مقدمة الدرس
مقدمة الدرس
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد:
مجلسنا هذا لقراءة كتاب نافع من كتب الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي، والإمام الذهبي إمام كبير، ومؤلف جليل، وله في تاريخ السُّنَّة آثار رائعة، وله في التاريخ كتب مهمة جداً، وترجمته تطول، وأنصح بالعودة إلى كتاب الأستاذ الدكتور بشار عواد معروف وهو (الحافظ الذهبي ومنهجه في تاريخ الإسلام).
الإمام الذهبي نُسِب إليه كما نسب إلى غيره، وإني أقول: ما من عالم إمام جليل في تاريخ ثقافتنا إلا ونسب إليه ما ليس له، ولهذا موضوع آخر، فنسب إليه كتاب (الطب النبوي)، الذي طبع من زمن طويل، هذا الكتاب ليس للإمام الذهبي، وقد نسب إلى ستة آخرين، ثم اكتشفت النسخة الصحيحة، فهذا المطبوع ليس له.
وكذلك نسب إليه كتاب (الكبائر) وشاع، وهذه النسبة قديمة جداً، والدليل على ذلك أن الإمام ابن حجر الهيتمي في فاتحة كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر) ذكر هذا الكتاب، وقد استغرب ما فيه، ولكن يبدو لم يكن لديه دليل على النفي، يقول في مقدمة كتابه: «ظَفِرْت بِكِتَابٍ مَنْسُوبٍ فِي ذَلِكَ لِإِمَامِ عَصْرِهِ وَأُسْتَاذِ أَهْلِ دَهْرِهِ الْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيِّ فَلَمْ يَشْفِ الْأُوَامَ، وَلَا أَغْنَى عَنْ ذَلِكَ الْمَرَامِ، لِمَا أَنَّهُ اسْتَرْوَحَ فِيهِ اسْتِرْوَاحًا تُجَلُّ مَرْتَبَتُهُ عَنْ مِثْلِهِ، وَأَوْرَدَ فِيهِ أَحَادِيثَ وَحِكَايَاتٍ لَمْ يَعْزُ كُلًّا مِنْهَا إلَى مَحَلِّهِ، مَعَ عَدَمِ إمْعَانِ نَظَرِهِ فِي تَتَبُّعِ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ، وَعَدَمِ تَعْوِيلِهِ عَلَى كَلَامِ مَنْ سَبَقَهُ إلَى تِلْكَ الْمَسَالِكِ».
هذا نص ممتاز يبين لنا دقة العلماء وذوقهم وشكهم فيما يقرؤون، فلاحِظوا كيف عبَّر عن هذا الكتاب، وشكه في نسبته إلى الذهبي.
* * * * *
ثم اكتُشِفت النسخة الصحيحة، وإذا بها نسخة سليمة من الاعتراضات، تتجلى فيها شخصية الإمام الذهبي، الإمام الحافظ الناقد، الحريص على أن تكون كتبه خالية مما يعتري كتب من لم يكن مختصاً في الحديث وعلومه.
اكتشف النسخة الصحيحة الأستاذ محي الدين مستو رحمه الله تعالى، وطبعه، ثم طبعه آخرون، وهناك طبعة ثانية بتحقيق وتعليق الأستاذين: محي الدين نجيب وقاسم النوري، وطبعه كذلك الشيخ المحقق الأستاذ عبده كوشك رحمه الله تعالى.
نسبة الكبائر (النسخة الأولى) إلى الذهبي يطول الكلام أيضاً عليها وعمن تكلم عليها، وهنالك تعليقة مهمة للشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله في تحقيقه لكتاب (الأجوبة الفاضلة) للشيخ عبد الحي اللكنوي، فليرجع إليه.
أريد أن أذكر هنا أن كتاباً آخر نسب إلى غير مؤلفه وهو (تذكرة أولي البصائر في معرفة الكبائر) وهذا نسب إلى الإمام أبي الفرج ابن الجوزي البغدادي رحمه الله تعالى، وهذه نسبة لا تصح قطعاً، وهنالك مقال ممتاز للشيخ المحقق البحاثة عبد العزيز السيد في هذا الخصوص، انتهى فيه بالأدلة الواضحة الجلية إلى عدم صحة النسبة، ومن قرأ هذا الكتاب، وكانت لديه خبرة بالإمام ابن الجوزي وكتبه وأساليبه، ومن دقق النظر أيضاً في النقول الواردة في هذا الكتاب، اكتشف بأن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون لابن الجوزي.
هذا الكتاب (تذكرة أولي البصائر في معرفة الكبائر) هو لمؤلف آخر متأخر عن ابن الجوزي، وقد صدر عن دار ابن كثير، بتقديم عالم جليل محدث، يثني على العمل، ولعل الشيخ لم يقرأه رحمه الله تعالى (1).
(1) يعلق الدكتور عبد الحكيم حفظه الله هنا: والتقديم اليوم مشكلة، يلجأ إليها كثيرون، وهذا التقديم وما له وما إليه يحتاج إلى محاضرة خاصة، فقد كثر البلاء به، محاضرة عن نشأته، ودواعيه، وفوائده، وأضراره، والأضرار كثيرة، وما آل إليه الحال، والحاجة إليه من عدمها، يعني ما فلسفة التقديم، وكيف يكون التقديم، هل هو للثناء على الكتاب والمحقق.
