بسم الله الرحمن الرحيم
نَحْمَدُكَ يا مَنْ رَشَّحْتَ قلوبَنا بِتَبَعِيَّةِ خيرِ الأنام، وجَرَّدتَّ أسرارَنا عن عَلاقاتِ الشِّرْكِ وتَخْيِيلِ الأَوْهامِ، ونَسْتَزِيدُكَ مِنَ الصلاةِ والسَّلامِ على مَنْ جَعَلْتَهُ المُسْتَعَارَ مِنْهُ كلُّ كمالٍ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ المُرْسَلِ بمَحاسِنِ الأخلاقِ وجميلِ الخِصَالِ، وعلى آلهِ وأصحابِهِ الذين أَفْصَحُوا بالبيانِ عن صريحِ الشريعةِ للمُقْتَدِينَ، وَأَوْضَحُوا مَجَازَاتِ مَكْنِيِّ الحقيقةِ للمُهْتَدِينَ.
﴿أَمَّا بَعْدُ﴾: فيقولُ فقيرُ مولاهُ، والغنيُّ به عن كلِّ ما سِوَاهُ، محمَّدُ الخضريُّ غَفَرَ اللهُ له ولمُحِبِّيهِ وَوَالِدِيهِ، ونَظَرَ بعَيْنِ عِنايَتِهِ إليهم وإليه، هذه حَوَاشٍ فائقة وتحقيقاتٌ رائقة، على الشرَّحِ الصغيرِ للعلامةِ الملوي على السَّمَرْقَنْدِيَّه، أودعت فيها زُبَدَ ما سَطَّرَهُ الأفاضلُ اللوذعيَّة، ورَشَّحْتُهَا بنفائِسِ أفكارٍ مِمَّا رقَّ وراق، ووَشَّحْتُهَا بعَرَائِسَ أَبْكَارٍ مما لاقَ وفاق، مع تحريرِ المعاني، وتهذيبِ المباني، واللهُ المسْؤُولُ أَنْ يَجْعَلَهَا خالصةً لوجْهِهِ الكريمِ، ووصلة للفوزِ لَدَيْهِ بجناتِ النعيم، إِنَّهُ على ما يَشَاءُ قدير، وبالإجابة جدير.
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم))، قد أَفْرَدَهَا بالتأليفِ مَنْ لا يُحْصَى مِنْ كُلِّ مُحَقِّقٍ فائق، وأَبْدَى فيها وأَبْدَعَ مَنْ لا يُسْتَقْصَى مِنْ كُلِّ مُدَقِّقٍ رائق، ومَعَ ذلك ما بَلَغُوا مِعْشَارَ ما انْطَوَتْ عليه مِنْ لطائفِ الأسرارِ ونِكَاتِ التفسير؛ إذ لا يُحِيطُ بتفصيلِهِ وجمله سِوَى اللطيفِ الخبير، كَيْفَ وقد قال الإمامُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وجْهَهُ «لو طُوِيَتْ لي وِسَادَةٌ لَقُلْتُ في الباءِ مِنْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وِقْرَ سبعين بعيرًا»، ولَكِنْ ينبغي التكلمُ عليها من الفنِّ المشروعِ فيه تَبَرُّكًا بخِدْمَتِهَا واقتفاءً لآثارِ مَنْ سَلَفَ، ولذلك قيل إِنَّ تَرْكَهُ قُصُورٌ أو تَقْصِيرٌ.
وهذا الفنُّ، أَعْنِي فَنَّ البيانِ إنما يَبْحَثُ عن حالِ اللَّفْظِ من حيث الحقيقةُ والمجازُ والكِناية، لأَنَّ مَوْضُوعَهُ الألفاظُ العربيةُ من تلك الحَيْثِيَّة.
وَحَدُّهُ عِلْمٌ بأصولٍ يُعْرَفُ بها إِيرَادُ المعنى الواحدِ بِطُرِقٍ مختلفةِ الدلالةِ في الوُضُوحِ والخفاءِ مع رعايةِ مُقْتَضَيَاتِ الحالِ بحَيْثُ لا يُؤْتَى بالمجازِ في مَقَامٍ يَقْتَضِي الحقيقةَ ولا عَكْسِهِ، كَـ«كَرُمَ زيدٌ»، فإنه يُعَبَّرُ عنه بالحقيقةِ كـ«زيدٌ كريمٌ»، وبالكِنايةِ كـ«كثيرُ الرَّمادِ»، وبالتشبيهِ كمِثْلِ «حاتم»، وبالاستعارةِ كـ«زيدٌ حاتمٌ» عند السَّعْدِ، وبعضُ هذه الطُّرُقِ أَوْضَحُ من بعض كما لا يخفى.
وغايَتُهُ وفائدتُهُ معرفةُ أَنَّ القرآنَ مُعْجِزٌ وأنَّ بَلاغَتَهُ خارجةٌ عن طَوْقِ البَشَرِ من حيث اشتمالُهُ على الحقيقةِ وغيرِها المناسِبِ كُلٌّ منهما للمَقَامِ الذي وَقَعَتْ فيه بحيث لو اجتمع البُلَغَاءُ قاطِبَةً على أن يَضَعُوا حقيقةً بَدَلَ مَجازٍ مثلاً مع استيفاءِ المعنى المرادِ ومناسبتِهِ لمقامِهِ لعَجَزُوا واعتَرَفُوا بأنه مِنْ لَدُنْ حكيمٍ عليمٍ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾فيَفُوزُوا بسعادةِ الدارين مع الذين أَنْعَمَ اللهُ عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
واستِمْدَادُهُ من كلام الله ورسولِهِ وتراكيبِ البلغاءِ.
ووَاضِعُهُ علماءُ البيانِ المُتَتَبِّعُونَ كلامَ البلغاءِ، قيل أولُ من أَلَّفَ فيه الشيخُ عبدُ القاهرِ الجرجانيُّ.
وشَرَفُهُ بِشَرَفِ فائدتِهِ.
وحُكْمُهُ الوجوبُ كِفَايةً.
ونِسْبَتُهُ لغيرِهِ من العلومِ المُبَايَنَةُ.
وهذه هي المبادِيءُ التي ينبغي تَقْدِيمُها أمامَ كُلِّ عِلْمٍ لِيَكُونَ الطالبُ على بصيرة، وقد جَمَعْتُها بقولي:
مَبَـادِى أَيِّ عِلْــمٍ كـان حَــدُّ
*
ومَوْضُوعٌ وغايَةٌ مُسْتَمَـدُّ
وفَضْلٌ واضِعٌ واسْمٌ وحُكْمُ
*
مَسَـائِلُ نِسْـبَةٌ عَشْـرٌ تُـعَـدُّ
ويَتَعَلَّقُ بالبسملةِ منه خَمْسَةُ مَبَاحِثَ:
الأول في (الباء) اعـلمْ أن البـاءَ وغيـرَها من حـروفِ الـمعانـي الواردةِ لـمعانٍ مُتَعَدِّدَةٍ إِنْ تَبَادَرَتْ منها تلك المعاني كالاستعانةِ والمصاحبةِ والسَّبَبِيَّةِ في «الباءِ» فهي حقيقةٌ في جميعها بطريقِ الاشتراكِ فِرَارًا من التَّحَكُّمِ؛ إِذِ التَّبَادُرُ علامةُ الحقيقةِ، وإنْ لم تَتَبَادَرْ منها كالابتداءِ والانتهاءِ في «الباءِ» نحو: شَرِبْنَ بماءِ البحرِ، ونحو: أَحْسَنْ بِي.
فمَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ مَنْعُ استعمالها في ذلك قياسًا وحَمْلُ ما وَرَدَ منه على التَّضْمِينِ والشُّذُوذِ، فالتَّجَوُّزُ عندهم في غيرِ الحَرْفِ وهو العاملُ المُضَمَّنُ كتَضْمِينِ «شَرِبْنَ» معنى «روين» و«أَحْسَنْ» معنَى «لَطَفَ»، أو في الحَرْفِ لكنْ مع الشُّذُوذِ.
ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّ التجوُّزَ في نَفْسِ الحرفِ قياسيٌّ، قال في المُغْنِي «وهو أَقَلُّ تَعَسُّفاً» أي: فتكونُ «الباءُ» في الأولِ استعارةً تَبَعِيَّةً لمعنى «مِنْ»، وفي الثاني لمعنى «إِلَى».
فَعُلِمَ أنَّ «الباء» حقيقةٌ في كُلٍّ مِنَ الاستعانةِ والمصاحبةِ وغيرِهِما من المعاني المُتَبَادَرَةِ منها، فإِنْ جُعِلَتْ هنا للمُصَاحَبَةِ على وَجْهِ التَّبَرُّكِ فلا تَجَوُّزَ فيها أصلاً على الأظهرِ، وباءُ المصاحبةِ هي التي يَصْلُحُ مَوْضِعَهَا «مَعَ» كـ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ أي: مَعَهُ، وإِنْ جُعِلَتْ للاستعانةِ فلابُدَّ من التَّجَوُّزِ لأن باءَ الاستعانةِ هي الداخلةُ على آلةِ الفعلِ الحقيقيةِ كـ«قَطَعْتُ بالسِّكِّينِ»، وتُسَمَّى باءَ الآلةِ أيضًا، لكنْ في غيرِ هذا المقامِ تَأَدُّباً.
والتـجـوُّزُ إمَّا بالاستـعـارةِ المَكْنِـيَّـةِ إنْ شُبِّـهَ اسمُ اللهِ بالآلةِ الحقيقيـةِ في تَوَقُّفِ وُجُودِ الفعلِ مُعْتَدًّا به عليه، والباءُ تخييلٌ، أو التبعيةِ إِنْ شُبِّهَ مُطْلَقُ الاستعانةِ بغيرِ آلةٍ حقيقيةٍ بمُطْلَقِ استعانةٍ بآلةٍ حقيقيةٍ فَسَرَى التشبيهُ للجُزْئِيَّاتِ فاستُعِيرَتِ الباءُ من الاستعانةِ الجزئيةِ بالآلةِ الحقيقيةِ للاستعانةِ الجزئيةِ بغيرِها.
أو بالمجازِ المُرسَلِ بمرتبةٍ لعلاقةِ التَّقْيِيدِ إِنِ اسْتُعْمِلَتِ الباءُ في مُطْلَقِ آلةٍ الصادقِ بالحقيقيةِ وغيرِها، أو بمَرْتَبَتَيْنِ إِنِ استُعْمِلَتْ في مُطلقِ آلةٍ ثُمَّ في الآلةِ غيرِ الحقيقيةِ من حيث خصوصُها لا من حيث كونُها فردًا من مُطْلَقِ آلةٍ، وتقريرُ التجوزِ بهذا الوجه هو ما في رسالةِ البَسْمَلَةِ للصَّبَّانِ.
وقَرَّرَهُ الخادمي كما في الأَمِيرِ وغيرِهِ بأنَّ الاستعانةَ حقيقةً إنما تكونُ بالذاتِ لا بالاسمِ أي: فشُبِّهَ الاستعانةُ بالاسمِ بالاستعانةِ بالذاتِ ثُمَّ استُعِيرَتِ الباءُ اهـ، وينبغي حَمْلُهُ على أنَّ المرادَ ذاتُ الآلةِ الحقيقيةِ فيَرْجِـعُ للأولِ لا ذاتُ المعنى كما تُوُهِّمَ؛ لأنَّ باءَ الاستعانةِ لا تَدْخُلُ عليه لِـمَا في الكَشَّافِ عند قوله تعالى:﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ حيثُ قَدَّرَهُ بإعانةِ اللهِ، قال: «لأنَّ أهلَ اللسانِ يَكْرَهُونَ إِدْخالَ الباءِ على الفاعلِ لإِيهامِ كونِهِ آلةً لِـمَا شاعَ من دُخُولِ الباءِ على الآلةِ» اهـ.
نَعَمْ إِنْ قُدِّرَ المُتَعَلَّقُ من مادةِ الاستعانةِ كان أصلُ الباءِ الدخولَ على ذاتِ المعنى، لكنْ ليستْ هي باءَ الاستعانةِ بل هي لمجرَّدِ التَّعْدِيَةِ، فتأمل، هذا.
وقال في المُغْنِي «الباءُ أَصْلُ وَضْعِهَا الإِلْصَاقُ وهو معنىً لا يُفَارِقُها ولهذا اقتَصَرَ عليه سيبويه أي: لأنَّ بَقِيَّةَ المعاني تَرْجِعُ إليه، والإَلْصَاقُ إمَّا حقيقيٌّ كـ«أَمْسَكْتُ بزيدٍ» إذا قَبَضتُّ على شيءٍ من جِسْمِهِ أو على ما يَحْبِسُهُ من ثوب أو غيرِهِ، أو مجازيٌّ كـ«مَرَرْتُ بزيدٍ» أي: أَلْصَقْتُ مُرُورِي بمكانٍ يَقْرُبُ من زيدٍ» اهـ.
لكنْ نازَعَهُ الدماميني في مسئلةِ الثوب، واستَظْهَرَ أنه إِلْصَاقٌ مَجازِيٌّ لمُجَاوَرَةِ الثوبِ لزيدٍ لا حقيقيٌّ.
وأجابَ الشمني بأنَّ اللغةَ لا يُنَاقَشُ فيها هذه المناقشةُ فماسِكُ ثوبِ زيدٍ يقال لغةً إنه ماسكٌ لزيدٍ اهـ.
وعلى هذا فإِنِ استُعْمِلَتْ في الإِلْصَاقِ على وَجْهِ التَّبَرُّكِ كانت حقيقةً.
قال الخادميُّ «لكنَّهُ إِلْصَاقٌ مَجَازِيٌّ لامتناعِ اجتماعِ القراءةِ وذِكْرِ اسمِ اللهِ تعالى في آنٍ واحدٍ لكونِ الألفاظِ سَيَّالَةً ليستْ بِقَارَّةٍ» اهـ.
وَرُدَّ بأن الإِلْصَاقَ في كُلِّ شيءٍ بِحَسَبِهِ فإِلْصَاقُ لفظٍ لآخَرَ وُقُوعُهُ عَقِبَهُ، على أن أهل اللغة لا يَعْتَبِرُونَ مِثْلَ هذا التدقيقِ كما مَرَّ في مسئلةِ الثوبِ.
وأيضًا فيَجُوزُ تقديرُ المُتَعَلَّقِ نحوَ «أَبْتَدِئُ» لا «أَقْرَأُ» أي: أُلْصِقُ ابتدائي باسمِ اللهِ أي: بذِكْرِهِ، نعم هو حينئذٍ إِلْصَاقٌ معنويٌّ نحوَ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي: أَلْصَقَ الإِذْهَابَ بِنُورِهِمْ، بخلافِهِ على تقديرِ «أَقْرَأُ» فإنه محسوسٌ بسماعِهِ كما في نحو حَلَفْتُ باللهِ أي: أَلْصَقْتُ حَلِفِي باللهِ أي: بذِكْرِهِ لا بِذِكْرِ غيرِهِ، فتأمل.
وإِنِ استُعْمِلَتْ في الاستعانةِ أو المصاحبةِ فهي مجازٌ إمَّا بالاستعارةِ التبعيةِ إِنْ شُبِّهَ ارتباطُ الاستعانةِ مثلاً بارتباطِ الإِلْصَاقِ، ثُمَّ استُعِيرَتْ الباءُ للاستعانةِ الجزئيةِ أو مجازٌ مرسَلٌ بمرتبةٍ أو بمرتبتين كما مَرَّ.
