الحمدُ لله الذي خَصَّ الإنسانَ بمعرفةِ أوضاعِ الكلامِ ومَبَانِيهِ وجَعَلَ الحروفَ أصولَ كَلِمَتِهِ وظُرُوفَ مَعانِيهِ، والصلاةُ والسلامُ على المُشْتَقِّ من مصدرِ الفضلِ والحِكَمِ الجامعِ لمحاسنِ الأفعالِ ومكارمِ الشِّيَمِ المَوْصُولِ بألفاظِهِ أنواعُ السعادةِ والهُدَى المُضْمَرِ في إِشارَاتِهِ أصنافُ الحِكَمِ والتُّقَى محمد المذكورِ اسمُهُ في التوراة والإنجيل، وعلى آلِـهِ مَظْهَرِ مُظهروا الحقِّ ومَبْطَلِ مُبطلوا الأبـاطلِ ما ظَهَرَ النجمُ في الظُّلَمِ وما اشْتَهَرَ النجمُ في العَلَمِ.
(أَمَّا بَعْدُ) فلَمَّا شاعَ في الأَمْصَارِ وظَهَرَ ظُهُورَ الشمسِ في النهارِ الرسالةُ العَضُدِيَّةُ التي أَفادَها المَوْلَى الإمامُ المُحَقِّقُ والفاضلُ المُدَقِّقُ خاتِمُ المجتهدين عَضُدُ الحقِّ والدينِ أَعْلَى اللهُ درجتَهُ في أعلى عِلِّيِّينَ، وكانت مشتَمِلَةً على مسائلَ دقيقةٍ وتحقيقاتٍ عميقةٍ مع غايةِ الإيجازِ ونهايةِ الاختصارِ ولم يَكُنْ لها بُدٌّ من شَرْحٍ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها ويَبْلُغُ في تَبْيِينِ المَرَامِ وتحقيق المقاصدِ أَقْصَاهَا أَرَدتُّ الخوضَ في تتميمِ هذا المَرَامِ على وجهٍ يَكْشِفُ عن وجوهِ خَرَائِدِهَا اللِّثَـامَ مع جُمُودِ القريحةِ وكَلالِ الطبيعةِ تُحْفَةً للحَضْرَةِ العلـية الأميرِ الأعظمِ والقَهْرَمَانِ الأكرمِ ظِلِّ الله على الأنامِ فاتحِ أبوابِ الإنعامِ والإكرامِ الذي اشتاقتْ تِيجَـانُ السَّلْطَنَةِ إلى هَـامَتِهِ وبَاهَتْ حُلَلُ الأمارةِ على قامتِهِ الفائزِ بالحِكْمَتَيْنِ العَمَلِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ الحائزِ للرياستين الدينية والدنيوية أشرفِ السلاطين في الأصلِ والنَّسَبِ وأحقِّهم في الفضل والأدب فَيَّاضِ سِجَالِ النَّوَالِ على الخلائقِ وَهَّابٍ بجلائل النعم والدقائق
ما نَوَالُ الغَمَامِ وقت ربيع * كنوال الأمير يوم سخاء
فنوال الأمير بدرة عين * ونوال الغمام قطرة ماء
المُؤَيَّدِ بتأْييدِ المَلِكِ العليم مُغِيثِ الدولةِ والدينِ الأميرِ الأمين عبدِ الكَرِيمِ لا زَالَتْ تزال رقابُ الأُمَمِ خاضعةً لأوامره وأعناقُ الخلائق مُمْتَدَّةً نحوَ مَرَاسِمِهِ
وهذا دُعَاءٌ قد تَلَقَّاهُ ربُنا بحُسْنِ القَبُولْ *
قَبْلَ أن أرفعَ الصوتَ وأقولْ
فإن وقع في حَيِّزِ القبولِ والرضا *
فهو غايةُ المقصودِ ونهايةُ المُبْتَغَى
واللهُ المُيَسِّرُ للآمال *
وعليه التَّوَكُّلُ في جميع الأحوال.
الحاشية
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الكريم الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
وبعد، فيقول العبد الفقير المذنب محمد المهدي بن الطالب السودي القرشي: لما رأيت شرح العلامة السمرقندي على الرسالة العضدية في الوضع، حقق ودقق معانيها وكشف اللثام عن وجوه خرائدها بيد أنه مفتقر للتنبيه على بعض أبحاث تتعلق به وبمشروحه، وتوضيح يزيل لثام الخفاء عن تلك الغيد، قيدت هذا التعليق عليه وذكرت فيه بعض ما عند أرباب التعاليق عليه، مع زيادات من الكريم علي بها والله أسأل أن يصلح قلوبنا وأحوالنا بمنه وكرمه آمين.
قوله: (بسم الله ...إلخ) كذا في بعض النسخ وهي الغالبة على الظن لأن الشارح رحمه الله سيشير لذلك عند قول المصنف : «هذه فائدة»، ولأن المصنف أولى بالافتتاح بالبسملة، والحمدلة جمعاً بـين الحديثين الواردين في طلب البداية بكل منهما، والمراد بالابتداء فيهما الابتداء الإضافي في كل أو في الحمدلة فقط، وأما في البسملة فحقيقي إلى غير ذلك مما جمعوا به بين الحديثين فلا معارضة بينهما.
ثم من المعلوم المؤكد أن الكلام على البسملة طويل جداً ولكن يتكلم عليها من جهة الفن الذي ذكرت أوله تحقيقاً للمناسبة ولزيادة التطلع والتصرف بالفتوح؛ فنذكر بعض ما يتعلق بها من جهة الوضع.
وسيأتي أن الأوضاع بحسب الفكر والعقل أربعة: الوضع العام لموضوع له عام أو خاص، والوضع الخاص لموضوع له خاص أو عام، وعموم الوضع وخصوصهما بحسب المتعقل المستحضر به ذلك الموضوع له اهـ.
فتلك أربعة إلا أن القسم الرابع الأخير لا وجود له، بل حكموا باستحالة وجوده الخارجي؛ لأن تعقل الخاص لا يوجب استحضار عموم الأفراد ولا يكون الخاص آلة لعامه كما يأتي إيضاحه.
فلم يبق من الأوضاع إلا الثلاثة، وهي موجودة على ما في القسم الثاني، أعني: الوضع العام لموضوع له خاص من الخلاف بين السعد وشيخه العضد المشروح، فأقره الشيخ ونفاه التلميذ وقصر الوضع على القسمين الباقيين.
ولأجل هذا الخلاف ألف الشيخ عضد الدين هذه الرسالة، فتلقاها الجمهور بالقبول ثم إن كلا من الأوضاع السابقة إما شخصي وإما نوعي،
فالأول: ما إذا مشخصاً جزئياً كما في وضع «الباء» ولفظ «اسم»،
والثاني: ما إذا كان اللفظ الموضوع عبر عنه بقاعدة، والقاعدة في الوضع نحو: "كل ما أخذ على وزن «فاعل» فهو اسم فاعل"، "وكل فعل وفاعله موضوع للحدث والفاعل" اهـ، تدبر اهـ.
فيقال: إن البسملة اشتملت على الأوضاع الثلاثة:
أما «الباء» فإنها من قبيل الوضع الشخصي العام لموضوع له خاص كسائر الحروف؛ وذلك أن الباء وضعت للإلصاق وهو الأصل في معانيها كما هو الحق نحو: «مررت بزيد» أي: جعلت مروري ملصقاً بمكان فيه زيد، والمعنى ح: أؤلف ملصقاً تأليفي ببسم الله.
والمراد أن معناها إلصاق جزئي خاص معين باعتبار طرفيه المتعلق به ومدخول الباء؛ لأن معنى الحرف جزئي، أي: لا يستقل بالمفهومية والتعقل بل معناه في غيره.
ولأجل عدم استقلاله بالمفهومية والتعقل لم يخبر به ولا عنه، فقول المعربين والنحاة «من» مثلاً للابتداء، هذا تقريب فقط، وإلا فليس معنى «من» الابتداء المطلق، وإلا لكانت اسماً يخبر عنها وبها، واللازم باطل، بل معناها الابتداء الجزئي المتعين باعتبار المتعلق فتحاً والمحل المبتدأ منه وقس.
وإذا علمت ذلك فيقال: لما أراد الواضع وضع الباء، تعقل معنى الإلصاق المطلق الجامع لجزئيات الإلصاقات وأفرادها وخصصها وقال: "إني وضعت هذا اللفظ لكل من الجزئيات المستحضرة الحاصلة بالإلصاق المطلق"، فكان الوضع عاماً باعتبار عموم المتعلق والموضوع له خاصاً باعتبار أن كلاً من الخاص هو الموضوع له لا ذلك العام.
فلذلك كانت الحروف جزئيات، فكانت عند محققي النحاة معارف، وعند البيانيين تقع الاستعارة فيها على طريق التبعية للاستعارة في المعنى الكلي؛ لأن الاستعارة مبنية على المبالغة ودعوى دخول المشبه في جنس المشبه به، ولا دخول مع الجزئية والخصوص، ويأتي إيضاح ذلك إن شاء الله تعالى.
وأما لفظ «اسم» فهو من قبيل الوضع الشخصي العام لموضوع له عام؛ وذلك أن لفظ «اسم» في اصطلاح النحاة موضوع للفظ الدال على معنى في نفسه غير دال بهيئته على الزمان؛ فيقابل الفعل والحرف.
وليس هذا الاصطلاح بمراد هنا، وإنما المراد به في معناه اللغوي أعني: اللفظ الدال، فكل لفظ دال يقال له اسم في اللغة، فيصدق الاسم لغة بالفعل والحرف ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَمَ ءَادَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾، اهـ. ولكنه أي لفظ «اسم» تخصص هنا بالإضافة إلى اسم الجلالة فأريد به شيء خاص.
وإذا علمت أن لفظ «اسم» وضعه واضع اللغة إلى اللفظ الدال على معنى، علمت أنه من قبيل الوضع العام لموضوع له عام.
وأما لفظ الجلالة، فمن قبيل الوضع الخاص لموضوع له خاص، هذا على أنه علم شخص وهو الحق، وقد علمت أن الأعلام الشخصية من قبيل الوضع الخاص لموضوع له خاص.
فإن قيل: كيف يقال: تعقل الواضع الذات العلية مع صفاتها الخاصة ووضع لها؟، ولا يخلو الأمر:
إما أن يقال: الواضع للغات هو الله تعالى وهو المذهب الحق، كما في السبكي وغيره، وكيف يوصف سبحانه بالتعقل؟ بل الأوضاع كلها قد أخذتم في تقريرها لفظ التعقل، وهو محال على الله تعالى الواضع.
وإما أن يقال: الواضع آدم أو غيره على الخلاف، وكيف يتعقل المخلوق الذات العلية على صفاتها الخاصة؟، والعجز عن الإدراك إدراك، والخوض في الذات إشراك.
يقال لك أن تختار الأول من أن الواضع هو الله تعالى، وتختار ما ذكره الأئمة من أن الكلام على صفات الله تعالى وذاته يجري فيه على الأسلوب العربي، ويذكر فيه بعض ما يوصل للمعنى المراد، وإن كان الحق جل جلاله لا يوصف بظواهر تلك الأشياء، بل له من معانيها ما يليق بجلاله وصفاته وهي فيه تعالى بحسب ما يليق بكماله وقدوسيَّته.
وقد بيّن لنا ذلك القرآن والحديث، كما في قوله تعالى ﴿ ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ﴾ [طه: 5]، ﴿ وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ [الذاريات: 47] ﴿وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ﴾ [الرحمن: 27] إلى ما هو معلوم وح.
فإطلاق التعقل على الله تعالى هو بحسب ما يليق به سبحانه لا بحسب المعنى المتبادر منه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وقد صرح الأصوليون في مبحث الأمر بأن الخطور بالذهن لا يطلق على الله تعالى, نعم، الاعتبار وعدمه يطلقان عليه اهـ، ولا شك أن الخطور بالذهن أشد من لفظ التعقل القريب من الاعتبار وعدمه تدبر اهـ.
ولك أن تختار الثاني من أن الواضع هو غير الله تعالى، ومعنى تعقله للذات العلية مع الصفات الخاصة هو بقدر الاستطاعة والإمكان الذي أثبته له الشارع واطلعه عليه وعرّفه به.
والاستحضار لمسمى العلم حالة الوضع يكفي ببعض المعينات، ولذا ترى الرجل يسمي ولده بعد اطلاعه على بعض مشخصاته فقط، بل قبل الاطلاع على شيء من صفاته وقبل رؤيته؛ ولذلك أيضاً لا يختلف الاسم مع تغير تلك المشخصات في المخلوق الموضوع له.
ولو كان العلم يراعى في وضعه ملاحظة المشخصات، ما صح للوالد أن يسمى ولده إلا إذا اطلع على جميع المشخصات، ويلزم أيضاً أنه يتغير العلم بتغير تلك المشخصات من طول، أو سواد، أو كهولية، أو شيخوخة، إلى غير ذلك، والواقع خلافه.
هذا على أن المشخصات داخلة في مسمى العلم، إذ لو كانت خارجة لكان اللفظ نكرة كإنسان، إلا أن يفرق بأن ملاحظتها شرط في وضع العلم وعدم ملاحظتها شرط في وضع النكرة إلخ.
ويقال: حيث دخلت المشخصات فلم لا تتغير الدلالة مع زوال المدلول أي جزئه، أو مع تغيره فيجاب بما أجاب به حواشي السعد، فلتراجع.
وقيل: إن في بعض التعاليق على التلخيص ما حاصله : إن الله علم على الذات الواجب الوجود فالصفات خارجة، وهو الحق، وبالجملة راجع الكلام في مبحث التعريف بالعلمية أيضاً اهـ.
وأما (الرحمن) فهو صفة مشبهة أو أمثلة مبالغة على ما هو معلوم، وقد علمت أن الوصف كما يأتي للموصوف هو من قبيل الوضع العام لموضوع له عام، لكن باعتبار الوضع الحقيقي ظاهر لأنه وضع لذات متصفة بالرحمة و رقة القلب، وأما باعتبار المعنى المجازي، وهو المراد هنا.
وقد علمت أن الرحمن خاص به تعالى لم يُطلق على سواه وإطلاق قوم مسيلمة الكذاب إياه عليه هو من باب تعنتهم في كفرهم.
فالمراد به، أي: الرحمن مريد الإنعام أو المنعم، والمجاز أيضاً فهو موضوع كذلك أي من قبيل الوضع العام لعام.
فإن قيل: هو خاص بالله تعالى، فكيف يكون الموضوع له عاماً؟
فيقال: الكلام في الوضع المجازي وهو قبل وجوب تخصيص الإطلاق، ولا شك أنه لم يعتبر الواضع حالته، أي حالة الوضع المجازي، إلا العلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي كاللزومية.
أما وجوب التخصيص بالله تعالى، فإنما هو من جهة أن هذه الصفة لما كانت أساس الوجود وتعلقها هو السابق على تعلق ضدها من الغضب «إن رحمتي سبقت غضبي»، و«عند الله تسع وتسعون رحمة ادخرها لعباده ليوم القيامة وأخرج واحدة كمال المائة في دار الدنيا فبها ترحم الفرس ولدها فترفع خوفاً من أن تطأه» اهـ، وقد أفرغت هذه الصفة في قالب الدلالة على التمام والكمال خصت به تعالی فلم تطلق على سواه اهـ، تدبر.
نعم، لو اعتبر التخصيص حالة الوضع المجازي لكان «الرحمن» من قبيل الوضع الخاص لموضوع له خاص اهـ.
و«أل» في «الرحمن»، قيل: زائدة، وقيل: غير زائدة، وقد علمت أن الحرف من قبيل الوضع العام لموضوع له خاص كما تقدم.
وجل ما ذكرناه في «الرحمن» يقال في «الرحيم» اهـ.
وأما متعلق الباء، وهو الفعل على الأولى؛ لأن الأصل في العمل للأفعال؛ فهو من قبيل الوضع العام لموضوع له عام كما يأتي للظن.
وسيأتي عن العصام أن التحقيق أن الفعل باعتبار مادته، من قبيل الوضع العام لعام، وباعتبار هيئته، من قبيل الوضع العام لموضوع له خاص، فهو جزئي بهذا الاعتبار اهـ، وقد يوجه به كون الاستعارة في الفعل تبعية، تأمل.
وقال بعضهم: الفعل يدل على الزمان والحدث والنسبة وكل من الأولين مستقل بالمفهومية والتعقل، والأخير غير مستقل، والمركب من المستقل، وغير مستقل، فلم يكن اسماً يخبر عنه وكانت الاستعارة فيه تبعية اهـ.
ويأتي عن السيد علي القطب أن الفعل والحرف لا يوصفان بجزئية ولا كلية؛ لأن الوصف بهما من حيث المعنى ومعناهما لا يستقل بالمفهومية فلا يحكم عليهما بذلك اهـ.
وهذا خلاف ما ذهب عليه المصنف عضد الدين من أن الأول جزئي والثاني كلي، وفي توجيه السيد بأن الفعل لا يستقل بالمفهومية خفاء، وتدبر، إلا أن يريد أن من مدلوله النسبة وهي لا تستقل بالمفهومية أو يقال ينظر لها وللحدث والزمان، لكن المركب من المستقل وغيره غير مستقل كما تقدم فظهر الوجه لتعليل السيد اهـ.
ثم اعلم أن الحرف إنما لم يخبر به وعنه؛ لأنه لا يستقل بالمفهومية؛ فلا يحكم عليه ولا به، وأما الاسم، فصح الإخبار به وعنه ولو مشتقاً؛ لأنه دال على الذات والحدث وكل منهما مستقل، بل وعلى النسبة أيضاً بین الذات والحدث وهي غير مستقلة، فيقال : المركب من المستقل وغيره غير مستقل.
فما الفرق بينه وبين الفعل حتى لا يصح الإخبار عنه بل به فقط؟ يقال: النسبة المذكورة لما كانت قائمة بالحدث متعلقة بالذات كما لا يخفى وجهه، ونظيره الأبوة فهي نسبة بين زيد الأب وعمرو الابن لكنها قائمة بالأب يوصف بها متعلقة بالابن فلا يوصف بها، ضمت إلى جهة الحدث، أي الفعل والوصف إلا أن المتبادر من الوصف هو الذات وأما الحدث فتبع، والحدث شأنه أن يخبر به والذات شأنها أن يخبر عنها، فأعطى الوصف حكم المدلولين معاً: المتبادر والمستقل، فصح الإخبار عنه وغير المتبادر وهو الحدث لقوّته أيضاً من جهة انضمام النسبة له فصح الإخبار به أيضاً، بخلاف الفعل، فإن المتبادر منه ما ضمت له النسبة وهو الحدث فلم يعتبر فيه سواه لتأخر فهمه وعدم انضمام النسبة المرادة له، فصح الإخبار حينئذ به لا عنه.
وهذا أيضاً هو الفرق عند من قال الوصف يستقل بالمفهومية والفعل لا يستقل بها مع تركيب كل من الحدث والذات المستقلين والنسبة التي لا تستقل والمركب من المستقل وغيره غير مستقل؛ فإن المتبادر في الفعل الحدث الذي ضمت له النسبة التي لا تستقل، فحكم عليه بذلك بخلاف الوصف، ثم إن الفعل دال على الفاعل إجمالاً أي بالالتزام ووجب ذكر الفعل بعد لتعينه أو تخصيصه وتأتي توجيهات أخر إن شاء الله تعالى.
قوله: (الحمد الله ...إلخ) «أل» من قبيل الوضع العام لموضوع له خاص كلام الله على نمط وضع أخواتها من بقية الحروف، و«الحمد» من قبيل الوضع العام لموضوع له عام، و«الله» من قبيل الوضع الخاص الموضوع له خاص، فقد حوت جملة «الحمد الله» أنواع الأوضاع الثلاثة.
