بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّ أَحَقَّ ما يَتَـزَيَّنُ بنـشره مَنْـطِقُ القاصي والحاضر، ويَتَوَشَّحُ بذكره صدورُ الكتب والدفاتر، حَمْدُ اللهِ جل جلاله على آلائِهِ المُزْهِرَةِ الرياضِ، وشُكْرُهُ عَمَّ نَوَالُهُ على نَعْمَائِهِ المُتْرَعَةِ الحِياضِ، الذي شَرَّفَ نوعَ الإنسانِ بحِلْيَةِ الإدراكِ وزينة الإِفْهامِ، وخَصَّصَهُ بإدراج دُرَرِ المعاني في جواهر الألفاظ على شرط الانتظام.
ثُمَّ الصلاةُ على المُمَيَّزِ من بين الرسل عليهم الصلاة والسلام، بفضل نَسْخِ الشـرائع والأحـكام، وعمـومِ الرسـالةِ إلى كافةِ الأنام، مـحـمـد المبعوثِ لإتمامِ مكارم الكرام، الذي أُوتِيَ جوامعَ الكَلِمِ الظاهرةِ البيانِ، وأُوحِيَ إليه ببدائعِ الحِكَمِ الباهِرةِ البُرهانِ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه المحمودين على الاتباعِ والتصديقِ المسعودين في مناهج الصدق على التحقيق، وَبَعْدُ:
فيقولُ الفقيرُ إلى الله الغَنِي عبيدُ الله بنُ فضلِ اللهِ الخبيصي، قَدَّرَ الله له السعادةَ ورزقه الحسنى وزيادةَ: لَـمَّا رأيتُ المختصرَ المسمّى بـ«التَهْذِيبِ» المنسوب إلى أفضل المحققين وأكمل المتأخرين، جامع البيان والمعاني سَعْدِ المِلَّةِ والدِّينِ مَسْعُودِ التَّفْتَازَانِيِّ، سقى الله ثراه وجعل الجنة مثواه، كتابا مشتملا على أكثر مسائل «الرسالة الشمسية في تمهيد القواعد المنطقية»، وكان المحصلون عن فهم مسائله الصعبة في الاضطراب والاضطرار لغاية إيجاز ألفاظه ونهاية الاختصار، شرحته شرحا يُبَيِّنُ مُعْضِلاتِهِ ويُفَسِّرُ مُشْكِلاتِهِ، خاليًا عن التطويل والإكثار لتأديتهما إلى الإملال والإضجار، موشحًا بدعاء مَنْ أَيَّدَهُ اللهُ تعالى بالنفس القدسية والفضائل الأُنْسِيَّةِ وشَرَّفَ أرائِكَ السلطنةِ، بحَضْرَتِهِ الشَّمَّاءِ وآتاه الملكَ والحكمةَ وعَلَّمَهُ مما يشاءُ، وَوَفَّقَهُ لتشييد قواعد الدين ورَفْعِ معالم المعالي لأهل اليقين، وخصصه باللطف العميم والخُلُقِ العظيم بحيث يشار إليه ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك كريم، وهو المولى السلطان الأعظم الخاقان الأعدل الأكرم، ناصب رايات العدل والإنصاف قامع آثار الظلم والاعْتِسَافِ، محيي مآثر السنة النبوية مُنْفِذُ أحكام الملة المصطفوية، هو الذي يَعِزُّ الدينَ بالسيفِ والسِّنَانِ وينصره بالحجة والبرهان، تلألأت على صفحات الأيام آثارُ مَعْدَلَتِهِ وسلطانِهِ وتهللت على وَجَنَاتِ الأنام أنوار مَكْرُمَتِهِ وإحسانه، السلطانُ المطاع المطيع للشرع الشريف غِيَاثُ الحق والسلطنة والدنيا والدين عبد اللطيف، خَلِّدِ اللهم ملكَهُ وسلطانَهُ وأَعْلِ كلمتَهُ وشَأْنَهُ وانصر جيشَهُ وأعوانَهُ، في دولة دائمة وسلطنة قائمة، وقدر منيع وشأن رفيع.
وسمَّيْتُهُ بـ«التَّذْهِيبِ في شرح التَهْذِيبِ»، راجيا من الله تعالى أن يَكْتَسِيَ من ميامن قبولِهِ يُمْنَةَ الإقبال ويَرْتَدِيَ من ملامح نظره برداء العز والجمال، إن الله ولي التوفيق وبتحقيق الأُمْنِيَّةِ حقيقٌ.
قوله: ((إِنَّ)) ترشيح هذه الجملة بـ«إِنَّ» إما للتنبيه على أنه بلغ في رفعة الشأن إلى أن لا يُقْبَلَ غيرَ مؤكَّد أو للتنبيه على أن المتكلم بالخبر على صدق رغبة ووفور نشاط فيه أو للتنبيه على أن الطالبين على صدق رغبة ووفور نشاط فيه، أو للتنبيه على تواضع المتكلم واستحقار نفسه من حيث اعتقادُهُ عدمَ قبول ما يَتَكَلَّمُ به ولو كان من المُسَلَّمَاتِ، أو للردِّ على مَـنْ يُنْـكِـرُ مضمونَها بنـاءً على إنكـارِ الخـالق وأن وجود العالم اتفاقي أو للردِّ على مَـنْ يُنْـكِـرُ ذلك ويقول الأحق بذلك هو الهيللة والتكبير؛ لما قال القشيري في شرح أسماء الله الحسنى: رُوِيَ عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أن من قال سبحان الله فثوابه عشرة، ومن قال الحمد لله فثوابه عشرون، ومن قال لا إله إلا الله فثوابه ثلاثون، ومن قال الله أكبر فثوابه أربعون، ثم بَيَّنَ سِرَّ الترتيب لَكِنَّ هذا مبنيٌّ على ما هو المتبادر من حمل الحمد في كلام الشارح على ما كان بتلك المادة.
ووجه الرد بالتوكيد المذكور بالنسبة إلى الأول من وجهي الرد ظاهر، وأما بالنسبة إلى الثاني فهو أن الكلام بين الأئمة في المسئلة المذكورة إنما هو في وقت لم يطلب فيه ذكر معين.
