قوله: ((في ذكر تعريف...إلخ))، الظرف صفةُ «فصلٍ» لا خبرٌ له وهو مبتدأ وإلا لَقَدَّمَهُ عليه، والأَوْلَى أن تكون «في» للتعليل على حَدِّ «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا» أي: هذا فصل معقود لذكر...إلخ.
وأراد بأحكام الدلالات الثلاث كونَ المطابقة لازمة للتضمن والالتزام وأن اللزوم ولو عرفيا شرط في الالتزام وأن الدلالة المطابقية دالها يكون مركبا تارة بأقسامه ومفردا أخرى بأقسامه إلى آخر ما ذَكَرَ إلى فصل المفهوم، فاندفع ما قيل إن المصنف ذكر في الفصل مباحث الألفاظ فكان ينبغي للشارح أن يتعرض لذلك.
قوله: ((في مفهوم الموصل)) لا ينافي هذا ما أشار إليه سابقا من أن المراد من المعلومين الماصدقُ لأن أفراد المعلومين المذكورين هي مفاهيمُ أيضا موصلةٌ.
قوله: ((وتَوَقـُّفِ إفادةِ...إلخ)) لابُدَّ من اعتبار العطف قبل التعليل لئلا يرد أن انحصار نظر المنطقي في مفهوم الموصل لا ينتج حقيقة تقديم هذا الفصل بل ربما يوهم حقيقة عدم ذكره، وبعد ذلك فالتقييد بـ«بَعْدَ الفراغِ من المقدمة» لا ينتجه المذكورُ فكأنه اتَّكَلَ على ما قدمه من جريان عادة أصحاب التصانيف بتقديم المقدمة أو قصد مجرد إثبات تقديم هذا الفصل على ما بعده.
ثُمَّ تقييدُ تَوَقُّفِ المعاني على الألفاظِ بِجِهَتَيِ الإفادةِ للغيرِ والاستفادةِ منه للاحترازِ عن حالِ الإنسانِ في نفسِهِ فإنه إن لم يُفَدْ ولم يُفِدْ غيرَهُ لا يُضْطَرُّ للألفاظ على أنه يتوقف عليها توقفا عاديا لما نَبَّهَ عليه السيد من أن الإنسان في نفسه إذا فكر في أمر لم تكن الألفاظ ضرورية له إذ يمكن تعقل المعاني مجردة عن الألفاظ، لكنه عَسِرٌ جدًا؛ لأن النفس قد تعودت الألفاظ بحيث إذا أرادت أن تتعقل المعانيَ وتلاحِظَها تتخيلُ الألفاظ وتنتقلُ إلى المعاني، وقال المصنف: «حتى كأن المفكر يناجي نفسَهُ بألفاظ متخيلة» فافهم.
قوله: ((دلالة اللفظ على تمام ما وضع له مطابقة)) لما كانت دلالة غير اللفظ ودلالة اللفظ على غير الموضوع له مما هو مربوط به عقلا أو طبعا أو ما هو لازم لمـا وضـع له ودلالة اللفـظ على الموضـوعِ له الغيرِ التامِّ لا تسمى مطابقة قَـيَّـدَ الدلالةَ في تعريفِهَا بـ«اللفظ والموضوع والتمام» ونظيرُهُ يقال في تَعْرِيفَيِ التضمنِ والالتزامِ.
فتعريف المطابقة نظير تعريف الإنسان بالجسم النامي المتحرك بالإرادة الناطق، فما قيل لو أريد اشتمال التعريفات على الجنس القريب اعتبر قيد الوضعية ويقال تُرِكَتْ لظهور أن القوم لا يبحثون عن غيرها غيرُ صحيح، فليتدبر.
قوله: ((لـتــطابـق...إلخ)) أي: سمـيـت مـطابـقـة لتـطـابـق...إلخ، ومعنـى تطابق اللفظ والمعنى عدمُ زيادةِ اللفظ على المعنى حتى يكون مُسْتَدْرَكًا أو المعنى عليه حتى يكون قاصراً، هذا.
وقد وُجِّهَتِ التسميةُ المذكورةُ بتطابق الفهم والوضع حيث كان المفهوم هو الذي وضع له اللفظ.