ثم إن «أل» في «الحمد» إما للجنس من حيث هو فلا يخرج فرد عن ذلك؛ لأن الحقيقة جعلت لله وكل فرد فرد وحامل للحقيقة، وهذا الوجه أبلغ كما أبداه الكشاف وأفاد ما يفيده الاستغراق وزيادة فهو من قبيل الكناية، فكأنه قيل: كل فرد فرد منه هو الله بشهادة أن الحقيقة له تعالى.
وإما للجنس باعتبار الوجود في كل الأفراد، ويؤيده أن أكثر الحامدين هم العوام يقصدون ذلك وهم بمعزل عن الاعتبار الأول، وإن كان الحمد صادراً من ذوي العلم إلا أن العلة تطرد دفعا للتخصيص اهـ.
وهذا الحمد هنا صادراً من الشارح وهو من ذوي العلم، إلا أنه أجرى الكلام عليه مجرى الكلام على أصل ورود الحمد وهو حمدلة القرآن الواقعة منه تعالى وهو أعلم العالمين اهـ.
ويصح أن تكون أل للعهد، والمعهود الحمد القديم فإن الحق تعالى لما علم عجز خلقه عن حمده حمد نفسه بنفسه في الأزل، وهذا الوجه أبداه أبو العباس المرسي وارتضاه ابن النحاس اهـ.
ولام «لله» إما للاستحقاق وإما للملك، ولكن يراد به بالحمد الحمد الحادث، أي: حمد المخلوقين؛ إذ هو الذي يملك.
واعلم أن هذه الأقوال ذكرت على الحمدلة الواقعة في كتابه تعالى، ولا يقال العلة في بعضها لا يظهر وجهها نحو لأن أكثر الحامدين إلخ، يقال لما كان الحمد في الكتاب من جملة المتعبد به فكان السامع يتلوه مستحضراً للمعنى المراد به بقدر الطاقة البشرية، فتتطابق الحكاية والمحكي، ولا يكتفى بالمطابقة اللفظية، بل قد يؤدي الحمد بجملة فعلية اهـ.
ثم إن الجملة خبرية لفظاً وهي مفيدة للإنشاء بطريق الالتزام لأن من أخبر بأوصاف جميلة لأحد استلزم أنه مثن عليه؛ إذ لا يخبر بذلك إلا وقد اعتقدها فهو يثني بها أي: منشيء للثناء بذلك التزاماً.
ويقال إنشائية مطابقة، نقلت عن الإخبار إلى الإنشاء بشهادة الوضع العرفي فهي فيه حقيقة عرفية، والكلام على ذلك طويل إلا أنه لا بأس بهذه العجالة.
قوله: (الذي خص ...إلخ)، يقال: خصّ وخصص، المصدر التخصيص فكان «خص» مقتطع من «خصص» الرباعي بدليل عدم استعمالهم مصدراً لخص في جل المخاطبات بالمادة المذكورة.
وقوله: «الذي خض ...إلخ»، أي: لأجل تخصيصه؛ لأن تعليق الحكم على وصف يشعر بالعلية، فهو حمد مقيد؛ لأنه في مقابلة النعمة، وهي الصفة الفاضلة، وتجمع على «فواضل».
والأول حمد مطلق لأنه لذات الله وفي مقابلتها، وما كان في مقابلة الذات وصفاتها الأزلية وهي المراد بالفضائل جمع فضيلة فهو حمد مطلق؛ وذلك أن الحمد لابد أن يقع في مقابلة شيء لأن المحمود عليه هو جزء من ماهيته مأخوذ في تعريفه كما هو معلوم، ولا وجود للماهية إذا انعدم جزء منها، إلا أن المحمود عليه تارة يكون صفة فعل وتارة يكون صفة ذات اهـ.
فإن قيل: ما المراد بالحكم المعلق على الوصف في كلام الشارح؟ يقال: المراد المحكوم به في المعنى ولا علينا في الاصطلاح.
والمراد بالتعليق الربط ويقدر مضاف بين تعليق والحكم وهو ثبوت أو إثبات.
والمراد بالعلية علية الوصف لذلك الثبوت، فالمعنى أن ربط ثبوت المحكوم به للمحكوم عليه يوصف في المحكوم عليه يشعر بعلية ذلك الوصف للثبوت المذكور، فنحو: «ضربت المسيء» قد ربطنا ثبوت الضرب للمسيء بوصف الإساءة؛ فيشعر هذا الربط المذكور بأن وصف الإساءة علة للثبوت المذكور، وكذلك كلام الشارح فإنه قد ربط فيه ثبوت الحمد لله بوصف التخصيص المذكور فيشعر بأنه أي: التخصيص علة في ثبوت الحمد لله أي: في إثباته له اهـ.
فليس المراد بالحكم الحكم الأصولي الذي هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف، ولا الحكم المنطقي أعني: الإيقاع والالتزام في إدراك الوقوع أو السلب على وجه الإذعان والقبول، إلا على غاية التكليف والبعد من اللفظ، وكذلك ليس المراد بالمحكوم به المحكوم الاصطلاحي في القضية؛ لأنه نفس المحمول فيها والحمد في الحمد الله، نفس الموضوع.
وأما رد القضية المذكورة إلى قولنا: الله مستحق للمحامد فهو مع عدم إفادته أن المحامد المحكومة، بل هي المحكوم به لا يفيد المراد ولا يعطيه إلا على ضرب قوي من التكلف، فالحق ما ذكرناه في بيان قولهم تعليق الحكم على وصف يشعر بالعلية اهـ.
ويصح أن يبقى الحكم في كلامهم على بابه بالمعنى المنطقي أعني: الإثبات، فيصير المعنى المراد: أن تعليق الحكم وربط الإثبات الواقع بين المحكوم به وعليه على وصف يشعر بالعلية أي: بعلية الوصف للإثبات نفسه الذي هو صفة للشخص، لكن المراد وصف المحكوم عليه في المعنى، فلا يرد نحو الحمد الكامل هو الله؛ لأنه وصف للمحكوم به معنى فلا يشعر بالعلية ح، فتدبر.
فإن قيل: الحكم معلق هنا ومربوط بالموصوف أي هو مثبت لله تعالى لا للمخصص، يقال: الصفة والموصوف كالشيء الواحد فكأنه قال: الحمد للمخصص إلخ.
فإن قيل: هلا أتى في العبارة بلفظ المشتق وجعل الحمد لله فهو أوضح وأبين، يقال: إن المذهب الحق هو أن أسمائه تعالى توقيفية، وهو للجمهور أحد أقوال أربعة،
الثاني: الجواز مطلقاً أي جواز الإطلاق من دون توقف على إذن الشارع وهو للقاضي أبي بكر والمعتزلة،
الثالث: الجواز في إطلاق الصفات فقط، وهو للغزالي،
الرابع: التوقف عن القول بواحد من ذلك وهو لإمام الحرمين شيخ الغزالي اهـ.
وإطلاق الموصول على الذات العلية حيث كانت صلته دالة على صفة كمال مأذون فيه، نحو ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ [الكهف: 1]، الحمد لله الذي أسرى بعبده، ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ﴾ [الزمر: 74] إلى غير ذلك، وعلى ذلك سلك الخطباء والمؤلفون وغيرهم ولم نراع خصوص الصلة في الموصول الوارد عن الشارع، وإلا لما جاز للخطباء والعلماء وغيرهم إطلاق الموصول عليه تعالى إلا بالصلة التي وردت عن الشارع مع أن صنيع الأئمة خلاف التخصيص المذكور؛ فصنيعهم عين الدليل على أن محل الأقوال الأربعة في غير الموصول، تدبر.
وإذا علمت ذلك علمت أن كل صفة كمال تليق به سبحانه ولم يرد فيها إذن بالإطلاق يتوصل المتكلم إلى وصفه تعالى بها بالإتيان بالموصول، وهي صلته، أي على القول المختار الراجح من الأقوال الأربعة اهـ؛ فلذلك سلكه الشارح هنا وفيما عطفه عليه من قوله: «وجعل الحروف أصول ...إلخ» اهـ.
ثم إنه اختلف في الأفضل هل الحمد المطلق أي: الذي ليس في مقابلة النعمة، وهو ما للشافعي رضي الله عنه ويؤيده حديث «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»، وقولهم: "أفضل المحامد الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافي مزيده" اهـ، ويدل لذلك أيضاً قولهم: "عبادة الله لذاته أشرف من عبادته لنعمه، وذكر النعمة فى مقام الحمد شرك وحبالة لتحصيل المزيد" وفي الحديث «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين» اهـ.
أو الحمد المقيد، أي الذي في مقابلة النعمة أفضل، وهو ما لإمامنا مالك رضي الله عنه، مستدلاً بكثرة وقوعه في كلام الشارع، قال تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا﴾ [الإسراء: 111]، ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ﴾ [ الزمر: 74] إلى غير ذلك وهو الكثير في خطبه عليه السلام وخطب الصحابة؛ لأنه واجب بإجماع أهل السنة والمعتزلة، وفي «جمع الجوامع» : "وشكر المنعم واجب بالشرع لا بالعقل خلافاً للمعتزلة.
وأما الحمد المطلق فهو مندوب، أي: بعد مرة واحدة في العمر؛ لأن الحمد المطلق من الأمور الأربعة التي تجب مرة في العمر، وتمامها: الحج والصلاة على النبي والتشهد.
والكلام في الحمد المطلق الزائد على المرة وهو مندوب، ولا شك أن الواجب كالحمد المقيد هنا أفضل من المندوب كالحمد المطلق المذكور هنا.
فإن قيل : كيف يكون الحمد المقيد واجباً، ولا يخلو العبد في اللحظات عن نعمة الله بل عن نعم، ألا ترى أن من جملة النعم توفيق الله تعالى العبد للحمد وإلهامه إياه وإقداره عليه؛ فيجب عليه الحمد لذلك.
فإما أن يقال: لا يجب ح، وهو خلاف المدعى، وإما أن يقول: يجب عليه وهو في غاية الحرج والمشقة والكلفة، فيلزم أن العبد آثم في كل لحظة أو مشغول بهذا النوع من العبادات لا يمكن أن يتخلى إلى فعل سواها من العبادات الواجبة، وهو خلاف المشاهد من الأكابر والأئمة وأهل القدوة والفضل والكمال ولنا بهم غاية الأسوة.
يقال: يكفي في تحصيل الحمد الواجب الوجه الإجمالي نحو : "الحمد لله الحمد على نعمه الماضية والمستقبلة" مثلاً ويكون قد فعل الآن واجباً بالفعل، وهو ما كان على النعم الحاصلة وبالقوة وهو ما كان على النعم المستقبلة ويكفي ح بعد حصولها عن إعادته اهـ.
وأما التفاصيل فهي تفاصيل في الواجب وجزئيات للكلي الواجب اهـ، ولا يخفى ما في هذا الجواب من كون ذكر التفاصيل أي: كل واحد منها إما واجب أيضاً فقد عاد الإشكال والحرج والمشقة كما سبق، وإما غير واجب فلا يتم الاستدلال السابق بكثرة الورود عن الشارع؛ لأن الوارد عنه التفصيلي مثل ما أتى به الشارح، والواجب هو الإجمالي دون التفصيلي.
وأجاب بعضهم عن الإشكال المتقدم مبيناً لوجوب الحمد المقيد بأن المعنى أن من حمد حمداً مقيداً أثيب ثواب الواجب، ومن حمد حمداً مطلقاً أثيب ثواب المندوب لا أنه يجب على كل منعم عليه حمد اهـ.
ولا يخفى بعده عن عبارتهم السابقة أعني وشكر المنعم واجب بالشرع لا بالعقل؛ إذ لم يقولوا وثواب حمد النعمة ثواب وجوب اهـ.
والحق أن الحمد الواجب شرعاً هو العرفي وهو فعل ينبيء عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعماً فمورده عام يصدق بالجنان اعتقاداً، فإذا اعتقد الإنسان أن المنعم هو الله تعالى المتصف بصفات الكمال فهو حامد وإن لم يصرح لسانه بذلك.
ولا شك أن هذا الاعتقاد هو مصاحب للإنسان ملازم له آئم معه لا يفارقه، ولا يحكم على المرء بانفصاله عنه لحظة، وإن غفل المرء عن ذلك في غيره، نظيره أن الإيمان وصف لزيد المؤمن ولو كان زيد غافلاً بعد الاعتقاد والجزم والتصديق في شغل آخر اهـ وح.
فالحمد المقيد هو واجب، كان من اللسان أو من الجنان أو من الأركان ولا يشترط في تحصيل الواجب مجموع الصدور عن الثلاثة الموارد، بل كل واحد من الأركان بانفراده يحصل به المرء الواجب، فالحمد المقيد كلي، وما يصدر عن كل مورد منه وهو جزئي له لا أن الصادر من الموارد أجزاء له اهـ.
وأما ما استدل به جانب القول الأول، أعني: القول بأفضلية المطلق من حديث «لا أحصي ثناء عليك ...إلخ»، فيقال: هو دال على عدم إمكان تفاصيل صفات الكمال المحمود بها وعلى دفع التخصيص، لا على عدم ملاحظة النعم المحمود عليها، حتى يعين أنه الحمد المطلق الذي هو موضوع نزاع الإمامين، وأما رده إلى هذا الوجه فلا يخفى ما فيه من التكلف اهـ.
وكذلك قوله أفضل المحامد «الحمد لله حمداً يوافي ...إلخ»، فيقال: هذا من المقيد لا من المطلق كما ادعاه اهـ.
أما قولهم: "عبادة الله لذاته أشرف ...إلخ"، فمحمله عند إمامنا مالك رضي عنه على النعم المستقبلة لا النعمة الماضية، فإن الحمد عليها أفضل من الحمد المطلق ويدل لذلك سباق الصيغ الواردة عن الشارع نحو : ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ [ الكهف: 1] إلخ، فلم يكن في ذلك ذكر نعم مستقبلة وإنما هو في النعم الماضية، فالحمد على النعمة المستقبلة مفضول بالنسبة للحمد والثناء عليه لذاته.
أو يقال يحمل حديث «من شغله ذكري ...إلخ» على من ذكر المسألة على وجه القصد ولأجلها ذكر الحق تعالى أما لو ذكر النعمة على وجه أنها ليست كل المراد والقصد أو على وجه الضعف والافتقار فالمقيد بها أفضل اهـ.
فإن قيل: ما ذكرناه في جانب قول إمامنا مالك رضي الله عنه من أن الواجب أفضل من المندوب قد لا يسلم عموم هذه الدعوى، ألا ترى إلى نحو إنظار المعسر فإنه واجب والتصدق بالدين على المعسر الذي هو مندوب أفضل منه، قال تعالى: ﴿ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ ﴾ [ البقرة: 280]،
يقال: من المعلوم أن الواجب في الإنظار هو من جهة عدم طلب رب الدين للمعسر الآن، ولا شك أن هذه الجهة موجودة في التصدق المذكور أيضاً؛ لأن من تصدق على المعسر بالدين لا يطالبه بالدين الآن، وزاد أنه لا يطالبه في جميع الزمان المستقبل.
وكذلك الوضوء قبل الوقت مندوب، فإن الوجوب تعلق بغسل الرأس فالواجب هو الصفة الحاصلة بالفعل، أي: أنها لابد أن تكون موجودة حال الصلاة ولم يحصل مانع يدفعها.
وهذا القدر موجود مع الوضوء قبل الوقت أيضاً مع زيادة التهيؤ للعبادة في زمن طويل «لم تزالوا في صلاة ما دمتم تنتظرون الصلاة، ومن راح في الساعة الأولى» الحديث، فلم يكن المندوب المحض أفضل كما ادعى الباحث اهـ.
فالحق أن الواجب أفضل من المندوب على العموم من دون تخصيص.
قوله: (خص الإنسان) أي: أفرده وميَّزه بين العقلاء، و«ألـ» في الإنسان يحتمل كونها للعهد الخارجي عند البيانيين، وهو العهد الذهني عند النحاة، ويراد بالإنسان آدم عليه الصلاة والسلام أو نوح عليه السلام، وكونها للاستغراق فيدخل معه ذريته، فالمنفي عنهم على كل معرفة الوضع هم الملائكة والجن، والقصر قصراً فراد إذ لا تضاد لأن كلا يقبل.
وهذا المفاد التزمه العمادي، لكن يقال: تقطع بأن الملائكة كانوا عارفين قبل آدم قال تعالى حكاية عنهم ﴿ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ ﴾ [البقرة: 30] الآية، فكأنه كان قبل تعليم آدم إياهم الأسماء وكذلك ازدادوا معرفة بتعليم آدم عليه السلام إياهم؛ فإن أراد العمادي ما يتبادر من عبارته من أنهم لم تكن لهم معرفة بالوضع أصلاً فبطلانه ظاهر اهـ.
ويصح أن يراد أنه لا معرفة لهم قبل التعليم فقط، ويدعي أن خطابهم كان قبل التعليم بدوال سوى الألفاظ، فالمراد أنه لا معرفة لهم أولاً، والإنسان آدم فقط والمراد في رف يصير بخلاف آدم عليه السلام.
أو يقال: إن لآدم معرفة الأوضاع كلها كالملائكة، إلا أنها لما حصلت لآدم بالوحي دون واسطة البشر فحصلت له قوة بها خصت به.
أو يقال: آدم عرفها كلها بخلاف الملائكة مثلاً، فإنما عرفوا منها البعض ولو بعد إنبائهم آدم إياها، قال: ﴿ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ ﴾ [البقرة: 33] بعد قوله: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ﴾ [البقرة: 31].
أو يقال: إن الملائكة عرفوا الأوضاع كلها أيضاً، ولكن خص آدم بمعرفتها أولاً، بخلاف نحو الملائكة مثلاً، فلم تكن لهم معرفة جميع الأوضاع أولاً بل كانت لهم معرفة بالبعض أولاً وببعض آخر حصلت لهم من آدم.
ولا يقال: سبقوا آدم بمعرفة وضع البعض وتأخروا عنه في معرفة وضع البعض الآخر، فعادل سبقهم بالبعض سبق آدم عليه السلام لهم بالبعض الذي أنبأهم؛ فلا تتم القولة الخامسة وهي الجواب الرابع بالتسليم زيادة على الجواب الأول بالمنع يقال: نظرنا لهيئة الاجتماع وهي كانت لآدم أولاً فصدق أنه خص جميع أوضاع الكلام وأما الملائكة فما عرفوا الجميع أولاً اهـ.
لكن التفضيل من جهة العقل وهذه جزئية أو يقال: التخصيص في الشارح باعتبار الحيوانات البهيمية فهم الذين انتفت عنهم معرفة الأوضاع لا الملائكة والجن.
وهذه الأجوبة الستة جارية على القول الراجح من أن اللغات توفيقية، أما على المرجوح من أن الواضع لها هو غير الله تعالى، فيراد أن آدم خص بمعرفة الأوضاع بمعرفة كيفية الوضع؛ فهو الواضع ولم يثبت عن الملائكة والجن وضع أي عرف آدم ذات الوضع الذي هو تعيين اللفظ للدلالة على معنى، والمراد: عرفه معرفة فعله وإنشائه فهو الواضع اهـ.
وهذه الأجوبة السبعة على أن المراد بالإنسان آدم عليه الصلاة والسلام ويكون في كلامه تلميح لقوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ﴾ [البقرة: 31]، ويأتي احتمال كون الباء داخلة على المقصور عليه.