هذا ما ذَكَرُوهُ هُنا، وصريحُهُ مُغَايَرةُ الإِلْصَاقِ للاستعانةِ مثلا، وظاهرُ المُغْنِي أنَّ الإِلْصَاقَ معنىً كُلِّيٌّ يَعُمُّ معانيَ الباءِ، وصَرَّحَ به الصَّبَّانُ في رسالةِ البسملةِ، وعليه فإنِ استُعْمِلَتْ في الاستعانةِ مثلاً من حيث كونُها فردًا من الإِلْصَاقِ فلا تَجَوُّزَ أصلاً أو من حيث خصوصُها فمَجَازٌ مُرْسَلٌ بمرتبةٍ كما هو شأنُ استعمالِ الكليِّ في بعضِ أفرادِهِ، ثُمَّ لابُدَّ من التجوّزِ ثانيًا لِـمَا مَرَّ أَنَّ الاستعانةَ إنما تكونُ بالآلةِ الحقيقيةِ.
فالباءُ حينئذٍ مجازٌ على مجازٍ، الأَوَّلُ في نَقْلِهَا عن الإِلْصَاقِ إلى الاستعانةِ، والثاني في نَقْلِهَا عن الآلةِ الحقيقيةِ إلى غيرِهَا.
وقد قيلَ بمَنْعِهِ لأَنَّ المعنى المجازيَّ أَخَذَ اللفظَ تَطَفُّلاً فلا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيه.
والحق جوازُهُ كما في (الإتقانِ)؛ لأنَّ اعتبارَ العَلاقِةِ صَيَّرَهُ كالموضوعِ له، على أن الوضعَ النَّوْعِيَّ ثابتٌ للمجازِ، ومنهُ قوله تعالى: ﴿ْوَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾، فاستُعْمِلَ أَوَّلاً السِّرُّ الذي هو ضِدُّ الجَهْرِ في الوَطْءِ مجازًا لكونِهِ لا يَكُونُ إلا سِرًّا ثُمَّ نُقِلَ عن الوَطْءِ إلى سَبَبِهِ وهو العَقْدُ فهو مجازٌ على مجازٍ، عَلاقَةُ الأَوَّلِ اللازِمِيَّةُ والثاني السَّبَبِيَّةُ، هذا.
والأَوْلَى جَعْلُ الباءِ للمُصَاحَبَةِ على وَجْهِ التَّبَرُّكِ لِـمَا فيه من التَّأَدُّبِ مع اسمِ اللهِ تعالى والتعظيمِ له ما ليس في الاستعانةِ لإِيهامِهَا أَنَّ اسمَ اللهِ تعالى آلةٌ غيرُ مقصودٍ لذاتِهِ.
وكونُ الملاحظِ فيها جِهَةَ تَوَقُّفِ الفعلِ على الآلةِ وعَدَمِ وُجُودِهِ بدونها لا جِهَةَ عدمِ قَصْدِهَا بالذاتِ لا يَدْفَعُ الإيرادَ لبقاءِ الإيهامِ.
فإن قلت: هَلَا مُنِعَ لِـمَا فيه من إيهامِ مَا لا يَلِيقُ.
فالجوابُ ما قاله العدوي في حاشية ابن عبد الحقِّ «أَنَّ محلَّ مَنْعِ المُوهِمِ إذا لم يَرِدْ، وإلا لم يُمْنَعْ كالصبور، وقد وَرَدَ في الشرع ما يدل على جوازِ (اسْتَعَنْتُ بِهِ) ونحوِهِ»، قال الصَّبَّانُ في رسالتِهِ «والوارِدُ نحو: يا قوم ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ ﴾، «فإذا استعنت فاستعن بالله»، ثُمَّ اعتَرَضَهُ بما حاصله أَنَّ الباءَ في مِثْلِ ذلك ليست للاستعانةِ بل لمجرد التَّعْدِيَةِ كما في رسالة الشنواني وغيرِهِ، فإن قال تُقاسُ باءُ الاستعانةِ على ذلك لاشتراكهما في تَضَمُّنِ الاستعانةِ وفي أَنَّ المستعانَ به غيرُ مقصودِ لذاتِهِ فقد يُتَوَقَّفُ في جَرَيَانِ القياسِ هنا» اهـ.
يَعْنِي أن جوازَ إِطْلاقِ المُوهِمِ لا يَثْبُتُ بالقياسِ بل لابُدَّ من إطلاقِهِ نَصًّا.
فإن قلتَ يُسْتَدَلُّ على الجوازِ بنحو: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ﴾.
قلت: لا يَصِحُّ لأن تقديرَهُ بإعانة الله كما مَرَّ فهي باءُ السببيةِ لا باءُ الاستعانة، والفرقُ بينهما أَنَّ باءَ الاستعانةِ هي الداخلةُ على آلةِ الفعلِ أي: الواسطةُ بين الفاعل والمفعول كـ«بريتُ القلمَ بالسكين»، وباءَ السببيةِ هي الداخلةُ على سبب الفعل نحو: ماتَ زيدٌ بالجوع، وتسمى تعليليةً أيضا كما قاله أبو حيانَ والسيوطيُّ وغيرُهما.
وفَرَقَ الشيخُ يحيى بين العلةِ والسببِ بأن العلةَ متأخرةٌ في الوجودِ مُتَقَدِّمَةٌ في الذهنِ وهي العلةُ الغائِيَّةُ والغَرَضُ، وأما السببُ فمُتَقَدِّمٌ ذِهْنًا وخارجًا، كذا في حواشي الأشموني، والله سبحانه وتعالى أعلم.
(المَبْحَثُ الثَّانِي) في حَذْفِ المُتَعَلَّقِ مجازٌ بالحذفِ إِنْ لم نَشْتَرِطْ فيه تغييرَ إعرابِ الباقي بسبب الحذفِ، فإن اشترطناه كـ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فلا، ومجازٌ بالزيادةِ إِنْ قيل بزيادةِ الباءِ أو لفظِ «اسْمٍ»، ومعنَى كونِهما مجازَيْنِ أنهما خلافُ الأصلِ لا «الكلمةُ المستَعْمَلَةُ في غيرِ ما وُضِعَتْ له» الآتي.
(المَبْحَثُ الثَّالِثُ) إضافةُ الـ«اسمِ» حقيقيةٌ إِنْ أريد من الجلالةِ الذاتُ، وبَيانِيَّةٌ إِنْ أريدَ منه اللفظُ.
والبيانيةُ مجازٌ بالاستعارةِ التبعيةِ لأن الإضافةَ نسبةٌ جزئيةٌ حقيقتُها تخصيصُ الأولِ بالثاني أو تعريفُهُ لا بيانُهُ، فشُبِّهَ ارتباطُ الأولِ بالثاني على وجهِ البيانِ بارتباطِ التخصيصِ الجزئيِّ أو التعريفِ بجامع مطلقِ التَّعَلُّقِ، ثُمَّ استُعِيرَتْ صورةُ إضافةِ التخصيصِ الجزئيِّ للبيانِ الجزئي، وفي هذا الكلامِ تَسَاهُلٌ سَهْلٌ، وسيأتيك تحقيقُهُ في آخر الفريدة الثانية.
(المَبْحَثُ الرَّابِعُ) لفظُ الجلالةِ كسائر الأعلام حقيقةٌ لاستعمالها فيما وضعت له وقيل واسطةٌ بين الحقيقةِ والمجازِ لأنهما من خواصِّ الكلياتِ، والأعلامُ جزئيةٌ، قال الخادمي «ومُقْتَضَى الظاهرِ خِطابُ المستعانِ به فحيثُ عُدِلَ عنه إلى الاسم الظاهر الذي هو من قبيل الغَيْبَةِ كان التفاتًا على مذهب السكاكي، وهو مما اختُلِفَ في كونه حقيقةً أو مجازًا» اهـ ولا يخفى أنه يكونُ أصلُ الكلامِ حينئـذٍ «بِكَ يا اسمَ اللهِ»، وفيـه من البَشَاعَةِ ما لا يـخفى، اللهمَّ إلا أن يَـجْرِيَ على زيادةِ لفـظِ الاسمِ، فتـكونُ الباءُ داخلةً على الجلالةِ، ويُقَدَّرُ المُتَعَلَّقُ من مادَّةِ الاستعانةِ لِـمَا عَلِمْتَ مما مَرَّ، فتدبر.
(المَبْحَثُ الخَامِسُ) الرحمن الرحيم من الرحمةِ رِقَّةُ القلب المقتضيةُ للإحسانِ وهي مستحيلةٌ عليه تعالى، فيُرادُ منها ما يَنْشَأُ عنها وهو الإحسانُ، ثُمَّ يُشْتَقُّ منها الاسمان فهما مجازٌ مرسَلٌ تبعيٌّ عَلاقتُهُ السببيةُ أو كنايةٌ وهو اللفظُ المستَعْمَلُ في حقيقتِهِ مرادًا منه لازمُهُ، فالاسمان كنايةٌ عن الإحسانِ اللازمِ لحقيقَتِهِما، وقد صَرَّحُوا بأنه لا يَضُرُّ استحالةُ المعنى الحقيقيِّ لِلَّفْظِ الكِنَائِيِّ ولا استحالةُ لازمِهِ لأن المعنى الحقيقيَّ للكنايةِ غيرُ مقصودٍ بالذاتِ كما عليه المحققون في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أَنَّهُ باقٍ على حقيقتِهِ من نَفْيِ مِثْلِ المِثْلِ لكنَّ المرادَ لازمُهُ وهو نَفْيُ الـمِثْلِ؛ لأنه حيثُ انتفى الِمثْلُ عَمَّنْ يمـاثِلُهُ في جميع أوصافه فقد انتفى عنه كقولهم: «مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ»، فإنهم نَفَوُا البُخْلَ عن مِثْلِهِ، والمرادُ نَفْيُهُ عنه، فالآيةُ من باب الكنايةِ وإن كان لازمُ معناها الحقيقيِّ مستحيلاً لأن نَفْيَ مِثْلِ المِثْلِ يَلْزَمُهُ إثباتُ المِثْلِ لكنْ ليس ذلك مرادًا، فلا حاجة إلى زيادةِ الكافِ ولا إلى جَعْلِ مجرورِها بمعنى الصفةِ أو الذاتِ.
وبَعْدُ ففي جوازِ الكنايةِ في الاسمين الكريمين وَقْفَةٌ لِـمَا سيأتيك من الفرقِ بينها وبين المجازِ بأن القرينةَ إن لم تَمْنَعْ من إرادةِ الحقيقةِ فكنايةٌ وإلا فمجازٌ، ولا شك أن القرينةَ هنا وهي استحالةُ معنى الرحمةِ عليه تعالى مانعةٌ من الحقيقةِ قطعًا فكيف تصح الكناية، والتَّمَسُّكُ بقولهم «لا يَضُرُّ فيها استحالةُ الحقيقةِ ولا لازمِها» غَلَطٌ، لأن المراد بالاستحالة فيه عدم الوجود لا لزوم محال على إرادته وإلا لم يتم الفرق المذكور، لأن المُحَالَ قرينةٌ تَمْنَعُ الحقيقةَ قطعا، وبدليل ما مَثَّلُوا به من أنه يقال كثيرُ الرمادِ وطويلُ النِّجَادِ كنايةٌ عن الكرمِ وطولِ القامَةِ وإن لم يكن له رمادٌ ولا نِجَادٌ لأنَّ المعنى الحقيقيَّ ليس مقصودًا فلا ضَرَرَ في استحالته أي: عدم وجوده، ومع ذلك قرينةُ المدح لا تَمْنَعُ إرادتَهُ ولا يلزمُ عليها محالٌ، بخلافِ ما هنا، فتأمل بانْصَافٍ.
وسيأتيك في تعريفِ الكنايةِ عن صاحب الكَشَّافِ ما يُؤَيِّدُ ذلك، فلله الحمد.
ويُحْتَمَلُ أنهما استعارةٌ تمثيليةٌ بأن تُشَبَّهَ حالُ الله تعالى في إيصالِهِ النِّعَمَ إلى عبادِهِ بحالِ مَلِكٍ رَقَّ على رَعِيَّتِهِ فأَوْصَلَهُمْ إِنْعامَهُ بجامع أَنَّ كُلًّا حالةُ عظيمٍ مُسْتَوْلٍ على ضَعْفَى، ثُمَّ استُعيرَ اللفظُ الدَّالُّ على حالِ المَلِكِ وهو «رحمن أو رحيم» أَيَّهُما كان إلى حالِ اللهِ تعالى.
فإن قلت اللفظ في التمثيلية لابد أن يكون مركبًا أي: متعددًا نحو تُقَدِّمُ رِجْلاً وتُؤَخِّرُ أُخْرَى، كما يَجِبُ أن يكونَ المشبَّهُ والمشبَّهُ به وَوَجْهُ الشَّبَهِ حالةً مُنْتَزَعَةً من متعددٍ فكان ينبغي أن يقال «الرحمن لعباده والرحيم لهم».
أجيب بأنهُ يَجُوزُ الاقتصارُ على أَهَمِّ المُرَكَّبِ ويُرْمَزُ به إلى الباقي لأن كُلًّا منهما يَرْمُزُ إلى المرحومِ، ولا شك أن المشبَّهَ به حالٌ مُنْتَزَعَةٌ من المَلِكِ ورَعِيَّتِهِ وفعلِهِ معهم، وكذا المشبَّهُ ووجهُ الشبهِ كُلٌّ منهما حالةٌ منتزعةٌ من متعددٍ.
قال الأميرُ «على أنه يمكن اعتبارُ الاستعارةِ في مجموعِ (الرحمن الرحيم) وهو متعددٌ على معنى هيئةِ إيصالِ الجليل والدقيق.
وفيه نظر ظاهر لأن معنى كونِ اللفظِ في التمثيليةِ مركبًا أن يكونَ بحيثُ يَدُلُّ على جميع الأشياءِ التي انتُزِعَ منها الهيئةُ المشبَّهُ بها على ما تراه في «تُقَدِّمُ رِجْلاً وتُؤَخِّرُ أُخْرَى» فإنَّ المشبَّهَ به هو الهيئةُ المنتزعةُ من التقديم والتأخير والرِّجْلِ، واللفظُ دالٌّ على الجميع، ولا شك أن المشبَّهَ به هنا هيئةُ إيصالِ الجليل والدقيق من المَلِكِ لرعيَّتِهِ لا مُجَرَّدُ هيئةِ إيصالِ الجليل والدقيق من غيرِ ملاحظةِ مُوصِلٍ ومُوصَلٍ إليه لأنه لا يُعْقَلُ فيَجِبُ أن يَدُلَّ اللفظُ على جميع هذه الأشياءِ مع أنه لم يَدُلَّ إلا على إِيصالِ الجليل والدقيق دون الرَّعِيَّةِ.
فالجواب الأولُ هو السديدُ كما لا يخفى، فلا تَكُنْ أسيرَ التقليد.
وإطلاقُ الحالِ على الله مستَعْمَلٌ في كتب الكلام للبيان، فلا ضرر فيه.