قوله: ((فالدلالة)) الفاء فصيحةٌ أَنْبَأَتْ عن شرط مُقَدَّرٍ مَنْشَؤُهُ تعريفُ المصنفِ حيث أَخَذَ فيه الدلالةَ والوضعَ أي: إن أردت معرفةَ الدلالةِ لوقوعها جنساً في التعريفِ والوضعِ لوقوعِهِ فصلاً فيه حتى لا يكون تعريفاً بمجهول فنقول: «الدلالة...إلخ»، «والوضع...إلخ» فاندفع ما أورد عليه.
ثم التعبيرُ بالشيء ليتناولَ التعريفُ الدلالةَ اللفظيةَ وغيرَها.
وباء «بحالة» للملابسة والجملة بعدها تبيينٌ للحالةِ.
واللزومُ إما بمدخليةِ الوضعِ كما في الوضعية أو الطبع كما في الطبعية أَوْ لاولا فلم يجدوا له إلا العقليةَ، وإن جوز العقل قسما آخر كما صرح به السيد فتناول التعريفُ الأقسامَ الستَّ.
واعلم أن قضية «يلزم...إلخ» مطلقة عامة على ما هو الشأن في الأحكام إذا أطلقت عن الجهات أي: يلزم ذلك في الجملة أي: بعد العلم بوجه الدلالة وهو الوضـعُ في الوضـعية واقتضاءُ الطبع في الطبعية والعليةُ والمعلوليةُ في العقليـة وبعدَ العلمِ بالقرينة كما في دلالة اللفظ المجازي.
قوله: ((يلزم)) أي: يمتنع الانفكاك بينهما بأن لا يتخلل بين الشيئين أمر آخر في التعقل لا في التحقق، وتفصيلُ ذلك أن اللزوم بين الشيئين أن لا يتخلل بينهما أمر آخر سواء كان في التحقق في وقت واحد كالإنسان والضحك أو في وقتين مُسْتَعْقِبًا له كالنظر الصحيح والعلم بالنتيجة أو في العلم بأن يُعْلَمَا معا بأن يكون أحدهما متعقلا قصدا والآخر تبعا وإلا فإحضار أمرين بالبال محال كما في المدلول المطابقي والتضمني والالتزامي فمعنى قوله: «يلزم...إلخ» أي: يكون العلم بأحدهما مُسْتَعْقِبًا للعلم بالآخر بلا فَصْلٍ كما في الدليل بالنسبة للمدلول والمعرِّف بالنسبة للمعرَّف واللفظِ بالنسبة للمعنى.
قوله: ((من العلم به)) هو هنا كما قال السيد الإدراك أعم من أن يكون تصوريا أو تصديقيا يقينيا أو غير يقيني بقرينة شيوع إطلاق الدلالة على جميع الأقسام.
قوله: ((العلم بشيء آخر)) لا يشمل لزوم العلم من الظن لما هو ضروري من أَنَّ غيرَ اليقينيِّ لا يستلزم اليقينيَّ، وبعد ذلك فالمرادُ منه أي: العلمِ مجردُ الالتفاتِ والتوجهِ الأعمُّ من الحصولِ على ما قال السيد في حواشي المطالع فلا يلزم أن لا يكون لِلَّفْظِ دلالةٌ عند التَّكرارِ لامتناع تحصيل الحاصل وليس هذا بطريق عموم المجاز على ما وُهِمَ.
ولا يرد أنه قد يكون المعنى مُلْتَفَتًا إليه قبلُ فلو التفت إليه عند العلم بالدال يلزم تحصيل الحاصل؛ لأنه لا يشك أحد في أنه كلما عُلِمَ الدال التفت الذهن للمدلول والالتفاتُ الثاني غيرُ الالتفات الأول.
قوله: ((والوضع جعل الشيء...إلخ)) عطفٌ على «الدلالة» وقد ذكرنا سر التعرض لهما.
وَأَطْلَقَ «الشيءِ» ليتناولَ غيرَ الألفاظِ والألفاظَ سواء لوحظ المجعول والمجعول له بخصوصهما.
أو الأول بوجه كلي والثاني بخصوصه.
أو الأول بخصوصه والثاني بوجه كلي.
أو كان ذلك الجعلُ بواسطة قرينةٍ.
فدخل وضعُ الأعلامِ ووضعُ المشتقاتِ ووضعُ الحروفِ والمضمراتِ والإشاراتِ وبقيةِ المعارفِ ووضعُ المجازِ.