أما لو أريد بالإنسان هو وذريته كما تقدم فالمراد بتخصيصهم بذلك إفرادهم بمعرفة الأوضاع، أي: بالاطلاع على الأوضاع دون بقية الحيوانات البهيمية، لا بوضع الألفاظ لما علمت أن من جملة الذرية من الاتفاق على عدم وضعه فبالنظر إليه يقصر الوضع على الاطلاع عليه لا على إنشائه، وبالنظر لمن قد قيل بأنه هو الواضع على قول مرجوح يقصر على إنشائه اهـ.
وإنما قلنا: دون بقية الحيوانات البهيمية؛ لأنا لو أردنا به الانفراد عن الملائكة والجن لورد أن من الضرورة أن منهم الملائكة ولهم الاطلاع على البعض، بدليل ﴿ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ ﴾ [البقرة: 33] اهـ، وكذا لا يصح أن يراد بالتخصيص ح أن لآدم مع ذريته الانفراد بمعرفة جميع الأوضاع واللغات اهـ؛ لأن منهم من لم يعرف إلا البعض من اللغات بل هو جل ذرية آدم؛ فلا يصح الاستغراق المأخوذ من إضافة أوضاع الكلام.
ولا يقال: يخرج الكلام على التوزيع نحو: «ركب القوم دوابهم»، أي: كل ركب دابته، لا: أن كلاً ركب الدواب، أي: فكل واحد من أنواع بني آدم خصه الله بمعرفة لغة؛ لأنا نقول: يصير المعنى ح: الذي خص الإنسان وأفرده بالاطلاع على معرفة جميع الأوضاع دون الملائكة، أي: كل من بنيه خص بمعرفة جميع أوضاع لغته دون الملائكة والجن، مع أن للملائكة الاطلاع على لغة عبرانيتهم أو سريانيتهم أو سوى ذلك مثل أفراد بني آدم أو أنواعهم، فلم يظهر الانفراد في بني آدم.
وأما دعوى أن الانفراد ظاهر في آدم وبعض ذريته وأوله الاطلاع على جميع اللغات فلا ينهض هنا ولا يحصل المراد الذي هو وجه التخصيص والانفراد والتمييز.
فإن قيل: هل هذه النعمة في الشارع وصل له منها شيء أم لا،
يقال: وصل له البعض على أن المراد آدم وبنوه وكذا على الآخر؛ لأن نعمة الأب كأنها نعمة الابن، على أن وصول النعمة للحامد فى الحمد لا يشترط.
ثم إنه على كل من التوجيهات المتقدمة ليس في الشارح ما يعين أن كلامه جار على القول الراجح من أن الواضع هو الله تعالى، أو على القول المرجوح من أن الواضع سواه.
ويأتي الجواب من جانب هذا القول على قدم أسماء الله، أي: الدوال لا الألفاظ سواء قلنا: إن الإضافة في «أوضاع الكلام» حقيقة من إضافة المتعلق لمتعلقه، وأنها على معنى اللام مثلاً؛ لأن المعنى: أن الإنسان عرف الوضع للكلام، أي: عرف تعيين اللفظ للدلالة على المعنى معرفة تصور، أي: عرف ذات الوضع، ومعرفة تصديق، أي: عرف وقوعه جزماً لا تردداً؛ لأنه حيرة وألم والمقام للامتنان في قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ﴾ [البقرة: 31] اهـ، ولا وجه لتخصيص العلم بالتصديق اهـ.
ثم بعد ذلك يقال : هل هو الذي عينه له؛ فهو الواضع أو غيره؟، يبقى ما هو أعم.
وقد علمت أن «أوضاع» جمع أضيف للمعرفة فيعم فبطلت جمعيته فإفراده آحاد لا جموع، أي: بمعرفة كل فرد فرد أوضاع الكلام.
أو قلنا: إن الإضافة المذكورة لفظية من إضافة الصفة للموصوف، أي: بمعرفة الكلام الموضوع فـ«الأوضاع» جمع «وضع» بمعنى الموضوع مجازاً مرسلاً لعلاقة الجزئية والكلية اهـ، إلا أن الجمعية في «الأوضاع» غير معتبرة، وإلا فلا معنى بمعرفة الكلام الموضوعات إلا أن يراد به ما صدقاته وأفراده، تدبر.
ووجه كون جعله من إضافة الصفة للموصوف لا يعين أحد القولين هو أن معرفة الإنسان الكلام الموضوع إنما هو من جهة النسبة التي بين الكلام ومدلوله، ويستلزم معرفة الطرفين الدال والمدلول بدليل أن المقام مقام مدح وامتنان وعلم، ولا تكبر المنة إلا فى معرفة الكلام الموضوع ومدلوله لا في معرفة الدال فقط؛ إذ هو مفض إلى مقام التحير والتردد وعدم السكون اهـ.
وإذا علمت أن المراد: عرف الكلام الموضوع ومدلوله ولا يحتاج إلى تقدير مضاف أي: بمعرفة مدلول الكلام الموضوع كما زعم البعض إلا زيادة في الإيضاح، صار المعنى والمراد: أنه عرف الكلام الموضوع ومدلوله، فيحتمل أنها معرفة اطلاع؛ فالواضع هو الله تعالى، أو معرفة إنشاء للوضع في الكلام وللنسبة المذكورة وفعل ذلك؛ فالواضع هو الإنسان, فلم يتعين من كلام الشارح أحد المذهبين وهو مدعانا المتقدم اهـ.
فإن قيل: لا نسلم أن معرفة الدال فقط تفضي إلى التحير وعدم كمال المنة؛ فإن هذه المعرفة هي المتبادرة من قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ﴾ [البقرة: 31] وقال البوصيري: "لك ذات العلوم من عالم الغيب ومنها لآدم الأسماء".
يقال: التحقيق: أن آدم علم أسماء المسميات وعلم المسميات بدليل أنه لا يعلم الاسمية التي هي نسبة بين الدال والمدلول حتى يعلم الطرفين ولا يتعقل إلا كذلك.
وأما كلام البوصيري فمحمله على أن نبينا علم أولاً المسميات التي هي القصد والمراد أولاً؛ إذ هو القصد من العقد ويتيمة السلك والجواهر كما في عادة الأكابر ﴿ وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ ﴾ [النحل: 60] فإن الحبيب يبادر محبه على اطلاعه على أعلا ما يصلح له وأرفع ما يليق به ثم بعده يتنزل معه إلى اللوازم والأمور المتوقف عليها ذلك الأعلا.
وأما آدم عليه السلام فعلَّمه الله أولاً الوسيلة من الأسماء ثم عرفه المقاصد فكان أول العلمين غير عالم بالقصد وإنما هو حامل لعلم لم تكمل له أولاً نتيجته وثمرته، ثم بعد ذلك كمل له الامتنان، فعلمه المسميات.
إن قيل: إنه في «المواهب اللدنية» للقسطلاني أن إبليس بكى عند آدم على الشجرة، وقال: "أخاف عليكما أن تموتا ولم تنالا من هذا النعيم"، فقال له آدم : "ما الموت؟"، فإنه مناقض للتأكيد في ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ﴾ [البقرة: 31]،
يقال: إما أن يريد إنكار معنى الموت فلم يكن عالماً بها قبل؛ لأن الله علمه ما يليق بمقام الجنة التي هو فيها ولا موت، فلا يقال: شاك في بقاء نفسه، فأل في للعهد، أي الأسماء التي تليق بمقامه.
وإما أنه أنكر لحوق الموت له مع علمه بحقيقة الموت ثم بعد ذلك أزله الشيطان وغيره.
وأما قولهم: ﴿ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ ﴾ [البقرة: 33] ، فالمراد الأسماء التي كان آدم عرفها.
قوله: (بمعرفة) أي: بعلم، على ما هو الراجح من ترادفهما وإن اختلفا عملاً، فالمعرفة تتعدى لواحد والعلم يتعدى لاثنين، ولا تطلق المعرفة على الله تعالى لمانع التوقيف، أي: والعلم ورد الإذن بإطلاقه عليه تعالى اهـ.
ومن المعلوم، أنه لا يشترط في الترادف صحة وقوع كل من المترادفين موقع الآخر، كما هو الحق عند الأصوليين اهـ.
ثم إن الأظهر أن المعرفة مغايرة للعلم، ويدل لذلك أن العلم إذا كان بمعنى المعرفة عمل عملها وتعدى المفعول واحد، وإن كان بمعنى الجزم واليقين أو الرجحان على ما هو معلوم تعدى لمفعولين.
قال في الخلاصة:
انصب بفعل القلب جزئي ابتدا
أعني: إلخ، وقال:
لعلم عرفان وظن تهمه تعدية لواحد ملتزمه
و ح فإن أراد القائل بترادفهما: أن العلم على عمومه يرادف المعرفة، فيرد عليه أن تفرقتهم بين العلم بمعنى العرفان فيتعدى لواحد والذي هو قلبي جزمي أو رجحاني يتعدى لاثنين مخالفة؛ لذلك وإن أراد ذلك القائل: أن العلم بمعنى المعرفة يرادفهما لم يصح تنزيل أربابه عليه قولهم: "وإن اختلفا عملاً" إذ لا يختلفان ح عملاً، فالحق التخالف لا الترادف اهـ.
وعلى الحق المذكور من التخالف، هل العلم يختص بالإدراك الغير المسبوق بالجهل؛ ولذا لم يوصف الحق تعالى بها، أو العلم يتعلق بالمركب كالإنسان والمعنى التركيبي، كما في نحو: «قام زيد»، والمعرفة تتعلق بالجزئي گـ«زید» والبسيط كالنقطة.
قال في «المطول» : "المعرفة لإدراك الجزئي أو البسيط، والعلم لإدراك الكلي أو المركب، ولذا يقال: عرفت الله دون علمته"، قال السمرقندي في حاشيته: "توضيح ذلك أن المعرفة بحسب الاصطلاح لإدراك الجزئي سواء كان مفهوماً جزئياً أو حكماً جزئياً، والعلم لإدراك الكلي سواء كان مفهوماً كلياً أو حكماً كلياً" اهـ.
ولا يخفى ما في توجيه السمرقندي من عمومه على الدعوى في جانب المعرفة، لأنه أدرج فيه تعلقها بالحكم الجزئي، وذلك أن الإدراكات عند «المطول» أربعة: إدراك الجزئي كـ«زيد»، وإدراك البسيط كإدراك النقطة، وإدراك الكلي كإدراك الإنسان، وإدراك المركب كإدراك قيام زيد، فالأولان معرفة والأخيران علم.
والسمرقندي بعدما اندرج عنده تحت الجزئي البسيط فصل في المركب من الأحكام فقال: إن كان جزئياً يعني كقيام زيد، فهو متعلق المعرفة، وإن كان كلياً يعني كذوق كل نفس الموت في ﴿ كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ ﴾ [آل عمران: 185] فهو متعلق العلم.
وبالجملة فالمدركات خمسة: الجزئي والبسيط وهما متعلقا المعرفة، والمفهوم الكلي والحكم الكلي وهما متعلقا العلم جزماً واتفاقاً بين المطول والسمرقندي، والخامس الحكم الجزئي كقيام زيد في «قام زيد»، فهو عند المطول متعلق العلم وعند السمرقندي متعلق المعرفة، فلو لم يجعله السمرقندي توجيهاً وتوضيحاً لما في المطول لأمكن أن يجعل مذهباً آخر في المغايرة بينهما.
وقال بعضهم: المعرفة لإدراك البسائط سواء كان تصوراً للماهية أو تصديقاً بأحوالها، والعلم لإدراك المركب سواء كان تصوراً أو تصديقاً اهـ، فهو غير ما تقدم.
ثم لو قيل: إن المعرفة خاصة بالتصورات والعلم يتعلق بالتصديقات وهو كثير وبالتصورات وهو قليل، وكل منهما أي: من المعرفة والعلم لا يتعدى إلا لمفعول واحد، أما في المعرفة فظاهر، وأما في العلم فمن جهة أن قولنا: «علمت زيداً قائماً» معناه: علمت قيام زيد، لا أن معناه: علمت ذات زيد ونفس قائم، ولا أن معناه: علمت ذات زيد في حال القيام.
ولكن المتكلم لما كان مألوفاً عنده تعلق العلم بالتصور تجده في كل موطن يرتكبه استراحة حتى في مقام التصديق أولاً، ثم يذكر المعنى المراد المتعلق به وكثير ذلك في كلامهم، فجارى النحاة ذلك وقالوا: العلم يتعدى لمفعولين وقد يخرج الاستعمال إلى غير ذلك على ضرب من التجوز لما بعد ولصح اهـ.
وعلى هذين الفرقين بل الفروق الأربعة يرد وصف الله تعالى بالعلم لأن متعلقه عام، فهو تعالى عالم بالكليات والجزئيات والبسائط والمركبات، خلافاً للفلاسفة المنكرين علم الله تعالى بالجزئيات وهي إحدى المسائل الثلاث التي كفرهم أهل السنة والجماعة بها،
الثانية: إنكارهم المعاد الجسماني وقصرهم إياه على الروحاني
الثالثة: ادعاؤهم أن النبوة مكتسبة
تبارك الله ما بمكتسب وحي ولا نبي على غيب بمتهم
زاد بعضهم: وادعاؤهم قدم العالم بالنوع، ولا شك أنه كفر صراح.
ثم إن «باء» بـ«معرفة» باء التخصيص داخلة على المقصود، أي: جعل الله معرفة الأوضاع قاصرة على الإنسان لا تتعداه إلى غيره من الملائكة والجن على ما تقدم، فالمقصور عليه هو الإنسان، فالتخصيص هو حصر وقصر، خلافاً لبعضهم.
والمراد أنه مفيد للحصر لا أن المراد أنه مرادف للحصر لما علمت من تعدي الحصر بـ«في» والقصر بـ«على» والتخصيص بالباء فلا بحث، ويصح أن تدخل الباء الاختصاص على المقصور عليه فيكون مضمناً معنى القصر، والباء بمعنى «على» بعد اهـ، تدبر.
ودخول الباء على كل من المقصور والمقصور عليه أمر اتفق عليه العلامتان السعد والسيد، إلا أنهما اختلفا في الجيد الكثير الغالب، فقال السعد: "هو دخولها على المقصور"، وقال السيد: "هو دخولها على المقصور عليه"، وإليه أشار بعضهم بقوله:
والباء بعد الاختصاص يكثر دخولها على الذي قد قصروا
وعكسه مستعمل وجيد ذكره الحبر الهمام السيد
ويقال: ما أراده الناظم لم يف له به نظمه لأن قوله: «وعكسه»، لم يرد به إلا دخولها على المقصور عليه بدليل قوله: «مستعمل»، مع أن هذا مذهب السعد فقط؛ لأنه يقول: تدخل على المقصور بكثرة وعلى المقصور عليه بقلة، والقليل مستعمل مع أنه نسبه في نظمه للسيد، فيقتضي أن هذا مخالف لما قبله وأن السيد قائل به.
نعم، لو أراد بـ«عكسه» كثرة دخولها على المقصور عليه لكان أشار إلى المذهبين وصح قوله: «ذكره الحبر الهمام السيد»، لكنه لا يلتئم مع قوله: «مستعمل» اهـ، كذا لبعضهم بزيادة إيضاح.
والحق أن الناظم واف بالمراد وذلك أن الكثرة في كلامه النسبية لا بالنظر لذات الشيء، فقوله: «يكثر دخولها» أي بالنسبة لدخولها على المقصور عليه؛ إذ هذا مذهب السعد لا أن المراد بالكثرة الكثرة الذاتية، أي هو كثير في ذاته حتى لا ينافي أن الطرف الآخر كثيراً أو أكثر، والكل ليس بمراد.
ثم إذا علمت أن الكثرة في البيت بالنسبة للطرف الآخر، صار :قوله: «وعكسه» يراد به الدخول على المقصور عليه بدليل قوله: «مستعمل» لا كثرة هذا الدخول فإن الكثرة أي: النسبية من قوله: «وجيد».
فيصير على ذلك محصل البيت الثاني: ودخولها على المقصور عليه مستعمل وجيد أي كثير، أي: على دخولها على المقصور ذكره الحبر الهمام السيد وهو واضح في ذكر المذهبين معاً؛ فلا بحث مع الناظم إلا لو أراد بالكثرة والجودة الذاتيتين، وليس كذلك، وإلا لما وفّى بكلام السعد أيضاً، تدبر اهـ.
ثم إن ما نسب للسيد من أن الكثير دخولها على المقصور عليه أصله للسيرافي، مع أن الذي صرح به السيد نفسه في حواشي «المطول» و«الكشاف»، هو ما للسعد من أن الغالب دخولها على المقصور في حاشية «المختصر»، وهذا هو التحرير، فالحق أن لا خلاف بينهما في أنها تدخل على كل والغالب دخولها على المقصور.
وهناك قول ثالث في الباء بعد الاختصاص لا تدخل على المقصور عليه فإن ورد ما يخالف ذلك فيؤول الكلام اهـ.
فالأقوال ثلاثة في الباء بعد الاختصاص اهـ.
وأنت إذا أمعنت النظر وجدت هذا القول الثالث مكابرة؛ لأن المشاهدة بعد الاختصاص بكثرة هو دخول الباء على المقصور لا على المقصور عليه، وما ادعاه من أنها إذا وجدت بعده داخلة على المقصور فيؤول الكلام، أي: يجعل التخصيص بمعنى الانفراد والتمييز، هو لا يتخالف مع ما قبله، بل هو عينه.
فالحق أن لا خلاف أصلاً في جواز دخول الباء بعد الاختصاص على المقصور والمقصور عليه، والكثير في الخارج وقوعاً هو الأول اهـ.
ثم يقال: هل يصح في الشارح جعل الباء داخلة على المقصور عليه ويصير المعنى: الذي قصر الإنسان على معرفة أوضاع الكلام لا يتعداها إلى الجهل بها، فيكون القصر قصر قلب، وشرطه من تضاد الصفتين موجود.
يقال: هو صحيح في نفسه ممكن لا مانع منه، تدبر.
قوله: (الكلام) يصح أن يراد به حقيقته، أو المركب مجازاً مرسلاً علاقته العموم والخصوص، أو اللفظ لعلاقة الإطلاق والتقييد، أو الكلمات مرسلاً لعلاقة الجزئية والكلية.
وقوله: (ومبانيه) جمع مبنى، أي أجزاؤه والمراد به الكلمات التي يبنى فيها الكلام مجازاً مرسلاً لعلاقة الحالية والمحلية على أنه مأخوذ من اسم المكان، أو لعلاقة الجزئية والكلية على أنه مأخوذ من المصدر الميمي.
وعلى أن المراد اللفظ، فهو من عطف الأخص بخلاف الوجهين الآخرين، فهو من عطف المغاير، وعلى أن المراد بـ«الكلام» الكلمات كان من عطف المرادف ولم يشر إلا لوضع المفردات، فعلى الثلاثة الأول من أن المراد بـ«الكلام» حقيقته أو المركب أو اللفظ، إن عطفنا «مبانيه» على «الكلام» يكون الشارح أشار للموضعين وضع المركب ووضع المفرد، من المعلوم أن مدلول المركب هو النسبة لا الذات اهـ.
نعم، المركب الناقص هو على الأول داخل في المباني بدليل المقابلة، وأما على الثاني والثالث فداخل في عموم الكلام مجازاً.
ثم كون المركب موضوعاً أيضاً هو أحد أقوال ثلاثة فيه،
القول الثاني: أنه أي المركب غير موضوع، وعليه ذهب غير واحد؛ لأن في دعوى وضع المركبات حجراً عسيراً ومشقة في الاستعمال، بل الدلالة عقلية لا وضعية، ولذا قال بعضهم: "فمن عرف مسمى «زيد» وعرف معنى «قائم» عرف بالضرورة معنى «زيد قائم»، وربما يتلمح من المصنف ذلك؛ لأنه تكلم على وضع المفرد فقط في هذه الرسالة اهـ.