أما ما ورد عن الشارع طلبه في وقت معين كالتكبير ليلة العيد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجمعة ويومها فالاشتغال به إذ ذاك أفضل قطعا، ومن هذا القبيل الحمد فإنه ورد عن الشارع طلبه وقت البداءة بعينه دون الهيللة والتكبير أو يوجه الرد المذكور بمنع الحمل على خصوص المادة المذكورة، فافهم.
قوله: ((أَحَقَّ))، «الحَقُّ» مطابقةُ الواقعِ للحكمِ عَكْسُ الصدقِ فإنه مطابقةُ الحكمِ للواقعِ ويقابلهما الباطلُ والكذبُ وحينئذٍ فَيُشْكِلُ من وجهين:
أحدهما أنه لا يتصف حمد الله تعالى به لعدم الحكم فيه.
وثانيهما أنه لا يُصَاغُ منه اسم التفضيل لكونه مُتَوَاطِئًا لا مُشَكِّكًا إذ لا تتفاوتُ المطابقةُ للواقعِ.
ويندفع الأمران بتفسير «أَحَقَّ» بـ«أَحْسَنَ»و«أَوْلَى» على ما يشير إليه كلامُ الصِّحَاحِ.
قوله: ((ما يَتَزَيَّنُ بنشره منطق القاصي والحاضر))، «النشر» الرائحة الطيبة أو ضد الطي، و«المنطق» اسم مكان أي: محل النطق أو مصدر ميمي بمعنى النطق، و«القاصي والحاضر» الغيرُ المُنْعَمِ عليه والمُنْعَمِ عليه بناء على أن النعمة الملائِمُ المحمودُ العاقبةِ، أو البعيد والقريب من حضرة المشاهدة.
ثم كلمة «ما» إما واقعة على الألفاظ الحسنة وحينئذ ففي الضمير العائد إليها من «نشره» مكنية هي تشبيه الألفاظ بالمسك أو نفس المسك أو الألفاظ المشبهة على رأي الخطيب أو السلف أو السكاكي.
والنشر أو إثباته تخييلية على رأي السكاكي أو القوم.
أو في النشر تصريحية تحقيقية تشبيها لخواص الألفاظ ومزاياها بالرائحة الطيبة.
أو مجرد إضافة مشبه به إلى مشبه تشبيها للألفاظ بالرائحة الحسنة.
والمعنى أَحَقُّ الألفاظ التي تُزَيِّنُ أفواهَ أو تَكَلـُّمَ مَنْ لم يُنْعَمْ عليه ومَنْ أُنْعِمَ عليه أو من كان من العارفين بالله وغيره تزيينَ المسك أو كأن مزاياها رائحة المسك أو كأنها نفسها رائحة المسك حَمْدُ اللهِ.
وهذا كله على أن النشر بمعنى الرائحة الطيبة، لكن الأنسب حينئذ تبديل «يتزين» بـ«يتعطر».
وعلى أنه ضد الطَّيِّ تجري تلك الأوجهُ أيضا إلا أنه يعتبر مكانَ المِسْكِ الحللُ ومكانَ مزايا الألفاظ إظهارُها للمعانى فتُشَبَّهُ الألفاظ بالحلل أو يشبه إظهارها أيضا للمعاني بحل الحلل أو تشبه الألفاظ بحل الحلل في سببية الإظهار.
وإما واقعة على المعاني الحسنة فتشبه إما بالمسك أو بالحلل أو تشبه الألفاظ الدالة عليها أو النقوش الدالة على تلك الألفاظ بروائح المسك أو بحل الحلل في سببية الإيصال إلى المقصود أو تشبه المعاني بروائح المسك أو بحل الحلل في كون كُلٍّ منتهى القصدِ.
وإما واقعة على النقوش الحسنة وتشبه إما بالمسك أو بالحلل أو تشبه أشكالها بروائح المسك أو بحل الحلل في السببية المذكورة أو تشبه النقوش بروائح المسك أو بحل الحلل في السببية أيضا.
وبيان المعنى ظاهر فيها بالقياس على بيانه في الأول قَبْلُ.
والحاصل أن «ما» إما واقعة على الألفاظ أو على المعاني أو على النقوش، وعلى كل فالنشر إما بمعنى الرائحة أو بمعنى ضد الطي، وعلى كل فـ«نشره» إما مكنية وتخييلية أو تحقيقية تصريحية أو إضافة مشبه به إلى مشبه، وعلى كل فـ«المنطق» إما اسم مكان أو مصدر، وعلى كل فـ«القاصي والحاضر» إما بمعنى المنعم عليه وغيره أو بمعنى العارف بالله وغيره ، هذا.
وإنما جمع بين القاصي والحاضر بالمعنيين لئلا يتوهم أن القاصي أخس من أن يَتَزَيَّنَ بالحمد والحاضر أعلى من ذلك.
قوله: ((ويتوشح بذكره صدور الكتب والدفاتر)) عطف على «يتزين» عطف صلة على صلة أو صفة على صفة، و«التوشيح» لُبْسُ الوُشَاحِ وهو شيء يتخذ من أديم عريضا ويُرَصَّعُ بالجواهر تجعله المرأة بين عاتقها وكَشْحِهَا.
والـ«صُّدُورُ» جمع صدر وهو محل القلب من الإنسان وأولُ كل شيء، و«الكتب» الصحائف، والمراد هنا أَوْعِيَةُ العلومِ.
«والدفاتر» جمع دَفتر، وكسر داله لغة جرائد الحساب التي تكون للملوك وغيرهم.
وإضافة «ذكر» إلى ضمير «ما» على تقدير وقوعها على الألفاظ بَيِّنَةٌ، وكذا على تقديرَيْ وقوعِها على المعاني والنقوشِ فإنها تُذْكَرُ تبعًا للألفاظ، وأما وقوع الألفاظ أو النقوش أو المعاني في صدور الكتب فَيَتْبَعُ كونَ المرادِ من الكتبِ الألفاظَ أو النقوشَ أو المعانيَ،
وصدورُ الكتبِ والدفاترِ من باب «رَكِبَ القومُ دَوَابَّهُم».