ولا يَرِدْ أن المشبَّهَ هنا أقوى من المشبَّه به، وأيضًا في التشبيهِ إساءةُ أَدَبٍ لأنه لمجردِ البيانِ والتقريبِ للعقولِ بما أَلِفَتْهُ، وقد قال تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ومما يَحْسُنُ هُنا ما نُقِلَ أن أبا تَمَّامٍ لَـمَّا أَنْشَدَ قصيدتَهُ التي يقولُ فيها:
إقدامُ عمرٍو في سَماحةِ حاتمٍ
*
في حِلْمِ أَحنفَ مع ذكاءِ إياسِ
قال بعضُ أعدائِهِ في الحَضْرَةِ ما في هذا كبيرُ مَدْحٍ قد شَبَّهْتَ المَلِكَ بأَجْلافِ البَوَادِي، فقال بَدِيهًا:
لا تُنْكِرُوا ضَرْبِي له من دونه
*
مثلا يقـرّب في النـدى والباس
فالله قد ضرب الأقـل لنـوره
*
مـثـلا من المـشكـاة والنـبـراس
ثُمَّ إِنَّ «الرحمن» لم يُسْتَعْمَلْ في غيرِهِ تعالى فهو مجازٌ لا حقيقةَ له في الاستعمالِ اكتفاءً بِوَضْعِهَا أو باستعمالِ المصدرِ على ما اختارَهُ في جَمْعِ الجوامع، وقولُهُمْ في مُسَيْلِمَةَ «رحمنُ اليَمَامَةِ» استعمالٌ فاسدٌ حَمَلَهُمْ عليه التَّعَنُّتُ في الكفر أو شاذٌّ أو لأنَّ المُختَصَّ به تعالى المُعَرَّفُ بـ«أَلْ» دُونَ غيرِهِ وكُلُّهَا مُعْتَرَضَةٌ كما بَيَّنَهُ الصبان في رسالته.
والذي أَخْتَارُهُ ما قاله العِزُّ بْنُ عبدِ السَّلامِ أنه مُخْتَصٌّ باللهِ تعالى شرعًا لا لغةً، وعليه فله حقيقةٌ في الاستعمالِ أيضًا.
وجملةُ البسملةِ لإِنْشَاءِ التَّبَرُّكِ، فهي مجازٌ عَلاقَتُهُ الضِّدِّيَّةُ كصِيَغِ العُقُودِ.
واللهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
قوله: ((الحمد لله)) لَـمَّا كان مَضْمُونُ البسملةِ التَّبَرُّيءَ من القوةِ والاعترافَ بأن الفعل إنما هو بمعونة رحمته ناسَبَ تعقيبَ ذلك بشكرِهِ والثناءِ عليه حيثُ إِنَّ الأمرَ كُلَّهُ منه وإليه فهما جملتان مستقلتان على هذا المَشْهَدِ ويَشْهَدُ له إِفْرَادُ كُلٍّ بحَدِيثٍ.
وقد اقتصر كثيرٌ من الأئمةِ على البسملة لأن فيها حَمْدًا.
وأما قولُ الشيخ ابن العربي «إنَّ (بسم) متعلِّقٌ بـ(الحمدُ) لأن الله تعالى لا يُحْمَدُ إلا بأسمائه الحُسْنَى، ولا ينبغي أن يُتَكَلَّفَ في القرآن محذوفٌ إلا لضرورةٍ ولا ضرورةَ هنا» قال «وأمَّا مَنْعُ النحاةِ عملَ المصدرِ مُؤَخَّرًا فتَحَكُّمٌ عِنْدِي» كما في الفتـوحات، فهو كمـا هو ظاهرُ سياقِهِ في القرآن فقط، فلا يَأْتِـي هُنا وإِنِ اشْتَـهَرَ نَقْلُهُ مطلقًا حتى جُعِلَ دافعًا للتعارض بين حَدِيثَيِ البسملةِ والحَمْدَلَةِ لأن البِدْءَ فيهما واحدٌ على هذا.
واستُبْعِدَ كما ذَكَرَهُ الطبلاوي الكبيرُ في شرح البهجة بأنَّ القَصْدَ بالذاتِ إلى نَفْسِ الحمدِ لا إلى متعلَّقِهِ من كونه اسمًا أو غيرَهُ.
ثُمَّ هو لا يَتَمَشَّى عند من يَرَى أَنَّ البسملةَ ليست من الفاتحةِ لاسِيَّما وقد نُقِلَ أنه مالكي لكنْ في كلامه ما يَقْتَضِي اجتهادَهُ كقوله:
نســبونـي إلـى ابـن حـزم وإنـي
*
لست ممن يقول قال ابن حزم
لا ولا غـيــــره فــإن مـقــــالــي
*
قال نص الكتـاب ذلك عـلمي
أو يقول الرسول أو أجمع الخلـــ
*
ــق على ما أقول ذلك حكـمي
أفادَهُ الأميرُ.
ثُمَّ إِنَّهُ اختارَ الحمدَ بالجملةِ الاسميةِ لأنها مُفْتَتَحُ الكتابِ العزيزِ ولإِفادَتِها الدَّوَامَ والاستمرارَ بسبب العُدُولِ عن أصلِها وهو الفعليةُ؛ إذ الأصلُ «حَمِدتُّ أو أَحْمَدُ حَمْدًا للهِ» فحُذِفَ الفعلُ اكتفاءً بدلالة مَصْدَرِهِ عليه، ثُمَّ عُدِلَ إلى الرَّفْعِ لقَصْدِ الدوامِ، ثُمَّ أُدْخِلَتْ «أَلْ» لقصد الاستغراقِ أو غيرِهِ كما في الأشموني وغيرِهِ.
وإنما جُعِلَ «لله» خبرًا لا متعلِّقا بالمصدرِ والخبرُ محذوفٌ مثلا لأن الشائعَ في العدول أن يُجْعَلَ مفعولُ الفعلِ خبرًا عن المصدرِ كما في الأَطْوَلِ.
ومقتضاه أنه لو لم يُعْدَلْ إلى الرفع وقيل «حَمْدًا لله» بالنصب لانتفت الدلالةُ على الدوامِ، وهو ما صَرَّحَ به الرَّضِيُّ، لأن بقاء النصب صريحٌ في ملاحظةِ الفعلِ وتقديرِهِ، وهو يدل على التجدُّدِ فلا يستفاد الدوام إلا بالعُدُولِ إلى الرفع، وهذا ما جرى عليه صاحب الكشاف والمفتاح.
وقال الشيخ عبد القاهر «لا دلالةَ للاسميةِ إلا على مُجَرَّدِ ثُبُوتِ المحمولِ للموضوع، فـ«زيدٌ منطلقٌ» لا يفيد سِوَى ثبوتِ الانطلاقِ لزيدٍ ولا دلالةَ له على الدوام أصلا.
فجَمَعَ السعدُ بينهما بأن الشيخَ نَظَرَ إلى أصلِ وَضْعِهَا وهما نظرا للدلائل العقلية من قرائن الأحوالِ والعُدُولِ عن الفعليةِ حيث كانت هي الأصلَ بِأَنْ كان المسندُ إليه مَصْدَرًا كما هنا، فإن المصدر أكثرُ ما يُسْتَعْمَلُ منصوبًا على المفعولية المطلقة بفِعْلٍ محذوفٍ أو مذكورٍ، فحيثُ وَرَدَ مرفوعُا عُلِمَ أن أصلَهُ النصبُ، وأيضًا فإن المصدرَ يَدُلُّ على حَدَثٍ متعلِّقٍ بمَحَلِّهِ، والأصلُ في الإخبارِ عن ذلك الحدث أن يكون بالفعلية لدلالتها على وقوع ذلك وتَجَدُّدِهِ في زمنٍ مخصوصٍ.
وخالفَهُ حفيدُهُ وحَمَلَ كلامهما على أصل الوضع، وهو مردودٌ كما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ.
فتَلَخَّصَ أن الاسميةَ تدل على الدوام إما بسبب العدولِ عن الفعلية حيث كانت هي الأصلَ أو غيرِهِ من القرائن.
ورَجَّحَ بعضُهم أن دلالتها على ذلك بغَلَبَةِ الاستعمالِ.
إن قلت الاسميةُ هنا خبرُها ظَرْفٌ متعلِّقٌ إما بفعلٍ أو اسمِ فاعلٍ بمعنى الحدوثِ بقرينةِ عَمَلِهِ في الظرفِ فيكون في حكم الفعل، والاسمية التي خبرُها فعلٌ تفيدُ التجدُّدَ لا الدوامَ.
أجيب بأن المتعلَّقَ يجوزُ كونُهُ اسمَ فاعلٍ بمعنى الدوامِ ويَكْفِي في عَمَلِهِ في الظرفِ رائحةُ الفعلِ وإن كان لا يَعْمَلُ في غيرِهِ حينئذٍ، على أن محلَّ ذلك إذا لم يوجدْ داعٍ إلى الدوامِ، والعدولُ المذكورُ داعٍ إليه كما ذَكَرَهُ الفنري.
بَقِيَ أنه اختُلِفَ هل الحمدُ بالجملةِ الاسميةِ أبلغُ أم بالمضارِعِيَّةِ، والذي حَقَّقَهُ سم كما نقله الصبانُ وغيرُهُ أن لا يُطْلَقَ القولُ في ذلك بل الاسميةُ أبلغُ من حيثُ إن الثناءَ فيها بصفةٍ مُعَيَّنَةٍ وهي مالِكِيَّةُ الحمدِ أو استحقاقُهُ، والمُعَيَّنُ أوقعُ في النفس، والمضارِعِيَّةُ أبلغُ من حيث صِدْقُ المحمودِ به فيها بجميع الصفات وببعضها إذ معنى (أَحْمَدُ اللهَ) أُثْنِي عليه بالجميل، وكلُّ صفاتِهِ جميلٌ، فالمضارِعِيَّةُ أكثرُ فائدةً اهـ.
قلت: هذا موجودٌ في الاسميةِ أيضًا؛ إذ معنى «الحمدُ لله» الثناءُ بالجميلِ ثابتٌ لله فيَصْدُقُ بالثناءِ بكلِّ الصفات وببعضها، وتَزِيدُ بالثناءِ بصفةٍ معينةٍ فتكونُ أبلغَ كما لا يخفى.
نعم الاسميةُ تدل على الدوام كما عَلِمْتَ وهو يناسب الذاتَ والصفاتِ، والمضارِعِيَّةُ تدل بواسطة غَلَبَةِ الاستعمالِ على الاستمرارِ التَّجَدُّدِيِّ أي: تُشْعِرُ السامعَ بأن المتكلمَ سَيَحْمَدُهُ مرةً بعد أُخْرَى وذلك يناسب تَجَدُّدَ النِّعَمِ، ولو وُجِّهَتْ أَبْلَغِيَّةُ الفعليةِ بأن الثناءَ فيها متعددٌ لإِشْعَارِها بتجديدِ الفعلِ مرةً بعد أُخْرَى إلى غيرِ نهايةٍ وفي الاسميةِ ثناءٌ واحدٌ وهو التَّلَفُّظُ بها لكان أَوْلَى، فتأمل.
ثُمَّ هذه الجملةُ إن كانت خبريةً لفظًا ومعنىً فلا تَجَوُّزَ فيها ويَحْصُلُ بها المطلوبُ وهو الثناءُ على الله في الابتداء لدلالتها على صِفَةِ استحقاقِ الحمدِ أو مالِكِيَّتِهِ فهو حَمْدٌ صريحٌ.
وأمَّا قولهم «الإخبارُ بالحمدِ يَتَضَمَّنُ الحمدَ» فإنما ذلك بالجملة الفعلية لتَضَمُّنِهَا أن المحمودَ أهلٌ لِأَنْ يُحْمَدَ، وأما الاسميةُ فهي حَمْدٌ صريحٌ فتَنَبَّهْ لذلك.
وإن كانت لإنشاءِ الثناءِ فهي مجازٌ مرسَلٌ علاقتُهُ الضديةُ.
والله سبحانه وتعالى أعلمُ
قوله: ((الذي الحمدُ...إلخ)) الحمدُ مبتدأٌ، وحقيقةٌ خبرٌ، والجملةُ صِلَةٌ، والظرفُ إمَّا لَغْوٌ متعلِّقٌ بـ«الحمدُ» أي: الذي حمدُهُ حقيقةٌ أي: حقيقيٌّ، أو مُسْتَقَرٌّ حالٌ أي: الحمدُ حقيقةٌ حالَ كونِهِ مُسْتَحَقًّا له، ومآلُ الوجهين واحدٌ.
أو الظرفُ خبرٌ وحقيقةٌ حالٌ أي: الحمدُ مُسْتَحَقٌّ له حالَ كونِهِ حقيقيًّا.
والأولُ بوجهيهِ أظهرُ لأن القصدَ الحكمُ على حمدِهِ تعالى بالحقيقةِ وعلى حمدِ غيرِهِ بالمجاز لا الحكمُ بأن الحمدَ الحقيقيَّ مُسْتَحَقٌّ له لأن ذلك مُسْتَفَادٌ من جملةِ «الحمدُ للهِ».
ثُمَّ إنَّ الموصولَ كالمُشْتَقِّ يُؤْذِنُ بالعِلِّيَّةِ فيكونُ المعنى الحمدُ ثابتٌ لله لأجل كونِ حمدِهِ حقيقيًّا أو لأجل استحقاقِهِ للحمدِ الحقيقيِّ على الإِعْرَابَيْنِ، وفيه ما لا يخفى.
أمَّا أَوَّلاً فلأنَّ مِنَ الحمدِ الحمدُ القديمُ وليس ثبوتُهُ لله مُعَلَّلاً بشيءٍ لا بصفةٍ ذاتيةٍ ولا فعليةٍ.
وأمَّا ثانيًا فلأنَّ استحقاقَهُ لحمدِ الحوادثِ ليس لخصوصِ تلك الصفةِ أعني كونَ حمدِهِ حقيقةً بل لأنه الإلهُ الحقُّ المتصفُ بالصفاتِ الجميلةِ المُنْعِمُ بجميع النِّعَمِ.
ويجاب عنهما بأنه ليس ذلك علةً لمضمون الجملة الذي هو استحقاقُ الحمد بل للثناء به من المتكلم، أفادَ بعضَهُ المُحَشِّي ابْنُ يُونُسَ، فاعترضَهُ العلامةُ الأميرُ بأن العلماءَ إنما أَوْرَدُوا هذا حيث تكونُ الصِّلَةُ من جنسِ الإنعامِ كقول السَّمَرْقَنْدِيِّ في شرح رسالة الوَضْعِ العَضُدِيَّةِ:
«الحمدُ للهِ الذي خَصَّ الإنسانَ بمعرفةِ أوضاع البيان»
وأينَ هذا من ذاك بل لو كان الإيرادُ هنا تعليلَ الشيءِ بنفسِهِ كان أظهرَ فتدبر اهـ.
ولا يخفاك أن قوله «إنما أَوْرَدُوا هذا..إلخ» لا يقتضي عدمَ وُرُودِهِ هنا أيضًا لجوازِ الاقتصارِ في بعضِ المواضعِ على أنهم أَوْرَدُوهُ في نحو «الحمد لله العالمِ بالكلياتِ والجزئياتِ» والعالمُ صفةٌ ذاتيةٌ لا من جنس الإنعام.