ويرد على ما في الوضع للمركب أن الواضع كما حجر علينا في المفردات فلا نستعمل لفظ الأرض مثلاً في غيره عند عدم العلاقة والتجوز؛ لأنه ح كذب كذلك حجر علينا في المركبات، فمنعنا من تقديم الفاعل على الفعل وتقديم المضاف إليه على المضاف، وهكذا اهـ.
القول الثالث: أن المركب موضوع بالنوع، أي: بقاعدة كلية، نحو: "كل فعل وفاعله موضوع لثبوت الحدث للفاعل"، لا بالشخص، بأن يكون اللفظ الموضوع مشخصاً؛ فإن هذا ومشقة.
فالأقوال ثلاثة، وقال بعضهم: بل القول الثالث توفيق بين القولين، فلا خلاف في أن المركب موضوع بالنوع لا بالشخص اهـ، بل قال الخادمي: "إن المركبات تامة أو تقييدية موضوعة بالنوع للصور العقلية الذهنية العلمية كما عند الشافعي وموضوعه بالنوع للصور الخارجية المعلومية كما عند أبي حنيفة" اهـ.
ثم ما أشار له الخادمي من كون الموضوع له هل هو المعنى الذهني أو الخارجي أشار في «جمع الجوامع» لشيء من ذلك على وجه العموم أو الخصوص بالمفردات، فقال: "هل اللفظ موضوع للمعنى الذهني أو الخارجي؟، والمختار وفاقاً للشيخ الإمام أنه للمعنى من حيث هو" اهـ. وقيده أرباب الحواشي بغير العلم وإلا فالشخصي موضوع للخارجي والجنسي موضوع للحقيقة الذهنية، فراجعه.
وعلى الرابع من أن المراد بـ«الكلام» الكلمات، فما أشار إلا إلى وضع المفردات، وإن عطفنا «مبانيه» على «أوضاع»، أي: عرفه أوضاع الكلام وعرفه ذات الموضوع أعم الكلمات؛ فيكون قد أشار إلى الوضعين أيضا على الثالث، أعني: المراد بـ«الكلام» اللفظ.
أما على الأول من أن المراد بـ«الكلام» حقيقته أو الثاني من كونه أراد به المركب، فيكون أشار لخصوص وضع المركب اهـ، أي: ولو ناقصاً وإن كان الناقص غير داخل تحت الكلام على الأول من أن المراد به حقيقته؛ لأنه لما أثبت الشارح الوضع للكلام فقد أثبته للمركب الناقص أيضاً؛ إذ لا قائل بالتفرقة.
نعم، ضمير «مبانيه» على العطف على الأوضاع فيه أمران:
الأول: مخالفته للقواعد من أن ضمير المعطوف عائد على المعطوف عليه مع أنه هنا عائد على ما أضيف إليه ذلك المعطوف عليه لا على المعطوف عليه.
والثاني: كون المضاف للضمير عينه، ففيه إضافة الشيء إلى نفسه اهـ.
وعلى الأخير الرابع من أن المراد بـ«الكلام» الكلمات، فلم يشر الشارح إلا إلى وضع المفردات، سواء عطفت «مبانيه» على الكلام فهو عطف تفسير أو على «أوضاع»، أي: عرفه أوضاع الكلمات ونفس الكلمات فهو عطف لازم على ملزوم و مسبب على سبب.
نعم، في عطفه على «أوضاع» الأمران المتقدمان أيضاً من أن ضمير المعطوف لم يعد على المعطوف عليه بل على ما أضيف إليه ذلك المعطوف عليه، وكون مباني أضيف إلى نفسه؛ إذ المراد بها الكلمات وضمير مبانيه للكلام بمعنى الكلمات، إلا أن يجاب بأن المباني يراد به مكان البناء أو البناء، لكن المقادح غير مراد ولا مقصود، تدبره اهـ.
قوله: (وجعل الحروف ...إلخ) ، عطف نعمة على نعمة، والجامع بين الجملتين اتحاد المسند إليه فيهما واجتماع المسندين في أنه فعل له، والجعل بمعنى التصيير، إلا أن الجعل في عبارة الشارح ليس حمل تغيير في الذات والهيئة كما في «جعلت الطين إبريقاً» بل «جعل» إعطاء للصفة، فالتغيير فيه معنوي، أي: وجعل الحروف متصفة بكونها أجزاءً للكلمة بالفعل، فالنظر فيها ح بعد التركيب في الكلمة، أو يقال: وجعل الحروف صالحة لجزئية الكلام، فينظر فيها قبل التركيب و صيرورتها كلمة, تدبر.
وقوله: (الحروف أصول) أراد بـ«الحروف» حروف المباني لا حروف المعاني المقابلة للاسم والفعل، وأراد بـ«الأصول» الأساس والأجزاء، وبـ«الكلم» الكلمات وإضافة «كلم» ح إلى «الكلام» هو من إضافة الجزء للكل سواء أردنا بالكلام المدلول للضمير معناه الحقيقي أو المركب، أو هو من إضافة الأخص إلى الأعم إن أردنا به اللفظ، أو هي إضافة بيانية على أن المراد بضمير «كلمته» الكلمات وليس من باب عين العيون وشمس الشموس كما لا يخفى، ويصح أن يراد بـ«كلمة» الكلام أو اللفظ إلخ، وإضافته للضمير العائد على أحد الأوجه الأربعة يأتي فيه بسط كلام، تأمله.
ثم إن «الحروف» و«أصول» من باب «ركب القوم دوابهم»، أي: كل حرف جزء من الكلمة لا أن الحروف كلها أو جمع منها أجزاء للكلمة.
قوله: (وظروف ...إلخ) جمع ظرف، وعاء الشيء و«معانيه» جمع معنى، هو في الأصل مكان العناية أو نفسها، لكن المراد به نفس الموضوع له اللفظ وهو والمدلول والمفهوم والمسمى، متحدات بالذات مختلفات بالاعتبار ما وضع له اللفظ، إلا أنه من جهة العناية والقصد معنى، ومن جهة دلالة اللفظ عليه مدلول، ومن جهة تعلق الفهم به مفهوم، ومن جهة أخذه من علامة اسمه مسمى.
وخص بعضهم المفهوم على المعنى الكلي دون الجزئي، ويرده: قولهم المراد من موضوع القضية مصدوقه ومن محمولها مفهومه اهـ، فإنه عام حتى في ما محمولها جزئي.
وضمير «معانيه» عائد على «الكلام»، والإضافة تقع لأدنى سبب كما في قوله تعالى﴿ عَشِيَّةً أَوۡ ضُحَىٰهَا ﴾ [النازعات: 46]، فأضيف الضحى للعشية؛ لأن كلا طرف للنهار، والمراد جعل الحروف أي: بعد تركيبها كلمة وبعد جعل الكلمات أجزاء للكلام، ظروف معاني الكلام.
أو الضمير عائد على «الكلمة»، أي: جعل الحروف، أي: بعد التركيب، ظروف معانيها اهـ، لكن الحروف بعد التركيب المذكور هي الكلمة فالأول أوضح.
وقوله: (الحروف ظروف) من باب «ركب القوم دوابهم» اهـ، ثم إن كون الألفاظ قوالب للمعاني هو ما أفصح عنه السعد في مبحث الإيجاز والإطناب وذكره الحواشي في مبحث المطابقة من البديع اهـ، وقيل: المعاني قوالب الألفاظ.
ووفق بينهما بأن الألفاظ قوالب المعاني باعتبار السامع؛ لأنه لا يقع في سمعه إلا اللفظ، فيصل لفكره ثم يستخرج منه المعنى استخراج المظروف من ظرفه اهـ.
وبأن المعاني قوالب الألفاظ باعتبار المتكلم؛ لأنه أولاً يستحضر أي المتكلم المعنى ثم يفرغ فيه اللفظ، فلابد أن يبقى ملاحظاً المعنى والاتساعة، فهو أوسع عنده من الألفاظ، فكانت المعاني عنده هي القوالب لألفاظها ولم يصل ذلك للسامع لما علمت أنه لم يعطه فكره وإنما الذي وصل للسامع مجرد اللفظ وهذا هو الأصل في الكلام؛ لأن نتيجته وفائدته التفهيم والتفهم منه فلا يرد ما إذا تلفظ المتكلم بكلام لم يلاحظ معناه كالتالي لكلام الباري لأجل أن يحفظه اهـ.
وبين «مبانيه» و«معانيه» جناس لاحق؛ لأن الاختلاف وقع في حرفين بعيدين مخرجاً نحو قوله: ﴿ بِمَا كُنتُمۡ تَفۡرَحُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَمۡرَحُونَ ﴾ [غافر: 75]، ويكون في الأول ﴿ وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ ﴾ [الهمزة: 1]، وفي الأخير: ﴿ وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ ﴾ [ النساء: 83] اهـ.
ثم إن قول الشارح: «أوضاع والحروف ...إلخ» براعة استهلال وهي أن يأتي المتكلم في أول كلامه بما يشعر بمقصوده، نحو قوله تعالى: ﴿ سُورَةٌ أَنزَلۡنَٰهَا وَفَرَضۡنَٰهَا ﴾ [النور: 1]، إلخ، فهو دال على أن هذه السورة احتوت على فرائض وأحكام، وكذلك قول القائل في قصيدة التهنئة بمولود:
بشرى قد أنجز الإقبال ما وعدا وكوكب المجد في أفق العلا وصعدا
مأخوذة من برع الغلام إذا فاق أقرانه، والاستهلال هو الابتداء وإليه يرجع استهل الشهر واستهل الولد صارخاً، أي: ابتدأ في ظهوره حال كونه صارخاً. ومعنى براعة الاستهلال فوقان الابتداء على سائر الابتداءات سواه اهـ، وقيل غير ذلك.
قوله: (والصلاة والسلام ...إلخ) صلى وسلم عليه ﷺ؛ لأنه الواسطة العظمي وشكر الوسائط واجب، «من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه» وأي معروف يعادل معروف الإيمان الذي أورث المرء سعادة أبدية لا شقاوة بعدها أبداً. وأيضاً امتثالاً لقوله تعالى ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ ﴾ [ الأحزاب: 56] إلخ.
وقوله: (المشتق) الاشتقاق في الاصطلاح رد كلمة إلى أخرى لوجود معنى الأخرى فيها وزيادة، أو أخذ لفظ من آخر إلخ، فأطلق الشارح الاشتقاق على مطلق الأخذ، لا بقيد المأخوذ اللفظ والمأخوذ منه لفظاً؛ فهو مجاز مرسل لعلاقة الإطلاق والتقييد مجاز عرفاً حقيقة لغوية.
وقوله: (مصدر) هو في الاصطلاح اللفظ الذي يجيء ثالثاً في تصريف الفعل، وبعبارة اللفظ الدال على الحدث، وأراد به هنا المعنى اللغوي وهو اسم مكان، أي: من محل يصدر عنه الفضل لا اللفظ، وإضافة مصدر إلى الفضل من إضافة المحل إلى الحال, أي: من مكان ظهور الفضل والكرم.
و«الحكم» جمع حكمة، وهي في الأصل العلم الباحث عن أحوال الموجودات الخارجية على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية، لكنها تارة علمية وتارة عملية اهـ، والحكمة العلم النافع آخرة ودنيا، وفي الحديث: «لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس».
والمراد بها هنا ما يؤثر في القلوب والأفكار من الوعظ والأدب، وذلك أن المراد: والصلاة والسلام على المأخوذ من محل يصدر منه الفضل والكرم والعلم، وهم العرب أما الكرم فهو لهم وبه عرفوا؛ وبذلك يقال: «الشجاعة في قريش والكرم في العرب».
وأما علم الشرع فقد علمت أنه لا شرع لهم قبل، وإنما كانوا متمسكين بشيء من دين إبراهيم عليه السلام غير متقنيه اهـ.
وإنما لهم أدبيات نحو قول بعضهم:
والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنع
وقول الأخر: [البسيط]
ما كلف الله نفساً فوق طاقتها ولا تجود يد إلا بما تجد
وقول الأخر: [الطويل]
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقول الآخر: [الطويل]
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
الطويل:
ومن يك ذا مال ويبخل بماله على قومه يستغن عنه ويذمم
الطويل:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يندم ومن لا يظلم الناس يُظلم
الطويل:
ومهما تكن عند امرىء من خليقة ولو خالها تخفى على الناس تعلم
إلى غير ذلك اهـ.
فأطلق الشارح «المشتق» بالمعنى اللغوي، أي: المأخوذ والمخرج فهو حقيقة، ويحتمل أنه أطلقه وأراد به المعنى الاصطلاحي تجوزاً فهو استعارة تصريحية؛ وذلك أنه شبه إخراجه عليه الصلاة والسلام من العرب بالاشتقاق الذي هو أخذ الفعل أو الوصف من المصدر بجامع اشتمال المأخوذ على ما في المأخوذ منه وزيادة، واستعار لفظ المشبه به وهو الاشتقاق فأطلقه على المشبه، ثم اشتق من الاشتقاق بالمعنى المجازي «مشتق» فكانت الاستعارة تصريحية أصلية في المصدر تبعية في الوصف، وقوله: «مصدر» ترشيح.
ويحتمل أنه أراد بـ«مصدر» الفضل نفس الحقيقة المحمدية النوعية؛ لأنها محل صدور الفضل والعلوم، ويشير إلى حديث: «أول ما خلق الله نوري ثم خلق منه كل شيء»، ويجري في المشتق من الحقيقة أو بمجاز الاستعارة على هذا ما جرى فيما قبله.
ويحتمل أنه أراد بـ«المصدر» الأوصاف الجميلة أوصاف النفس وأخلاقها الكريمة من تواضع وإغضاء ولين جناب، والكلام على المبالغة، أي: لما كانت هذه الأوصاف فيه على سبيل المبالغة جعل كأنه خلق منها وتكون منها نحو قوله تعالى: ﴿ خُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ مِنۡ عَجَلٖۚ ﴾ [الأنبياء: 37]، فالاشتقاق بالمعنى اللغوي والكلام على سبيل الكناية، أي: أن الفضل والحكم فيه على وجه المبالغة والكمال بشهادة أنه أخرج منهما اهـ، تدبر.
يحتمل أنه أراد بـ«المشتق» المعنى الاصطلاحي ولكن هنا مجاز الحذف والمراد اشتق اسمه؛ لأنه يسمى بالفاضل والأفضل والحكيم والأحكم، وإضافة «مصدر» إلى «الفضل» للبيان، من إضافة الأعم إلى الأخص، نحو: «شجر أراك»، كما أن التي هي بيانية ما كان بين المتضايفين عموم وجهي، نحو: «خاتم حديد» اهـ.
واعلم أن نسخة الشارح بزيادة السلام على ما هو الحق، وأما نسخة الاقتصار على الصلاة فيكون قد ارتكب عليها كراهة إفراد أحدهما عن الآخر على قول.
قوله: «والصلاة والسلام» جملة خبرية لفظاً، وهل إنشائية معنى أم لا؟، يقال: إن الصلاة من الله رحمة، أي: إنعام، ومن الملائكة استغفار ومن الأدميين دعاء، والحق أن الصلاة على كل بمعنى ذلك مع ملاحظة معنى العطف؛ ولذلك تعدت بـ«على» نحو: ﴿ وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ ﴾ [ التوبة: 103]، ولو كانت بمعنى الدعاء لانقلب المعنى وصار المدعو له مدعواً عليه والحق أن الملائكة يسبحون الله كما يستغفرونه، وحقق بعضهم أن الصلاة مشترك معنوي لا لفظي فهي موضوعة للعطف لكنه يفسر في الله بالإنعام وفي الملائكة بالذكر وهكذا، اهـ.
وهذه الصلاة إن كان فاعلها الله تعالى أو الملائكة، أي: صلاة الله أو صلاة الملائكة عليه، فالكلام خبر لفظاً ومعنى، تأمل، لكن من جهة إنشاء الشارح لهذا الإخبار أعطى الإنشاء والامتثال لقوله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ ﴾ [ الأحزاب: 56] إلخ، تأمله.
ولا يقال: اختلاف الفاعل لا يعطي ذلك؛ لأنا نقول تأمل في حديث: «اللهم صل على آل أبي أوفى لما أتوه بالزكاة» فهي لامتثال قوله تعالى: ﴿ خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ﴾ [التوبة: 103] إلى ﴿ وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ ﴾ [التوبة: 103] فإن الصلاة في الآية مسندة له عليه الصلاة والسلام وهو في الإتيان بها امتثالاً أسندها صلى الله عليه وسلم لله تعالى، فكفى في الامتثال أن أنشأها والجملة طلبية في الآية، تأمل.
وإن كان فاعل الصلاة المتكلم أي وصلاتي عليه فالجملة خبرية لفظاً إنشائية معنى، وهذا الوجه أظهر وأوضح.
قوله: (لمحاسن الأفعال) هو من إضافة الصفة للموصوف، أي: للأفعال الحسان، فـ«محاسن» جمع حسن على غير قياس، أو جمع محسن مصدر ميمي كمصادر جمع مصدر ومذاهب لمذهب اهـ، والمصدر بمعنى الوصف مجازاً مرسلاً.
و«الأفعال» جمع فعل، عمل الجوارح، أعم من كونه عن تدبير أم لا؛ فيشمل الفعل حالة النوم مثلاً، وأما العمل فهو الفعل الذي عن تدبير، فلذا خص بالعقلاء وهو أخص من الفعل، وآثر التعبير بالأعم للإشارة إلى أن جميع أفعاله حسنة لا ما كان عن تدبير أو غيره اهـ.
والمأخوذ من العبارة أيضاً أن كل فعل حسن قد جمعه صلى الله عليه وسلم وحواه؛ فـ«محاسن الأفعال» صيغة عموم.
وقوله: (مكارم) كذلك من إضافة الصفة للموصوف فـ«مكارم» جمع كريمة أو جمع مكرمة المصدر بمعنى كريمة.
و(الشيم) جمع شيمة الطبيعة، أي: الجامع للشيم والطبائع الكريمة، أي: الجميلة، ووصف الطبيعة بالكرم، أي: الحسن، لمجالها فإن من معاني الكرم الحسن قال تعالى: ﴿ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا ﴾ [ النساء: 31]، أي: محسناً، أو مراد الشارح بالكرم الجود؛ لأن من أثر حسنها الكرم وهو الظاهر للناس؛ ولذلك يقال: «الأخلاق الكريمة» و«الخلق الكريم»، فوصف الشارح النبي ﷺ بحسن أفعاله الظاهرة وأخلاقه الباطنة فقد كمل ظاهراً وباطناً،
کملت محاسنه فلو أهدى السنا للبدر عند تمامه لم يخسف
اهـ.
وقدم الظاهر على الباطن؛ لأن ذلك عنوان الثاني، وجعل الإضافة من إضافة الصفة؛ لأن الخصوصية في الحسن والجمال لا في الأفعال والشيم؛ إذ لكل أحد أفعال وشيم وإن كان بعد سبك الكلام، وحاصله وتقديره رجع إلى تقديم الأفعال والشيم على الصفتين، تدبر.
قوله: (الموصول ...إلخ)، نائب فاعله هو «أنواع السعادة» و«الموصول» من الوصل بمعنى الربط، أي: الذي ربطت بألفاظه وكلمه أنواع السعادة، ودخل في اللفظ المفردات والمركبات اهـ، والربط ربط دلالة وإشارة، والمراد بـ«أنواع السعادة» مسائل العلم والسعادة الظفر بخير الدارين، والإضافة في «أنواع السعادة» من إضافة الملزوم اللازم اهـ، وليس اللزوم بعقلي.