ثم «يتوشح» إما مجاز مرسل تبعي أو استعارة تبعية لـ«يتزين» لعلاقتي اللزوم أو المشابهة أو تخييلية المكنية في الذكر لتشبيهه بنفس الوُشَاحِ، و«صدور الكتب» إن كان بمعنى أوائلها فالأمر بَيِّنٌ وإلا فهو إما من إضافة المشبه به إلى المشبه بجامع اشتمال كُلٍّ على نَفِيسٍ أو تصريحية في «صدور» باستعارتها لأول الكتب أو مكنية وتخييلية في الكتب لتشبيهها بإنسان له صدر.
وكـٌّل من «يتوشح» و«صدور الكتب» يُرَشِّحُ الآخَر.
وإنما جمع بين «الكتب» و«الدفاتر» بالمعنى الذي بينا لئلا يتوهم أن أوعية العلوم أعلى من أن يزينها الحمد وجريدة حساب الملوك أدنى من أن يزينها.
وفيما ذكر من البديع سجع وتوجيه في «نشر»، وبراعة استهلال في «منطق»، ومطابقة في «القاصي والحاضر» مثلها في «الكتب والدفاتر» على ما بينا، ومواربة حيث يمكن تصحيف «صدور» على وجه حسن بسطور و«يتوشح» بـ«يترشح» عندما يقال لا وشاح لكتب ولا أوعية قلوب وغير ذلك، تدبر.
قوله: ((حمد الله)) هو خبر «إِنَّ»، وَبِينَ أنه يصح حمله على «ما» باحتمالاتها الثلاث.
ثم يقال ليس هذا حمدًا فضلاً عن أن يكونَ هو حمدًا مبدوءًا به حتى يكفي في الخروج من عهدة طلب البداءة بالحمد؛ إذ غايته الإخبار بحمد الله عن أحق ما يزين الأفواه وأوائل الكتب وليس الإخبارُ بالشيءِ ذلك الشيءَ.
والجواب: أن الحمد ما كان هو ذلك الأحق إلا لإضافته إلى الله فيقتضي الثناء على الله بأنه ذو الحمد الذي هو أحق ما ذكر كمدح النبي عليه السلام بأنه ذو الهمم
والراحة العظيمتين في قول حسان رضي الله عنه:
لَـهُ هِـمَمٌ لا مُنْـتَهَـى لِكِبَـارِهَـا
⁕⁕⁕
وهِمَّـتُهُ الصُّـغْرَى أَجَلُّ مِنَ الدَّهْرِ
لَهُ راحةٌ لو أَنَّ مِعْشَارَ جُودِهَا
⁕⁕⁕
على البَرِّ كان البَرُّ أَنْدَى من البحر
بل في هذا الأسلوب نكتة وهي ليست في المشهور وهي كون الحمد ممدوحا بما ذكر، فافهم.
قوله: ((على آلائه المزهرة الرياض)) الظرف صلة «حمد» أو بمعنى لام التعليل، وكذا تقول في «على نعمائه».
و«الآلاءُ» النعم جمع «إِلَى» بالقصر وأصله أَأْلَاء بهمزتين فأبدلت التي هي فاء الكلمة ألفًا لثقل الهمزتين كما فعل بآدم.
و«الرياض» بمعنى البساتين، والأصل رِوَاض قلبت الواو ياء لوقوعها إثر كسرة، سميت بذلك لما يحصل للنفوس بها من الرياضة.
و«المزهرة الرياض» كالحَسَنِ الوجهِ، فأصل الرياض فاعل المزهرة ثم حُوِّلَ إسنادُ المزهرة إلى ضميرِ الآلاء وانتصب الرياض على التشبيه بالمفعول به ثم قُصِدَ الثبوتُ والدوامُ فأُضِيفَ.
وفي الكلام تشبيه بليغ أي: الآلاء التي هي كالرياض المزهرة، أو استعارة مكنية بأن شبه الآلاء بأرض حسنة ذات بساتين مزهرة ثم حذف المشبه به ورمز له بالرياض المزهرة تخييلا.
ويحتمل على بُعْدِ أن تُجْعَلَ «المزهرة» وصفَ المُتَعَدِّي وفاعلُهُ ضميرُ الآلاء، والرياضُ مفعولُهُ أي: الآلاء التي تُزْهِرُ الرياضَ إما مع بقاء المزهرة الرياض على حقيقته وإما على أن يراد منه بتجوزٍ إصلاحُ الظواهر أو إصلاحُ البواطن أو كلاهما.
قوله: ((المُتْرَعَة الحياضِ)) المترعة الممتلئة، والحِياضُ جمع حوض الماء، وأصله حِوَاض فُعِلَ به ما فعل بـ«رياض» وهو أيضا كالحَسَنِ الوجهِ فيما مر.
وفي الكلام أيضا تشبيه بليغ أي: النعماء التي هي كالحياض الممتلئة أو استعارة مكنية بأن تشبه النعماء ببئر ذات حياض أو مياه في حياض ثم حذف المشبه به ورمز له بالحياض المترعة تخييلا.
ويحتمل أيضا على بُعْدٍ أن يُجْعَلَ «المُتْرِعَة» بكسر الراء، وفاعلُهُ ضميرُ النعماءِ، والحياضُ مفعولُهُ أي: النعماء التي تملأ الحياض مع بقاء المترِعة الحياض على حقيقتها.
وإما على أن يراد منه بتجوزٍ إفاضةُ الكمالاتِ في الذات أو إفاضةُ العلوم والمعارف على المُدْرِكَةِ هذا.
وجَعْلُ جلالِ الجلالِ مربوطًا بعنوان حِمْدِ الله وعمومِ النَّوَالِ مربوطا بعنوان شكره والنعماءِ مربوطا بهما معا يُـنَـبِّهُ على أن الشكر دائما في مقابلة النعمة وأن الحمد تارة وتارة وذلك الفارق بينهما من جهة المتعلَّق.
ثم إِنْ رُدَّ القرينتان الأخيرتان للقرينتين قبلهما لَفًّا على ترتيب نَشْرِهِ كان عنوانُ «منطقُ وصدورُ الكتبِ» يُنَـبِّهُ على أن الشكرَ يكون بموردٍ غيرِ اللسان والحمدَ لا يكون بغيره وهو يشير إلى الفرق المَوْرِدِيِّ.