وتحقيقُ الفرقِ بين الحرف والمجاز وإن توقف كُلٌّ أَنَّ الموقوفَ في الحرف إنما هو نفس تعقل المعنى لكونه آلةً لملاحظة الطرفين وفي المجاز تعقله من اللفظ لا تعقله في نفسه، ويتضح لك ذلك كُلَّ الوضوح حين يجتمعان عندما يُتَجَوَّزُ في الحرف.
واختار التعبيرَ بـ«إذا» بدلَ «متى» تبعا للسيد وقد وُجِّهَ بأنه اختيار لما هو المختار عند الجمهور من أهل العربية والأصول من أنه إذا فهم معنىً من اللفظ في بعـض الأوقـات بواسطـة قرينـة ظنـيـة الدلالة على تعيـيـن المـراد كمـا في المـجـازات والكنايات المبنية على العرفِ والعادةِ والادعاءِ تتحقق الدلالة الوضعية وكأن الشارح آثره وإن كان غيرُهُ قال إن الأنسب بالفن خلافه رَعْيًا لقول المصنف الآتي «ولو عرفا» وإن كان هو أيضا سيعترض على المصنف هناك.
والمراد من الفهم هنا ما بيناه في العلم سابقا فليفهم.
قوله: ((وعلى جزئه)) أي: وإن لم يعلم ذلك الجزء بعينه كما إذا علم أن اللفظ موضوع لشيء معينٍ وغيرِهِ ولم يُعَيَّنْ ذلك الغيرُ بعينه وهو مفهومٌ في ضمن الكل المطابقيٍّ تقديرًا.
قوله: ((لكون الجزء في ضمن الكل)) يمكن أن يُوَجَّهَ أيضا بكون فهم الجزء في ضمن فهم الكل وكأنه عدل عنه؛ لأنه توجيـه لدلالة التضمن لا للتـضمن وقد يجعل توجيها للتضمن ويكون إضافةُ «دلالة» إلى «التضمن» إضافةَ أعمَّ لأخصَّ.
قوله: ((وعلى الخارج)) لم يُقَيِّدْهُ باللازمِ، وقال بَعْدَهُ «ولابد من اللزوم عقلا أو عرفًا...إلخ» تنبيهًا على أن اللزوم شرط لتحقق الدلالة الالتزامية لا فَصْلٌ فلا يبطل كونُ حصر الدلالة في الثلاث عقليا بتجويز دلالته على خارج غير لازم.
زاد الجلالُ الدَّوَّانِيُّ ولو دَخَلَ في مفهومِهِ لَغَى الاشتراطُ.
وأَوْرَدَ عليه الفاضلُ الاسفرايني أنه لابد من تقييد التعريفات بالحيثية لدفع انتقاض بعضها ببعض ولو لم يعتبر اللزوم في مفهوم الالتزام لم يمكن التقييد بالحيثية؛ إذ يصيـر المـآلُ «الالتـزامُ هو الدلالةُ على الخـارج من حيث هو خارج» والدلالة لا تتسببُ على الخروج بدون ضميمة اللزوم.
وأما وجه اشتراط اللزوم مع اعتباره في المفهوم فهو أن المعتبر في المفهوم اللزوم المطلق والشرط اللزوم الذهني وليس بشيء؛ لأنه إن أراد بعدم تسبب الدلالة على الخروج بدون ضميمة اللزوم أن مفهومها لم يتقوم بدون ذلك فممنوع وإن أراد أنها لا تتحقق وقوعا بدون ذلك كان لا ضرر فيه إذ كذلك المشروطات مع شرائطها.
وأما أن الشرط اللزوم الذهني والمعتبر في المفهوم اللزوم المطلق فممنوع بأن اشتراط الأخص يوجب اشتراط الأعم، صرح به الفاضل الجلبي وغيرُهُ فتهافت، ولو صح فلا أقل من أن يتكرر اعتبار اللزوم وهو ظاهر على أن كلامهم نص في اشتراط أصل اللزوم فإنهم بعد الفراغ من التعاريف الثلاث والكلام على أجناسها وفصولها يجعلون كون الخروج مناطَ الالتزامِ ملزومًا لدلالة اللفظ على ما لا يتناهى ثم يُفَرِّعُونَ عليه فلابد من اللزوم، فليتدبر كل التدبر.
قوله: ((لكون الخارج لازما...إلخ))، لم يقل لكون فهم المعنى...إلخ لنظير ما ذكرناه في التضمن.