يجب على الإنسان الذي يريد أن يقدم أن يقرأ الكتاب قراءة فاحصة، وأن يبين ما له وما عليه، وهذا له مجال آخر، إنما أريد أن أقول بأن هذا التقديم لهذا الشيخ الجليل الذي وجدناه في ذلك الكتاب المنسوب إلى ابن الجوزي ليس دليلاً على صحة النسبة، لأن الشيخ ربما لم يقرأه، والإنسان لا يجوز أن يقدم لكتاب ما لم يقرأه، قراءة تامة، لأنه يصبح شريكاً للمؤلف أو للمحقق في الخطأ.
الكبائر وعددها مختلف فيه، وأدعو هنا إلى كتابة بحث بمناهج المؤلفين في الكبائر، وفيما توافقوا عليه وفيما اختلفوا فيه، لنعرف عدد الكبائر عند العلماء.
والكبائر هي الصفة الثانية في منهج السلوك إلى الله عز وجل، فكُتُب الكبائر والحذر منها تمثل التخلية، وشعب الإيمان بمجملها تمثل التحلية، ولا بد للإنسان من تخلية ومن تحلية في سلوكه إلى ربه سبحانه وتعالى.
وأقرأ هنا في الكبائر شعراً للإمام السيوطي، أورده تلميذه الداوودي في كتابه ترجمة العلامة السيوطي، قال الداودي:
«وقال -يعني الإمام السيوطي- في نظم الكبائر التي وردت مسماة بالكبيرة في الحديث والآثار:
إذا رُمتَ تَعدادَ الكبائرِ آخِذاً
عن المصطفى والصَّحبِ كي تَبلُغَ الغُرَفْ
فكُفرٌ وقتْلٌ ثمَّ سِحرٌ مع الرِّبَا
وظلمُ اليتامى والفَرارُ إذا زَحفْ
عقوقٌ وإلْحادٌ وتبديلُ هِجرةٍ
وسُكْرٌ ومَن يزني ويسرقُ أو قَذَفْ
وزُورٌ وتقذيرٌ ببولٍ غنيمةٌ
غُلولٌ ويَأسٌ أو مِن المَكْر لمْ يَخَفْ
وإضرارُ مُوصٍ مَنْعُ ماءٍ وفَحْلِهِ
ونسيانُ قرآنٍ كذا شتْمُه السَّلفْ
وسُوءُ ظُنونٍ والذي وعدُه أتى
بنارٍ ولَعْنٍ أو عذابٍ فَخُذْ وَوَفّ»
وهذه الأبيات أوردها السيوطي في كتابه (قلائد الفوائد وشوارد الفرائد)، وهو كتاب أورد فيه ما نظمه من الفوائد، ولم يُطبع، وقد أورده الحافظ الداودي كاملاً ما عدا المقدمة.
رجع الإمام الذهبي إلى:
الصحيحين.
سنن النسائي.
سنن الترمذي.
سنن ابن ماجه.
سنن أبي داود.
مسند الإمام أحمد.
المستدرك، وقد سماه (الصحيح)، وهذا ينبغي أن يُبحث.
المحلى لابن حزم.
كتاب السنة لأبي بكر بن أبي عاصم.
صحيح ابن خزيمة.
السنن لسعيد بن منصور.
ونقل عن ابن المبارك والدارقطني والمعافى بن عمران.
هذا الكتاب للحافظ الذهبي فيه صناعة حديثية، بالإضافة إلى مقصده التربوي السلوكي، فهو يقول مثلاً: «هذا بإسناد لا أرضاه أنا»، في الكلام على الرجال، وأحياناً يقول: «العهدة عليه»، وفيه تعليقات ذهبية، فأدعو إلى كتابة بحث بعنوان (الصناعة الحديثية عند الإمام الذهبي من خلال كتابه الكبائر).
من الجميل أن يعود الإنسان إلى ربه وإلى سنة نبيه r ليحيا معها أوقاتاً طيبة بعيداً عما يغضب الله I، وما أجمل ما يقوله الإمام الذهبي نفسه، وله شعر جميل، لم يُجمع، وحبذا أن ينصرف باحث إلى جمعه، فيقول:
أَفِقْ يا معنَّىً بجمْع الحُطامْ
ودَرْسِ الكلام ومَيْنٍ يُصاغُ
ولازمْ تلاوة خيرِ الكلامْ
وجانبْ أُناساً عن الحقِّ زاغوا
ولا تُخدَعنْ عن صحيح الحديث
فما في مُحقٍّ لرأي مَساغُ
وما لِلتَّقيِّ وللبحث في
علوم الأوائل يوماً فراغُ
بَلاغاً من الله فاسمعْ وعِشْ
قَنوعاً فما العيش إلا بلاغُ
* * * * *
وكنت قد كتبت في عام (1995م) هذه الأبيات وقعت تحت نظري اليوم:
إن كنتَ تهفو للمقامِ الأسعدِ
فاقرأ حديثَ الهاشميِّ محمَّدِ
نَضِّر به وَجهاً وطَهِّر خافِقاً
واطْلَع على الدُّنيا بعِلمٍ مُفرَدِ
يكفيك أنَّك إنْ حملتَ حديثهُ
تحظَى بنورٍ ساطِعٍ متوقِّدِ
تغشاكَ أنوار النُّبوَّة كلَّما
قضَّيتَ وقتاً بالحديثِ المسنَدِ
وتعيشُ أجواء السَّعادة لا ترى
مِن مزعجٍ أبداً ولا مِن مُكْمِدِ
وغداً إذا كان الحسابُ وكانت الـ
أهوالُ في يومٍ طويلٍ أسودِ
تلقاكَ في أمْنٍ مِن الرَّوْعات لا
تخشى الرَّدى تحت اللِّواء الأحمدي