وأما لو كان لَفـًّا على عكس نَشْرِهِ أَوْ رُدَّ كُـلٌّ لِكُـلٍّ فلا.
ثم في الكلام من البديع أيضا سجعٌ مُرَصَّعٌ حيث توازنت كلمات السجعتين واعتراضٌ في «جل جلاله» و«عم نواله» وشِبْهُ ترصيعٍ حيث بنى الكلام على أنواع من السجع بلفظ جلاله وآلائه أو المزهرة الرياض مع ما يقابلها وغيرُ ذلك، فتدبر.
قوله: ((الذي شرف نوع الإنسان بحلية الإدراك...إلخ)) آثر التعبير بالموصول وصلته على المشتق إيثارا للقول بالتوقيف في الأسماء وإضافة نوع إلى الإنسان للبيان.
و«الحليةُ» تطلق على الشيء المـُتَحَلَّى به وعلى نفس التَّحَلِّي وكذا الزينة.
و«الإدراك» وصول النفس إلى المعنى بتمامه وإلا فتخييل.
و«الإفهام» إن قرئ بفتح الهمزة فهو جمع فهم، وإن قرئ بكسرها فمصدر أفهم الغير إذا أوصله إلى المعنى، وهذا أولى ليكون التشريف بصفتي الوصول إلى المعنى والإيصال إليه معا لا الوصول إلى المعنى فحسب كما هو على الأول.
وفي «حلية الإدراك» و«زينة الإفهام» تشبيه بليغ كـ«لُجَـيْنِ الماء« على كُـٍّل من تفسيري الحلية والزينة أي: الإدراك الذي كأنه حُلِيٌّ أو تَحَـٍّل والإفهام الذي كأنه لباس متزين به أو تزيين باللباس.
أو مكنيةٌ على كِلا التفسيرين أيضا تشبيها للإدراك والإفهام بامرأةٍ جميلةٍ ذاتِ تَحَـٍّل وتزينٍ أو مُتَحَلًّى به ومتزيَّنٍ به، ثم حُذِفَ المشبهُ به ورُمِزَ له بالحلية والزينة تخييلا أو تصريحية في حلية وزينة على كلا التفسيرين أيضا تشبيها لما قد يكون مع الإدراك والإفهام من التحقيق والإتقان بالتحلي والتزين، أو المُتَحَلَّى به المُتَزَيَّنِ به وأطلق اسم المشبه به على المشبه والكلام تلميح إلى قول المتنبي:
لولا العقولُ لَكَانَ أَدْنَى ضَيْغَم
⁕⁕⁕
أَدْنَى إلى شَرَفٍ من الإنسان
فافهم.
قوله: ((وخصصه بإدراج...إلخ)) أي: جعل إدراج ما ذكر مقصورا على نوع الإنسان لا يتجاوزه إلى غيره، فالباء داخلة على المقصور لا على المقصور عليه وهو الشائع الكثير في الاستعمال لتضمن التخصيص معنى الانفراد أو لأنه مجاز مشهور عنه.
ودخولُها على المقصور عليه لا على المقصور هو أصل الوضع.
و«الإدراج» بكسر الهمزة مصدر أَدْرَجَ بمعنى أَدْخَلَ، والذي بمعنى الطَّيِّ دَرَجٌ بالتحريك مفرد أَدْرَاج بالفتح تقول: أنفذت إليه كذا في دَرَجِ كتابي أي: في طَيِّهِ.
و«الدرر» اللآلئ الكبيرة.
و«الجواهر» الأحجار النفيسة ولرفعة شأنها اختار التعبير بها على الأصداف وإن كانت أنسب بقولهم الألفاظ قوالب المعاني على أن المحقَّقَ أن قولهم المذكور إنما هو بالنسبة للسامع حيث يأخذ المعاني من الألفاظ، أما بالنسبة للمتكلم حيث يأخذ المعاني أَوَّلاً ثم يأتي لها بألفاظ تليق بها وهو المقصود بهذه القرينة على ما ترى فلا يصح تبديل الجواهر بالأصداف.
و«الانتظام» مصدر انتظم مطاوع نظمته أي: أدخلت اللآلئ في السلك، وإنما آثره على النظم والنظام للتنصيص على مناط الفضيلة لما أن نظمك الكلمات من غير أن تنتظم لك لا فضيلةَ فيه.
ولا يبعد أن يكون النظم هنا بالمعنى المشهور في لسان أهل البيان.
قال عبد القاهر هو تَوَخِّي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام.
وفي «درر المعاني وجواهر الألفاظ» إضافةُ مشبه به إلى مشبه أو مكنيةٌ بأن تشبه المعاني والألفاظ بعقود ذوات درر وجواهر، ثم يحذف المشبه به ويرمز له بالدرر أو الجواهر تخييلا أو تصريحيةٌ بأن تشبه اللطائف التي تكون في المعاني ووجوه التحسين التي في الألفاظ بالدرر والجواهر، ويطلق اسم المشبه به على المشبه.
ثم التخصيص المذكور حقيقي فلا تكون تلك البلاغة حتى للملك لِـمَا أن الله تعالى جعلها تابعة لأكلة عروق الشِّيحِ والقَيْصُومِ وذلك منتف فيه فإن ثبت أنهم يتصفون بها فيقال القصر إضافي أي: بالنسبة إلى بقية الأنواع المندرجة تحت الحيوان، وربما يشهد لهذا زيادة كلمة نوع.
وإليك النظر في استخراج وجوه التحسين وتَدَبَّرْ لِتَرَى ما في كلمات الناظرين.
قوله: ((ثم الصلاة على المميَّز)) العطف بـ«ثم» للتنبيه على تأخير مرتبة الصلاة عن الحمد، ثم «على المميَّز» إما خبر عن الصلاة والعطف عطف جملة على أخرى، وإما متعلق بها على اللغوية وعلى كل يلزم أن الشارح لم يحصل الامتثال لحديث طلب الصلاة في هذا المقام.