قوله: ((هكذا وقع...إلخ)) مغايرة المشبه للمشبه به باعتبار قَيْدَيِ الصدورِ من الشارح والصدورِ من القوم.
قوله: ((إذ لا يلزم من تصور معنى...إلخ)) صغرى قياسٍ حُذِفَتْ كبراه وأصلُهُ «القابليةُ المذكورةُ لا يلزم من تصور معنى الإنسان تصورها وكل ما هو كذلك لا يصلح مثالا للمدلول الالتزامي ينتج القابلية المذكورة لا تصلح مثالا للمدلول الالتزامي» وهو المدعى.
أما الصغرى فظاهرة ولذلك قال: «كما لا يخفى»،
وأما الكبرى فبناءٌ على أن اللزوم البين بالمعنى الأخص شرط في المدلول الالتزامي.
قوله: ((هو اللزوم البَيِّنُ)) إن أريد اللفظ نافى سابِقَهَ؛ إذ ليس الذي بين الإنسان والقابلية لفظُ اللزوم البين، وإن أريد المعنى نافى لاحِقَهُ؛ إذ الملتبس بالمعنى الأعم لفظ اللزوم البين لا المعنى، إلا أن يقال اللزوم البين من حيث كونه مفهوما أعم يلابس معناه الأعم من حيث خصوص كونه أعم، فافهم.
قوله: ((بل لابد فيه...إلخ)) لم يكتف عنه بما قبله لاحتمال أن يكون لابد من تصور الملزوم واللازم أو اللازم فقط.
وقوله: «بل لابد فيه من تصورهما» أي: سواء كان تصور الملزوم هو الذي جَرَّ إلى تصور اللازم أو تُصُوِّرَ لا به وهذا وجه عمومه.
قوله: ((حسن)) أي: من جهة أنه يدفع السؤال في الجملة كما يشير لذلك قوله: «إلا أنه...إلخ» وقوله الآتي: «فالصواب...إلخ».
قوله: ((إلا أنه يوجب...إلخ))، خلاصته أن الجواب المذكور للسؤال المذكور بمنع الكبرى بسند أن اللزوم بالمعنى الأعم كاف في صحة التمثيل بما ذكر لدلالة الالتزام سواء كان في ضمن الفرد الأخص أَوْ لا؛ إذ على تسليم أن الأخص شرط والشرط يلزم من عدمه العدم لا يصح التمثيل بما ذكر لما ذكر فلا يتم الجواب بتصحيح ذلك، وحينئذ فالجواب المذكور يوجب أن يكون المعتبرُ شرطا مستقلا للدلالة المذكورة اللزومَ البينَ بِأَيِّ فَرْدَيْهِ كان لا خصوص اللوزم البين بالمعنى الأخص الذي هو أحد فردي الأعم وليس متفقا عليه بل المحققون على أن اللزوم بالمعنى الأعم غير معتبر شرطا مستقلا إنما المعتبر كذلك هو أحد فَرْدَيْهِ الذي هو الأخص، وعلى هذا فلا يكون التمثيل صوابا، إنما يكون كذلك على الأول، بهذا يتبين كلامه.
فما قيل عليه إن أراد اعتبار اللزوم بالمعنى الأعم في الاشتراط فلا ضرر فيه؛ لأن اشتراط الأخص يوجب اشتراط الأعم لعدم تحقق الأخص بدون الأعم فيكون المعنى الأعم أيضا شرطا والتمثيل له، وإن أراد اعتباره في الكفاية فليس في التمثيل ما يقتضيه ليس بشيء.
أما أولاً فلأن عدم تحقق الأخص بدون الأعم إنما يقتضي أن الأعم جزء شرط وهو لا يكفي في تحقق المشروط الممثل له كما بينه السائل.
وأما ثانياً فإن المراد اعتباره في الشرطية الكافية ولا يتم الجواب إلا به على ما بينا.
وأما ثالثاً فالمُوجِبُ والمُقْتَضِي في كلام الشارح الجوابُ لا التمثيلُ فلا يحسن قوله: «فليس في التمثيل ما يقتضيه»، وما قاله الفاضل الجلبي على أن اشتراط الأخص يوجب اشتراط الأعم لعدم تحقق الأخص بدون الأعم فيكون المعنى الأعم أيضا شرطا والتمثيل له فمسلكٌ آخر في الجواب.