نعم يَرِدُ هنا أيضًا على الإعرابِ الأخيرِ دونَ ما قبله تعليلُ الشيءِ بنفسه إذ المعنى «الحمدُ مُسْتَحَقٌّ لله لأجل استحقاقِهِ الحمدَ الحقيقيَّ».
ويجاب عنه بما مَرَّ أو بأن المراد من العلةِ استحقاقُهُ لماهيةِ الحمدِ ومن المُعَلَّلِ الأفراد، وحينئذ يَرِدُ الإشكالُ المارُّ قطعًا، فتأمل مُنْصِفًا.
بَقِيَ أن المحمودَ عليه لابُدَّ أن يكونَ اختياريًّا وكونُ حمدِهِ تعالى حقيقةً أو استحقاقِهِ للحمدِ الحقيقيِّ ليس اختياريًّا لأنه أمرٌ واجبُ الثبوتِ لايمكن الانفكاكُ عنه كسائر صفاتِهِ الذاتيةِ.
والجوابُ بأنَّ المرادَ الاختياريُّ ولو حُكْمًا وهو ما له دَخَلٌ مَّا في صُدُورِ فِعْلٍ اختياريٍّ ولو بالشرطيةِ فتَدْخُلُ ذاتُ اللهِ وصفاتُهُ لا يَنْفَعُ إلا في صفاتِ التأثيرِ كالقدرةِ والإرادةِ وما تتوقفُ عليه كالعلم والحياة لا في نَحْوِ ما هنا ولا في نَحْوِ السمع والبصر والكلام لعدمِ تَوَقُّفِ الفعلِ عليها كما هو مُقَرَّرٌ في الكلام.
اللهُمَّ إلا أن يُجَابَ بأن المرادَ بالاختياريِّ ما ليس بطريقِ القَهْرِ والإيجابِ من الغيرِ أو بأن الصفاتِ ليستْ بغيرِ الذاتِ المُؤَثِّرَةِ فصَحَّ كونُها مَصْدَرَ أفعالٍ اختياريةٍ بهذا الاعتبارِ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: ((الحمدُ له))، أَظْهَرَ مع تَقَدُّمِ المَرْجِعِ.
قال الأميرُ «لزيادة التمكين وإظهارًا لنامُوسِ الحضرة العلية حيث لم يَحْتَجْ في حقِّها للإضمار والخفاءِ بخلاف غيرِها، فقال (وهو لغيره) كأنَّهُ خائفٌ من التصريح بالحمد لكونه على خلافِ الأصل»، وهو في غاية النَّفَاسَةِ.
«وأمَّا التعليلُ بكراهةِ توالى الإضمار لو قال (هو وهو) فلا يَحْسُنُ لأن الكراهةَ بالثاني لوقوعِ الأولِ في مَرْكَزِهِ.
وكذا كونُهُ للتَّلَذُّذِ إذ ليس لفظُ «الحمدُ» مقصودًا لذاتِهِ حتى يُتَلَذَّذَ بِذِكْرِهِ.
وليس هذا من مَقام:
* ليلايَ منكن أم ليلى من البشر *
كما لا يخفى.
ويُحْتَمَلُ أنه أَظْهَرَ لتَخَالُفِ الحَمْدَيْنِ معنىً بأن يُرَادَ من الأولِ الحمدُ القديمُ أو المَقَالي ومن الثاني غيرُهُ أو يُرَادَ من أَحَدِهِما الحامديةُ ومن الآخَرِ المحموديةُ أي: الكونُ حامدًا والكونُ محمودًا، لكنْ اسْتُبْعِدَ هذا بأنهما كونان نِسْبِيَّانِ تابعان للمصدرِ، فالأَوْلَى بقاؤُهُ على المعنى المصدري أعني نفسَ الثناءِ وفِعْلِ الفاعل» اهـ.
قوله: ((حقيقةٌ))، أصلُهُ حقيق وَصْفٌ من حَقَّ إذا ثَبَتَ، فلا يُسْتَعْمَلُ إلا تابعًا لموصوف ملفوظٍ أو مُقَدَّرٍ، فنُقِلَ وجُعِلَ اسمَ جِنْسٍ لِلَّفْظِ المُسْتَعْمَلِ فيما وُضِعَ له وهو الحقيقةُ اللُّغَويةُ أو لإسنادِ الشيءِ لمن هو له عند المتكلم وهو الحقيقةُ العقليةُ فلَحِقَتْهُ التاءُ للدلالة على النقل من الوصفية إلى الاسمية فهو الآنَ حقيقةٌ عُرفيةٌ على سبيل الاشتراك بين اللفظِ والإسنادِ.
والمرادُ هنا الحقيقةُ العقليةُ لا اللغويةُ، لأنه رُبَّما كان الثناءُ بلفظٍ مجازيٍّ، ولمُقَابَلَتِهَا بقوله «وهو لغيره مجازٌ» فإنَّ المرادَ به العقليُّ وهو إسنادُ الشيءِ لغير مَنْ هو له، فلا يُسْنَدُ الحمدُ بالحقيقةِ إِلَّا له تعالى إذ لا مُنْعِمَ في الواقع غيرُهُ، إلا أن حالنا كحَدَقَةِ النَّمْلَةِ تَرَى سِنَّ القلمِ دون الكاتبِ والدَّابَّةِ تَأْلَفُ السَّائِسَ دون رَبِّها وإنما العبيدُ كالقَنَاةِ تَجْرِي منها الماءُ والبابِ تَخْرُجُ منه الناسُ كما قال الخواص، واللهُ خَلَقَهُمْ وما يَعْمَلُونَ، غايةُ الأمرِ أنه مُتَنَزِّهٌ أن يكونَ مَحَلًّا للأعراضِ فطَلَبَتِ الأعمالُ مَحَلًّا تَقُومُ به لأن العَرَضَ لا يَقُومُ بنفسِهِ هكذا قَرَّرَ الشَّعْرَانِيُّ.
قال العَلَّامَةُ الأميرُ «وعليه فالمرادُ بالحقيقةِ هنا ما أَتَى على الأصلِ ونفسِ الأمرِ وبالمجازِ ما خالفَ الأصلَ وانْبَنَى على التَّسَمُّحِ ولا يَصِحُّ أن يرادَ البيانيُّ لا في الطَّرَفِ وهو اللغويُّ ولا في الإسنادِ وهو العقليُّ لأن الحمدَ باعتبارهما حقيقةٌ لله تعالى ولغيرِهِ، لأنه وإن كان لا تأثيرَ لغيرِهِ تعالى إلا أن اللغةَ تَنْبَنِي في مِثْلِ ذلك على الكَسْبِ والظاهرِ، وإلا لَزِمَ سَدُّ بابِ الحقيقةِ من غيرِهِ تعالى، فَتَبَصَّرْ» اهـ.
وفيه أنه لا معنى لكون هذا المجاز مَبْنِيًّا على التَّسَمُّحِ وخلافَ الأصلِ إلا أنه مُسْنَدٌ لغيرِ مَنْ هو له كما بَيَّنَهُ بقوله «إذ لا مُنْعِمَ..إلخ»، وهذا معنى المجازِ العقليِّ بلا رَيْبٍ، ولا يلزمُ من ذلك سَدُّ بابِ الحقيقةِ لأن الشارحَ نَظَرَ بعين الحقيقة وللواقع ونفسِ الأمرِ، فَرَأَى الحمدَ لغيرِهِ تعالى مُسْنَدًا لغيرِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ فسَمَّاهُ مجازًا، ولو نَظَرَ للظاهرِ لم يَقُلْ إنه لغيرِهِ مجازٌ، لأن إسنادَ الحمد إلى زيدٍ المُعْطِي لا تَسَمُّحَ فيه ولا خلاف الأصل بل هو حقيقةٌ عقليةٌ بحسب اللغة كإسناد الإعطاء إليه لوجوده منه بحسب الظاهر، فتأمل.
ويُحْتَمَلُ أن المجازَ بمعنى الطريق لحديث «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» قال المُنْذِرِيُّ رُوِيَ بنَصْبِ الجلالةِ والناسِ وبرَفْعِهِمَا وبنَصْبِ أحدِهما ورَفْعِ الآخَرِ، وفي الحديث القدسي: «لم تشكرني إذا لم تشكر مَنْ هي على يده»، فحَمْدُ غيرِهِ تعالى طريقُ الحمدِ له، إمَّا لأنَّ فيه امتثالَ الأمرِ بالمُكَافَأَةِ وهو حَمْدٌ أو لأنه مُنَبِّهٌ لحمدِهِ بالطريقِ الأَحْرَى إذ هو الفاعلُ الحقيقيُّ فهو أَوْلَى أن يُحْمَدَ أو لأنه بنفسه حَمْدُهُ لأنه حيث كان الحمدُ لأجل الجميل فهو آيِلٌ لصاحبِ الجميل نظيرَ ما قيل في حديث «يَسُبُّ ابنُ آدم الدهر وأنا الدهر» معناه الفعلُ لي لا للدَّهْرِ أفادَهُ الأميرُ.
قوله: ((وهو لغيره)) الجار والمجرور متعلِّقٌ بمحذوفٍ حالٍ بناءً على مذهب البصريين من منع إعمالِ ضميرِ المصدرِ مطلقًا وما أَوْهَمَهُ يُؤَوَّلُ وهو المختارُ أو بضمير المصدر بناءً على جواز إعماله مطلقًا عند الكوفيين أو في الظَّرْفِ فقط عند الرماني وابن جني، وكلامُ المُحَشِّي يوهم عدمَ الخلاف في عمله في الظرف مع أنه خلافُ المختار.
والواوُ لعطف الجُمَلِ لا المفرداتِ لئلا يلزمَ العطفُ على مَعْمُولَي عاملين مختلفين، المعمولانِ هما «الحمدُ»و«حقيقةٌ» والعاملان الابتداءُ في الأول والمبتدأُ في الثاني، وهو ممنوع مطلقًا عند سيبويه ومن وافقه وعند الكسائي والفراء إذا لم يكن أحدُ العاملين جارًّا مُقَدَّمًا كما هنا، بخلاف نحو «في الدارِ زيدٌ والحُجْرَةِ عمرٌو» بعطفِ الحجرةِ على الدارِ وعمرٌو على زيدٌ.
اللهم إلا أن يُبْنَى على ما نُقِلَ عن الأخفش من جوازه مطلقا أو على أن العامل في كلٍّ من المبتدأِ والخبرِ الابتداءُ، فيكون العطفُ حينئذٍ على معمولي عاملٍ واحدٍ وهو جائزٌ اتفاقًا.
وأمَّا «لغيره» فليس معطوفًا على «له» حتى يكونَ معمولاً للحمدِ المتقدِّمِ كما في المُحَشِّي لأنه إمَّا معمولٌ لضمير المصدر أو لحالٍ محذوفةٍ مِنْ ضميرِ الخبرِ، فتأمل.
قوله: ((الـمحيط)) بالجـرِّ نعتٌ سَبَبِيٌّ للجلالة و«عِلْمُهُ» فاعلٌ أي: الـمتعلِّقِ عِلْمُهُ بجميع ما ذُكِرَ تَعَلُّقَ انكشافٍ تامٍّ، فلا يقال الأَوْلَى «المحيطِ بعلِمِهِ»، على أنه لا تغايُرَ بين الذاتِ والصفاتِ فَصَحَّ الإسنادُ أَيًّا كَانَ.
قوله: ((بأسرار البلاغة))، الأسرارُ النِّكَاتُ التي يأتي بها المتكلمُ في كلامه كالتأكيد للمُنْكِرِ، والإضافةُ من إضافة السبب للمُسَبَّبِ إِنْ أريد بلاغةُ الكلامِ لأن تلك النِّكَاتِ سببٌ في بلاغتِهِ أي: مُطابَقَتِهِ لمُقْتَضَى الحالِ لا أنها جزئياتٌ لها كما هو ظاهرٌ، وبالعكسِ إِنْ أريدَ بلاغةُ المتكلمِ وهي قُدْرَتُهُ على الكلامِ البليغِ لأن تلك النِّكَاتِ تَتَسَبَّبُ عنها، ولا تُوصَفُ الكلمةُ بالبلاغةِ في اصطلاحهم، لكنْ نَقَلَ العدويُّ في حاشية ابن عبد الحق القولَ به عن بعضِ المتأخرين كـ«إِنَّ» المشدّدةِ في مقام الإنكارِ تُوصَفُ بالبلاغةِ أي: المطابقةِ لمقتضى الحال وهو خلافُ المعروف.
﴿فائدة﴾ النِّكَاتُ جَمْعُ نُكْتَةٍ وهي ما يَحْفِرُهُ الإنسانُ بِنَحْوِ عُودٍ عند تَفَكُّرِهِ في أمرٍ مَا، مشتقة من النَّكْتِ وهو الحَفْرُ في الأرض وذلك دَأْبُ المتفكّر غالبًا، شُبِّهَتْ بها المسئلةُ اللطيفةُ المتميزةُ عن نظائرها في الحُسْنِ بجامع التَّمَيُّزِ اهـ.
ولك أن تَعتبرَ مناسبةَ التسميةِ حصولَ المسئلةِ مع الحُفْرَةِ عَقِبَ التفكرِ، فإن الإنسان إذا تفكر في إبراز دقيقةٍ نَكَتَ في الأرض غالبًا، فإذا حصلت الدقيقةُ وأفاق من تفكره رأى النكتةَ أمامَهُ، فسُمِّيَتْ بها المسئلةُ لحصولها عندها.
قوله: ((ووجوه البراعة)) الوجوهُ استعارةٌ تصريحيةٌ للطرقِ والأنواعِ بقرينة الإضافة أو هي تخييلٌ للمكنية في «البراعة» حيث شُبِّهَتْ بأصحاب الوجوه تشبيها مُضْمَرًا وهي مصدرُ بَرُعَ ككَرُمَ فَاقَ أقرانَهُ كالبلاغةِ مصدرِ بَلُغَ لأنَّ «فَعَالَة» يَنْـقاسُ في مصدر «فَعُلَ» المضمومِ العينِ كجَزُلَ جَزَالَةً.
قوله: ((ودلائل الإعجاز)) أي: علاماته الدالة عليه، وهي الأمور التي يعجز عنها غيرُ الرسول، ومعنى الإعجاز في الأصل إثباتُ العَجْزِ، أُطلق على إظهارِ صدق الرسول في دعواه الرسالةَ لأنه يلزمُهُ إثباتُ عَجْزِ الغير وإظهارُهُ.
ولا يخفى ما في كلامه من براعة الاستهلال وهي الإتيان في أول الكلام بما يُشعر بالمقصود الذي سِيقَ الكلامُ لأجله.
فهي من إضافة الصفة للموصوف إذ المعنى الاستهلالُ البارعُ أي: الفائق على غيره في الحسن بسبب دلالته على المقصود.
أو على معنى «في» أي: البراعة في الاستهلالِ.
والاستهلالُ لغةً الابتداءُ يقال استهلت السماءُ إذا نَزَلَ أولُ مطرِها كما في الصِّحَاحِ.