أما في الأول فلأنه لم يقع منه إلا الإخبار عن الصلاة بكونها على النبي والمطلوب أن يطلب من الله أن يصلي عليه ويدعو له بذلك وليس الإخبار عن الصلاة صلاة وإن كان الإخبار عن الحمد حمدا كما شاع وذاع وهو الحق للفرق بين الحمد والصلاة من حيث إن الغـرض من الحمد ذكر الأوصـاف الجميلة للمحـمود بخلاف الصلاة فإنها لم يقصد منها مجردُ الاعتناءِ بالمـُصَلَّى عليه وتعظيمِهِ بل الدعاءُ له.
قال ابن عبد السلام في كتابه المسمى بشجرة المعارف: ليست صلاتنا على النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة له فإن مثلنا لا يشفع لمثله ولكن الله تعالى أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا فإِنْ عَجَزْنَا عنه كَافَأْنَاهُ بالدعاء فأرشدنا الله لَـمَّا علم من عجزنا عن مكافأة نبينا إلى الصلاة عليه، وذكر نحوه عن الشيخ أبي محمّد المرجاني.
وبالجملة فالمطلوب منا في هذا المقام صلاتنا وصلاتنا الدعاء فالمطلوب منا في هذا المقام الدعاء، أما الصغرى فللحديث، وأما الكبرى فلأن صلاة الله رحمته وصلاة الملائكة استغفارهم وصلاة غيرهم دعاؤهم كما هو المشهور.
أما في الثاني فلأنه لم يقع منه إلا الإخبار بالصلاة عن ذلك الأحق وليس ذلك المطلوب على ما تبين.
والمُخَلِّصُ من ذلك أن يُدَّعَى نَقْلُ جملةِ «الصلاةُ على المميَّز» أو جملةِ «إن أحق...إلخ» إلى «الصلاة...إلخ» من الخبر عن الصلاة أو بها لإنشائها مجازا كنقلِ رحمه الله أو رحمة الله عليه بمعنى اللهم ارحمه، أو يسلم عدم تحصيلها لما ذكر؛ لأنه يحصل بقوله بعدُ «عليهم الصلاة» بناء على رجوعه لـ«ـالرسل والمميَّز» ويكفي في الإشارة إلى تفضيله عليهم ذكرُهُ منفردا موصوفا بالتمييز المذكور أو أنه يحصل بقوله بعدُ: «صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه» لكن لابد من التجوز المذكور.
ولا يَرِدُ على هذا أن فيه تقديمَ الصلاة على غير النبي على الصلاة عليه لكونها لأجل ذكره الاستطرادي أي: الذي اقتضاه ما قصد من مدح النبي عليه الصلاة والسلام بأنه مميَّز...إلخ.
نعم يرد أن فيه تطويلَ المسافةِ؛ لأنه حيث رجع إلى التجوز فلم ارتكب في «صلى الله عليه وسلم...إلخ» دون الجملة الأخرى بوجهيها، فَتَدَبَّرْ لترى ما في كلمات الناظرين.
قوله: ((بفضل نسخ الشرائع...إلخ)) الظرف يتعلق باسم المفعول أي: المميَّز.
وتحريرُ مفهومِ النسخ مُتَمَّمٌ في كتب الأصول.
والإضافة لـ«الشرائع والأحكام» احترازٌ عن التوحيد والصفات فإنها لا يدخلها نسخ ففي شرح العقائد السَّعْدِيِّ: «اعلم أن الأحكام الشرعية منها ما يتعلق بكيفية العمل وتسمى فرعية وعملية ومنها ما يتعلق بالاعتقاد وتسمى أصلية واعتقادية والعلم المتعلق بالأولى يسمى علم الشرائع والأحكام لما أنها لا تستفاد إلا من جهة الشرع ولا يَسْبِقُ الفهمُ عند إطلاق الأحكام إلا إليها، وبالثانية علم التوحيد والصفات لما أن ذلك أشهر مباحثه»، هذا كلامه.
ولا يَرِيبُـكَ أن كلام الشارح المذكور في علم الشرائع والأحكام والذي في كلام الشارح «الشرائع والأحكام» بدون لفظ علم لما أنهم صرحوا بأن ذلك المسمى الواحد يسمى بكل من الاسمين فعلى كل حال لا تدخل فيه الأحكام المتعلقة بكيفية اعتقاد.
ثم تَمْيِيزُ الشيء بالشيء في قوة اختصاصه به مع أن النسخ لم يختص به عليه السلام بل ما من رسول إلا وهو كذلك عند مَنْ يُعَرِّفُهُ بأنه إنسان أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه وكان له نسخ شرع من قبله.
فأما أن يقال الذي اختص به عليه السلام نسخ كل شريعة من الشرائع وإن لم ينسخ كل فرد من أفراد أحكام كل شريعة لكونه خاتم النبيين وَبَيِّنٌ أنه ليس لغيره، أو يعطف عموم الرسالة على فضل نسخ الشرائع، ثم يجعل التمييز بالمجموع لا بالجميع فتدبر أيضا لترى ما في كلمات الناظرين.
قوله: ((وعموم الرسالة إلى كافة الأنام)) أُورِدَ أنه عليه الصلاة والسلام لم يتميز بذلك فقد عمت بعثة نوح بعد الطوفان.
وأجيب بأنه كان على سبيل الاتفاق وبلغني أنه أجاب بعض فضلاء العصر من شيوخنا مَتَّعَ الله بِبَقَائِهِ بمنقولٍ مَقُولٍ على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ...﴾إلخ أن عموم رسالته عليه الصلاة والسلام حتى لسائر الأنبياء على معنى أنه لو جاء في حياتهم لآمنوا به وعزروه ونصروه وأن ذلك سبب نبوتهم وليس ذلك بموجود في نوح عليه السلام، لكنه كلام ذكره التقي السبكي في رسالة له على الآية ورده شروح الشفاء حتى قال الشريف الصفوي في شرحه «إنه لا قائل به ولا مُعَوِّلَ عليه» وَرَدَّهُ الشهاب أيضا بغير ذلك.
ولك أن تقول أيضا لو أخذ عموم الرسالة بغير هذا المعنى أيضا ما ورد السؤال فإن عموم رسالته عليه السلام على معنى أن رسالته مستمرة إلى قيام الساعة ولا كذلك رسالة نوح عليه السلام لكون محمّد صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين.