وحاصله أن التمثيل ليس للدلالة الالتزامية كما فهم السائل وبنى عليه ما بنى بل اللزوم البين بالمعنى الأعم في الجملة؛ لأن المحققين لما اشترطوا اللزوم بالمعنى الأخص استقلالا اشترطوا اللزوم بالمعنى الأعم ضمنا لما تقدم فَأَتَوْا بالمثال لما فيه من اللزوم بالمعنى الأعم في الجملة لا لأن فيه دلالة التزامية يكفي فيها المعنى الأعم بل ذلك أمر آخر ولذلك قال وأما كفاية المعنى الأعم ليكون الالتزام مقبولا وعدم كفايته فبحث آخر فيه خلاف بين الإمام والجمهور.
فما قيل عليه من أن إيجاب اشتراط الأخص اشتراطَ الأعم يستلزم اشتراطهما فالدلالة إنما تتحقق إذا تحقق المعنى الأعم والمعنى الأخص مدفوعٌ؛ لأنه مبني على أن التمثيل للدلالة الالتزامية لا للزوم بالمعنى الأعم في الجملة، والفرق واضح.
واعلم أن في الجواب الذي اعترضه الشارح أيضا أن كون الأعم كافيا رَأْىُ الإمام والتمثيل المذكور وقع ممن يَرُدُّ على الإمام في ذلك كالكاتبي كما أومأ إلى ذلك السائل بقوله: «في كتب القوم» فلا يتم عنه الجواب بما ذكر.
وأن في الجواب الذي قاله ذلك الفاضل أن كلامهم كالصريح في أن التمثيل لدلالة الالتزام المقبولة لا لمطلق اللزوم البين بالمعنى الأعم.
وبقي جواب آخر لبعض حواشي ذلك الفاضل وهو أن اللزوم بين الإنسان والقابلية المذكورة هو اليبن بالمعنى الأخص كالزوجية للأربعة، والإنصاف خلافه كما يقتضيه الوجدان، فتدبر كل التدبر لئلا تزل قدمك.
قوله: ((في جزم العقل باللزوم)) يحتمل أن يكون مجازا أَطْلَقَ فيه المصدرَ وأراد اسم الفاعل، وأن يكون كناية؛ لأنه لا يكون تصور الملزوم كافيا في جزم العقل باللزوم بين اللازم والملزوم إلا إذا كان تصور الملزوم يَجُرُّ إلى تصور اللازم كما هو بَيِّنٌ، وعلى كُلٍّ فكأنه قال هو أن يكون تصور الملزوم يقتضي تصور اللازم وهذا المعنى أخص حينئذ لا مباين، فليتدبر.
قوله: ((فالصواب أن يمثل...إلخ)) مربوط بقوله: «بل المحققون»، ثم لا يضر هذا الصوابَ أَخْذُ الانقسامِ بمتساويين وسطا في عروض الزوجية للاثنين لكونه لا يغيب عن الذهن كما في سائر القضايا التي قياساتها معها.
قوله: ((واللفظ لا يدل...إلخ)) أي: الموضوع على نحو ﴿ ﴾ بدليل ما بعده.
قوله: ((وإلا لزم أن يكون...إلخ)) أي: وإن دل اللفظ على كل خارج لزم أن يكون كل لفظ موضوع لمعنى دالا على معان غير متناهية لشمول كل خارج عن معنى الموجودات والمعدومات تفصيلا وإجمالا فتصير النفس عند إطلاق كل لفظ تلتفت إلى ما لا نهاية له وهو باطل تفصيلا وإجمالا إلا أن الظاهر في الاستدلال أن يقال وإلا لزم أن يكون دالا...إلخ لكنه زاد ذلك لظهور تساوي جميع الألفاظ الموضوعة في ذلك القَدْرِ.
قوله: ((فلابد للدلالة على الخارج من شرط)) ذِكْرُ بعضِ الفضلاءِ هذه العبارةَ متفرعٌ على ما تقدم باعتبارِ العِلْمِ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي: فـعـلم أن لابد للـدلالة على الخـارج من شـرط أي: من أمر ما يتـعلـق بـه
وجودها على ما هو المعنى اللغوي للشرط لا ما يتوقف عليه وجودها؛ إذ الدليل لا يساعده، هذا كلامه.
ولا يذهب عليك أن اللزوم إذا لم يتوقف وجود دلالة الالتزام عليه يكون الخروج عن المعنى كافيا فيها ويعود المحذور المذكور، فالظاهر أن الشرط بهذا المعنى، فليتأمل.