وفيه مع براعة الاستهلال التوريةُ بكِتابَيِ الشيخِ عبد القاهر «أسرارِ البلاغةِ»و«دلائلِ الإعجازِ»، وما ألطف ما أنشده ابن أبي حَجْلة لعماد الدين:
أرى العقد في ثغـره محكمـا
*
يرينا الصحاح من الجوهري
وتكملة الحسن إيـضاحـها
*
رويناه عن وجهك الأزهري
ومنثور دمعي غدا أحـمـرا
*
على آس عارضك الأخـضـر
وبعت رشادي بغي الهوى
*
لأجلـك يـا طلعـة المشتــري
قوله: ((والصلاة)) استعمالُها في معانيها حقيقةٌ على المشهور مِنْ أنها من المشترَك اللفظيِّ بين الرحمة من الله والدعاءِ من الآدَمِيِّينَ، لَكِنَّ تَعْدِيَتَهَا بـ«على» إما استعارةٌ تبعيةٌ كما سيأتي أو لتضمنها معنى العطفِ، فتَجْرِي على الخلافِ في التضمين أهو مجازٌ أم حقيقةٌ كالتعريضِ أم جَمْعٌ بين الحقيقةِ والمجازِ.
أمَّا على ما في المغني من أنها من المشترَك المعنويِّ لأن أصلَ وَضْعِها العطفُ وهو أمر كُلِّيٌّ يشمل جميعَ هذه المعاني، فالعطفُ من الله معناه الرحمةُ ومن الآدميين معناه الدعاء فتَجْرِي على الخلاف في استعمال الكلي في بعض جُزْئياتِهِ هل هو حقيقةٌ مطلقًا أو إِنِ استُعْمِلَ فيه من حيث خصوصُهُ بأن قُصِدَ أَنَّ الكليَّ هو هذا الخاصُّ كان مجازًا وإلا فحقيقةٌ.
فإِنْ جَرَيْنا على أن استعمالَها في الرحمة من حيث خصوصُها مجازٌ فهي مجازٌ على مجازٍ لأن أصل الرحمة الحُنُوُّ والرقةُ وقد أريد بها الإحسانُ لعلاقة السببية.
وإن جرينا على مقابلِهِ ففيها المجازُ الثاني فقط.
هكذا ينبغي تقرير المقام لا كما في الأمير والله الموفِّق .
وأما جملةُ الصلاةِ فمجازٌ من الخبرِ للطلب لأنَّ القصدَ بها الدعاءُ خلافًا لقول ياسين وغيرِهِ يصح كونُها خبريةً لفظًا ومعنىً لأن القصدَ بها الاعتناءُ والتعظيمُ وهو حاصلٌ بالإخبارِ بها.
ثُمَّ إِنْ جُعِلَتْ جُمْلَتَيِ الحمدِ والصلاةِ خَبَرِيَّتَيْنِ أو إِنْشَائِيَّتَيْنِ فلا إشكالَ في العطف، وإلا جَرَى فيه الخلافُ في عطفِ الإنشاءِ على الخبرِ وعكسِهِ، والمنعُ رأيُ البيانيين وابنِ مالكٍ وابنِ عصفور ناقلا له عن الأكثرين، والجوازُ رأيُ الصَّفَّار وجماعةٍ، فالأَوْلَى حينئذٍ أن تُجْعَلَ الواوُ استئنافيةً لأنها تدخل على الاسمية كقوله تعالى: ﴿وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ﴾ كما تدخل على المضارعية في نحو﴿نُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ﴾ وإِنْ قَصَرَهَا بعضُهم على الثاني.
قوله: ((علـى سيـدنا)) فيـه استـعارة تبعيـة حيث شُبِّـهَ مطلق ارتبـاط رحـمة بمرحوم التي هي معنى الصلاة المطلوبةِ من الله تعالى بمطلق ارتباط مُسْتَعْلٍ بمُسْتَعْلَىً عليه بجامع شِدَّةِ التعلُّقِ فسَرَى التشبيهُ لجزئياتِ الارتباطِ المطلقِ فاستُعيرت «على» للدلالةِ على ارتباط الرحمة الجزئيِّ.
وفيه إطلاقُ السيدِ على غيرِهِ تعالى وهو سائغٌ، وأمَّا حديث: «لا تقولوا سيد، إنما السيد الله» فتَوَاضُعٌ منه أو محمولٌ على السيادة المطلقةِ.
قوله: ((المرشّح)) نعتٌ لـ«محمد» لا لـ«سيد» لئلا يلزم تقديمُ البدل أو عطف البيان على النعت، وهو اسمُ مفعولٍ من الترشيح وهو التقوِيةُ، لأن الله قَوَّاهُ بالآيات أو اسمُ فاعلٍ لأنه قَوَّى دَعْوَاهُ، لكنَّ المنقولَ عن المصنف الأولُ.
وهذا بيانٌ لوصفٍ قائمٍ به صلى الله عليه وسلم وحكمٌ عليه به كقولنا النبيُّ قائمٌ لا إطلاقُ اسمٍ عليه حتى يرد أن أسماءَهُ صلى الله عليه وسلم توقيفيةٌ، لأن ذلك في الأسماءِ المرادِ منها الذاتُ من غيرِ حُكمٍ كالماحي والعاقب اهـ ابن يونس.
قوله: ((والدلائل)) عطفُ تفسيرٍ أو عامٍّ إِنْ خُصَّتِ الآياتُ بالقرآنيةِ، وإنما سميت الطائفةُ من القرآن آيةً مع أن الآية لغةً هي العلامةُ والدليلُ لأن كل آية منها معجزةٌ تدل على صدقه صلى الله عليه وسلم.
قوله: ((آله)) الأَوْلَى أن يراد بهم كلُّ مؤمنٍ لأنه مقامُ دعاءٍ يُطْلَبُ فيه التعميمُ للخبر الواردِ فيه، ولا يلزم عليه تَكْرَارٌ في ذِكْرِ الصَّحْبِ لأنه عطفُ خاصٍّ لمزيد الشرف ولا في «مَنْ تبعهم إلى يوم الدين» لإمكان أن يراد بالـ«آل» كل مؤمن ممن وجد بالفعل وبـ«مَنْ تبعهم» مَنْ سيوجد بقرينة قوله «إلى يوم الدين» فتأمل.
والإنصافُ أن قوله «ومَنْ تبعهم بالفواضل» أي: فيها يُعَيِّنُ أن المراد بالـ«آل» أتقياءُ الأمة أي: المؤهَّلين للتبعية كالمجتهدين وغيرِهِم لا بنو هاشمٍ والمُطَّلِبِ فقط، ويَحْصُلُ التعميمُ بـ«من تبعهم» لأن المراد به كل مؤمن، فالمرادُ بالفضائل والفواضل العملُ الصالحُ وإِنْ قَلَّ.
قوله: ((إلى يوم الدين)) ظرفٌ مُسْتَقَرٌّ حالٌ من ضميـرِ «تَبِعَ» أي: مستمـرين طائفةً بعد طائفةٍ إلى يوم الدين أي: إلى قُرْبِهِ لموت المؤمنين قبلَه بريحٍ لَيِّنَةٍ ولا تقوم الساعة بصيحة الفَزَعِ إلا على شرار الناس.
وليس الظرفُ لَغْوًا متعلِّقا بـ«تبع» لاحتياجه إلى تَكَلُّفِ التقديرِ أي: تبعهم إلى سبب نجاة يوم الدين.
وأما تعليلُهُ بأنه حينئذ يكون قاصرًا على الفرقةِ الأخيرةِ المُقارِبةِ ليوم الدين كما في الأمير فغيرُ ظاهرٍ عند التأمل لأنه لا يفيد ذلك إلا لو كان الظرفُ متعلِّقا بنحو «تَأَخَّرَ» محذوفٍ لا بـ«تَبِعَ» إذ لا يفيد تعلقُه به أكثرَ من أنَّ يومَ الدين مكانٌ مثلا يتبع إليه كما تقول تبعته إلى السوق، فتبصر.
ولو قال «وإنما قدرنا طائفة بعد طائفة ولم نكتف بتقدير مستمرين لئلا يكون قاصرا...إلخ» لكان صحيحا.
قوله: ((بالفواضل والفضائل)) الباء بمعنى «في» متعلِّقة بـ«تبع»،
والفواضلُ جمع فاضلةٍ وهي الصفة التي لا تتحقق إلا بتعدي أَثَرِها للغير كالكرم.
والفضائلُ جمع فضيلة وهي التي تتحقق وإن لم يَتَعَدَّ أثرُها للغير كالعلم والعبادة.
وهذا مجردُ اصطلاحٍ، وإلا ففضيلة فعلية بمعنى فاضلة، وكلٌّ من الاسمين من الفضل وهو الزيادة، فكل صفة تستحق لغة أن تسمى فضيلة وفاضلة لأنها زائدة على محلها التي قامت به.
قوله: ((فقد كنت شرحت)) أَقْحَمَ «كنت» المتوغلةَ في المُضِيِّ لمزيد التأكيد وللدلالة على تَقَادُمِ زمنِ ذلك الشرح وبُعْدِهِ في الماضي أو لدفع توهم أن «شرحتُ» بمعنى المستقبل كـ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ﴾ و﴿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾.
لا يقال ذلك مدفوعٌ بـ«قد» الداخلةِ على الماضي، لأنا نقول هي لا تمنعُ أن يكون الماضي الذي دخلت عليه بمعنى المستقبل كـ«قد قامت الصلاة»، فلو لم يأتِ بـ«كنت» لاحْتُمِلَ هنا مثلُه.
قوله: ((رسالة الإمام)) الرسالة في الأصل اسمُ مصدرٍ لـ«أرسل»، أطلق على ما يُتَرَاسَلُ به من نحو كتاب أو سلام، ثم أطلق في عرف المؤلفين على ما اشتمل على مسائلَ قليلةٍ من فنٍّ واحدٍ تشبيهًا لها بذلك في الخفة، وأما المختصرُ فما اشتمل على مسائل قليلة من فن أو فنون، والكتابُ ما اشتمل على مسائل قليلة أو كثيرة من فن أو فنون، فهو أعمُّها.
و«الإِمامُ» يَشترِكُ هو و«الأُمَّةُ» في كونهما من مادّة «أَمَّ» بمعنى قَصَدَ، ويتعاكسان في أن الإمامَ مقصود والأُمَّةَ قاصدة، وفي أن الإمامَ يقل إطلاقه على الجمع نحو: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، والأُمَّةَ تَقِلُّ في المفرد نحو: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾.
قوله: (( السمرقندي)) نسبة إلى سمرقند بفتح الميم وسكون الراء كما هو على الألسنة دارِ مَلِكِ العَجَمِ فيما وراء النهر.
قوله: ((في الاستـعـارات)) حالٌ من الرسالة أو صفـةٌ لـها إن قُدِّرَ الـمتـعلَّـقُ معرفةً أي: الكائنة، فقد حُقِّقَ أن الظرفَ بعد المعرفة يجوز فيه الوجهان باختلاف المقدَّر، وهي من ظرفية الدال في المدلول إذ الرسالة اسم للألفاظ المخصوصة وهي ظرفيةٌ مجازيةٌ حيث شبه غرض الشيء الذي لا يخرج عنه بالظرف المحيط به من جميع جهاته على طريق المكنية، و«في» تخييلٌ، وهذا إن قدر المتعلَّق عاما، فإن قدر خاصا من مادة الدلالة كانت «في» استعارةً تبعيةً لأن حَقَّهُ أن يتعدى بـ«على» فشبه ارتباط الدلالة بارتباط الظرفية ثم استعيرت «في» لارتباط الدَّالِّيَّةِ الجزئيِّ.
وقولُ العلَّامةِ الأميرِ «إنه غير مناسب لأن كُلًّا من الظرفية والاستعلاء هنا مجاز فما معنى الاستعارة بينهما، بخلاف آية ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ فقد تحقق فيها الاستعلاء الحقيقي فتأمل» اهـ. لعله مبني على تقدير المتعلَّق عاما، وإلا فلا شك أن تعديةَ الدلالةِ بـ«على» حقيقةٌ، وحيث عُدِّيَتْ بـ«في» كانت استعارة، والاستعلاء الحقيقي ليس قاصرًا على الحسي بل يكون معنويا أيضا كما اختاره الدماميني نحو ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ و﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾ ، فتدبّر.
قوله: ((ووشحـتها))، التـوشيح بالشيـن الـمعجمة والـحاء الـمهملة إلبـاس الوُشاح وهو جلد مُرَصَّعٌ بالجواهر يلبس من الخاصرة إلى المنكب، والمرادُ لازمُهُ وهو التزيين فـ«وشحتها» بمعنى زينتها مجاز مرسل تبعي لجريانه في الفعل بعد جريانه في المصدر.
أو استعارة تبعية بأن يشبه تزيين الرسالة بالشرح بإلباس الوشاح بجامع التحسين، ثم يشتق منه وَشَّحَ بمعنى زَيَّنَ.
أو استعارة مكنية بأن تشبه الرسالة في النفس بعروس طُوِي ذكرُها ورمز إليها بـ«وَشَّحَ» تخييلا.
قوله: ((بلطائف الطرائف))، اللطائف جمع لطيفة، والمراد بها المسئلة الدقيقة، شبهت بالشفاف الذي لا يحجب ما وراءه بجامع الخفة والرقة، والطرائف جمع طريفة بالمهملة أَوَّلَهُ والفاءِ آخِرَهُ وهو الشيء الجديد كالطارف، وضدُّهما التَّلِيدُ والتَّالِدُ لأنهما الشيء القديم، وهي من إضافة الصفة للموصوف أو عَكْسِهِ.
قوله: ((وعوارف)) جمع عارفة بمعنى معروفة كـ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ (21)﴾ بمعنى مَرْضِيَّةٍ، والمعارف جمع معرفة بمعنى الإدراك، فإضافة العوارف إليها لأنها تنشأ عنها أو بمعنى الشيء المعروف فالإضافة من باب خِيارِ الخِيارِ وعُيونِ العُيونِ أي: بأحسن الأشياءِ المعروفةِ ولُبِّهَا اهـ ابن يونس.
قوله: ((ودقائق الاعتبارات)) الإضافة لأدنى ملابسة أي: الدقائق الناشئة عن الاعتبارات أي: التعقلات، أو هي بمعنى «مِنْ»، والاعتبارات بمعنى المعتبرات.
والأَوْلَى تقديم هذه الفقرة لكونها متعلقة بالمعاني على التي قبلها أو تقديم التي قبلها على الجميع لأنها متعلقة باللفظ ليكون المتعلِّق بالمعنى مع بعضه.
قوله: ((ثم إن...إلخ))، التأكيد لدفع إنكار أنه مسؤول فيه على عادة أهل الزمان أو للتحقيق نحو ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ فإنه لا يختص بالإنكار كما بُيِّنَ في محله.
والإخوان كالإخوة جمع لأخِ الصداقةِ والنَّسَبِ معًا إلا أن الإخوان يكثر في الأول والإخوة في الثاني كما قاله ابن هشام.
قوله: ((الهمة)) بفتح الهاء وكسرها لغةً الإرادة، يقال هَمَّ بالشيء أي: أراده، وبابه رَدَّ كما في المختار، وعرفًا حالةٌ للنفس يَتْبَعُها غلبةُ انبعاثٍ إلى نيل مقصودٍ مَّا، فإن تعلقت بمعالي الأمور فَعَلِيَّةٌ أو بسَفَاسِفِها فَدَنِيَّةٌ.
وصرفُ الشيء إلى الشيء عطفه وتوجيهه إليه، ففيه استعارة مكنية حيث شبه الهمة بدَابَّةٍ يصرفها سائقها إلى الجهة التي يريد، ورُمِزَ إليها بـ«أَصْرِفَ» تخييلاً، و«نَحْوَ» ترشيحٌ.
