شرح ذلك الإجمال إلا بإظهار المعاني، وأما إظهار الاستعارات فهو لمجرّد الإيضاح، فتأمل.
قوله: ((والتصريحية التخييلية)) لو حذف التصريحية السابقة لجرى على جميع المذاهب لأن التخييلية ليست تصريحية إلا عند السكاكي، إلا أن يقال جرى على مذهبه لأجل تقسيمها إلى أصلية وتبعية كما سيأتي.
وما في المحشي من أن التخييلية تكون تصريحية عند صاحب الكشاف في بعض المواد يعني ما يكون التخييل فيه مستعارًا لملائم المشبه كاستعارة النقض للإبطال في ﴿يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ فليس على ما ينبغي، لأنها حينئذ ليست تخييلية بل تحقيقية لأن قرينة المكنية عنده إما باقية على حقيقتها، والتجوز إنما هو في إثباتها للمشبه وهي التي تسمى تخييلية، وإما مستعارة لملائم المشبه وتسمى تحقيقية، والمسمى بالتصريحية هي الثانية لا الأُولَى، فالتخييلية لا تكون تصريحية أبدًا إلا عند السكاكي كما سيتضح.
قوله: ((وأقسامها)) قال الزيباري يقتضي أنه حقق أقسامًا لكل واحد من المعاني الثلاثة مع أنه لم يحقق صراحةً إلا أقسامَ المصرحة في العِقْدِ الأولِ وأَوْمَأَ في آخر العقد الثالث إلى انقسام المكنية والتخييلية إلى المطلقة والمرشحة والمجردة اهـ.
وقد يُدْفَعُ بعطف قوله «وأقسامها وقرائنها» على «تحقيق»، وبتقدير عطفها على «معاني» فالتحقيق إما بالصراحة أو الإيماء، وبتقدير أنه لا يكون إلا بالصراحة، فالمراد أقسام بعضها اهـ صبان.
قوله:((المذكورة)وفي نسخة «المذكورات» وكلاهما صحيح لأن الاستعارات وإن كان جمع قلة لما لا يعقل والأفصح فيه المطابقةُ لكنَّ محلَّهُ إذا لم تدخل عليه «أل»، لأن القلة والكثرة إنما يعتبران في نكرات الجموع، وأما معارفها فصالحة لهما كما صرح به شيخ الإسلام زكريا في شرح البخاري في باب الإيمان بالله، فنُسْخَةُ «المذكورات» نظرًا لكونه جمع قلة، ونُسْخَةُ «المذكورة» نظرًا لاعتباره جمع كثرة لما لا يعقل، والأفصح فيه الإفراد.
قوله: ((إلى أصلية)) أي: كالأسد للرجل الشجاع.
والتبعية كـ«نَطَقَتِ الحالُ» المستعارِ لـ«دَلَّتْ» فهي تبعية لجَرَيانها في الفعل تبعا للمصدر.
والتمثيلية نحو تُقَدِّمُ رِجْلاً وتُؤَخِّرُ أُخْرَى فإنه مستعار للهيئة المنتَزَعة من الإقدام على الفعل والتأخر عنه استعارةً تصريحيةً.
قوله: ((وغير تمثيلية)) أي: كمـا مَرَّ قال المحشـي «والأَوْلَى حذفُهُ؛ لأن شرط الأقسام التباين، وغير التمثيلية صادق بما عداها من أقسام الاستعارة» اهـ وهو مبني على أنه تقسيم حقيقي، وجعله الأمير اعتباريا فلا يمنع تداخل الأقسام على ما يأتي للسعد والسيد من كون التمثيلية تكون تبعية اهـ.
والظاهر أنه حقيقي لكنه متعدد بدليل إعادة الجار ثانيا وثالثا، ولا شك أنه لا تداخل في أقسام كل تقسيم، واجتماعُ الترشيح والتجريد لا يلزم منه التداخل لصيرورة الاستعارة بهما في قوة المطلقة، فتدبّر.
