رحيل المؤرخ

قالوا بعد رحيله ..

( متجدد باستمرار )

صحيفة مكة :

جواد الرمضان: المؤرخ الحيّ

بقلم الباحث الدكتور / توفيق حسن المحسّن

——–———————

عندما يعود المؤرخ الأحسائي الى ما سطّره اليونان أو الرومان عن أرضه من قبيل سترابو أو بلليني فإنه يُدرك تماماً أهمية التاريخ وتدوينه من جهة وقناعته التامة بالعُمق التاريخي للأحساء من جهةٍ أخرى. ولذلك فإن كتابة التاريخ تعتبر من أهم الكتابات التي يستفيد منها المؤرخ والجغرافي والأديب والشاعر وحتى رجل الدين. لأن التاريخ عبارة عن سجل نستطيع من خلاله التعرف على أحداث وحياة الأمم السابقة بكل تفاصيلها


وبالرغم من أن الأحساء تزخر بأسماء بارزة في مجالات عدة إلا أن الباحث في تاريخها يصطدم بعقبة المصادر وشُحّها وخصوصاً في فترات مهمة قد تمتد لقرون تسعة. ولعلّ عدم الإستقرار الأمني هو أحد الأسباب الذي أدى إلى ذلك. فالمنطقة كانت منطقة صراعات ونزاعات بين حكومات متعاقبة لما لهذه الأرض من أهمية قصوى وموقع استراتيجي جعلها مطمعاً لتلك الحكومات


ومن هنا فإن البحث وسبر أغوار الماضي يحتاج إلى جهد لا يُمكن تصوّره، فالباحث سيلجأ إلى طرق عدة لتدوين بعض الحقب التاريخية أهمها الوثائق والسجلات المختلفة. ولذلك فإن الشيخ جواد الرمضان اعتمد على هذا الجانب اعتماداً كبيراً وجاب الأرض بحثاً عن تلك الوثائق. وبما أن الحكومة العثمانية قد حكمت البلاد في فترتين مختلفتين فإن الشيخ جواد قصد تركيا للتزود من سجلات العثمانيين ووثائقهم التي لم تترك شاردة وواردة إلا دونتها. وقد كان لقائه بالدكتور زكريا قورشون رئيس قسم التاريخ بجامعة مرمرة باسطنبول من أهم المكاسب التي عاد بها إلى الأحساء. لأن مؤلفات الدكتور زكريا المعتمدة على السجلات العثمانية قدّمت خدمات كبيرة للباحثين والمؤرخين في منطقة الخليج أجمع


الشيخ جواد بن حسين الرمضان أيقونة أحسائية حية وشاهدة على تاريخها وتراثها وأنسابها. ولذلك فإن ماخلّفه لنا من مؤلفات كفيلة بأن تُبقيهِ حياً بيننا حتى وإن غيّبه الموت عنا. لأنه أعاد إحياء التراث وبث روح حب الكتابة في قلوب الكثيرين من الشباب الذين تأثروا بشخصيته واستفادوا من تجربته وهم قادرون على إكمال مسيرته التي رسم بها تاريخ المنطقة

رحل الرمضان شيخ المؤرخين

صحيفة جواثا - علي عيسى الوباري

ما زالت الكتابة الحرفة أو الهواية الأقل استخداما الكتاب نادرون ومن يكتب في تاريخ البشر والتراث يقل وجوده بالمجتمعات التاريخ خبرات وتجارب يكسب من يتخصصه الفلسفة والحكمة .

يموت الكاتب ويبقى مداده وآثاره احيائه في النفوس بما تركه من أسفار وأفكار وآراء

يحيا المؤرخ ما بقيت الأمم والشعوب .