قوله: ((نحو اختصاره)) أى: جهته، فشبه الاختصار ببلدة ذات جهة على طريق المكنية، و«نحو» تخييلٌ، والضمير يرجع لـلشرح المفهوم من «شَرَحْتُ» مثل ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ﴾، والمراد باختصاره الإتيانُ ببعض ما فيه وتركُ البعض لا الإتيان بجميع معانيه في عبارة مختصرة لأنه خلاف الواقع، فقوله «والاقتصار» عطف تفسير.
قال الصبان في حواشي السلم «والذي يظهر لي أن نَصْبَ «نَحْوَ» بنزع الخافض وهو «إلى» لا بالظرفية لأنها على معنى «في»، وجهة الاختصار مصروف إليها لا مصروف إلى شيء فيها» اهـ.
قوله: ((بيان معانيه)) الضمير فيه وفيما بعده للرسالة، وذَكَّرَهُ باعتبار أنها كتاب، والمراد بالبيان هنا الكشف والإيضاح، ويطلق أيضا بمعنى القرآن وبمعنى النطق الفصيح وبمعنى الفن المعلوم.
قوله: ((وكشف أسراره)) شبه الأسرار أي: النكات الدقيقة بشيء مُغطى على طريق المكنية، والكشفُ تخييلٌ.
قوله: ((مع تكثيـر الفوائد)) يعني الـمتعلِّقةَ ببيان الـمتن، فلا ينافي الاقتصـار السابق لأنه باعتبار حذف المناقشات مع القوم أو العصام وغيرها مما هو زائد على المتن.
قوله: ((بالأمثلة والشواهد)) المثال جزئي يوضح القاعدة، والشاهد جزئي يثبتها بالقياس عليه، ويعبر عنه بالدليل، فلا يكون إلا من كلام الثقة، والمراد أنهما يصلحان للإيضاح والإثبات لا أن ذلك يحصل بالفعل، لأن كُلًّا من المثال والشاهد لا يلزم ذكره عقب القاعدة فضلا عن إيضاحها أو إثباتها، فالشاهد أخص مطلقا من المثال لا متباينان، لأن الصلوح للإيضاح المعتبرَ في المثال لازمٌ للشاهد بلا عكس، فتدبر.
والقاعدة قضية كلية يُتَعَرَّفُ منها أحكامُ جزئياتها، والشاهد المثبِتُ لها من جملة الجزئيات، فجاء الدور لتوقف كل على الآخر، وجوابه أن الشاهد يحقق القاعدة ويثبتها وهي تُعَرِّفُهُ، فتوقفها عليه توقف التحصيل وتوقفه عليها للاستحضار أو أن توقفها عليه باعتبار الأئمة المستنبطين وتوقف الشاهد عليها باعتبار الطـالب وهو قريب مـما قبلـه أو أن الشـاهد يثبت القـاعدة باعتبـار غيره من الجزئيات وهو ثابت بنفسه لا يحتاج إلى تعريف منها، ولعل هذا معنى ما قيل الشاهد كالشاة من الأربعين يكفي عن نفسه وغيره أفاده الأمير.
قوله: ((لما أنه)) يحتمل أن «ما» نكرة أو موصولة و«أَنَّ» و ما دخلت عليه خبرٌ لمحذوف، والجملة صفةٌ أو صِلَةٌ أي: الذي هو عدم وقوع شرح..إلخ، وحُذِفَ صدرُ الصلة لطُولها، ويحتمل أنها زائدة أي: لأنه لم يقع، واسم «أَنَّ» ضمير الشأن مفسَّر بما بعده.
قوله: ((ولصعوبة العبارات)) كأنه تعريض بشرح العصام، وإضافتها إما بمعنى اللام أو من إضافة الصفة للموصوف، وما بعده من إضافة المشبه به للمشبه كلُجَيْنِ الماءِ، وبين «نافع»و«رافع» جِناسٌ مضارع لاختلافهما بحرفين متقاربي المخرج كـ«تفرحون وتمرحون».
قوله: ((إلى ذلك)) شبه المعقول وهو الصَّرْفُ إلى ما ذكر بالمحسوس لقوة اسحضاره، واستَعْمَلَ اسمَ الإشارةِ فيه استعارةً تصريحيةً لأن حقيقتَهُ الإشارةُ إلى المحسوسِ، وسيأتي الخلافُ في كونها تبعية أو أصلية.
قوله: ((على سلوك)) الظاهر أنه مستعار عن حقيقته وهو المرور في الطريق للتعبير بألفاظ تدل على المقصود بجامع التوصل إلى المراد، ففيه استعارة أصلية، وفي «سلوك» تبعية.
قوله: ((الهداية)) أي: الدلالة الموصلة وهي المرادة من قوله تعالى: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ لا مطلق الدلالة المرادة من قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾.
والمهايع جمع مَهْيَعٍ بالتحتية فمهملة، وهو الطريق الواضح الواسع كما في القاموس.
والتحقيق يطلق على إثبات الشيء على الوجه الحق، وعلى إثباته بدليله.
وأما التدقيق فهو إثبات الدليل بدليل آخر فهما متباينان، وقيل إثبات الشيء على وجه فيه دقة، سواء كانت الدقة لإثبات الدليل بدليل أم لغيره، فبينهما العموم الوجهي على هذا لا المطلقُ لانفراد التحقيق بالسهل والتدقيق بإثبات الدليل بدليل.
وأما الترقيق فالعبارة الحلوة الفصيحة.
والتنميق مراعاة المحسنات البديعية والنكات المعانية.
ولا يخفى الاستعارة المكنية في التحقيق لتشبيهه بمكان ذي طريق، و«المهايعُ» تخييلٌ أو التصريحية في «المهايع» لاستعارتها لكثرة العلم وشدة الفهم بجامع التوصل، والقرينة الإضافة.
قوله: ((هذا)) إما مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ أي: هذا المذكورُ قد علمتَه أو خبرٌ لمحذوف أي: الأمرُ والشأنُ في سببِ التأليفِ هذا.
وهو على التقديرين من فصل الخطاب لفصله بين غرضين، وقيل غير ذلك كما بُيِّنَ في قوله تعالى:﴿هَٰذَاۚ وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مََٔابٖ﴾.
قوله: ((أيها الواقف)) فيه إشارة إلى أن التاء انسلخت عن خطاب المعيَّن واستعملت في كل مَنْ يصلح منه الخطاب مثل: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾، فهي مجاز مرسل من استعمال ما للمُقَيَّدِ في المطلق، و«أَيُّ» هنا للاختصاص، فهي مبنية على الضم في محل نصب بـ«أَخُصُّ» محذوفًا وجوبًا، وإنَّما بُنِيَ لأن صورته صورة المنادى لكثرته في النداء، وهو مفرد لا مضاف للهاء لأنها حرف تنبيه، والواقف نعتُه، ويجب فيه الرفع تبعًا للفظه، وجملة الاختصاص في محل نصب على الحال من التاء أي: وما وَجَدتَّهُ حالَ كونه مختَّصًا من بين المخاطبين غير الواقفين، أفاده ابن يونس، أي: والقرينةُ على كون التاء لـمطلق مـخاطب وقوعُ الاختـصاص بعدها، فإنها خصصت مدلول التاء الذي أريد منها وهو مطلق مخاطب بالمخاطب الواقف وفيه نظر.
أما أوَّلاً فلا داعي إلى هذا المجاز في التاء ثم تخصيصها.
وأما ثانيًا فلأن الاختصاص وإن وَرَدَ بعد ضمير المخاطب نحو: بِكَ اللهَ نرجو الفضل، وسبحانكَ اللهَ العظيم فهو قليلٌ، ولقلته لم يُخَرَّجْ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، بل «أهل» منادى حقيقةً على الصحيح كما في المغني فما هنا مثلُهُ، فالتاء على حقيقتها من خطاب المعيَّن وهو المنادى بـ«أَيُّها الواقفُ»، فهو معين بالوصف لا بالشخص والكثير في الاختصاص كونه بعد ضمير المتكلم نحو أنا أفعل كذا أيُّها الرجلُ، اللهم اغفرلنا أيَّتُها العصابةُ، نحن معاشرَ الأنبياء لا نورث، فـ«أيُّها»و«أيَّتُها»و«معاشر» تخصيص للضمير قبلها ولا يكون بعد ضمير الغائب ولا الاسمِ الظاهرِ.
قوله: ((القصري)) نسبة إلى القصر، إقليم بالمغرب، و«الكِنَكْسِي» نسبة إلى كِنَكْسَ بكسر الكاف الأولى قريةٌ، مِنْ ذلك الإقليمِ ابنُ يونسَ.
قوله: ((حسبي)) خبر وهو لفظ جامد بمعنى «كافي» اسمَ فاعلٍ مرادًا به الحالُ فلا يَتَعَرَّفُ بالإضافة، ولذلك ساغ مجيئه صفةً للنكرةِ وحالاً نحو: مررت برجل حسبِك من رجل أو بزيد حسبِك من رجل، وقد يستعمل كالأسماء الجامدة نظرًا للفظه الـجامد كوقـوعه مبـتدأ منسـوخا نحو: فإن حسبك الله أو غيرَ منسوخ نحو: بحسبك درهم، حسبُ المؤمن لُقَيْمَـاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾، فهي في هذه مبـتدأٌ وما بعدها خبـر، لكنَّ الأَوْلَى في الأخيـر كونها خبـرًا مقدَّمًا؛ لأنها نكرة معنىً كما مر، فيخبر بها عن المعرفة، بخلاف الأَوَّلِ فيمتنع فيه ذلك لعدم مسوغ الابتداء في درهم، وأما الثاني فمحتمل للابتداء والخبر لوجود المسوغ في «لقيمات» وهو تصغيرها أو وصفها، وهي مما يلزم الإضافةَ لفظا أو تقديرا، فإن أضيف لفظا أعرب كالذي مر، وإن قطع عنها بني على الضم لزوما لنِيَّةِ معنى المضافِ إليه، ولا يجوز إعرابه مقطوعًا عن الإضافة لفظًا ومعنىً كـ«قَبْلُ وبَعْدُ» خلافاً لـما يقتضيه كلام ابن مالك، ويتجدد له حينئذ معنى النفي، ويستعمل صفةً كرأيت رجلا حسب، وحالاً كرأيت زيداً حسب أي: لا غيرَهُ كأنك قلت حسبي أو حسبكَ أي: كافِيكَ عن غيرِهِ، فحُذِفَ المضافُ إليه ونُوِيَ معناه، أو مبتدأً وخبراً نحو قبضت عشرة فحسبُ، فالفاء زائدة لتزيين اللفظ و«حسب» مبتدأ محذوف الخبر أي: حسبي ذلك أو بالعكس.
قوله: ((ونعم الوكيل)) جملة من فعل وفاعل معطوفة على جملة «هو حسبي» والمخصوص بالمدح محذوف تقديره «الله»، والأصحُّ أنه مبتدأٌ خبرُهُ الجملةُ قبلَهُ، ولا يجوزُ أن يكون «هو» المذكورُ قبلَ «حسبي» مخصوصًا بالمدح لا على ما يفيده ظاهر الكافيـةِ والخـلاصةِ مِنِ امتـناعِ تـقديم المخصوص ولا على ما في التسهيـل مِنْ جوازه، وهو المختار لأن محله إذا صلح المُقَدَّمُ لِأَنْ يكون مخصوصًا إذا أُخِّرَ وما هنا لا يصلح لذلك لكونه من جملةٍ أُخرى، نعم هو من تقديم ما يُشْعِرُ بالمخصوص الكافي عن ذِكْرِهِ لا من تقديم نفس المخصوص.
ولا إشكالَ في العطف عند مجوِّزِ عطفِ الإنشاءِ على الخبر لأن هذه الجملةَ لإنشاء المدح.
أما مانعُهُ فإما أن يَجعل الواو استئنافية أو أن الجملة الأُولَى لإنشاء طلب الكفايةِ والإحسانِ وإِنْ نَدَرَ الإنشاءُ بالجملة الاسميةِ كما قاله حفيد السعد أو يقدر في الثانية مبتدأ هو المخصوص أي: وهو نعم الوكيل فالمعطوف جملة كبرى وهي خبرية إذ الإنشاء بالصغرى فقط أو أَنَّ العطف على «حسْب» فتكون خبرًا عن «هو» المذكورِ فلا يوصفان بخبرٍ ولا إنشاءٍ، لأن كلاً منهما جزء جملة، وحينئذ يصح كون «هو» مخصوصا على القول بجواز تقديمه، والصحيح وقوع الإنشاء خبرا بلا تقدير القول كما في حواشي الأشموني بخلاف النعت والحال لا يكون إنشاءًا إلا بتقدير القولِ لأن المنعوتَ لا يتميز إلا بما هو معلومٌ للمُخاطَبِ.
فإن قلت: كيف يقع الإنشاء خبرًا مع قيام معناه بالمُنْشِيءِ لا بالمبتدأ.
فالجواب أَنَّ ذلك باعتبار تَعَلُّقِ معناه بالمبتدأ، فإذا قيل «زيدٌ اضْرِبْهُ» فطلب الضرب وإن كان قائما بالمتكلم لكنه حالٌ من أحوال «زيد» باعتبار تعلُّقِهِ به فكأنه قيل «زيد مطلوبٌ ضربُه» أو «مُسْتَحِقٌّ لِأَنْ يُطْلَبَ ضربُه»، فبهذا الاعتبارِ صح كونه خبرًا وكون الكلام محتمِلا للصدق والكذب كما نقله الدماميني عن بعض المتأخرين.
قوله: ((لواهب العطية))، أكثر النسخ حذف الموصوف وهي أَوْلَى لما فيها من الإيماء إلى قوة اختصاص الصفة به تعالى، فلا يذهب الوهم إلى اتصاف غيره بها على حَدِّ ما قيل:
لسـنـا نسـمـكِ إجــلالا وتكـرمـة
*
فقـدركِ المعـتلـي عن ذاك يكـفينا
إذا انفردتِ وما شوركتِ في صفة
*
فحسبنا الوصف إيضاحا وتبيينا
ولِيُطَابِقَ حذفَه في جملة الصلاة، ورد «الواهب» من أسمائه تعالى كما نقله الصبان عن شرح المنهاج لابن حجر في باب العقيقة.
فلا يحتاج لتخريجه على قول من يكتفي بورود أصل المادة ولو بصيغةٍ أخرى كوهاب أو قول من أجاز كلَّ ما كان كمالا.
و«العطية» مصدرٌ أُطْلِقَ هنا على الشيء المُعْطَى، لكن دخلَهُ التجريدُ بأن أريد منه الشيءُ لا بوصف كونه مُعْطًى لئلا يلزم تَكْرَارُهُ مع «الواهب».
والأظهرُ أنه لا تجريدَ بل المرادُ الشيءُ المُعْطَى إما من قبيل مجازِ الأَوْلِ وهو المشهور في مثل ذلك أي: ما يؤول لِأَنْ يكـون عطية بعد هِبَتِـهِ أو من قبيل الـحقيقة فإنها عطية حالَ هبتها للتلازم بين الواهب والموهوب.