قوله: ((وإلى مرشّحة...إلخ)) نحو رأيت أسدًا له لِبَدٌ لأن اللبد تلائم المشبه به، والمجردة نحو رأيت أسدا شاكي السلاح، لأن السلاح يلائم المشبه، والمطلقة نحو رأيت أسدا في الحمام أو شاكيَ السلاح إن لم يكن هناك قرينة حالِيَّةٌ لعدم اقترانها بملائمٍ سوى القرينة، فإن كانت القرينة حالِيَّةً فهو تجريد لزيادته عليها.
وفي هذا التقسيم جوابٌ عما وَرَدَ على المصنف من أَنَّ الفرائدَ المذكورةَ كما هي مشتملةٌ على تحقيقِ المعاني والأقسامِ والقرائنِ مشتملةٌ على الترشيح والتجريد فكان ينبغي ذكرُهما في الترجمةِ أيضًا.
وحاصل الجواب أن المصنف لم يتركهما من الترجمة بل هما داخلان في تحقيق الأقسام تبعا لها، لأن ذكرهما فيما سيأتي ليس بالاستقلال بل لأجل تحقيق بعض الأقسام وهو المرشّحة والمجرّدة.
وَرَدَّ العصامُ هذا التوجيهَ بأن القرائن كذلك لأنها إنما ذكرت لتحقيق معنى الاستعارة وأقسامها، فكان يَسْتَغْنِي عن قوله «وقرائنها» كما استغنى عنهما.
وأجيب بأنهما إنما ذُكِرَا بالتبع كما مر، وأما قرينةُ المكنيةِ فهي وإن كانت من حيث كونها قرينة المكنية مذكورة بالتبع لكنها من حيث كونها استعارةً تخييليةً مقصودةٌ بالذكرِ، فذكرُها في الترجمة من هذه الحيثية كذا في الصبان.
وفيه أنها من هذه الحيثية داخلة في الأقسام لا القرائنِ.
فالأحسن الجواب بأن القرينة لا تتحقق الاستعارة بدونها بخلاف الترشيح والتجريد فإنهما يعتبران بعد تمام القرائن، على أن التوجيه المارَّ إنما يصحح ترك الترشيح والتجريد من الترجمة لا يُوجِبُهُ فلا ينتقض بذكر القرائن.
وأجاب العصام عن أصل الاعتراض بأن المصنف أدرج الترشيح في القرائن تغليبا لأن كُلًّا من الترشيح وقرينة المكنية من ملائمات المشبه به.
وإنما قال «تغليبا» لأن الترشيح ليس بقرينة إذ لا يعتبر إلا بعد تمام القرينة كما مر، وكذا يقال في التجريد لكن يدرج في قرينة المصرحة، لأن كُلًّا منهما من ملائمات المشبه لا في قرينة المكنية لتباينهما، ولا يتأتى في الإطلاق إدراجٌ.
ولك أن تقول الترجمة لشيء، والزيادة عليه ليست مَعِيبَةً.
قوله: ((والتصريحية التخييلية)) جَمَعَ بينهما ليتأتى تقسيمُ التخييليةِ إلى تبعية وغيرها، وذلك لا يكون إلا على مذهب السكاكي من أن التخييلية تصريحية دائمًا، لأن الأظفار في «أظفار المنية» مستعارة لأمر وهمي شبيه بالأظفار ثابت للمنية ادعاء، ولذلك يلزمه أن يكون في «نطقت الحال» تبعية بحسب القواعد وإن كان هو ينفي التبعية كما سيأتي، أما على مذهب القوم من بقاء اللفظ على حقيقته فالتخييلية لا تكون استعارة فضلا عن أن تكون تصريحية، فلا يتأتى انقسامها إلى تبعية وغيرها وإن كانت تسمى استعارة تَسَمُّحًا.