ثم استعمال «كافة» مجرورا بالباء وَهْمٌ على ما في الجهة الخامسة من الباب الخامس من المغني: «ولا يدل على صحة ذلك قول الزمخشري في خطبة المفصَّل «محيطا بكافة الأبواب» بناء على أن تراكيبه حجةٌ أخذًا مما ذكره في تفسير: ﴿ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، وقد استشهد ببيت من كلام أبي تمام وهو وإن كان محدثا لا يستشهد بشعره في اللغة فهو من علماء العربية فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، ألا ترى إلى قول العلماء الدليل عليه بيت الحماسة فيقنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه» اهـ؛ لأنه تفريط في الغفلة عما خُصَّ به العربُ الذين لم يدخل عليهم الفساد من عصمة اللسان عن الخطأ في البيان عصمةً لا تنال بالعلم، كيف وأبو تمام
قد أُخِذَ عليه في حروف لم يَحُمْ أحد حول الجواب عنها مع كونه عربيا فكيف
بالزمخشري الأعجمي، بل اقتضى كلام الشيخ الأثير أن اللغة لا تؤخذ عن حَضَرِيٍّ أصلا وأنه به يظهر أن الشافعي ليس حجة في اللسان، لكنه رُدَّ أيضا بأنه إفراط بدليل صحة الأخذ عن أهل مكة والمدينة زادهم الله شرفا وبلغتهم جاء التنزيل وهم أهل حاضرة.
وقال زكريا الساجي حدثنا جعفر بن أحمد قال قال أحمد بن حنبل: كلام الشافعي حجة في اللغة، وقال الحاكم سمعت محمّد بن عبد الله يقول: سألت أبا عمر وغلام ثعلب عن حروف أخذت عن الشافعي مثل قوله «مالح» فقال لي كلام الشافعي صحيح، وقد سمعت أبا العباس ثعلبا يقول: يأخذون عن الشافعي وهو من بيت اللغة يجب أن تؤخذ عنه، وقد صنف الأزهري وهو إمام أهل اللغة في عصره كتابا في إيضاح ما أشكل من مختصر المـُزَنِيِّ وقال في ديباجه: ألفاظ الإمام الشافعي عربية محضة ومن عجمة الموَلَّدِين مصونة.
ومن هذا تعلم ما في إطلاق ما قيل إن الاحتجاج بتراكيبه مرتبة لا ينالها العربي الحضري فكيف ينالها الأعجمي.
لكن في شرح درة الغواص للشهاب الخفاجي وكذا في شرح الشفاء له التصريح بأن ذلك الذي زعموا أنه وَهْمٌ ثابت في «كافةٍ» روايةً ودرايةً فعليك به.
قوله: ((محمّد المبعوث...إلخ)) فائدة تقديم صفته عليه تشويق السامع إليه فإذا جاء اسمه بعد ذلك تمكن في النفس فضل تمكن مع أن جعل الصفة في مكان الموصوف يشير إلى أنه في تلك الصفة كالعَلَمِ، ثم هذه الصفة مقتبسة من قوله عليه السلام: «بعثت لأتمم مكارم الكرام أو الأخلاق»، وذلك أن المكارم المذكورة وُجِدَ أصلها بمن قبله من الرسل أما تمامها فليس إلا به، وفي كتب السير القدر اليسير منها والإحاطة بها لا تمكن لغير علام الغيوب وناهيك بمن كان خُلُقُهُ القرآنَ كما روي عن عائشة.
قوله: ((الذي أوتي جوامع الكلم...إلخ)) بناءُ هذا كالذي قبله والذي بعده للمفعول لما أنه لا يصح إسناده إلا إليه تعالى، وإضافة جوامع إلى الكلم إضافة صفة إلى موصوف أي: الكلم الجوامع، والمراد من الكلم هنا الجملة المفيدة، وربما حملت على معناها الأصلي، ومعنى كونها جامعة أن كلام العرب مختصر فيها ومجتمع أو هي مجتمعة منه ومختصرة.
ولما كان قد يتوهم بُعْدُ أن يجتمع فيها ذلك مع ظهور البيان احترس عنه بزيادة «الظاهرة البيان» أي: التي تُفْهَمُ معاني ألفاظِها الفصيحةِ المُعْرِبَةِ عما في الضمير بسرعة، وهذا أيضا مقتبس من قوله عليه السلام: «أوتيت جوامعَ الكلم واخْتُصِرَ ليَ الكلامُ اختصارًا»، وعن أبي هريرة «نصرت بالرعب وأوتيت جوامع الكلم وبَيْنَا أنا نائمٌ جيء بمفاتيح خزائن الأرض في يدي»، وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا محمّد النبي الأمي لا نبي بعدي أوتيت جوامع الكلم وعلمت خزنة النار وحملة العرش»، والكلم المذكورة نحو لا إله إلا الله وإنما الأعمال بالنيات...إلخ والدين النصيحة، وقد جمع العلماء منها تآليفَ عظيمةً.
قوله: ((ببدائع الحِكَم الباهرة البرهان)) «البدائع» جمع بديع، يقال لمعان منها المحدَثُ العجيب فيكون من صفة المفعول ويكون أيضا من صفة الفاعل فمعنى بداعة الحِكَمِ أنها هي محدثة عجيبة أو أن صاحبها مُبْدِعٌ مجاز عقلي على حد عيشة راضية، ومنها الجديدُ فالمعنى أن النبي عليه السلام لم يُسْبَقْ إلى تلك الحِكَمِ، ومنها العلم المخصوص فالمعنى حِكَم ذات بديع في ألفاظها على حذف مضاف.
و«الحِكَمُ» جمع حكمة بمعنى علم الشرائع والأحكام، أو بمعنى كل كلام وافق الواقع حتى يتناول نحو:
وإذا كانتِ النـفوسُ كِبـارًا
⁕⁕⁕
تَعِبَتْ في مُرَادِهَا الأَجْسَامُ
والذي في القاموس الحِكْمَةُ بالكسر العدلُ والعلمُ والحلمُ والنبوةُ والقرآنُ والإنجيلُ.