فالمراد بالواهب موجدُ نفس المعنى الذي صار به الشيءُ عطيةً لا واهبُهُ بإعطاءٍ آخَرَ حتى يلزم تحصيلُ الحاصل.
وهذا ما اختاره البهاء السبكي في عروس الأفراح، وَرَدَّ على من جَعَلَ من مجازِ الأَوْلِ قولَهَ صلى الله عليه وسلم: «من قتل قتيلا فله سَلَبُهُ» حيث قال في أحوال الإسناد الخبري ما حاصله «حقيقة الضارب والمضروب لا تتقدم على الضرب ولا تتأخر عنه، فمعنى كون اسمي الفاعل والمفعول حقيقة في الحالِ أي حالِ التَّلَبُّسِ بالحدث لا حالِ النطق، فالمعنى «مَنْ فَعَلَ بكافر فعلا صار به قتيلا»، وأما ما ذكره من لا أُحْصِيهِ من الأئمة أنه سمي قتيلا باعتبار مُشَارَفَةِ القتل فلا تحقيقَ له» اهـ.
قال الصبان في رسالته البيانية «لكن قال بعضهم الحقُّ أن المفعول به يتعلق به الفعل قبل وصفه بالمشتق ويترتب عليه صحة الاشتقاق» اهـ.
وقد يقال صحة الاشتقاق لا تتوقف على تمام تعلق الفعل أي: انقضاءِ الفعل بتمامه بل على ابتداء التعلق فيجوز أن يكون الاشتقاق في أثناء تعلق الفعل بالمفعول، بل ربما يُعَيِّنُ ذلك قولُهم إنه حقيقة في حال التلبس بالفعل فليس هذا مقابلا لكلام السبكي حتى يُرَدَّ به فتأمل.
وأما تفريع المسئلة على أنه لا يلزم وجود المفعول به قبل الفعل بل يجوز أن يكون مقارنا للفعل حاصلا به كـ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ فلا يظهر لأن الكلام هنا في إطلاق الوصف المشتق لا في وجود ذات المفعول ولا في تسميته مفعولا به، فإِنَّ كُلًّا من العطية والقتيل مفعول به قطعا لوجود ذاتيهما قبل تعلق الفعل بهما فتأمل، أفاده الأمير.
قوله: ((أي: كل عطية)) بِجَرِّ «كُلِّ» لأن ما بعد «أَيْ» يُعْطَى ما يستحقه من الإعراب لو وُضِعَ مكانَ ما يُفَسِّرُهُ، فلا يلزم من كونه تفسيرًا لـ«أَلْ» أن يكون مبنيًا على السكون لا محل له مثلَها، إذ لو وُضِعَ مكانَها لكان مجرورًا.
وقدَّم الشارح احتمال الاستغراق لكون فائدته أتم لشمولِهِ العطيةَ المعهودةَ وغيرَها كعطية تأهيله لتأليف هذا الكتاب، ولم يذكر احتمال الجنس لأن الحقيقة لا تُعْطَى إذ لا توجدُ في الخارج إلا في ضمن الفرد كما قاله السعد أَوْ لا توجدُ أصلا كما قاله السيد.
قوله: ((أو العطية المعهودة)) اعتُرِضَ بأن العهد إما خارجي أو ذهني، و«أَلْ» التي للعهد الخارجي إما أن يكون مدخولها متقدمَ الذكرِ صريحا نحو: ﴿رَسُولٗا(15) فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ﴾، أو كنايةً نحو: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ﴾ حيث ذُكِرَ قبلَهُ ﴿مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ وهو كناية عن الذَّكَرِ لأن التحرير لخِدْمَةِ بيتِ المقدس كان عندهم خاصًّا بالذكور ويسمى العهدَ الذكري.
وإما أن يكون مدخولها حاضرًا في الحسِّ نحو: القرطاسَ لمن فَوَّقَ سَهْمًا ويسمى العهدَ الحضوريَّ.
وإما أن يكون مدخولها حاضرًا في عِلْمِ المخاطب نحو: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ويسمى العهدَ العِلْمِيَّ.
والتي للعهد الذهني ما كان مدخولُها الحقيقةَ في ضمن فرد مُبْهَمٍ، فمدخولها في معنى النكرة نحو: ادخل السوقَ حيث لا عهد بينك وبين مخاطَبِكَ، ونحو: ﴿أَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾، وهذا اصطلاح البيانيين.
والنحاةُ يجعلون هذه للجنس، والتي مدخولها حاضرٌ في عِلْمِ المخاطَب للعهد الذهني.
و«أَلْ» في كلام المصنف ليست واحدةً من هذه.
أما العهدُ الخارجي بأقسامه الثلاثة فظاهرٌ لأن تلك العطيةَ لا مذكورةٌ ولا محسوسةٌ ولا معلومةٌ للمخاطَب لعدم عَهْدٍ بين المصنفِ وغيرِهِ بها.
وأما الذهني فلأن تلك العطية معينة لا مبهمة، فكيف جعلها الشارح للعهد.
وأجيب باختيار أنها للعهد العِلْمِيِّ، ويُدَّعَى شُيوعُ استعمالِ العطية فيما ذكر على ألسنة حَمَلَةِ الشرع المفروضِ خطابُ المصنفِ معهم أو أن المصنف كان بينه وبين تلامذته مثلا عهد باستعمال العطية في ذلك حتى شاع فيما بينهم، هذا.
واحتمالُ أن المعهود عطية هذا المتن والتوفيق لتأليفه أو العقل الذي نشأ عنه هذا المتن يُفَوِّتُ تناسبَ جملتي الحمد والصلاة الآتي بيانه.
قوله: ((التي نزلت بها)) أي: بسببها، وإسناد النزول للسورة مجازٌ عقليٌّ لأن اللفظ عَرَضٌ لا يتصف بالنزول إلا تبعًا للأجرام كما قاله الشهاب الخفاجي عند قول البيضاوي في الخطبة: «الحمد لله الذي نزل الفرقان»، ونوقش بأن التبعية لا تقتضي المجاز، فإن راكب الدابة أو السفينة يتحرك بتبعيتها ويسند التحرك له حقيقةً وهو مردود بأنه لم يعول على مجرد التبعية بل مع العَرَضِيَّةِ، وظاهـرٌ أن النزول عَرَضٌ، فلو اتصف بها العَرَضُ حقيقةً لزم قيامُ العَرَضِ بالعَرَضِ.
والراكبُ جوهرٌ تَقُومُ به الحركةُ، والقياسُ مع الفارقِ فاسدٌ.
وأما ادعاء الإجماع على أن القرآن نزل حقيقةً مع أنه عرض ينقضي بمجرد النطق فغيرُ مُسَلَّمٍ، إنما أجمعوا على إسناد النزول له، وأما كونه حقيقةً أو مجازًا لأن النازل جبريل بسببه فشيءٌ آخَرٌ.
نعم لا مانعَ من صيرورته حقيقةً شرعيةً بعدُ اهـ أمير.
قوله: ((سورة الكوثر)) أي: بعضها، وكذا ما بعدُ، وقد اختلف في الكوثر فنقل عن عطاء أنه الـحوض، ورجح كثيرٌ أنه نهر في الـجنة كما رَوَى الدَّارَقُطْنِي عن عائشةَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أعطاني نهرًا في الجنة يقال له الكوثر لا يُدْخِلُ أحدٌ أصبعيه أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر)،
وقال ابن عباس المرادُ به في الآية الخير الكثير المفرط في الكثرة من العلم والعمل وغير ذلك، فالحوض والنهر من جملة ذلك الخير كما قاله ابن أبي شريف في حواشي العقائد، ولا يخفى أن العهد على هذا يحصل معه الاستغراقُ كما قاله الغنيمي لكنّه غيرُ الاستغراق الذي في الشارح لأن هذا الجميع ما أعطيه الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي في الشارح لجميع ما أعطاه الله لعباده كلهم أو للمصنف فقط، قال الصبان «اللهم إلا أن يختار الثاني ويقال إن جميع ما أعطيه المصنف من جملة ما أعطيه الرسول فيكون الاستغراق الذي في الشارح مستفادًا من هذا» اهـ، وهو بعيد كما أشار إليه، مع أنه لا خصوصية للثاني لإمكان أن يقال إن جميع ما أعطاه الله لعباده من جملة ما أعطيه الرسول.
قوله: ((أو الضحى))، رُجِّحَ الأولُ بكونه عطيةً معلومةَ الشخصِ على تفسيرِ غير ابن عباس، وعطيةُ الضحى معلومةُ النوعِ، والمُعَيَّنُ أوقعُ في النفس، لكن قال بعض المفسرين في عطيةِ الضحى إنها الشفاعة فتكون معينةَ الشخص أيضًا.
وبأنها في أول السورة وأنها نزلت بصدد بيانها، وعطية الضحى في أثنائها ولم تنزل بسببها بل لرد قول المشركين قَلاهُ رَبُّهُ حين أَبْطَأَ عليه الوحيُ.
وبكونها عطية بالفعل كما يفصح عنه الماضي المُصَدَّرُ بـ«إِنَّ»، بخلاف عطية الضحى فإنها موعودة كما يفصح عنه المضارع المُصَدَّرُ بـ«سَوْفَ».
لا يقال إن أريد الاستيلاء على العطية بالفعل فغيرُ حاصل فيهما أو تحققُ الوعد فحاصل فيهما، على أن بعض ما في الضحى وقع بالفعل وهو ما أعطيه صلى الله عليه وسلم في الدنيا.
لأنا نقول يكفي حصول عطية الكوثر بتمامها بالفعل مرجِّحا.
وحَمْلُ الماضي في الآية والأحاديث على المستقبل خلافُ الأصلِ بلا داعٍ إليه، غايةُ الأمر أنها مُدَّخَرَةٌ للحاجةِ إليها، وفرق بين الموعود والمودَع.
ورُجِّحَ الثاني بشموله جميع ما أعطيه صلى الله عليه وسلم في الدنيا من كمال النفس وظهور الأمر واستيلاء المسلمين وما ادُّخِر له في الآخرة من الكوثر وغيره مما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى.
وقد علمت أن الكوثر بتفسير ابن عباس شامل لذلك أيضا.
وما روي أنه لما نزلت آية الضحى قال (لا أرضى وواحد من أمتي في النار) فموضوعٌ كما قاله الحافظ اهـ الصبان.
قوله: ((وعلى كل)) أي: من احتمالي الاستغراق والعهد.
قوله: ((أشد)) أي: لأن الحمد حينئذ على النعمة الواصلة للرسول صلى الله عليه وسلم قصدًا.
وأما على الاستغراق فالموجود أصل التناسب لا شدته، إما باعتبار أن عطية الرسول داخلة في العموم إن أريد استغراق عطايا العباد، وإما باعتبار أن صلاته عليه بالفقرة الثانية من جملة العطايا التي تضمنها الفقرة الأولى إن أريد استغراق عطايا المصنف أو باعتبار أن الأُولَى للمرسل والثانيةَ للمرسل، وبينهما تناسبٌ باعتبار الوصف بالإرسال لا بالذات.
وما قيل إن «أشدّ» يدل على أن الاستغراق فيه شدةُ تناسبٍ لا أشديته مردودٌ بأنه خَلَفٌ عن اسم التفضيل لكونه لا يُصاغُ إلا من الثلاثي وفعل التناسب خماسي فلا يدل إلا على وجود أصل الشيء في المفضول وزيادتِهِ في الفاضل كـ«أفعل» التفضيل.
قوله: ((ثم إن الحمد...إلخ)) هذا بيانٌ لكون المصنفِ سلك الطريق الأكمل من الإتيان بالحمد والشكر المأمور بهما لا أنه اقتصر على الحمد فقط.
قوله: ((حمدٌ...إلخ))، إذ الإخبار به عن الحمد إنما هو باعتبار تقييده بقوله «على النعمة...إلخ»، فحصلت الفائدة لتغاير الحمدين بالمتعلَّق.
و«على» في كلامه للتعليل، وتجويزُ كونها للظرفية مثل ﴿عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ﴾ لا يصح لأن مدخولها ليس ظرفًا.
واعترض بأن كلام الشارح يوهم أن حمد المصنف على نفس النعمة، وليس كذلك بل على هبتها لتعليقه الحمدَ بالواهب.
وَرَدَّهُ المُحَشِّي بأن الشارحَ وصف النعمة بالواصلة فيفيد أن الحمد على الإيصال لتعليقه الحكمَ بالمشتق كعبارة المصنف اهـ.
وفيه أن حمدَ المتن على صفة لله تعالى وهي الإيصال وعلى كلام الشارح على صفة للنعمة وهي وصولها، والثاني أثرُ الأولِ لا عينُهُ، نعم الحمد على النعمة من حيث ذاتها أو وصولها لا يعقل، إنما يعقل من حيث إيصالها.
قوله: ((إلى الشاكر)) لم يقل إلى الحامد مع أنه المناسب للفظ «الحمد» إشارةً إلى أن حمد المصنف يسمى شكرا أيضا.
قوله: ((فعلى القول...إلخ)) اعلم أن الحمد اللغوي هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري سواء تعلق بنعمة أَمْ لا، والشكر اللغوي هو الثناء على المنعم من حيث إنه منعم على الشاكر أو غيره سواء كان باللسان أم بالأركان أم بالجَنَان، ويرادفه الحمد العرفي، فبينهما وبين الحمد اللغوي عموم وخصوص وجهي تجتمع الثلاثة في ثناءٍ بلسانٍ لأجل نعمةٍ وصلت للحامد أو غيره كحمد المصنف، وينفرد الأولُ في ثناءٍ بلسانٍ لا لنعمةٍ، والأخيران في ثناءٍ بغير اللسانِ لأجل النعمة.
فعلى هذا لا يُشْتَرَطُ في الحمد العرفي وصول النعمة إلى الحامد، ومقتضى كلام بعضهم الاتفاقُ عليه،
وأما الشكر اللغوي فكذلك على المشهور لترادفهما.
وقال جَمْعٌ منهم الرازي يشترط فيه وصول النعمة إلى الشاكر فإن قالوا بمساواته للحمد العرفي لزمهم ذلك فيه أيضًا ويكون قادحا في الاتفاق وإِلَّا كان الشكر أخص منه على هذا.
قوله: ((وكذا على العهد))، أما كونه حمدًا فلأنه ثناء بجميل، وأما الشكر فلأنه في مقابلة نعمة وإن لم تصل إلى الشاكر.
قوله: ((كذلك)) أي: بالنسبة للنعمة الواصلة إليه فقط،
ولَـمَّا وَرَدَ عليه أن عطية الكوثر أو الضحى لم تصل إلى المصنف بَيَّنَهُ بقوله «لأن كُلًّا...إلخ»، وعَدَلَ عن قول العصام «لأن كل ما وُهِبَ لنبينا صلى الله عليه وسلم من العطايا فهو يعم مُسْلِمِي البرايا» لما قاله في كبيره «إنها كُلِّيَّةٌ ممنوعةٌ» أي: لاختصاصه صلى الله عليه وسلم بعطايا كثيرة، قال «وعجبي لمن يأتـي بالفـقرة ولا ينظر فيها أدنى نظرة»، ثم أجاب بأن خصائصه صلى الله عليه وسلم شرف لكل مسلم اهـ.
وحيث أمكن الجواب فلا يَسْتَحِقُّ هذا التشنيعَ على أنه يسوغ ترك التخصيص لظهور المقام لاشتهار اختصاصه صلى الله عليه وسلم بأشياء عند الخاص والعام.