قال المحشي«ولم يذكر انقسام التخييلية إلى التمثيلية، ولا مانع منه نحو «أَرَى الحالَ تُقَدِّمُ رِجْلاً وتُؤَخِّرُ أُخْرَى» بناء على مذهب السكاكي لَـمَّا شبه الحال بإنسان وادعى أنه عينه اخترع الوهم صورة وهمية للحال وهي تقديمُ رِجْلِها وتأخيرُها، فكأنه انتزع هيئة وهمية من التقديم والتأخير الوهميين، وشبهت بهيئة التقديم والتأخير الحسيين بجامع مطلق التردّد، واستعير لها اللفظ الموضوع للحِسِّيَّيْنِ.
قوله: ((وإلى مرشحة...إلخ)) هـذا أيضـا علـى مـذهب السكـاكـي لـمـا مـر، والمرشحة..إلخ، أظفار المنية نشبت بفلان لأن النشب يلائم الأظفار، والمجردة نحو نشبت أظفار المنية بأمراض زيد إذا جعل الأمراض تجريدًا للأظفار، والمطلقة نحو أظفار المنية.
قوله: ((والمكنية تنقسم إلى مرشحة)) نحو «نطق لسان الحال» إذا جعل الحال استعارة بالكناية، واللسان تخييلٌ، والنطق ترشيحٌ، والمجرّدة نحو نطقت الحال الواضحة إذ الوضوح يلائم الحال، والمطلقة نحو نطقت الحال.
وفي هذا التقسيم رَدٌّ لاعتراض العصام على المصنف بأنه لا أقسام للمكنية حتى يصح قوله «وأقسامها» ولا حاجة لقول الحفيد «كأن المصنف نزَّل المذاهبَ الثلاثة في المكنية منزلةَ الأقسام»، على أن إضافة الأقسام لضمير الاستعارات لا تقتضي أن لكل واحدة منها أقساما بل أن هناك أقساما لها تَعَلُّقٌ بتلك المعاني، ويكفي كونها للبعض إذ الإضافة تأتي لأدنى ملابسة.
وبَقِيَ من أقسام المكنيةِ الأصليةُ نحو أظفار المنية لجريانها في اسم الجنس وهو المنية حيث شبهت بذي أظفار، والتبعيةُ نحو سفك الضارب دم زيد لجريانها في المشتق وهو الضارب المشبه بالقاتل، والسفك تخييلٌ، قال الفنري «ولعلهم لم يتعرضوا لها لعدم وجدانهم إياها في كلام البلغاء»، والتمثيليةُ نحو ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾ على ما سيأتي بيانُهُ.
قوله: ((لكل استعارة قرينة)) فيه رَدٌّ لاعتراض العصامِ جَمْعَ القرائنِ بأنه لم يُحَقِّقْ إلا قرينة المكنية، وحاصل الرد أنه إن أراد بقوله «لم يحقق...إلخ» أنه لم يبين إلا قرينتها فممنوع بل بَيَّنَ قرينةَ المصرّحة أيضًا إجمالا بقوله «فلا تُعَدُّ قرينةُ المصرّحةِ تجريدًا نحو رأيت أسدا يرمـي»، فَأَفْهَمَ أن قرينة المصرحة من ملائمـات المستعار له، على أنه قال في تعريف المجاز الشامل للمكنية وغيرها «لعلاقة مع قرينة».
وإن أراد أنه لم يبين تفصيلا إلا قرينتها فمسلم، لكن تحقيق الشيء لا يتوقف على بيانه تفصيلا، على أن هذا إنما يرد لو كان قوله «وأقسامها وقرائنها» عطفا على معاني حتى يكون التحقيق مُسَلَّطًا عليهما كما هو المتبادر من السَّوْقِ لكن يجوز عطفه على«تحقيق»كما مر.
بَقِيَ أن قرينة المكنية إما أن تكون مصرحة أو تخييلية، وعلى كل داخلة في معاني الاستعارات وأقسامها، فذِكْرُها في قوله «وقرائنها» تَكْرَارٌ.
ويجاب بأنَّ ذِكْرَها أَوَّلاً باعتبار أنها استعارة وثانيًا باعتبار أنها قرينة تنبيهًا، على أن لها اعتبارين، أفاده الصبان.