قوله: ((في الدلالة الالتزاميـة)) كقوله سابقا: «ثم الدلالة الالتزاميـة» وافق به قول المصنـف: «التـزام»؛ لأنه على معـنى دلالة التـزام، ألم تـر إلى يس كيـف سَمَّى بابَ النسبِ بابَ الإضافةِ وقولُهُ سابقا: «دلالة اللفظ على الخارج، وإلا فلابد للدلالة على الخارج من شرط» وافق قولَ المصنفِ: «وعلى الخارج»، وإنما لم يقل هنا: «في الالتزام»؛ لأنه في معنى اللزوم فربما يتوهم شرطية الشيء في نفسه كما فهم.
قوله: ((مسمى اللفظ)) أراد به ما يعم المدلول الحقيقي والمجازي وإلا ففي شرح المختصر المنطقي للعارف السنوسي وحواشيه أن المسمى خاص بالأول.
قوله: ((ولا يشترط اللزوم الخارجي...إلخ)) لا يخفى أن اللوازم ثلاثة خارجا فقط ذهنا فقط ذهنا وخارجا، فيحتمل أن يكون الشرط الأول وحده أو الثاني أو الثالث.
أو إما الأول و الثاني.
أو إما الأول و الثالث.
أو إما الثاني و الثالث.
أو إما الأول و الثاني و الثالث.
والدليلُ المذكورُ إنما يُبْطِلُ الأولَ.
والثاني يَبْطُلُ بحكمهم بالالتزام بَيْنَ الاثنين والزوجية.
والثالثُ به بَيْنَ العمى والبصر.
والرابعُ به بَيْنَ الاثنين والزوجية.
والخامسُ به بَيْنَ العمى والبصر.
والسادسُ ما ذكره المصنف.
والسابعُ بحكمهم بأنه لا دلالةَ التزامٍ بَيْنَ الغرابِ والسوادِ فليتأمل.
قوله: ((لم يتحقق الالتزام بدونه)) دليل الملازمة امتناع تحقق المشروط بدون الشرط.
قوله: ((يدل على البصر التزاماً)) استدل له بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ فإنه لو كان البصر داخلا في مفهوم العمى لما ذكر معه وإلا لاحتيج إلى تكلّفِ التجريدِ إلا أَنْ تَرْكَ ذِكْرِهِ معه في نحو ﴿بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ يدل على دخول البصر في مفهوم العمى، قيل ومن هنا صرح شارح المطالع في بحث القضايا بدخوله في مفهومه.
واعلم أنه يمكنك الاستدلال على المدعى المذكور بغير الاستثناء فتقول اللزوم الخـارجي تحققت دلالة الالتزام بدونه وكل ما تحققت دلالة الالتزام بدونه فهو ليس بشرط فيها ينتج اللزوم الخارجي ليس شرطا في دلالة الالتزام.
قوله: ((شرع في بيان التلازم بينهما)) ضمير التثنية للاثنين اللذين يتضمنهما الدلالاتُ الثلاثُ ففي المقام لزوم لا تلازم، وبعد ذلك ففي العبارة نوع ركة كما لا يخفى على العارف بالأساليب.
قوله: ((ولو تقديرًا)) الأظهرُ أنه إشارة إلى جواب ذكره في شرحه للرسالة الشمسية على اعتراضِ استلزامِ التضمنِ والالتزامِ المطابقةَ بأنه إذا أطلق اللفظ على جـزء المعنى أو لازمه مجازا مع قرينة مانعة عن إرادة المعنى الموضـوع له فقد تحـقـق التضمن والالتزام بدون المطابقة وهو أن المراد باستلزامهما المطابقة أن كل لفظ له دلالة تضمنية أو التزامية فله دلالة مطابقية في الجملة وإن لم تكن في تلك الحالة.