قوله: ((والصلاة)) لم يذكر «السلامَ» إما لأنه لا يقول بكراهة الإفراد مطلقا، أو يقول بها لفظا لا خَطًّا، وقد وقع للشافعي في الأم وغيرها الإفرادُ خَطًّا كما في الآيات، واختار الحافظ ابن حجر عدم الكراهة مطلقا أي: لا في اللفظ ولا في الخَطِّ إلا إذا صَلَّى ولم يُسَلِّمْ أصلا أو عكسه، أمَّا لو صَلَّى في وقت وسَلَّمَ في آخَرَ فإنه يكون مُمْتَثِلاً اهـ ، قال الصبان «وهذا هو القوي، والأية لا تدل على طلب المقارنة في الوقت إذ الواو لا تقتضي ذلك» اهـ.
قوله: ((على خير البرية)) «خَيْر» أفعل تفضيل، أصله «أَخْيَر»، حذفت همزته لكثرة الاستعمال فهو شاذ قياسًا لا استعمالاً لخروجه في اللفظ عن صيغة أفعل، ومثله «شَرّ»، وفيهما شذوذٌ آخَرُ من حيث إنهما لا فِعْلَ لهما، وقد يَجِيآنِ على الأصل كقراءة ﴿مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ بفتح الشين وشد الراء، وقولِ الشاعر:
*بلال خير الناس وابن الأخير*
و«البرية» فَعِيلَةٌ بمعنى مفعولة من البَرْءِ كالخَلْقِ وزنًا ومعنىً، فأصلُهُ بَرِيئَة كخَطِيئَة أبدلت الهمزة ياء فأدغمت، وهي اسم لجميع المخلوقات، وتُجْمَعُ باعتبار أنواعها على برايا كخطايا، وأصله «بَرَايِيء» بياء مكسورة هي الياء الأولى في «برية» فهمزة هي أصل يائها الثانية فأبدلت الياء همزة لقول ابن مالك:
والمدُّ زِيدَ ثالثًا في الواحدِ
*
همزًا يُرَى في مِثْلِ كالقلائِدِ
فصار «بَرَائِيء» بهمزتين أبدلت الثانية ياء لتطرفها بعدَ همزة، ثم قلبت كسرةُ الأُولَى فتحةً للتخفيف فقلبت الياءُ ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار «برآءا» بألفين بينهما همزة، وهي تشبه الألف فاجتمع ثلاث ألفات فأبدلت الهمزة ياء لتفصل بين الألفين لأنها أخف من الواو.
قوله: ((بتفضيل...إلخ)) جرى على ما حققه بعضهم كاليوسي والسنوسي أنَّ الأَوْلَى أن يقال «محمّد أفضل الأنبياء بتفضيل الله تعالى لا بسبب احتوائه على مزايا اقتضت ذلك، لأن للسيد أن يفضل من يشاء من عبيده مع السلامة من إساءة الأدب في نسبة النقص لغيره بالمفهوم وإن كان النقص النسبي لابد منه، لكنْ لا يحسن كثرةُ الالتفات إليه».
وقد اختلف هل المزية تقتضي التفضيلَ أم لا، والقول بأنها لا تقتضيه بذاتها بل بحكم الله تعالى يُرْجِعُ الخلافَ لفظيًّا.
قوله: ((والمراد بالبرية)) أي: فهي من قبيل العامِّ المرادِ به الخصوصُ لا العامِّ المخصوصِ، والفرق بينهما أن الثانيَ ما كان عمومُهُ مرادًا تناوُلاً لا حُكْمًا أي: أنه مراد من اللفظ لا في الحكم، والأولُ ما كان عمومُهُ ليس مرادًا لا في اللفظ ولا في الحكم بل هو كُلِّيٌّ استُعْمِلَ في جُزْئِيٍّ، فاستعمال البرية في أصناف العقلاء إن كان من حيث إنها فرد من المخلوقات فحقيقةٌ أو من حيث خصوصُها فمجازٌ كما هو شأنُ العامِّ المستَعْمَلِ في خاصٍّ.
قوله: ((من له فضل معتبر)) أي: وَهُمْ أصناف العقلاء من الإنس والجن والملائكة الكرام فـ«أل» في البرية للعهد الخارجي العِلْمِي اهـ.
قوله: ((إذ تفضيل...إلخ)) علة لمقدَّر أي: وإنما أريد بالبرية ما ذكر ولم تجعل «أل» لاستغراق جميع المخلوقات كما صدر به العصام لِـمَا يلزم عليه من تفضيله صلى الله عليه وسلم على الناقص، لأن «أل» الاستغراقيةَ تتضمن قضايا بعدد الأفراد بـدليل أنه يصـلح مكانها «كُلّ» فهي في قوة «هو أفضل من الحجر والشـجر...إلخ».
قال الأمير «والحـقُّ أن المحـذور التفضيل عـلى النـاقـص بخصوصـه ألا تـرى حسن تفضيل السلطان على جميع الناس ولا يلزم من تضمن الشيء لشيء أن يعطى حكمَه، والذوقُ والاستعمالُ شاهِدَا عَدْلٍ اهـ.
قال الغنيمي «وجوّز بعضهم كونها للجنس، ونظر فيه بأنه مَيْلٌ إلى مذهب المعتزلة القائلين بتفضيل المَلَكِ، وَرُدَّ بأن تفضيله على الجنس يستلزم تفضيله على الأفراد بطريقٍ برهانيٍّ، على أن محل الخلاف في تفضيل المَلَكِ على البشر بين المعتزلة وأهل السنة في غير نبينا صلى الله عليه وسلم كما قاله المحققون، ومن زعم خلافه من المعتزلة كالزمخشري فهو جهل منه بمذهبه اهـ.
قوله: ((ولله دَر القائل))، يقال دَرَّ اللبنُ يَدِرُّ بكسر الدال وضمها دَرًّا ودُرُورًا إذا كَثُرَ، ويسمى اللبنُ نفسه دَرًّا بفتح الدَّالِ، وهو المراد هنا.
يعني أن اللبنَ الذي تَرَبَّى به القائلُ لا يليق نسبتُه إلا لله تعالى لأنه بالِغٌ في الشرف إذ لا ينسب العظيم إلا لعظيم، ولعظمه نشأ عنه هذا الشخصُ الكامل،
والقصد بذلك التعجُّبُ كأنه قيل «ما أَعْظَمَهُ قائلاً».
والبيتان من الطويل، ودَخَلَهُما عَيْبُ التحريدِ بالمهملة وهو اختلافُ الضربين لأن ضَرْبَ البيت الأول وهو قوله: «من النقص» بوزن مفاعيل الكامل، وضَرْبَ الثاني وهو «من العصي» بوزن مفاعل المقبوض بحذف يائه.
و«النباهةُ» الرِّفْعَةُ وعلوُ الشأنِ.
والمرادُ بـ«النقص» التنقيص والهجو، ويَنْقُصُ بفتح الياء من باب نَصَرَ، ويستعمل لازمًا كما هنا ومتعديًا نحو ﴿ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ﴾، وتعديته بالهمزة لغةٌ رديئةٌ.
و«العِصِي» بكسر العين والصاد وسكون الياء للضرورة، لأن أصلها التشديد كما في قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ وهو جمع عصا كـ«فَتَى».
قوله: ((وعلى آله)) أتى بـ«على» رَدًّا على الشيعة في كراهتهم الفصلَ بينه وبين «آله» بـ«على» ويَرْوُونَ في ذلك حديثًا موضوعًا، وللإشارة إلى أن الصلاةَ على الآلِ غيرُ المطلوبةِ للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ ما للتابع دون ما للمتبوع نحو ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وتركُها يوهم اشتراكَهُما في صلاة واحدة.
قوله: ((والمراد...إلخ)) لَـمَّا كان الأَتْباعُ المفسَّرُ به الـ«آلِ» عامًّا يشملُ الأَتْباعَ في الزمن وفي كونه حاكما عليهم أو خَدَمَتَهُ وإن كانوا كفارًا بَيَّنَ المرادَ منه بأنهم أتباعه في العمل الصالح أي: ولو بالإيمان، ولا ينافيه الوصفُ الآتي لإمكان أن يراد بـ«الزكية» الطاهرةُ من دَنَسِ الشرك، فمن لم يتبعه بالعمل الصالح فليس من مدخول الآل المدعوِّ لهم هنا وإن كان قريبًا له.
والعمل حركة الأعضاء الظاهرة ولو اللسانَ.
والفعل لا يختص بالظاهرة فيشمل القلبَ، وأما الصنع فأخص منهما لتوقفه على مزاولة آلاتٍ كالخياطة ولا يكون إلا بالأعضاء الظاهرة.
قوله: ((كما هو المتبادر)) الكاف للتعليل، و«ما» موصولة بالجملة بعدها أي: وإنما كان المرادُ ذلك لأجل المعنى الذي هو المتبادر..إلخ، أو بمعنى «على» أي: جريًا على ما هو..إلخ، أو هي للتشبيه على أصلها أي: والمرادُ ما ذكر حال كونه مشبها للمتبادر من قولنا..إلخ، ولا يَرِدُ اتحادُ المشبهِ والمشبهِ به لاختلافهما باعتبارِ محلِّهِما.
قوله: ((فلا يرد على المصنف إهمال)) أي: إهمال الصلاة على الأصحاب مع استحبابها عليهم كالآل، قال العصام «بل في كلامه إيهامٌ حَسَنٌ لا يخفى على ذوي الكمال.
واعترض بأن الظاهرَ من كلامِهِ الإيهامُ عند أرباب البلاغة الذي هو التوريةُ وهي أن يُطْلَقَ لفظٌ ذو معنيين قريبٍ وبعيدٍ ويرادَ البعيدُ لقرينةٍ خَفِيَّةٍ بشرط وَضْعِ اللفظِ لكل منهما وضعا حقيقيًّا على سبيل الاشتراك، والقُرْبُ والبُعْدُ لكثرة الاستعمالِ في المعنى وقِلَّتِهِ، والـ«آل» ليس كذلك، لأن له معنىً واحدًا، وهو مطلق الأتباع، غايةُ الأمرِ أنه عام يشمل بني هاشم والمطلَّبِ والأتباعَ بالعمل الصالح إلى غير ذلك، فهو من العام المستعمل في بعض أفراده لا التوريةِ.
وَرُدَّ بأنه ذُكِرَ له في القاموس معاني كثيرة نحو اثني عشر، من جملتها آل الرجل يطلق على أتباعه وعلى أوليائه وعلى أهله، وحينئذ فالتورية صحيحة لأن المعنى القريب بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم أهل بيته أو أزواجه أو بنو هاشم، والمعنى البعيدَ الأتباعُ لقلة استعمال اللفظ فيه بقطع النظر عن مقام الدعاء.
والقرينةُ على إرادته مقامُ الدعاءِ.
لكن فيه أنه قرينة ظاهرة، والمشترط خفاء القرينة، إلا أن يقال مقام الدعاء ليس قاطعا لإمكان تخصيص الأقارب أو الأتقياء بالدعاء.
قوله: ((النفوس)) جمع نفس، تطلق تارة على الذات وأخرى على المعنى اللطيف الذي به حياة الذات، والتحقيق أن النفس والعقل متحدان بالذات، وإنما تغايرهما بالاعتبار، فليس هناك إلا لطيفة ربانية مشتبكة بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر، فباعتبار ميلها إلى الشهوات تسمى نفسا وباعتبار ميلها إلى الكمالات تسمى عقلا أي: وباعتبار حياة الجسم تسمى روحا.
وقيل بتغايرهما، فالعقل قوة للنفس التي هي اللطيفة المذكورة بها تستعد للعلوم والإدراكات، والخلاف في أنهما من الجواهر المجردة عن المادة العنصرية أو من الجواهر الجُسْمانية أو من الأعراض يُطْلَبُ من محلِّه.
فإن قلت الأَوْلَى وصفهم بذكاء العقول نظرًا إلى متعلقها الأشرف.
أجيب بأنه لا حاجة إلى وصف العقـل بذلك لأنه لا يميـل إلا إلى الكمالات، بخلاف النفس فميلها للشهوات، وتارةً تكون زاكية وتارةً لا.
قوله: ((والفلاح)) هو الظفر بالمقصود فهو من عطف اللازم أو المسبب على سببه العادي لأن الأعمال ليست سببا عقليا للنجاة.
قوله: ((أو الطاهرة)) أي: من الأدناس المعنوية، وتفسير الزكاة بالنمو أو الطهارة تفسير بالحقيقة اللغوية، وأما تفسيرها بالفلاح كما صنع العصام فهو تفسير باللازم، ودليل اللزوم قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ بناءً على أن «مَنْ» اسم موصول واقعة على النفس، والضمير المستتر في «زكّاها» عائد «لله» كالضمائر المستترة في الأفعال قبلَهُ، والبارزُ لـِ«مَنْ» وأنَّثَهُ باعتبار معناه وهو النفس كما هو أحد التفاسير، والمعنى قد أفلحت النفس التي زكاها الله تعالى، أو على أن الضمير المستتر راجع إلى «مَنْ» الواقعةِ على الشخص والبارز للنفس في قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ والمعنى قد أفلح الشخص الذي زَكَّى نفسَهُ.
قوله: ((أبحاث)) تَقدَّم غالبها، وبَقِيَ أن العصام قال «لو قال وعلى آله العلية لكان أحسنَ سَبْكًا وأعلى مزية عند أصحاب الـرَّوِيَّةِ»، فاعترضـه الشـارح بـأن هـذه الفقرة التي جعلها سببا في أحسنية السَّبْكِ إنما هي سبب في عدم أحسنيته إذ لا شك أن «وعلى آله العلية» أقصر من التي قبلها، وأحسن السجع ما تساوت قرائنه ثم طالت فيه الثانية أو الثالثة، ولا يُسْتَحْسَنُ قصيرةٌ بعد طويلةٍ اهـ.
ووجه كلام العصام بأن حُسْنَ السبك لكون الفِقَرِ تصير أربعا لأن مراده لو زاد «العلية» قبل «ذوي النفوس» كما ذكره حفيده لا أنه يذكرها بَدَلَها، والأصل في السجع الازدواجُ بأن يكونَ لكل فقرة ما يقابلها، وحينئذ فالنظر في الطول والقصر لكل سجعتين مزدوجتين.
ووجه علوّ مزيته أن الرابعة تصير بمنزلة الدليل لما قبلها.
لَكِنْ قيل العَجَبُ أن العصام عاب على المصنف عدمَ الازدواج مع وقوعه فيه حيث قال «لو قال...إلخ»، فأتى بثلاث فَقَرَاتٍ فقط، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: ((سمحنا)) في المختار «السَّمَاحُ الجُودُ، وسَمَحَ به يَسْمَحُ بالفتح فيهما سماحةً وسماحًا أي: جادَ، وسَمَحَ له أعطاه. وسَمُحَ من باب ظَرُفَ صار سَمْحًا بسكون الميم، وقومٌ سُمَحَاءُ كفُقَهَاء» اهـ المراد منه.
وقد أساء صاحب القاموس في صنيعه هنا فاغْتَرَّ به من اغتَّر حيث ضَبَطَ الميم في عبارة الشارح بالضم اهـ صبان على السلم.