«والهدى» مصدر «هدى» كالهداية لكن المراد بالهدى الاهتداء مجازاً مرسلاً لمناسبته لأنواع السعادة، تأمل، ويصح إبقاؤه على حاله؛ لأن ألفاظه توصل الشخص أيضاً إلى الهدى، أي: إلى صيرورته هادياً أيضاً، وفي الحديث: «اللهم اجعله هادياً مهدياً» اهـ.
ثم إن الهداية الدلالة على الطريق وصل للمطلوب أم لا، قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ ﴾ [ فصلت: 17]، أي: دللناهم على الطريق فاستحبوا العمى على الهدى، أي: أعرضوا، وقال المعتزلة هي الدلالة على الطريق مع الوصول، واستدلوا بظاهر ﴿ إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ ﴾ [القصص: 56]، ﴿ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ ﴾ [القصص: 56]، ﴿ وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِي ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ﴾ [النمل: 81].
وهذا الخلاف المذكور لم يظهر له وجه بناء كل فريق منهم على قواعده، وإن كان ذكره الشبرخيتي والملوي وغيرهم بل وفي شرح «العقائد النسفية» ما يفيده، فالحق ما ذكره القاضي عياض ونقله الأبي في شرح مسلم في حديث «خير الهدي هدى محمد ﷺ» من كتاب الجمعة من أن الهداية تطلق بالاشتراك على الدلالة على الطريق وصل أم لا وعلى خلق التوفيق في القلب، ومن الأول ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ ﴾ [ فصلت: 17]، ومن الثاني: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ ﴾ [القصص: 56] الآية.
وقصرها المعتزلة على الأول ونفوا الثاني بناء على قواعدهم من أن العبد يخلق أفعاله؛ فلم يقولوا في معنى ﴿ إِنَّكَ لَا تَهۡدِي ﴾ [القصص: 56] لا تخلق التوفيق بقلب من أحببت، تأمله اهـ.
وقوله: (بألفاظه) وكذلك أنواع السعادة عام، أي: بكل لفظ من ألفاظه أفراداً أو تركيباً جميع أنواع السعادة إلخ، وقد أبدع بعض المغاربة في حديث: «يا أبا عمير ما فعل النغير نحو ثلاثمائة فائدة مع أنه من مزاحه ﷺ فإنه كان يمازح ولا يقول إلا حقاً».
واقتصر الشارح على ذكر ألفاظه مع أن مسائل العلم هي أيضاً من أحواله وأفعاله وتقريراته؛ لأن ذلك أقوى ما حصل عنه العلم وأكثر.
ولبراعة الاستهلال فى قوله: «بألفاظه» مع الاختصار وعطف «الهدى» أي: الاهتداء على «أنواع السعادة» من عطف المسبب على السبب إذ مسائل العلم سبب للاهتداء، ولك أن تعطف «الهدى» على «السعادة»، أي: أنواع الاهتداء اهـ.
ولم يقل: الموصلة ألفاظه إلى أنواع، مع أنه نعت حقيقي، لأجل براعة الاستهلال في الموصول؛ وذلك أن المصنف تكلم على وضع الأمور التسعة: الضمير واسم الإشارة والموصول والحرف والعلم واسم الجنس والمصدر والفعل والوصف، وجل ذلك مذكور عند الشارح، وما أراد به الشارح إلا معانيه اللغوية دون الاصطلاحية.
قوله: (المضمر) أي: المخفى قال الشاعر: [الطويل]
ستبقى له في مضمر القلب والحشا بدائع سر يوم تبلى السرائر
وقال أبو حفص سيدي عمر الفاسي:
أضمرت في القلب هوى شادن مشتغل بالنحو لا ينصف
وصفته ما أضمرت يوماً له فقال لي المضمر لا يوصف
والإشارة تحريك عضو على وجه مخصوص، وأراد بـ(أصناف الحكمة) مسائل العلم.
وإنما قال المضمر لذلك؛ لأن الإشارة من حيث هي اقتضت الإضمار والإخفاء، فلا يطلع على مفادها كل واحد بل الحاذق اللبيب فقط، أو المراد أن إشارته احتوت على مسائل العلم، لكن منها ما هو ظاهر ولا إشكال، ومنها ما هو مفاد تلك الإشارة على سبيل اللزوم والتبعية والتلويح والرمز ولا إشكال في وصفه بالخفاء وعدم الوضوح.
ويحتمل أن يكون أراد الشارح بـ«إشارته» عباراته؛ لأن الإشارة تحريك عضو على وجه مخصوص، فيصدق العضو باللسان، وأراد أن العبارة المذكورة تحتوي بحسب الدلالة الالتزامية والمجازية على أصناف الحكمة، أي: فكل عبارة له احتوت على لآلي المعاني وجواهر لا نهاية لها؛ ولذلك لم يزل الأئمة يستنبطون من أحاديثه ﷺ علوماً وأسراراً لم يطلع عليها من قبلهم، وهكذا.
وفي الحديث: «أوتيت جوامع الكلم» اهـ, ولك أن تريد بـ«أصناف الحكمة» فنون العلم لا مسائل العلم، وذلك كالعلم اللدني والعلم الفروعي والعلم الأدبي والعلم بالغيب كالإخبار بالفتن وهكذا، وقد أحاط بالعلوم المذكورة كلها وزيادة.
في قوله: (والتقى) مصدر «اتقى» وأصله «وقى» من الوقاية قلبت الواو تاء، ويقال المصدر أيضاً: «تقاة»، قال تعالى: ﴿ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ ﴾ [آل عمران: 28] وهو أي التقى، مصدر نوعي لوجود أل فيه أو يقال: هي جنسية، والحق أنها استغراقية، ولكن يعطف «التقى» على «أصناف» ح، أي: المضمر في إشارته أصناف الحكمة وكل فرد من أفراد التقى اهـ، لكن التقي وصف للشخص المتقي المتباعد وكلامه أو إشاراته احتوت ودلت على أسباب هذا التباعد لا على نفس التباعد، فأراد بالتقي سببه اهـ.
وقد يقال: لا مانع من كون المراد أن إشارته دلت على هذا الفعل الدال على سبب الشيء دال عليه، تأمل اهـ.
وقد علمت أن التقوى اجتناب النواهي وامتثال الأوامر، قال بعضهم:
وحاصل التقوى اجتناب وامتثال بظاهر وباطن بذا ننال
اهـ، ومراتب التقوى خمسة: الأولى: التباعد عن الشرك ثم التباعد عن المعاصي، وهو أكثر الوارد في القرآن، ثم التباعد عن الشبهات، وفي الحديث «الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه و عرضه، ومن لم يتقها كان كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه». ثم التباعد عن المباح، وهو الزهد دفعاً للانهماك والركون إلى لذة الدنيا المشغل ذلك عن الله تعالى، وفي الحديث: «أزهد فيما بأيدي الناس يحبك الناس» اهـ.
وهذا الحديث والذي قبله هما من الأحاديث الأربعة التي عليها عماد الدين، والثالث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، والرابع: «إنما الأعمال بالنيات»، ونظم بعضهم الأربعة الأحاديث فقال:
عمدة الدين عندنا كلمات أربع من كلام خير البرية
اتق الشبهات وازهد ودع ما يريبك واعملن بنية
ثم الخامسة: التباعد عما يشغل عن الله، فيفني المرء في فعله تعالى وصفاته وذاته:
أهل المحبة بالمحبوب قد شغلوا وفي محبته أرواحهم بذلوا
وخربوا كل ما يفنى وقد عمروا الذي يبقى فيا حسن الذي عملوا
لم تلههم زينة الدنيا وزخرفها ولا جناها ولا حلي ولا حلل
وقال سيدي عمر بن الفارض -رحمه الله-:
ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهواً قضيت بردتي
وقوله: (محمد) بدل أو عطف بيان، ويصح رفعه أو نصبه على القطع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أو مفعول بفعل محذوف، أي: «هو محمد» أو «أمدح محمداً». والرسم يقبل الجميع ما عدا النصب فهو على بعض وجوه الرسم.
وقدم الأوصاف على العلم الاسم فهو نظير «العزيز الحميد الله»؛ لأن ذكره ح أوقع في النفس للتشوق إليه والتوجه إليه والشغف به.
و«محمد» علم على نبينا ﷺ، هو منقول من اسم مفعول «حمّد» المضعف، سماه به جده عبد المطلب لموت والده عبد الله، فقيل له: لم سميته بهذا الاسم وليس من أسماء آبائك، فقال: رجوت أن يُحمد في السماء والأرض. وقد حقق الله رجاءه وزيادة المبني تدل على زيادة المعنى، فحمده الثقلان والملائكة والكون جميعه وسيبعثه الله مقاماً يحمده فيه الأولون والآخرون، وكذلك هو أحمد الحامدين كما في حديث: «وأنا أحمد الحامدين وبيدي لواء الحمد يوم القيامة»، وهناك منزع آخر أشار له بعضهم بقوله:
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
قوله: (اسمه)، أي: اسم محمد، فالاسم أريد به الدال والضمير أريد به الذات الشريفة، فالإضافة من إضافة الدال للمدلول، لا أنها للبيان، أي: وليس المراد أنه ذكر في الكتابين بهذا الاسم العنواني وهو محمد، بل ما هو أعم فهو مذكور في التوراة باسم «طاب»، وفي الإنجيل باسم «ماحي» اهـ.
فإن قيل: هو في الإنجيل باسم «أحمد» لا باسم «ماحي»، قال تعالى حكاية عن عيسى على نبينا وعليه أزكى الصلاة والسلام: ﴿ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ ﴾ [ الصف: 6]،
يقال: ليس ذلك في الإنجيل وإنما أخبر به عيسى، وقد علم عيسى أن له أسماء عليهما السلام.
ثم إنه لا مفهوم لهذين الكتابين لأنه مذكور أيضاً في غيرهما من الكتب السماوية كالقرآن قال تعالى: ﴿ مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ ﴾ [الفتح: 29] وكذلك في ساق العرش وفي غرف الجنة، وفي سدرة المنتهى، وعلى كل قصر في الجنة وورق شجرة طوبى وفي السماوات وبين أعين الملائكة.
كما رواه ابن عساكر: وقد شاهدت بالمغرب حجراً مكتوباً فيه بقلم القدرة والنشأة الأولى: «محمد رسول الله» وأخبرني بعضهم أن بالمغرب جبلاً كل أحجاره مكتوب فيها «محمد رسول الله»، كما أني شاهدت حجراً صغيراً جداً مكتوب عليه «وأفوض أمري إلى الله« اهـ، فالله يجعلنا من أهل رضاه وحزبه ووداده اهـ.
والسر في تخصيص الشارح ذكر الاسم بهذين الكتابين شدة إنكار المتمسكين بهما نبوّته، أما الزبور فجله أو كله مواعظ لا أحكام فيه، وأهل التوراة والإنجيل هم المراد بأهل الكتاب في القرآن، ففيه إشارة إلى أنهم لو أمعنوا النظر لوجدوا الحق دالاً عليه ما بأيديهم فهم أهل الجحد والعناد.
قوله: (وعلى آله) أتبع الصلاة عليه بالصلاة على الآل لحديث: «إياكم والصلاة البتراء» قيل: ما هي يا رسول الله؟ فقال: «أن تصلوا علي دون آلي»، ولا تجوز الصلاة على غير الملائكة والأنبياء عليهم السلام إلا تبعاً كما هنا، والآل هم بنو هاشم، وقيل: والمطلب، وأشار للقولين خليل في مصرف الزكاة حيث قال: "وعدم بنوة لهاشم والمطلب على نسخة وفي أخرى: لا المطلب" اهـ.
وقيل: كل قرشي وقيل: كل عربي وقيل: أتقياء الأمة ويشعر به حديث «إنما ولي الله وصالحوا المؤمنين» وقيل: إنهم جميع أمة الإجابة، ومقام الدعاء يعمم فيه: لأن الدعاء مهما كان أعم، إلا وكان للإجابة أقرب ولا ينافيه جعلهم مظهر الحق؛ لأن النظر للجملة لا للإفراد أو للإفراد أيضاً وكل واحد هو مظهر الحق في الجملة.
قوله: (مظهر الحق ...إلخ) ، هنا نسختان، إحداهما نسخة بالجمع مع ضم الميم وكسر الهاء، اسم فاعل من «أظهر» وكذلك «مبطلي» جمع مبطل اسم فاعل من «أبطل»، أما مفعول بفعل محذوف، أعني: أو أمدح مظهري الحق إلخ، وهو نعت لـ«آله» لكن يراد به الدوام والثبوت، فإضافة الوصف ح محضة معنوية فلم يكن فيه وصف المعرفة بالنكرة، وإن لم يرد بهما ذلك فالنصب على الحال وتأنيتهما «مظهر» بفتحتين بينهما سكون اسم مكان وكذا يقال في «مبطل».
والمراد بـ«الحق» الكلام المطابق خارجه للأخبار، أي: نسبته الخارجية طابقت النسبة الكلامية أو نفس مطابقة النسبة الخارجية للكلامية عكس الصدق، وأراد به أي: بالحق، الشريعة.
وقوله: (الأباطيل) جمع باطل على غير قياس كما في قول كعب:
كانت مواعد عرقوب لها مثلاً وما مواعيدها إلا الأباطيل
أراد به الكذب، أي: وعلى آله الذين أظهروا الحق والشرع، أي: بأقوالهم تعليماً وبسيوفهم قتالاً وأحوالهم فعلاً واتصافاً.
وقوله: (مبطل) أي: هم أبطلوا، أو مكان إبطال الأباطيل، أي: إخفاء الكفر والكذب حيث أماتوه بسيوفهم وبألسنتهم نهوا عنه، وبأحوالهم تباعدوا عنه، إلا أنه على نسخة «مَبْطَل» بفتحتين بينهما سكون، أي: مكان بطلان الأباطل، يقال: إن البطلان وصف للباطل لأن مفعلاً مأخوذ من الثلاثي والذي هو صفة للآل هو الإبطال لا البطلان، فيقال: أراد بالبطلان الإبطال، فالتغبير اسم المسبب عن السبب، أي: إخفاء الكفر والكذب، فلا إشكال.
وإن أراد بالإبطال جعل الشيء باطلاً فيراد بالباطل الذات لا بقيد الوصف العنواني، تأمله.
قوله: (ما ظهر ...إلخ)، «ما» مصدرية ظرفية، أي: مدة ظهور إلخ، وأراد بـ«النجم» الأول النبات الذي لا ساق له، أما الشجر فهو الذي له ساق، قال تعالى: ﴿ وَٱلنَّجۡمُ وَٱلشَّجَرُ يَسۡجُدَانِ ﴾ [الرحمن: 6]، والمراد بـ«العلم» الأول الجبل، قالت الخنساء:
وإن صخراً لتائم الهداة به كأنه علم في رأسه نار
وقال البوصيري:
دعني ووصفي آيات له ظهرت ظهور نار القرا ليلا على علم
فإن قيل: النبات يظهر أيضاً في غير العلم، يقال: لكن ظهوراً أخف من الظهور المذكور قبله.
وقوله: (اشتهر النجم في العلم) أراد بـ«النجم» المذكور الكوكب أو خصوص الثريا، فهو علم بالغلبة عليه. قال الشاعر:
طلع النجم عشاء وابتغى الراعي كساء
وقد جوز الوجهان في قوله تعالى: ﴿ وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ ﴾ [ النجم: 1]، وقوله: «علم» أي: علامة، أي: ما اشتهر للكوكب علامة على السبيل وعلى القبلة وعلى الوقت، والمراد بالاشتهار الهداية وفي بعض النسخ «الظلم»، فهو ظلمة، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ ﴾ [الأنعام: 97]، وأراد بذلك الكناية عن التوقيت والدوام والتأييد على عادة العرب كقول القائل:
إذا غاب عنكم أسود العين كنتم كراماً وأنتم ما أقام ألائم
فأراد بـ«أسود العين» جبلاً اهـ.
أي: الصلاة عليه وعلى آله مدة ظهور النبات في الجبل واشتهار الكوكب علامة للمسافر والمصلي وهي دائمة.
وبين العلم الأول والثاني جناس تام، نحو ﴿ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٖۚ ﴾ [الروم: 55]، وعلى ما في بعض النسخ من «الظلم» بدل «العلم» الثاني يكون في كلامه جناس لاحق نحو: ﴿ وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ ﴾ [الهمزة: 1]؛ لأن التوافق وقع بين الكلمتين في أمور ثلاثة: العدد و الهيئة و الترتيب، ووقع الاختلاف في النوع والحرفان متباعدا المخرجين.
قوله: (وبعد ...إلخ) «الواو» للاستئناف، والظرف يتعلق بمقدر، أي: وأقول بعد الحمد والصلاة السابقين لما شاع ...إلخ، فـ«الفاء» زائدة، ويحتمل أن «الفاء» فاء «أما» المتوهمة، أي: مع الاستئناف والعمل المذكورين، ويحتمل أنها فاء «أما» حقيقة ناب عنها الواو، فـ«الفاء» ليست زائدة والواو نائبة لا للاستئناف والظرف معمول لما ناب عنه «أما».
و«بعد» كـ«قبل» و «فوق» من الظروف والغايات بنيت على الضم لقطعها عن الإضافة لفظاً ونوى معنى المضاف إليه:
واضم بناء غير إن عدمت ما له أضيف ...إلخ،
ويقال لها الغايات لإضافاتها إلى الغايات الزمانية والمكانية اهـ.
ثم إن البعدية على الأول أيضاً بعدية اتصال وفور لا بعدية تراخ وانفصال، والدليل على ذلك هو المقام، وأيضاً الأصل فيها هو الاتصال وعدم التوسع إلا لقرينة وهي مفقودة؛ فلذا يفسر الكلام بقوله: وأقول عقب ما تقدم من الحمدلة والصلاة المذكورتين: لما شاع و ح، فقد ساوى الوجهان.
وقوله: (لما شاع) «لما» شرطية، جوابها قوله: «أردت الخوض».
قوله: «شاع» أي: ظهر وانتشر وجوداً أو صيتاً وذكراً أو إقبالاً واعتكافاً أو الجميع.
قوله: (الأمصار) جمع مصر، وهو في الأصل محل قسم الغنيمة ثم نقل لكل بلد كبير، لا يختص بالبلد التي على النيل، أي: مصر العتيق، وهو علم أيضاً عليها.
وأما قوله تعالى: ﴿ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا ﴾ [البقرة: 61] فعلى قراءة المنع من الصرف، فالمراد بها خصوص مصر العتيق لأجل المنع المذكور، لكن منعه من الصرف ح ليس بواجب؛ لأنه ليس رباعياً ولا كـ«جور» ولا «سقر» من كونه أعجمياً أو محرك الوسط اهـ، ولا يصح أن يراد بها كل بلد بلد؛ لأنه لم تبق علة العلمية إلا أن يقال: هو من باب والمصروف قد لا ينصرف فتشمل ح قراءة منعه من الصرف كل بلد كبير اهـ.
وأما على قراءة الصرف والتنوين فيحتمل أن المراد به كل بلد كبير ويحتمل خصوص مصر العتيق، وصرف لأجل أن المؤنث ليس أزيد من ثلاثة أحرف كـ«زينب» ولا محرك الوسط كـ«سقر» ولا أعجمياً كـ«جور» قال في الخلاصة:
وجهان في العادم تذكيراً سبق وعجمة كهند والمنع أحق
وبالجملة : فعلى القراءتين يحتمل أحد المعنيين، أما كل بلد بلد كبير فتندرج مصر العتيق تحت العموم، وأما خصوص مصر العتيق فلا تتناول سواها، وخص الأمصار لأنها محل العلم غالباً، وإلا فقد شاعت في الآفاق كلها، ولو قال: "لما شاع في القرى أو في البلدان" لأوهم أولاً أنها من الأمور الواضحات الجليات.