قوله: ((في ثلاثة عقود)) متعلِّق بـ«نظمت» من نظم الجزء في الكل إن أُرِيدَ من كُلٍّ من «الفرائد»و«العقود» ألفاظٌ أو معانٍ، ومن نظم المدلول في الدَّالِّ إن أريد من «الفرائد» معانٍ ومن «العقود» ألفاظٌ، والعكسُ بالعكسِ.
وهذه مجرد احتمالات عقليةٍ، وإلا فالمراد منهما الألفاظ فقط لأنهما أسماء تراجم، والظرفيةُ على كل مجازية لأن لفظة «في» مستعملة في ارتباط الجزء بالكل أو الدَّالِّ بالمدلول وهو غيرُ ارتباط الظرف بالمظروف فهي إما استعارة تبعية أو غيرُها.
قوله: ((أي: خيوط تؤول...إلخ)) أي: بعد نظم الخرز فيها، لكن الظاهر أنه من إطلاق الكل على الجزء أو الحالِّ على المَحَلِّ لأن العِقْدَ بالكسر لغةً القِلادَةُ فهو مجموع المُنْتَظِمِ والمُنْتَظَمِ فيه أو الخرز المُنْتَظِمُ فقط لا أنه الخيطُ المُنْتَظَمُ فيه كما يقتضيه كلام الشارح، لأنه يسمى قبل النظم سِلْكًا وبعده سِمْطًا، وأما العَقْدُ بالفتح فهو ضد الحل وبالضم الشيء المعقود كالحِضْنِ بالكسر الجَنْبُ وبالفتح ضَمُّ المحضونِ وبالضم الشيءُ المحضونُ.
قوله: ((وقد شبه بها)) أي: بالعقود، المراد بها الخيوط ففيه مجاز على مجاز حيث أريد منها الخيوط مجازا مرسلا ثم أريد من الخيوط الألفاظ استعارة مصرحة.
قوله: ((ثم إن المصنف...إلخ)) رَدٌّ لِـمَـا أورده العصام بقوله «مفاد كلامه أن كل عقد لواحد من تلك الثلاثة، وأنه على الترتيب المذكور، والأول حق دون الثاني» ومحصل الرد منع تلك الإفادة، أما الترتيب فلأن الواو لا تفيده ولا عبرة بالترتيب الذكري، وأما أن لكل واحد من الثلاثة عِقْدًا فإنه وإن تبادر منه ذلك لأنه من مقابلةِ الجَمْعِ بالجَمْعِ المُقْتَضِي للقسمة آحادًا لكنَّه ليس نَصًّا فيه لأن هذه القاعدة أغلبية أو عند عدم القرينة، وتَتَبُّعُ الكتابِ أعظمُ قرينةِ على المراد، فقوله «والأولُ حقٌّ» غيرُ حَقٍّ لأنه لم يجعل لكل واحد من الثلاثة عقدًا مستقلاً، فإنه وإن أَوْرَدَ الأقسام في أول عِقْدٍ وحَقَّقَ معنى المكنية في الثاني وقرينتَها في الثالث لكنه ذَكَرَ معنى المصرحة وقرينتَها إجمالا في عِقْدِ الأقسام، وأمَّا صريحا فلم يوجد في شيء من العقود، وأَوْرَدَ التخييليةَ فيه وفي الثالث، وعَقَدَ للمكنية عِقْدًا مستقلا.
قوله: ((فضلا)) في الآيات عن ابن هشام أن شرطها أن تتوسط بين منفيين يكون أدناهما مقدما عليها تنبيها بنفيه على نفي الأعلى، وقال العدوي «تقع بين كلامين متغايري المعنى، وأكثر استعماله بعد النفي نقله في المصباح».
وهو منصوب على المصدرية، والتقدير فَضَلَ فَضْلاً أي: زاد نفي إرادة الأول على نفي إرادة الثاني زيادةً.
قوله: ((أبحاث)) هي المناقشاتُ السابقةُ مع العصام وحفيده،
والله تعالى أعلم