الأحساء تاريخ تضرب جذورها في أعماق التراب تنبع من أرضها مياه تسقي نخيل سامقات تشهد بالثمر وتقص حكايا عن البشر تهفهف سعافاتها لتزيل غبار الرياح عن الآثار لتتحدث عن الآباء والأجداد تسرد الأطلال أسرار العطاء وتناغم قلوب الساكنين مع النباتات والثمار ما زالت المياه تجري من العيون تروي الأشجار والنفوس وتحيي ما في قلوب من ألفة وحب الأحساء خير من يجود بالإبداع في الحرف والمهن وتحكي القصص بكلمات القصائد والشعر عندما تذكر هجر تقترن بالإنجاز والسبق نحو الابتكار انجبت عوائلها وأثمرت تربتها

من كثرة السخاء زهدوا أهلها في الأحصاء والتعداد من كثرة المنح والكرم .

ما زالت في ثقافتها ولادة انجبت شيخ المؤرخين جواد الرمضان الذي جمع العبارات والجمل وصنف العوائل والأسر وزعها في مناطقها الجغرافية مواليدهم وانتشارهم في ربوع الوطن منتجين تجاوز تقسيماتهم خارج الحدود وعطائهم وذكرهم في مسقط رؤوسهم يصل بما حققوا وما نقشوا من آثار وإنتاج في مناطق استقرارهم .

تخصص شيخ المؤرخين في التاريخ الرابط بين القيم والبشر المفسر لماذا الاستقرار في هذه البقاع التاريخ يعرف منه أسباب البقاء والعيش والتاريخ يقرأ دوافع السلطة وعوامل الاستمرار في الحاكمية والتاريخ دروس للحكمة ويقرأ نظريات الانتقال بين المواقع وأسباب الأفول وعوامل الازدهار والبزوغ .

المؤرخ الشيخ جواد الرمضان عاش شاهدا على تاريخ الأحساء ودليلا على إرشاد عوائلها سافر دولا بداية حياته فتزود من ثقافة هذه الدول قرأ الكتب ليحقق في أصول التاريخ ويلم بجذور القبائل فكان خير مصدر لمعرفة الأنساب وهجرة الأمم وتميز بحفظ الشعر ومناسبات القصائد وربط الوقائع بالأشخاص فكان معينا للأحداث ومن أين سافرت العوائل تداول اسمه كمصدر لمعرفة الأنساب وكان مرجعا في ذاته لما يحتويه من معرفة وعلوم .

مجلسه ملتقى الكتاب والمثقفين والراغبين في معرفة جذورها .

كل أسبوع بمجلسه يتجدد اللقاء بشخصيات فكرية متميزة ومثقفون وطالبون معلومات عن الاحساء والوطن ومعرفة العلاقات بين العوائل بدول الخليج العربي .

بالتاريخ من يطلع على الظاهر يحلل الباطن شيخ المؤخرين استفرد بذكر نوادر القصص وغريب الحكايات وتحليل الحدث .

في مجلسه التنوع وبين المتحدثين التعدد توحدهم المصلحة العامة مقصدهم المعلومات والأخبار في مجلسه يُذكر الكتاب ويتداول السفر ينبش عن المسودات بهجر وما نسي في سالف الزمان من المخطوطات وما دُفن من رسائل وصفحات تتحدث عن العوائل والوقائع .

مجلسه الأسبوعي يذكرنا بصالونات الأدب والثقافة بالقاهرة وبيروت وبغداد .

يستقبل كتاب من كل مكان ويقدم إليه المهتمون بالتاريخ من دول الخليج وتزوره وفود الطلاب للسلام ويعوده الباحثون عن النسب وأصل الحسب .

كان بحياته موسوعة وبعد غيابه بالموت ترك أرثا معرفيا وجمعا علميا ومراجع في تاريخ الأنساب وأصول الأماكن وجذور الاستيطان بالاحساء ومن قدم اليها وهجر .

ما زالت مخطوطاته تفوق ما اصدره من كتب تنتظر الطباعة والانتشار .

رحمك الله ابا حسن رمز تاريخيا وعلما هجريا أعطيت بالكتابة والقلم وجذبت القلوب بالاخلاق وحسن السيرة والسلوك وضحكتك ما زالت منقوشة بالنفوس .

جميع الحقوق محفوظة سعيد الرمضان