قوله: (وظهر ظهور الشمس) من عطف لازم ما على ملزوم؛ لأن الشيوع الكثرة والظهور والانتشار، أي: "ظهوراً مثل ظهور الشمس"، فهو الآن مفعول مطلق نوعي، أي: ظهر ظهوراً خاصاً، وأما فى الأصل فقد علمت أن المفعول المطلق هو «ظهوراً» ثم حذف وأقيمت صفته مقامه ثم حذف المضاف، أعني: «مثل» وأقيم المضاف إليه مقامه :
وما يلي المضاف يأتي خلفاً عنه في الإعراب ...إلخ
وهو تشبيه بليغ بحذف الأدات ووجه الشبه هو غاية الظهور والانتشار والعموم والمعرفة به بحيث لا يخفى على أحد، وهذا غاية ما يوضح به الأمر الجلي ويتبين ظهوره وانتشاره وعمومه، إذا طلع النهار لا يحتاج إلى الدليل.
قوله: (الشمس) هو الكوكب النهاري الذي يخفي طلوعه جميع الكواكب، وبعبارة هو الذي إذا كان فوق الأفق كان النهار وإذا كان تحت الأفق كان الليل.
إلا أنه في الحق كلي لا يمنع نفس تصور معناه من صدقه على متعدد إلا أنه لم يوجد منه في الخارج إلا فرد واحد رحمة بالعالمين، وإلا لاحترق العالم وفسد النظام والاعتدال؛ فهو كلي انحصر في الخارج في فرد واحد، فـ«ألـ» في «الشمس» للعهد والمعهود الفرد الخارجي فلا إشكال.
وقوله: (في النهار) تأكيد من باب «سمعته بأذني» و«أبصرته بعيني»، أو دفعاً لتوهم المجاز؛ لأنه يحتمل أن المراد ظهور نور الشمس قبل النهار بل بالفجر الصادق وهي ح تحت الأفق، فأراد بـ«النهار» النهار العجمي، فبين أن المراد الحقيقة.
قوله: «وظهر» قبل هو مرادف لـ«شاع» تفنن في التعبير ودفع به ثقل تكرار الإعادة أو هو عطف لازم على ملزوم.
قوله: (الرسالة ...إلخ) يتنازع فيه كل من «ظهر» و«اشتهر» وأعمل أحدهما في ضمير المتنازع فيه بعد إهماله والآخر هو العامل في لفظ «الرسالة»، لكن هنا إشكال وهو أن المهمل يجب تأنيث لفظه لأن الفاعل ضمير مؤنث،
وإنما تلزم فعل مضمر متصل أو مفهم ذات حر
فإما أن يقال: هذا على مذهب هشام وجماعة من أن المهمل لا فاعل له أصلاً، وإما أن يقال: على حد «ولا أرض أبقل أبقالها»، قال تعالى: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِنۡهُ ﴾ [مريم: 90] كذا قيل، وإما أن يقال: محل وجوب تأنيث الفعل إن لم يكن الضمير عائداً على متأخر، وإلا فهو كالفاعل الظاهر المؤنث اهـ.
قوله: «الرسالة» فالمصدر، إنما سماها فائدة تواضعاً منه، وإلا فهي رسالة كما قال الشارح، تأمله.
وقد قيل: الفائدة المسألة الواحدة، والرسالة ما اشتملت على مسائل قليلة من فن واحد، والمختصر ما اشتمل على مسائل قليلة من فن أو فنون، والكتاب ما اشتمل على مسائل قليلة أو كثيرة من فن أو فنون، فكل أخص مما بعده عدا الفائدة بإطلاق اهـ، قاله في شرح المطالع.
وقد علمت أن وصف الرسالة بالظهور يقتضي الإيراد بها إلا النقوش أو الألفاظ على ما فيه.
قوله: «الرسالة» «ألـ» للعهد، والأ فلا تعيين إلا أن يكون قد الحصر جنس رسالات العضد خارجاً فيها؛ فتفيد التعيين بمعونة الحصر المذكور.
قوله: «العضدية» نسبة للعضد مؤلفها ووصفها بذلك لشدة داعي الإقبال عليها؛ لأن العلم يشغف به العدالة وتحرير مؤلفه ودقة نظر قائله.
وحذف معمول «أفادها» للاختصار مع العلم بعمومه، أي: كل طالب، على حد قوله تعالى: ﴿ وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ ﴾ [يونس: 25] أي: جميع عباده، وليست علة الحذف العموم، خلافاً للتلخيص.
قوله: «أفادها» أي: جعلها فائدة، والفائدة أي: اصطلاحاً كما يأتي ما استفيد من علم أو مال، مع الفرق بينهما وبين الغرض والغاية والعلة الغائية، قيل: إن لفظ «أفادها» يعطي أن مسمى الرسالة الألفاظ؛ إذ هي التي حصلت من المصدر، وهو خلاف ما يأتي من أنها المعاني فبينهما تناف، وفيه بحث؛ لأن الإفادة هي على التحقيق بالمعاني.
قوله: «المولى» يطلق على معان بالاشتراك، منها: ذو الولاء عليه أو له، ومنها: السيد الذي يفزع إليه، ومنها: الناصر، ويصح كل من المعنيين الأخيرين جمعاً أو بدلاً؛ لأن العضد سيد في العلوم يفزع إليه في حل مشكلاتها وفتح مغلقاتها وينصر العلم وأهله بالتأييد بالأدلة وإبطال شبه المخالفين كالمعتزلة والجبرية وغيرهم؛ إذ هو جبل من أطواد أهل السنة.
قوله: «الإمام» أي: المقتدى به أو المتقدم، أي: تقديماً معنوياً في العلوم العقلية والنقلية، فله تأليف في ذلك، مثل: «شرح مختصر ابن الحاجب» الأصلي و«المواقف» في علم الكلام والفوائد الغياثية في علمي المعاني والبيان.
قوله: «المحقق» أي: الذاكر للحق، أي: للكلام المطابق خارجه نفس نسبته أو الذاكر للنسبة المطابق خارجها لما في الكلام اهـ، أو أراد بـ«المحقق» مقيم الدليل على المدعى؛ لأن الحق يطلق على ذكر الشيء على الوجه الحق، وعلى إثبات المسألة بالدليل العقلي أو النقلي.
قوله: «الفاضل» أي المتصف بالفضل وهو صفة كمال.
قوله: «المدقق» التدقيق ذكر المسائل الدقيقة، أي: الخفية، ذكر له دليل أم لا، ويطلق التدقيق على إثبات دليل المسألة بالدليل ككون بعض المقدمات نظرية فيستدل عليها؛ ولذلك قيل:
وينتهي إلى ضرورة لما من دور أو تــــــســــلســــــل
كما في الاستدلال على حدوث العالم بقولك: «العالم متغير وكل متغير حادث»، ثم تستدل على الصغرى فتقول: «العالم ملازم للأعراض المتغيرة بالمشاهدة والضرورة وكل ملازم للمتغير فهو متغير فالعالم متغير» اهـ.
فبين التحقيق والتدقيق تباين أي باعتبار المفهوم لا باعتبار الصدق، فالتدقيق أخص تدبر اهـ.
فالدليل: أن لوحظ حال إثباته المذكور أنه دليل كان إثباته تدقيقاً وإلا كان تحقيقاً، وقيل: التحقيق إثبات المسألة بدليل كان على وجه فيه دقة أم لا، والتدقيق إثبات المسألة بدليل على وجه فيه دقة، فهو أخص من التحقيق.
فإن قيل: التدقيق على الأول جواب عن نقص وقع من المتكلم لأنه لما أدرج النظرية في الدليل كان دليله ناقصاً وكيف يمتدح!،
يقال: هو إجراء في الدليل على وفق فكره السيال ونظره المتسع، ثم بعد ذلك أيد و استدل على بعض المقدمات مسايرة مع السامعين وتتميماً لإفادتهم اهـ.
فإن قيل: التدقيق على المعنى الأول، أعني: ذكر الشيء الدقيق، هل هو فعيل بمعنى فاعل، أي: الشيء داق خفي، أو بمعنى مفعول، أي: الشيء مدقوق، أي: مخفي؟،
قلنا: الجواب هو الأول ويصح الثاني على تكلف اهـ.
ثم اعلم أنهم يزيدون هنا الترقيق وهو التعبير بفائق العبارات العذبة، والتنميق وهو يراعي في التراكيب النكت المعانية والمحسنات البديعية، والتوفيق وهو سلامة التراكيب من الاعتراض، والتزويق وهو ذكر الشيء مزوقاً مبهجاً محسناً بالتجنيس والمحسنات اللفظية اهـ.
وقوله: (خاتمة ...إلخ) الخاتم في الأصل بفتح ما بعد الألف كـ«طابع» أو «طابق» و«كاغد».
ويصح الكسر، وهو الآلة التي يقع بها الختم والطبع؛ فيصح أن يراد هنا، والتاء للمبالغة على نسختها، والمعنى: ح أنه واسطة في رواج العلماء وكتبهم وأقوالهم، وعلى هذا فيكون الشارح قد شبّه بالخاتم والآلة فهو تشبيه بليغ بحذف الأدات ؛ فلا استعارة للجمع بين طرفي التشبيه، أي: المصدر والخاتم، أعني: الآلة.
ووجه الشبه هو توقف الرواج على كل؛ فإن الآلة عليها يتوقف الرواج في الرسائل والمصدر يتوقف رواج العلماء عليه، فما كتب عليه من كتبهم راج بين الناس وما صححه من الأقوال قبل رواج ومن أثنى عليه من الأئمة قبل قوله اهـ.
ويصح أن يكون «خاتم» بكسر التاء اسم فاعل من «ختم» إذا طبع، والمعنى: ح أنه موصل العلوم والمعاني للأفكار موضح بها نافع للخلق، وعليه فيكون في الكلام استعارة تصريحية أصلية تبعية.
وتقريرها: أنه شبه تفهيم العضد العلماء وإيضاحه المعاني والإيصال إلى أفهامهم بالختم والطبع بجامع أن كلاً سبب لإقبال الخلق وتعلقهم به، واقتصر على لفظ المشبه به، واشتق من الختم بالمعنى المجازي، أعني: التفهيم والإيصال «خاتم»؛ فكانت الاستعارة في المصدر أصلية تبعية في اسم الفاعل اهـ.
وإنما لم يكن تشبيهاً بليغاً بل استعارة؛ لأن أحد طرفي التشبيه هو التفهيم المذكور لا المصدر، فلم يجمع بين طرفي التشبيه.
ويصح أن تقرر الاستعارة التصريحية بوجه آخر هو أنه شبه الترويج من العضد للعلماء بالختم والطبع من ذوي الأمر لأهل الحوائج بجامع حصول القصد وسكون القلوب مع كل وشدة الإقبال عليه، وذلك أن الترويج جعل الشيء رائجاً بالكتابة أو الثناء عليه، فظهرت العلاقة؛ لأن السكون متأخر عنه، وكذا تظهر فيما إذا كان معنى الترويج للشيء جعله رائجاً شائعاً ذائعاً بين الناس، والجامع الإقبال وسكون القلب مع كل وعدم الإعراض عنه.
ولا يقال هو مسبب عن الختم فالعلاقة السببية فهو مجاز مرسل لا استعارة؛ لأنا نقول: لم نعتبر في العلاقة إلا الشبه، وهو أظهر من قول بعضهم في دفع البحث أنه يتلخص من جميع ذلك بجعل العلاقة سكون القلب؛ لأنه حاصل عن الترويج على كل من معنييه كما هو حاصل عن الختم، والمعنى: ح أن العضد للعلماء بثنائه عليهم فيقع الإقبال عليهم وتسكن قلوبهم اهـ.
ويصح أن يكون في الكلام استعارة بالكناية، بأن شبه المجتهدين برسائل يتوقف رواجها على الختم والطبع بجامع الدلالة والإيصال إلى الأفهام في كل، واقتصر على لفظ المشبه وهو المجتهدين، وإثبات الخاتم للمشبه مع أنه من ملائم المشبه به تخييلية، قرينة للمكنية.
وتقرير الاستعارة بالكناية هنا على المذاهب الثلاثة:
مذهب السلف: من أنها لفظ المشبه به المستعمل في المشبه المطوي المستغنى عنه بذكر لازمه، ومذهب السكاكي: من أنها لفظ المشبه فهي على كل من المجاز، ومذهب التلخيص: من أنها التشبيه المضمر في المجاز.
المذاهب الثلاثة أمر معلوم، بل هناك مذهب رابع للعصام: من أنها تخرج على التشبيه المقلوب، فليراجع في محله اهـ.
والتخييلية لازمة للمكنية؛ إذ هي قرينتها بل كل منهما لازم عن الآخر، وقال «الكشاف»: بل قد تفارقها واستدل بآية ﴿ وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ ﴾ [الرعد: 25]، فقد شبه العهد بالحبل بجامع التوثق بكل، ثم شبه حله والإعراض عن وفائه بالنقض الذي هو حل طاقات الحبل بجامع الإبطال، واقتصر على لفظ المشبه به؛ فكانت الاستعارة في «ينقضون» تصريحية أصلية تبعية، وهي قرينة الاستعارة المكنية الأولى فلا تخييلية هنا اهـ.
وقال السكاكي: قد توجد التخييلية بدون المكنية نحو: أظفار المنية الشبيهة بالسبع، فـ«أظفار» استعارة تخييلية ولا مكنية للجمع بين طرفي التشبيه، وخرجه الجمهور على التشبيه المرشح :
هي الشمس مسكنها في السماء فعز الفؤاد عزاء جميـــــــــــــــلا
فلن تستطـــــيع إليها الصعود ولن تستطيع إليك النزولا، اهـ.
ثم إن جعل خاتم المجتهدين استعارة بالكناية هو قوي ويظهر الأثر في رجوع المدح إلى المصنف الذي هو المراد كما لا يخفى؛ لأن المعنى: أن العلماء المجتهدين متوقفون على إيقاع ثنائه عليهم كما توقفت الرسالة على طبع وختم صاحبها، تأمل.
و«المجتهدين» جمع مجتهد، وهو باذل الجهد في تحصيل المراد والقصد، وفي الاصطلاح: بذل الجهد في استنباط علم من كتاب أو سنة، وصاحبه هو المجتهد المطلق كإمامنا مالك رضي الله عنه، ويطلق أيضاً على باذل الجهد في تحرير العلوم وتنزيلها على محالها.
والمجتهد من العلماء أقسام ثلاثة: مجتهد مطلق كما تقدم، ومجتهد في الفروع وهو الذي ينظر في قواعد إمامه فيثبت منها الأحكام لفروع في المذهب، ومجتهد في الفتوى وهو الذي ينظر في مدارك إمامه فيرجع بين أقوال إمامه.
ثم إن الإضافة في «خاتمة المجتهدين» بالمعنى الأول على معنى اللام، أي: أن مثل آلة الختم للمجتهدين فمن روّجه راج ومن لا فلا، وهو أبلغ من جعل الإضافة على معنى من، أي: هو خاتم من المجتهدين، مع كون شروط هذه الإضافة لم توجد اهـ.
وعلى المعنى الثاني، أي: على الاستعارة التصريحية بوجهيها يصح أن تكون على معنى اللام، أي: أن المصنف يفهم ويوضح للمجتهدين الأمور والصعاب ويزيل الإشكالات التي عسرت على الأقدمين أو يروج العلماء بثنائه، ويصح أن تكون ح على معنى من أيضاً، ولكن المعنى الأول أبلغ على ما تقدم.
وعلى المعنى الثالث من الاستعارة بالكناية تكون الإضافة على معنى اللام، هذا ولك أن تجعل «خاتمة» بمعنى آخر الشيء الذي ختم به ذلك الشيء، والتاء للمبالغة أيضاً، أي: أن المصنف آخر المجتهدين، كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ ﴾ [الأحزاب: 40] أي: به خُتمت النبوة كما ابتدئت به؛ فالإضافة على معنى اللام أيضاً.
قوله: «عضد الحق والدين» هذا لقب المصنف ولكن تصرف فيه الشارح؛ إذ المشهور فيه عضد الدين، وارتكب فيه مجازاً مرسلاً؛ لأنه أطلقه على لازم عنه يوصف به المصنف حقيقة أراد أن المصنف مقوي الحق والدين.
وبيان ذلك: أن العضد اسم للعضد الذي بين المرفق والكتف، أطلقه وأراد به الحال فيه، أعني: القوة مجازاً مرسلاً على حد ﴿ فَلۡيَدۡعُ نَادِيَهُۥ ﴾ [العلق: 17].
لكن الحق أنه أطلق المحل على المتصف بسبب حاله أو هو من التعبير عن الشيء بدال سبب ما اتصف به مجازاً مرسلا لعلاقة الملزومية واللازمية، وبيان ذلك: أن مراد الشارح أن المصنف هو مقوي الحق والدين، والمقوي ذات مع وصف التقوية، وهي أي: التقوية سبب في القوة التي في حالة في العضد المذكور، وألجأه إلى هذا البعد مناسبة اللفظ للقبه اهـ.
فهو مرسل بقرب علاقته لأجل ما ذكر، أو يقال: مجاز مبني على مجاز.
ولا يصح أن يقال: إنه مجاز مرسل تبعي حيث أطلق العضد اسم المحل على الحال، أي: القوة بمعنى التقوية، ثم اشتق من القوة المذكورة المقوي؛ فكان المجاز المرسل في التقوية أصلياً وفي المقوي تبعياً.
لما علمت أن هذا مدلول لا دال، والمجاز هو اللفظ لا المعنى المدلول، ولا يشتبه عليك المدلول بالدال؛ ويصح أن يراد به القوة، فالمعنى: هو قوة الحق والدين، فالعلاقة الحالية والمحلية.
وانظر على ما أغرب فيه العصام وأن التبعية تكون في الاستعارة المكنية، ومثل لذلك بنحو: «أعجبتني إراقة الضارب دم زيد» هل يصح كون المجاز في الشارح تبعياً كما قال هذا القائل أم لا؟.
ولا أن يكون في الكلام استعارة تصريحية، بأن يكون شبهه بالعضد لما علمت من الجمع بين طرفي التشبيه اهـ.
وقيل: يصح أن تكون في الكلام استعارة بالكناية، بأن يكون شبه الحق والدين بإنسان بجامع حصول النفع عن كل، واقتصر على لفظ المشبه، وإثبات العضد للحق والدين تخييلية اهـ، والعضد هو في معناه الحقيقي ولا يخفى ما في هذا الوجه من المبالغة.
قوله: «عضد الحق» اعلم أن العضد رحمه الله هو الإمام أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الإيجي بكسر الهمزة ثم مثناة تحتية ساكنة ثم جيم موحدة من تحت، نسبة إلى إيج بلد بالعراق من عملة كرمان، كان قاضياً ووقعت له محنة مع صاحب كرمان، توفي بسجن كرمان سنة ست وخمسين وسبعمائة اهـ.
تخرج على يده جماعة من المحققين كسعد الدين التفتازاني وضياء الدين المقدسي وشمس الدين الكرماني.
قوله: «الحق والدين» الحق النسبة المطابق خارجها لها، والمراد بـ«الدين» النسبة التامة كوجوب الصلاة والزكاة وحرمة الزنى والسرقة، فهو من عطف المرادف، وأراد بتقوية المصنف لذلك أنه يقيم الأدلة العقلية والنقلية على ذلك.
قوله: (أعلا الله ...إلخ) دعاء بصيغة الماضي، والأصل: اللهم أعل درجته ...إلخ، عدل عن مقتضى الظاهر من صيغة الإنشاء إلى ذلك لأحد أمرين: التفاؤل بالوقوع أو لإظهار الحرص على الوقوع، قال في التلخيص: والدعاء من البليغ، بذلك يحتمل الأمرين، والمراد بالدرجة المنزلة مجازاً مرسلاً لعلاقة المجاورة أو السببية، تدبر.