و«الباهرة» الغالبة، و«البرهان» الدليل، ولا يخفى مناسبة ذكره هنا كالتصديق فيما بعدُ أي: التي غلبت أدلتها خصومه.
قوله: ((في مناهج الصدق)) «المناهج» جمع منهج الطريق الواسع، وهو إما من إضافة المشبه به للمشبه، أو تصريحية في مناهج حيث شبهت أسباب الصدق بالطرق وأطلق اسم المناهج عليها، أو مكنية حيث شبه الصدق بجهة حج أو تجارة وحذف المشبه به ورمز إليه بالمناهج تخييلا.
قوله: ((فيقول الفقير إلى الله)) دخول الفاء إما على تقدير «أَمَّا»، أو تَوَهـُّمِهَا، أو لتنزيل الظرف منزلة الشرط نحو ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِندَ اللَّهِ...﴾ إلخ، أو لكون التقدير «أقول بعد ذلك»، تَنَبَّهْ.
«فيقول...إلخ» وعدل عن أقول لـ«يقول» ليتوصل إلى وصف القائل بكونه الفقيرَ، والفقيرُ مثال مبالغة أو صفة مشبهة ولا يخفى ما في الكلام من الالتفات والمطابقة.
قوله: ((الخبيصي)) نسبة إلى الخبيصة وهي الحَلْوَى على ما في شرح المقامات عند قولها:
«لَبِسْتُ الخَمِيصَةَ أَبْغِي الخَبِيصَةَ
⁕⁕⁕
وأَنْشَبْتُ شِصّيَ في كُلِّ شِيصَة».
والذي في القاموس الخَبْصُ الخلط، ومنه الخَبِيصُ للمعمول من التمر والدُّهْنِ فيحتمل أنه كان يصنعها أو نحو ذلك، وفيه أيضا وخَبِيصَةُ قريةٌ بكَرْمَانَ فلعله كان من أهل هذه القرية.
قوله: ((ورزقه الحسنى وزيادة)) في تفسير القاضي البيضاوي ﴿⁕ للذين أحسنوا الحسنى﴾ المثوبة الحسنى وزيادة وما يزيد على المثوبة تفضلا لقوله: ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾، وقيل الحسنى مثل حسناتهم والزيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فأكثر، وقيل الزيادة مغفرة من الله ورضوان، وقيل الحسنى الجنة والزيادة هو اللقاء.
قوله: ((جامع البيان والمعاني)) أي: العِلْمَيْنِ المسميين بذلك والأَوْجَهُ حمل البيان على اللفظ الفصيح المُعْرِبِ عما في الضمير والمعاني على الأشياء التي تُعْنَى من مثل الألفاظ ليسلم من قصور ما قبله، ويشير إلى مدحه بتحقيق المعاني وتحرير الألفاظ وعلى هذا يكون فيه مطابقة.
قوله: ((الملة والدين)) هما عبارتان مختلفتان اعتبارا فإن الأحكام من حيث اجتماع الناس عليها ملة ومن حيث الخضوع والإدانة دين.
وقد أطال في المدخل في الإنكار على التلقيب بمثل هذه الألقاب وعقد له فصلا يخصه بَيَّنَ فيه أنه بدعة نهى عنها الكتاب والسنة وعملُ السلف وأن من سمي بذلك لا يحل له أن يجيب من ناداه به.
وقال النووي: «إني لا أجعل أحدًا في حِلٍّ من أن يُسَمِّيَنِي بمحي الدين»، وكذلك غيره من العلماء العاملين، بل لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض نسائه باسم برة ولا بها في كنية أبي الحكم، فراجعه إن كنت ممن يحب أمثاله وإن لم تكن منهم وإياك أن تغتر باعتراض الشهاب الخفاجي عليه في ريحانته فإنك إن تأملته وَجَدتَّهُ كسراب بقيعة.
قوله: ((مسعود التفتازاني)) هو الكوكب النهاري في الآفاق، ومن عُقِدَتْ على رئاسته أناملُ الإجماع والاتفاق، أستاذُ العلماءِ المحققين وسيد الفضلاء المدققين، الحبر العالم الجليل المقتدى به في العلوم الدينية صاحب التصانيف الجليلة التي اشتهرت كَنَارٍ على عَلَمٍ واتخذها العلماء كَهْفًا يلجأون إليها ويعتمدون في نقولهم عليها سَعْدُ الدِّينِ مَسْعُودُ بنُ عُمَرَ التَّفْتَازَاني، ولد بتفتازان في صفر سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، وجال البلاد واشتهر ذكره وطار صِيتُهُ وانتفع الناس بتصانيفه وانتهت إليه رئاسة العلوم بالمشرق، وتوفي بسمرقند يوم الاثنين الثاني والعشرين من محرم سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة ونقل إلى سرخس ودفن بها يوم الأربعاء التاسع من جمادى الأولى من تلك السنة.
قوله: ((سقى الله ثراه)) هو مجاز عما يلزم من إنزاله الرحمة.
قوله: ((على فهم...إلخ)) الأولى في «على» أن تكون بمعنى لام التعليل علة لكون المحصلين في اضطراب واضطرار، و«لغاية...إلخ» علةً لِعِلِّيَّةِ ذلك، والمحصلون بمعنى المريدين لتحصيل هذا الكتاب أي: والحال أن مريدي تحصيل هذا الكتاب مضطربون مضطرون وعلى ذلك إرادة فهم المسألة الصعبة.
وإنما أَوْقَعَتْ إرادةُ فهمِ المسائل الصعبة المحصلين فيما ذكر؛ لأن الألفاظَ المدلولَ عليها بها في غاية الإيجاز ونهاية الاختصار، وغاية إيجاز الألفاظ مع نهاية اختصارها متقاربان.
ثم في «المسائل» مكنيةٌ حيث شبهت بالإبل التي لا تنقاد، وحذفت ورمز لها بالصعوبة تخييلا ولا يخفى ما في الاضطراب والاضطرار من الجناس اللاحق.