وأجاب أيضـا بجوابيـن آخرين لا يناسبـان كلامه هنا، وما قيل إن ابن سينـا اشتَرَطَ الإرادةَ في الدلالةِ الوضعيةِ فحينَ إرادةِ الجزءِ أو اللازم لا مطابقةَ لعدم إرادة الموضوع له فتنفك المطابقة عنهما على مذهبه مع أن الاستلزام متفق عليه فَوَجَّهَ المصنفُ الاستلزامَ بأن الاستلزام تقديري بمعنى أن كل لفظ له دلالة تضمنية أو التزامية فهو بحيث لو أريد منه الموضوعُ له كان مطابقة فلم يلزم من قوله: «ولو تقديرًا» اختيارُ مذهبِ الشيخِ مع أنه أبطله في بعض تصانيفه بل أراد بيانَ الاستلزام بوجه عام فليس على ما ينبغي؛ لأن تلك المبالغة لا تعود منها فائدة حينئذ إلا على مذهب الشيخ مع أنه شدد النكير على الشيخ في هذا المذهب كصاحب المحاكمات، ومن جملة ما أبطله به وجعله أولى في الرد أنه يلزم عليه فساد ما صرحوا به من أن كُلاً من التضمن والالتزام يستلزم المطابقة.
وقيل: يمكن أيضا أن يقال المصنف فسر الدلالة بفهم المعنى من اللفظ وكثيرا ما يفهم جزء المعنى من حيث إنه جزءُ المعنى الموضوعِ له ولا يفهم الكل كما يفهم من لفظ الفعل الحدث والزمان ولا يفهم الكل ما لم يُذْكَرْ الفاعلُ لأنه لا تفهم النسبة بدون ذكر الفاعل فقد انفكت المطابقة عن التضمن لكن لم تنفك عنه تقديرا؛ إذ المطابقة متحققة على تقدير ذكر الفاعل وليس بشيء.
أما أولا فإن فهم جزء المعنى الموضوع له من حيث إنه جزء تمام المعنى الموضوع له بدون تمام الموضوع له محال فكيف يكون جائزا فضلا عن أن يكون كثيرا؛ إذ هو فهم الأخص من حيث كونه أخص بدون فهم الأعم.
وأما ثانيا فإن التضمن فهم الجزء في ضمن فهم الكل لا مطلق فهم الجزء.
وأما ثالثا فلأن المحقق أن تمام ما وضع له الفعل الحدث والزمان والنسبة إلى فاعلٍ مَّا لا إلى الفاعل المعين وحينئذ ففهم الكل لا يتوقف على ذكر الفاعل.
وأما رابعا فالممنوع فهم النسبة بلا فاعل أصلا لا بلا ذِكْرِهِ كما هو ظاهر.
قوله: ((لأنهما تابعان لها...إلخ)) كذا وقع في الرسالة الشمسية وغيرها الاستـدلالُ بهذا الدليـل وقد أكثر العلامتان القطـبُ والسيدُ القولَ عليه وانفصلا بعدُ على عدم تـمامه، فالأَوْلَى كما قال السيد في البيان أن يقال إنـهما يستلزمان الوضعَ المستلزمَ للمطابقةِ فيستلزمانها قطعا.
قوله: ((لتحققها فيما إذا كان اللفظ موضوعا لمعنى بسيط بدون التضمن)) لم يعبر بالجواز كما وقع في عبارة غيره وفي عبارته فيما سيأتي مع الإتيان بـ«إذا» والماضي؛ لأن كون بعض الألفاظ موضوعة لمعنى بسيط محقق بلا شبهة كلفظ النقطة والوحدة والمجردات سِيَّما إذا قلنا الواضع هو الله، لكن هذا لا يتم في
المعطوف؛ لأن معنىً لا لازمَ له غيرُ محققِ الوقوعِ فَكَأَنَّ سِرَّ ذلك التعبيرِ رعايةُ كلامِ المصنفِ حيثُ حَكَمَ بعدم استلزامِ المطابقةِ الالتزامَ أيضا لا بعدم العلم بالالتزام الذي ينتجه مجردُ الجوازِ ويَرَى تحقق وقوع ذلك من حيث إنا نتعقل كثيرا من المَوَاهِي ولا يخطر ببالنا لها لازم عقلي لكن الذي يقتضيه قولُهُ: «أو عرفًا» وقولُهُ في هذا في شرح الرسالة عدمُ العلم بالاستلزام لا العلمُ بعدم الاستلزام فَكَأَنَّهُ بنى اللزوم على رأي القوم من شرط اللزوم الذهني.
قوله: ((فلجواز أن يكون...إلخ)) الجواز في هذا إمكانـيٌّ وفـي الذي بعـده وقوعيٌّ، أما الأول فبناءٌ على ما تقدم، وأما الثاني فلأن عدم الانقسام خارجٌ عن ماهية النقطة وإلا لكانت معدومة ولازمٌ لها بل بَيِّنٌ بالمعنى الأخص.