و«عليين» هو اسم لأعلا مكان في الجنة في الفردوس، جعل الله منزلته في الجنة في أعلاها، فالإضافة بين «أعلا» و«عليين» من إضافة الصفة، أو للبيان، أي: جعل الله منزلته في أعلا هو عليون.
ويحتمل أن الإضافة حقيقية، فالمنازل في عليين متفاوتة في العلو؛ فدعا الله أن يجعله في الأعلا، أي: يكون في أعلا عليين.
ويحتمل أن للأعلا عليين أمكنة مرتفعة متفاوتة في الرفعة والعلو؛ فدعا الله بأن يجعله في أعلا أعلا أي المكان الأعلا أمكنة الأعلا من عليين وهذا أبلغ. فالأوجه ثلاثة مع كون عليين موضعاً في الجنة اهـ.
وقيل: عليون اسم موضع في السماء السابعة تجتمع فيه أرواح المؤمنين، فالمراد بمنزلته منزلة روحه، أي: جمع بين روحه وأرواح المؤمنين، فهو دعاء بتحقق الإيمان.
وقيل: هو اسم لإيوان يكتب فيه الحَفَظة الخير، أي: أعلا الله أعماله وجعلها في ديوان القبول، قال تعالى: ﴿ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡأَبۡرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾ [المطففين: 18]، ﴿ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ ﴾ [المطففين: 19]، ﴿ كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ ﴾ [المطففين: 9] الآية.
وعلى كل «فعليون» ملحق بجمع المذكر السالم في إعرابه، وقيل: جمع سلامة.
قوله: (وكانت مشتملة) أي محتوية و(مسائل) جمع مسألة، أي: القضية ذات الحكم أو الحكم نفسه الذي شأنه السؤال عنه.
وقد علمت أن الرسالة اسم أنشأها المصنف على الراجح، فعلى الأول يكون اشتمال الرسالة على المسائل من اشتمال الكل على الأجزاء، وعلى الثاني من اشتمال الدال على المداول، تدبر.
وقوله: (دقيقة) أي: خفية من «دق» إذا خفي، أو خفي الإدراك عنها ففعيلة بمعنى مفعولة لكن من باب الحذف والإيصال، أي: دقيق عنها، أي: وشأن صاحب الخفاء أن يوضح ويبين، وما ذاك إلا بالشرح.
قوله: (تحقیقات) تحقيق بمعنى محقق مجازاً مرسلاً لعلاقة الجزئية والكلية أو السببية نحو: «السكة ضرب الأمير»، أي: مسائل محققة مذكورة على الوجه الحق، أي: موافق نسبتها الخارجية لنسبتها الكلامية، أي: مسائل مؤيدة بالدلائل.
وقوله: (عميقة) بالعين المهملة من العمق، وهو بعد القعر وهو خاص بالمحسوسات، ثم تجوز فيه لمطلق البعد فهو مجاز مرسل بمرتبة، أو لبعد الإدراك بعد مطلق البعد فهو مجاز مرسل بمرتبتين، أي: لوحظ في المعنى المجازي الخصوص؛ فتكون العلاقة الأولى بين مقيد حقيقي ومطلق مجازي، والثانية بين مطلق مجازي ومقيد مجازي آخراً.
والحق أنه مجاز واحد فالعمق في مطلق البعد مجاز مرسل، وإسناد البعد أمالها، أي: عن الإدراك أو للإدراك أي بعيد إدراكها، تأمله.
وجملة «وكانت مشتملة» حال فهي على إضمار «قد» ولم نقل إنها معطوفة على جملة «شاع في ...إلخ»؛ لأن العطف يتبادر منه الاستقلال مع أن المراد أن سبب وضع الشرح أمر واحد محتو على أمور وليس كل واحد بانفراده سبباً مستقلاً.
قوله: (مع غاية ...إلخ) حال من ضمير «مشتملة»، أي: مشتملة هي، أي: الرسالة حال كونها مصاحبة لغاية الإيجاز.
واعلم أن الشارح دفع بقولهه: «مع غاية الإيجاز» ما يتوهم منها من اشتمالها على المسائل الكثيرة أنها مطولة، أو أن بها حشواً، وقصد الشارح أيضاً أن سبب وضع الشرح هو خفاء المسائل ودقتها وعمق التحقيقات، وكون ذلك موجزاً غاية ومختصراً نهاية، فالشرط المذكور ملائم مع جوابه، أعني: (أردت الخوض ...إلخ).
واعلم أن الإيجاز والاختصار تقليل اللفظ كثر المعنى أم لا، وقيل: تقليل مع كثرة المعاني فهما مترادفان، وقيل : الإيجاز باعتبار الحروف والاختصار باعتبار الكلمات؛ فـ«قام أبو زيد» أخصر من «زيد قام أبوه» اهـ، والنهاية والغاية مترادفان وقيل: الغاية في الزمان والنهاية في المكان.
قوله: (ولم تكن ...إلخ) الجملة حال فـ«الواو» للحال لا للعطف على جملة الحال، أعني: «كانت مشتملة ...إلخ»؛ لأنه يبقى ربط الحال في هذه الجملة بالضمير فقط كذا قيل، تأمله فإنه لا مانع منه.
قوله: «بد» أي: غنى وفرار.
وقوله: «من شرح» هو في الأصل الكشف والإيضاح ثم نقل للكلام الذي به كشف التأليف مثلاً مجازاً مرسلاً لعلاقة الجزئية والكلية أو المتعلق الخاص إما باعتبار العرف فهو حقيقة في الذي يكشف به، فهو في كلام الشارح حقيقة نظراً للعرف.
قوله: «لا يغادر» الجملة صفة لشرح، والمغادرة الترك، أي: لا يترك نكتة صغيرة ولا نكتة كبيرة إلا أحصاها وذكرها واستوعبها، وأراد بالنكتة الصغيرة ما يقل التوقف عليه أو يضعف الإشكال، وبالنكتة الكبيرة ما يكثر التوقف عليه أو يزيل الإشكال من أصله، وإسناد «يغادر» إلى «الشرح» إسناد مجازي من باب: ﴿ إِوَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا ﴾ [ الأنفال: 2].
والمعنى: ولم يكن غنى وفرار لي من وضع الشرح المذكور؛ لأنه أزعجني إلى ذلك إرادة الثواب والجزاء ،فإني من أرباب الملكات والقادرين على النفع للخلق؛ فلا عذر لي في التخلف عن ذلك المراد، أو كل ذي ملكة لا غنى ولا قرار له من وضع الشرح المذكور، فهو كفرض الكفاية لكن بادرت أولاً لتحصيل هذا المطلب وهذا الغرض بدليل قوله: «أردت الخوض في تتميم هذا المرام»، فيصح كل من الاحتمالين.
أو المراد: لابد لي؛ لأني رأيت اندراس العلم وعدم من يأتي بالغرض على الوجه الأكمل الأتم، ويحتمل أيضاً ولم يكن للمطالع فرار وغنى عن مطالعة شرح لا يغادر ...إلخ، وإلا لبقيت في زوايا الإهمال وما حصل نفع بها.
والشارح رحمه الله نسب ذلك للرسالة في قوله: «لها بد ...إلخ»، فتطرقت الاحتمالات وكان الأظهر هو الأخير.
ويؤخذ من كلام الشارح أن هذا الشرح هو لجمهور أهل العلم المبتدئين والمنتهين الذين لهم مطلق الاطلاع لا خاصة الخاصة الذين لهم ملكة الاطلاع التام؛ لأنهم لا يحتاجون له إلا على سبيل التذكار والتعاهد والإشارة إلى ما كانوا طالعوه وحصلوه اهـ.
أو يقال: أن الجبل الذي بعد السمرقندي كله يحتاج لهذا الشرح وإنما لم يئن ضمير «أحصاها» مع عوده على الصغيرة والكبيرة؛ لأجل أن المراد بالضمير النكت جمعاً.
ثم إن في كلام الشارح رحمه الله اقتباساً وهو ذكر شيء من القرآن أو السنة لا على أنه منه، وإن وقع التخالف في بعض فلا يضر كما في قول ابن الرومي:
لئن أخطأت في مدحك فما أخطأت فى منعي
لقـــــد أنزلــــــت حاجتي بواد غيـر ذي زرع
يشير لقوله تعالى: ﴿ رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ ﴾ [إبراهيم: 37]، ولكن الشاعر نقله إلى جناب لا نفع فيه ولا خير اهـ.
ومن الاقتباس قول بعضهم:
خلة للنساء خلة سوء فاتقوا الله يا ذوي الألباب
وإذا سألتموهن متاعــا فاسألوهن من وراء حجاب
لكن الاقتباس جائز بلاغة وهو ممنوع عندنا معشر المالكية، وهو معنى قول بعضهم: "جائز بلاغة ممتنع شرعاً"، قال السيوطي في عقود الجمان:
قلت وأما حكمه في الشرع فمـــــالك مشدد في المنع
ولــــيس فيه عندنا صراحه لكن يحيى النووي أباحه
ووجه منعه عند الجمهور هو ما فيه من سوء الأدب، لا سيما نحو:
جاء الخلافة أو كانت له قدراً كما أتى ربه موسى على قدر
وقد بالغ ابن عرفة في الإنكار على قاتل البيت المذكور أظنه في سورة طه اهـ.
قوله: «ويبلغ» هو من باب «نصر»، و«المرام» القصد أصله «مروم» ثم نقلت الحركة إلى الساكن قبلها وقلبت الواو، ألفا على القاعدة، و«التبيين» الإيضاح، و«التحقيق» ذكر الشيء على الوجه الحق، أي: على وجه مطابقة النسبة الخارجية للكلامية أو على وجه تأييده بالدليل على ما تقدم، والظرفية مجازية.
والمراد: أن الشرح يبلغ في إيضاح المقصود وتحقيق المسائل المقصودة من الرسالة الغاية والنهاية، فالمرام هو مرام المصنف وقصده، وإنما للشارح أن شرحه يتمم ويحقق قصد المصنف ويؤخذ منه أن الإيضاح هو المقدم أولاً والمعتبر سابقاً وإن كان هو لابد منه حتى في التحقيق، بل العطف كأنه للتفسير والترادف.
وإنما لم يئن ضمير «أحصاها» لعوده على «المرام» و«المقاصد» الذي هو جمع، فالضمير عائد على المضاف إليه على غير الغالب أو هو عائد على المضافين لكن باعتبار المضاف إليه اكتسبا التعدد.
ولك أن تجعل «يبلغ» من باب «قدس» والإسناد مجازي والمفعول محذوف، أي: ناظره ومطالعه، أي: يبلغ من طالعه في منازل التبيين والتحقيق الغاية والنهاية، أي: يصيره بالغاً إليها فيصير الناظر قادراً على التبيين والتحقيق المذكورين للغير؛ لأنه أدركهما من الشرح وصار له ملكة حتى قدر عليهما وعلى إيصال ذلك للغير.
أو المراد: يبلغهما الناظر نفسه بحسب النيل والوصول من الشرح إليه فرجع للمعنى الأول، تدبر.
وبين «أقصاها» و«أحصاها» جناس لاحق كما في قوله تعالى: ﴿ تَفۡرَحُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ﴾ [ غافر: 75] إلخ.
قوله: (أردت ...إلخ) هذا جواب «لما» والإرادة العزم على الشيء.
وقوله: «الخوض» هو في الأصل تحريك بعض الأعضاء لعبور الماء، أو العبور نفسه، أو تحريك الأعضاء فى الماء ولو لغير عبور وهو مستدع تغير في الماء لما في محله.
والمراد بـ«تتميم هذا المرام» الشرح على وجه التمام والكمال، فالخطبة سابقة على الشرح، أو المراد بإتمامه إخراجه من الحافظة للمشاهدة والعيان، فالخطبة أيضاً سابقة، وليس المراد به تتميم الشرح والمرام وإنه كان ناقصاً فأراد تتميمه حتى تكون الخطبة متأخرة عن بعضه، كما أنه ليس المراد الشروع في شرح عليها يسمى تتميم المرام؛ لأن اللفظ لا يعطيه، خلافاً لبعضهم اهـ.
ويصح في كلام الشارح أن يكون المعنى: أردت الشروع في تتميم هذا ...إلخ، فيكون في «الخوض» استعارة تصريحية، وذلك أن الشارح شبه الشروع في الشرح بالعبور في البحر بجامع المشقة وصعوبة كل على النفس والاحتياج للمعالجة، فإن العابر يحتاج لمعالجة البحر بأعضائه وجعلها على كيفية خاصة أو لمعالجة الآلة، والشارع في الشرح يحتاج لمعالجة فكرته بمراجعة النقول وتذكرها وإمعان النظر فيها وتحرير ذلك، واقتصر الشارح على اللفظ الموضوع للمشبه به وهو «الخوض»؛ فكانت تصريحية، والقرينة هي قوله: «في تتميم هذا المرام» اهـ.
ويصح أن يكون في كلام الشارح استعارة بالكناية، وذلك أن يقال: شبه الشرح على وجه التمام ببحر بعيد السواحل والجوانب بجامع مشقة الوصول والاحتياج إلى آلة، واقتصر على لفظ المشبه فكانت الاستعارة بالكناية.
وتقريرها على المذاهب الثلاثة أمر معلوم، وأما إثبات الخوض للتتميم المذكور فهي استعارة تخييلية قرينة للمكنية، والمعنى ح: أردت الشرح المذكور على وجه التمام بأن التخييلية إنما قرينة ولم تستعمل هي في معنى مجازي، أي: على قول اهـ.
و«في» زائدة للمجيء بها للصلاح ظاهر العبارة، وليس المعنى: أردت الإتيان بالشرح على وجه التمام؛ لأنه يفيد الاستعارة، وقد علمت أن المشبه هو الشرح المرام على وجه التمام لا الإتيان به، نعم، لو قدرنا الإتيان كانت الاستعارة في الإتيان المذكور فهو المشبه، وفيه تطويل وتكلف، تأمل.
ثم إنه قد يقال: هذا الذي أراده الشارح القصر مما استدعته الرسالة كما في قضية الشرط؛ لأنها استدعتها شرحاً يبلغ في تبيين المرام وتحقيق المقاصد الأقصا، ولم يرد الشارح الخوض إلا في الأول فقط.
على أن قوله: «تتميم» حقه أن يقول بدله تبيين، أي ومع ذلك يبقى قاصراً ناقصاً.
يقال المراد بالمرام الشرح المذكور وهو مشتمل على الأمرين، أي: تبيين المرام وتحقيق المقاصد؛ فلا إشكال، وبالجملة فالإيراد مبني على أن المرام مرام، والجواب هو على أن المرام مرام الشارح وهو شرح يحتوي على تبيين مقاصد المصنف وتحقيقها، فقد طابق ما قصده لما اقتضته الرسالة.
قوله: (على وجه ...إلخ) حال من «تتميم»، أي: حال كون التتميم المذكور آتياً على وجه وطريق، وحال يكشف والكشف الإزالة و«الخرائد» جمع خريدة، المرأة الجميلة المحتجبة و«اللثام» النقاب على الوجه والفم.
وفي كلامه استعارة تصريحية؛ لأنه شبه مسائل الرسالة بالخرائد بجامع ميل النفس لكل مع الخفاء والاحتجاب، واقتصر على لفظ المشبه به؛ فكان اللفظ المذكور استعارة تصريحية، والقرينة هي الإضافة إلى ضمير الرسالة. وأما الكشف واللثام والوجوه فترشيحات.
ولك أن تجعل الترشيحات مستعملة في معان مجازية أيضاً؛ فيكون الكشف في إزالة معنوية واللثام في الخفاء والوجوه في عنوان المسائل، والمعنى: ح على حال يزيل الخفاء عن ظواهر وعنوان مسائل الرسالة.
و«عن» هي للمجاوزة، وإسناد الكشف للشرح مجازي من باب: ﴿ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا ﴾ [ الأنفال: 2].
قيل: بين الوجه والوجوه جناس ناقص بحرف نحو:
يمدون من أيد عواص عواصم نصولاً بأسياف قواص قواصم
تأمله.
قوله: (مع جمود القريحة ...إلخ) «مع» للمصاحبة وهي حال من ضمير «أردت»، أي: أردت ذلك مصاحباً بجمود القريحة، والجمود هو في الأصل انقباض أجزاء المائع والتئامها لعلة كبرد ضد التميع والسيلان، والمراد بالقريحة العقل، أي: قريحتي وعملي.
وفي لفظ الجمود استعارة تصريحية؛ لأنه استعمله في عدم انبساط العقل واتساعه في المدارك والأصول بل والجزئيات الاتساع الكامل، أي: لكثرة الحوادث والشواغل، فالجامع هو أن كلا عن علة، والقرينة الإضافة للقريحة، أي: مع تأثر العقل بالحوادث.
وأما لفظ القريحة في العقل فهي حقيقة عرفية، نعم، من أن كلاً باعتبار اللغة، والأصل هي مجاز مبني على مجاز مبني على حقيقة؛ وذلك أن القريحة في اللغة أول دلو من البئر، فاستعمل في أول مسألة من العلم مجازاً إما مرسلاً لعلاقة التقييد والإطلاق بمرتبة، إن لم يلاحظ في إطلاقها على أول مستنبط العلم كونه من العلم، أو يمرتبتين، إن لوحظ في الإطلاق المذكور كونه من العلم، فتكون القريحة في أول مستنبطه مجازاً لعلاقة التقييد والإطلاق، ثم بعده في كون الأول المذكور من العلم مجازاً مرسلاً ثانوياً لعلاقة الإطلاق والتقييد أيضاً.
وإما استعارة بأن شبه أول مستنبط من العلم بأول مستنبط من البئر بجامع أن كلا سبب للحياة؛ لأن الماء سبب لحياة الأشباح والعلم سبب لحياة الأرواح.
ثم استعمل القريحة التي هي لأول مسألة من العلم في العقل مجازاً إما مرسلاً لعلاقة السببية أو الآلية أو المحلية، وإما استعارة بجامع أن بكل يقع الاهتداء فهي أي: القريحة في العقل مجاز مبني على مجاز على حقيقة بل على أنها في أول مستنبط من العلم، ولوحظ قيد من العلم كما تقدم تكون في العقل مجازاً مبنياً على مجاز على مجاز على حقيقة، تدير.
واعلم أن المجاز قد يبنى على حقيقة، نحو: «السماء» في «النبات» بل وفي «الماء»، فهو وإن تعدد مجاز واحد؛ لأن العلاقة تعتبر بين كل واحد والمعنى الحقيقي، وقد لا يكون للمجاز الواحد المذكور حقيقة كالرحمن فإنه خاص بالله، هو فيه بمعنى مريد الإنعام أو المنعم مجازاً، ولا حقيقة له؛ لأن الحقيقة اللفظ المستعمل ...إلخ، وهذا لم يستعمل.
وقد يبنى المجاز على مجاز له حقيقة، نحو: ﴿ لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ [ البقرة: 235]، أي: نكاحاً وعقداً؛ فإن السر حقيقة ضد الجهر، فاستعمل في الوطء لعلاقة المصاحبة، ثم استعمل في النكاح والعقد لعلاقة السببية والمسبية وكذلك قول الشاعر:
ولست بمستبق أخا لا تلمّه على شعث أي الرجال المهذب
أي: على الأخلاق الذميمة؛ فإن الشعث حقيقة في انتشار الشعر وتفرقته و عدم تعاهده وطول الأظفار، ومنه حديث: «رب أشعث أغبر لا يوله به لو أقسم على الله لأبره». ثم في الأوساخ والأكدار مجازاً لعلاقة السببية ثم في الأخلاق الذميمة مجازاً لعلاقة الإطلاق أو لعلاقة كراهة كل والنفور عن صاحبه فالعلاقة في المجاز الثاني تعتبر بينه وبين المجاز الأول لما بينه وبين المعنى الحقيقي، وإلا لصار مجازاً مبنياً على حقيقة لا على مجاز اهـ.