قوله: ((يبين معضلاته ويفسر مشكلاته)) إسناد الفعلين إلى ضمير الشرح تَجَوُّزٌ عقليٌّ إسنادا للسبب، و«المعضِلات» بكسر الضاد الأمور المشتدة، و«المشكِلات» الأمور الخفية التي لم يعلم حالها.
وأراد بتبيين المعضِلات إظهارَ الاعتراضات الواردة عليه كالاستدراك في تعريف العرض العام والتداخل في ضروب الشكل الثالث وتعريف القياس الاستثنائي، وبتفسير المشكلات كشفَ ما انبهم منه، فالمعطوف والمعطوف عليه غيران.
قوله: ((خاليا عن التطويل والإكثار)) صفة أخرى للشـرح على حَدِّ ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ...﴾، أو حال من «شرح» لتخصيصه بالجملة بعده أو من ضميره، والتطويل والإكثار بمعنىً.
قوله: ((إلى الإملال والإضجار)) كلاهما بمعنى السآمة.
قوله: ((موشحا بدعاء...إلخ)) صفة أخرى لـ «شرح» أو حال منه أو من ضميره في «يبين» أو في «خاليا»، ثم إنه يجـري فيه ما تقـرر في «يتـوشح بذكره» من وجوه التجوز، وإليك اعتباره.
ثم جَعْلُ الدعاءِ المذكورِ هنا إلى «وسميته» تزيينًا للشرح مع أن ما تضمنه الشرح من ذلك هو التزيين للمَلِكِ لطافةٌ جيدةٌ سَبَقَ إليها حسانُ رضي الله عنه في سيد الخلق حيث يقول:
ما إن مدحت محمّدًا بمقالتي
⁕⁕⁕
لكن مدحت مقالتي بمحمد
وقد سلك هذا أيضاً في قوله الآتي: «وشَرَّفَ أرائِكَ...إلخ».
قوله: ((القدسية)) أي: المطهرة نسبة إلى القُدُسِ بضمتين، وتسكن الدال تخفيفا أيضا بمعنى الطهر.
و«الفضائل» جمع فضيلة بمعنى المزية القاصرة ولا وجه لترجيح التعبير بالفواضل عليها كما قيل فإن الشارح أكثر من المدح بالنوعين ولم يقتصر على نوع واحد.
و«الأُنسية» بضم الهمزة نسبة للأُنس ضد التوحش تنبيها على أنه ليس ذا كبرياء وجبروت يتوحش منهما كما هو شأن ملوك الدنيا، ومن البارد المغسول قراءتُهُ بكسر الهمزة نسبة إلى الإِنس مقابل الجن.
قوله: ((أرائك السلطنة)) «الأرائك» جمع أريكة وهي السرير، سميت بذلك لكونها في الأصل تتخذ من أراك أو لكونها مكان الإقامة من قولهم أرك بالمكان أروكا أقام على رعي الأراك ثم استعمل في مطلق الإقامة.
قوله: ((بحضرته الشَّمَّاء)) «حضرة الرجل» موضع حضوره، و«الشَّمَّاء» ذات الشمم أي: ارتفاع الأنف إما مجاز عن مطلق الارتفاع لعلاقة التقييد أو استعارة مكنية حيث شبهت الحضرة بامرأة شماء وحذفت المرأة ورمز لها بالشماء تخييلا، وليس هذا استعارة تصريحية على ما وُهِمَ.
قوله: ((معالم المعالي)) «المعالم» جمع مَعْلَم وهو الأثر يستدل به على الطريق فهو؛ إما مستعار لأمارات المعاني استعارة تصريحية، أو مضاف للمعالي إضافة مشبه به إلى مشبه، أو تخييل لاستعارة الطرق للمعالي، وعلى كُلٍّ «رَفَعَ» ترشيحٌ وبين المعالم والمعالي جناس لاحق.
قوله: ((الخاقان الأكرم)) نقل النووي في شرح مسلم عن المطرزي وابن خالويه وغيرهم أن كل من ملك المسلمين يقال له أمير المؤمنين، ومن ملك الروم قيصر، ومن ملك الفرس كسرى، ومن ملك الترك خاقان، ومن ملك القبط فرعون، ومن ملك مصر العزيز، ومن ملك الحبشة النجاشي، ومن ملك اليمن تبع، ومن ملك حمير القَيل بفتح القاف.
قوله: ((ناصب رايات العدل والإنصاف)) «الرايات» جمع راية أي: علم الجيش، وقيل لم يسمع فيه الهمز أصلا، وروايات العدل إضافة مشبه به إلى مشبه أو تصريحية أو مكنية وتخييلية و «ناصب» ترشيحٌ على كُلٍّ وتقريرُ ذلك إليك.
قوله: ((قامع)) أي: مذل والاعتساف سلوك غير الجادة، و«السنان» طرف الرمح.
قوله: ((تلألأت على صفحات الأيام...إلخ)) «التلألؤ» إشراق البرق، و«الصفحات» جمع صفحة وهي من الوجه ومن السيف عَرْضُهُ على ما في القاموس وإضافته إلى الأيام كَلُجَيْنِ الماءِ أو كأظفار المنية.
و«آثار مَعْدَلَتِهِ» أي: عدله مشبه بالبرق المحذوف المرموز له بالتلألؤ، و«تهللت» أشرقت.
و«وجنات» جمع وجنة بفتح الواو وقد تُثَلـَّثُ ما ارتفع من لُحْـمَةِ خَدِّ الإنسان ووجنات الأنام كصفحات الأيام وأنوار مَكْرُمَتِهِ أيضا كلجين الماء أو كأظفار المنية وعلى كُـٍّل فـ«التهلل» ترشيحٌ.
قوله: ((بالتذهيب)) أي: الطلاء بالذهب و«يَكْسُوَنِيَ» استعارة تبعية لِـ«يَعُمَّنِي»، أو تخييل للمكنية في «يُمْنَة» أي: عطية حيث شبهت بِحُلَّةٍ وحذفت.
و«الميامن» البركات، و«الملامح» جمع ملمح بمعنى لمح، و«الرداء» ما يرتدي به مذكر ولا يجوز تأنيثه، ورداء العز كلُجَيْنِ الماء أو أظفار المنية، و«الأمنية» ما يتمناه الإنسان ومن الأمثال كم من أمنية صارت منية.