وقد يبنى المجاز على مجاز لا حقيقة له، نحو: «عسى»، فلم تستعمل في الزمان أصلا وهي في الرجا فقط مجاز لعلاقة الإطلاق والتقييد، ثم هي في جناب الله بمعنى العلم لعلاقة اللزومية اهـ، راجع حواشي المحلي في تقسيم اللفظ إلى حقيقة ومجاز.
ثم إن القريحة هي نوع من نوع ﴿ لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ [ البقرة: 235] و«أي الرجال المهذب».
فإن قيل: تعتبر العلاقة بين العقل وبين أول مستنبط من الدلو؛ فلا يكون إلا مجازاً مبنياً على حقيقة؛ فلا فائدة في التطويل.
قلت: تجد الجامع والعلاقة بينهما إذاً فى غاية البعد والضعف مع أن وجه الشبه والعلاقة في المجاز يطلب وضوحه كما علمت، تأمل.
قوله: (وكلال الطبيعة ...إلخ) «الكلال» بالفتح وقوف المدية عن القطع لعلة التكرار أو صلابة في المقطوع ونحوه، أو هو الجراحة، فاستعمله الشارح في عدم التعلق في المسائل لأجل الحوادث وخطوب الزمان وفي عدم إدراكه.
و«الطبيعة» هي الفكرة، ففي «كلال» استعارة تصريحية؛ لأنه شبه عدم تعلق الفكرة وعدم إدراكها للمسائل لعلة الحوادث أو الخطوب بوقوف المدية عن القطع لعلة أو بالجراحة، بجامع عدم ترتب النفع على كل، واقتصر على لفظ المشبه به؛ فكانت الاستعارة تصريحية، والقرينة الإضافة إلى «الطبيعة»، وهذه الاستعارة مطلقة، وعطف «كلال الطبيعة» على ما قبله من عطف المرادف أو المغاير مغايرة ما، تدبر.
قوله: «تحفة» التحفة بضم التاء وسكون الحاء وقد تفتح الحاء الهدية و«الحضرة» في الأصل اسم مكان الحضور وأراد بها هنا: الحاضر مجازاً مرسلاً على حد ﴿ فَلۡيَدۡعُ نَادِيَهُۥ ﴾ [العلق: 17]، بدليل الإبدال في قوله: «الأمير»، ولعله كان حاضراً غير غائب عن بلد، كان يؤلف الشارح بها ح.
هذا ولك أن تقول: إنه أراد أنه حاضر في قلوب الخلائق لا يغيب عنها تعلقت به لأجل كثرة سيبه وعطائه ونفعه، لكن لم يكن الشرح تحفة لهذا الحاضر عينه بالقلوب؛ لأن الحاضر بالقلب مثال ما في الخارج وصورته، والهدية للذي في الخارج لا لصورته القلبية، نعم، أراد بوصفه بالحاضر الإشارة إلى تعلق القلوب به كما ذكرنا.
وقوله: «العلية» فعيل بمعنى فاعل للمبالغة؛ ولذا لم يقل العالية وأراد به العلو المعنوي الرتبي لا الحسي، إلا على تكلف وبعد، وأنّث العلية مع أن المراد بالحضرة الموصوفة الأمير وهو مذكر؛ لأجل مراعاة لفظ الحضرة.
و«تحفة» يصح رفعه، أي: هو، يعني: الشرح تحفة وهدية، ويصح نصبه، أي: جعلته أو أجعله تحفة ...إلخ، ويصح النصب على الحال فهو مؤول بالمشتق، أي: متخوفاً ومهدياً، ولا يكون مفعولاً لأجله؛ لما علمت أن المراد بالتحفة نفس الشرح ومن شروط نصب المفعول له أن يكون مصدراً قال في الخلافة: "وإن شرط فقد فاجرره باللام"، إلا أن يراد بالتحفة الإتحاف، فيكون اسم مصدر، أي: أجعله وأؤلفه لأجل إتحاف الحضرة، فكونه مفعولاً لأجله ح ظاهر.
ثم إن السر في جعل الشارح شرحه هدية لأمير وقته عبد الكريم، هو العادة أن الرعية تقبل على ما يقبل عليه الأمير؛ فيحصل ح الانتفاع به الذي لأجله وضع وألف، فعمله ح يثاب عليه، وهذه عادة المشارقة خصوصاً أهل فارس، فلم يكن العمل لغير الله بل هو عمل صالح لا إشكال معه، إن أخلص النية.
قوله: «الأمير» هو إما اسم فاعل من «أمر» لكن من أمثلة المبالغة، أي: لكثرة أمره، وإما صفة مشبهة، أي: أمره دائم ثابت، وما ذاك إلا لنفوذه ومضيه؛ إذ مع العصيان والمخالفة لا ينفع كثرة الأمر، بل القتال والسيف، تدبر.
واعلم أن للمشارقة فرقاً بين الأمير والسلطان والخليفة والملك، فكل أعلى مما قبله، والملك الحقيقي هو الله تعالى، وللسيوطي في محاضرته وغيره فرق بين أن ذلك، فليطالع وليراجع.
قوله: «الأعظم» أي: الأوسع رعية وحكومة أو الأعظم مأمورات ونواهي وحسنات ونفعاً للعباد، وفي بعض النسخ «المعظم» أي: في قلوب الخلائق أو عند نفعه لعباده وكثرة إحسانه لهم وعدله فيهم، وفي حديث «الذي قال إذا تجدني يا رسول الله رخيصاً بلى ولكن عند الله غالياً أو عظيماً» أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
قوله: «القهرمان» بفتح القاف والراء لفظة أعجمية بمعنى الناظر في عواقب الأمور ليأتي بها على الوجه الأتم الأنفع، وهو معنى المدبر السائس عندنا اهـ.
وإذا وصف الحق جل جلاله بالتدبير فالمراد به جعل الأشياء على الوجه الأتم اهـ.
وقيل: «القهرمان» بمعنى الحاذق اللبيب القائم بالأمور الذي لا يخدع، ويصح كل هنا؛ لأن المراد بذلك أن للأمير سياسة كاملة وسيرة تامة فلا يغافل ولا يخدع.
فإن قيل: قد علمت ترك التدبير هو الأولى، وقد قال الصوفية: "دبر من ذلك التدبير واختر ألا تختار وفر من ذلك المختار"، وألف ابن عطاء الله «التنوير في إسقاط التدبير»، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ ﴾ [القصص: 68]، وقوله تعالى: ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمۡرِيٓ إِلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ﴾ [غافر: 44]، ﴿ فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ ﴾ [ غافر: 45] إلخ، وعليه فهذا الوصف الذي وصف به الملك غير عمود بالنسبة لغيره ومقابله.
يقال: السياسة لا سيما للخلق مطلوبة و متعينة، والنظر في العواقب نظر أهل الكمال والخير والفضل، إلا أن للإنسان حالة الفعل يشاهد الله وأن التصرف تصرفه تعالى به يسخره إلى حيث أراد، فينسلخ المرء عن حوله وقوته وفعله ويشاهد أنه ميت بين يدي خالقه، فيكون ح تاركاً لتدبيره واختياره مفوضاً أمره إلى مولاه، فلا إشكال.
ثم إن «القهرمان» إن كانت العرب تكلمت به وأدخلته في لغتها فهو معرب، ويصدق عليه تعريف المعرب؛ لأنه لفظ استعملته العرب في لغتها وإن كان الذي تكلم به إنما هم المولدون فهي أعجمية غير معربة.
وقوله: «الأكرم» أي: الأكثر كرماً وجوداً وعطاء، أو الأكثر فضلاً وصفات جميلة ذاتية وفعلية، وفي بعض النسخ «المكرم» أي: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَمْنَا بَنِي آدَمَ) إلى ﴿وَفَضَّلْناهُمْ [الإسراء: الآية 70]
قوله: (ظل الله ...إلخ) الظل صورة الجسم المقابل للنور، وإضافة «الظل» لله من إضافة المخلوق للخالق للتشريف نحو: «الجنة دار الله»، ولكن لما لم تكن بكسب وعمل مخلوق شرفت بهذه الإضافة، وإلا فالدور؛ كلها لله مخلوقة له اهـ.
والكلام ح من باب التشبيه البليغ بحذف الأدات، والأصل هو كظل الله في الالتجاء والتكهف به، فالظل يلتجأ إليه لدفع الكد والتعب وتحصيل الاستراحة من مرارة ونحوها، والأمير المذكور يلتجأ إليه من نابه خطب الزمان وصروفه وحوادثه.
ولك أن تجعل «ظل الله» استعارة تصريحية مطلقة، بأن شبه النعمة بالظل بجامع الاستراحة مع كل، واقتصر على لفظ المشبه به، أعني: ظل الله، أي: السلطان المذكور هو نعمة الله على الأنام، فلم يجمع الشارح ج بين طرفي التشبيه.
فإن قيل: حمل النعمة على السلطان، ولا شك أن المراد بها هو نفس الساطان مذکور بضميره يؤدي إلى الجمع بين المشبه والمشبه به؛ فتبطل الاستعارة.
قلنا: هذا لا يضر في الاستعارة؛ لأن المشبه هو النعمة ولا علينا في ذكر مصدوقها؛ ألا ترى إلى ما قاله السعد وكاد أن يجمع عليه المتأخرون في «زيد أسد» أنه استعارة، وأن المشبه هو شجاع، بل ما عند الشارح من باب «قد زرّ أزراره على القمر»، تدبر.
قوله: «الأنام» يحتمل أن «ألـ» فيه للعهد، والمعهود العلماء الذين منهم الشارح، فأفاد هذا الوصف أنه محسن للعلماء ومعين لهم على نشر العلوم وتحصيلها، ويحتمل أن «ألـ» فيها للاستغراق فالوصف ح مفيد لكونه عدلاً؛ لأنه لما سار في الناس بميزان العدل كان ملتجئاً إليه وكان نعمة الله على عباده، إلا أن الاستغراق لا يتأتى أن يكون حقيقياً إلا على تكلف وبعد، بل هو عرفي، نحو: «جمع الأمير الصاغة» أي: صاغة مملكته، أي: فهذا السلطان نعمة الله على جميع محسن للعلماء رعيته ودولته.
قوله: (فاتح الإنعام والإكرام ...إلخ) «الإنعام» و«الإكرام» بكسر الهمزة مصدران ولا يصح الفتح على الجمعية؛ لما لا يخفى، وأراد الشارح رحمه الله بهذه الفقرة وصف الأمير بالكرم والجود؛ لأن فائدة الفتح الأخذ منها وسهولة النيل والوصول.
وفي كلامه استعارة بالكناية، وذلك أنه شبه الإنعام والإكرام بأشياء نفيسة يغلق عليها بجامع شدة الرغبة في كل والميل إليه طبعاً، واقتصر على لفظ المشبه، وأثبت الفتح الذي هو من ملائمات المشبه به للمشبه، أعني: الإنعام والإكرام على وجه التخييلية، وتقريرها إلى المكنية على المذاهب الثلاثة السالفة فيها واضح شهير لا تطيل به، لو يجعل كلامه كناية عن ذلك المعنى فهو من التعبير بالملزوم عن اللازم.
قوله: (الذي اشتاقت ...إلخ) الاشتياق للشيء تعلق القلب به جدا و«تیجان» جمع تاج عصابة مرصعة بالدر واليواقيت تجعل على الرأس، و«السلطنة» كون الشخص ضخم سلطاناً، والهامة الرأس، وفي الحديث: «كان عظيم الهامة ضخم الكراديس» مفرد هام الذي هو اسم جنس جمعي نحو: نبق وشجر وحاج، فالمفرد نبقة وشجرة وحاجة، وما ألطف قول بعضهم:
وقــالوا كيف حالك قلت خير نــقضــي حاجة وتفوت حاج
إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا عسى يوماً يكون لها انفراج
نديمي هــــــرتي وأنيس نفسي دفـــــاتري ومعشوقي السراج.
وفي إضافة «تيجان» إلى «السلطنة» بالمعنى السابق شيء، وإن كانت الإضافة تقع بأدنى ملابسة فالأولى أن يقدر مضاف بين تيجان والسلطنة؛ فيصير المعنى: الذي اشتاقت تیجان ذوي السلطنة إلى هامته اهـ.
وهو غير ظاهر؛ إذ لا معنى لتيجان ذوي كون الشخص سلطاناً، بل السلطنة يراد بها الوصف الحاصل للسلطان المتلبس به المحلول عليه وهو المعنى الحاصل بالمصدر أو قريب منه، فكأنه قال: الذي اشتاقت تيجان وصف السلطان وهو السلطنة بالمعنى المذكور إلى هامته؛ فلا يقدر مضاف بين التيجان والسلطنة، نحو: «تاج المملكة»، تدبر اهـ.
ثم إن في كلام الشارح استعارة بالكناية، وذلك أنه شبه التيجان بأناسي بجامع التكرمة والتعظيم لكل، واقتصر على لفظ المشبَّه؛ فكانت الاستعارة بالكناية، وإثبات الاشتياق إلى التيجان هي تخييلية، قرينة لتلك المكنية اهـ، وتقرير الاستعارة بالكناية على المذاهب الثلاثة فيها هو هنا أمر ظاهر واضح.
ومعنى كلامه: أن هذا الأمير قد اشتاقت عصائب السلاطين سواه إلى أن توضع على رأسه، أي: لا تناسب إلا إياه؛ إذ هو كفؤها الذي استجمع خصال المملكة وشروط الإمارة وأوصاف السلطنة، فهي على هامات سواه غير محالها وغير أكفائها، فالحاصل أنه الذي استجمع أوصاف المملكة دون سواه.
ويصح أن يكون «تيجان» مجازاً مرسلاً عن أربابها لعلاقة المصاحبة والمجاورة ولا استعارة، فيصير المعنى: الذي اشتاقت الملوك سواه إلى ذاته، أي: بخدمته لأجل أن تستريح من كد.
وهل استعمل «اشتاقت» في المناسبة مجازاً كما استعمل «أنشبت أظفارها» في الحلول والنزول من قول القائل: «وإذا المنية أنشبت أظفارها» و«إلى» زائدة حينئذ أن لا استعارة، فالتيجان على حقيقته أيضاً، وفي «اشتاقت» مجاز مرسل ببعد، حيث أطلق الاشتياق على الملائمة؛ لأنه يلزم من تعلق القلب وجود معنى ملائم فاستلزم الملائمة اهـ. و«إلى» زائدة، ويصح أن يكون تيجان تستريح من كد قيام الرعية وقيام الشوار والأعادي عليهم القاصدين إبادتهم وإهلاكهم فـ«اشتاقت» على بابه حقيقة.
وقوله: «تيجان» فيه مجاز مرسل، فالمقصود وصفه مع رعيته بالعدل والأمان وكذلك لو أريد بالتيجان رعايا الملوك.
وقوله: «هامته» مجاز مرسل عن الذات لعلاقة الجزئية نحو: «عندي عشرون رأساً»، أي: شاة، أو هو ترشيح اهـ، وهذا المعنى أيضاً يؤديه جعل تيجان من مجاز الحذف أي أهل تيجان السلطنة .اهـ. فعلى الوجهين الأخيرين، أعني: المجاز المرسل في تيجان أو مجاز الحذف فيه يكون المعنى واحداً، وأما على ما قبل أنها على بابها بوجهيه على الاستعارة بالكناية في تيجان أو المجاز المرسل «اشتاقت» لمعنى آخر.
قوله: (وباهت ...إلخ) المباهات المفاخرة، أي: فاخرت أو افتخرت، وعلى كل حذف المعمول فعلى الأول حذف المفعول، أي: من سواها، وعلى الثاني حذف الجار، أي: على من سواها.
وقوله: «حلل» جمع حلة وهي ثوبان إزار ورداء، سميا بذلك لحلول أحدهما وهو الرداء، أي: طرفه على الآخر، وإلا فالإزار سائر للأسفل والرداء للأعلى، أو الحلة ثوبان يحل مجموع أحدهما على الآخر أحدهما الشعار والآخر الدثار، الحلة الثوب الواحد الحال على الأصل الأول؛ لأن العادة الأمير عند العرب إذا كسا أحداً ثوباً ألبسه إياه على ما كان عنده أو الحلة الثوب المحلول عليه، وفيه بعد.
وعلى كل فالمراد بالحلل أثواب حقيقة؛ وذلك أن للأمير اختصاصاً وامتيازاً ببعض اللباس عن رعيته بحسب العادة والعرف اهـ.
و«الإمارة» كون الشخص أميراً.
وقوله: «على قامته» حال من «حلل»، أي: وفاخرت أثواب الإمارة، لكن يقدر مضاف على ما تقدم، أي: أثواب ذوي الإمارة، وفيه ما تقدم، ويجاب بما تقدم من أن المراد الوصف الحاصل؛ فلا يحتاج لتقدير مضاف، والمعنى: وباهت وفاخرت الخصال من أثواب وصف الأمير وهو الإمارة حالة كونها على قامته من ذاته من سواها من الملوك أو الناس أو الكون كله، أي: لكونها على من استجمع والأوصاف وشروط المملكة، بخلاف من سواه.
ثم اعلم أن هذه الأثواب للإمارة إن ادعيت أنها متحدة، فالمعنى حينئذ: أنها فاخرت، أي: ناسيت إذا كانت على قامتها نفسها إذا كانت على غيره، أو فاخرت الكون إذا كانت على قامته، بخلاف ما إذا كانت على غيره، فلا تتفاخر بل تخرس ولا تتكلم لعلمها بأنها واقعة على غير كفؤ لها، تدبر.
وفي الكلام حيث حملنا الحلل على معناها الحقيقي إما مجاز مرسل تبعي في «باهت» أي: طابقت فقط لا يستلزم المفاخرة حصول وصف موافق المستلزم للمطابقة، وإما استعارة بالكناية في «حلل» مع التخييلية فقط استعارة بالكناية حيث شبه الحلل المذكورة بأناس بجامع التبجيل والتعظيم والإكرام، ويقتصر على المشبه؛ فتكون في الكلام استعارة بالكناية تتبعها تخييلية وهي إثبات «باهت» لـ«لحلل»، فهي قرينتها.
ثم إن المخيل به هل هو مستعمل في معناه الحقيقي بدليل قولنا: فيه ما يلائم المشبه به أو في المعنى المجازي، أي: طابقت كما في استعمال «أنشبت أظفارها» من قول الشاعر:
* وإذا المنية أنشبت أظفارها * ...إلخ،
في الحلول والنزول اهـ.
فتحصل أن الحلل إن أريد بها المعنى الحقيقي فإما أن يكون في «الحلل» استعارة بالكناية، وإما أن يكون مجاز مرسل تبعي في «باهت» فلا استعارة، أي: طابقت ...إلخ.
والمراد: أن أثواب الإمارة طابقت ذاته من جهة وقوعها فيما استجمع في أوصاف الإمارة وأخلاق المملكة، أو المراد: أن أثواب الإمارة تجتلى في حالها كالأناسي المفتخرين أو الفاخرين الغير لحصول الوفاق والملائم الأكمل.
أما لو أريد بـ«الحلل» أوصاف المملكة والإمارة، ففيها استعارة تصريحية بأن شبه الأوصاف بالحلل بجامع الاحتواء والاتصال؛ إذ الصفات محتوية على الأوصاف والأثواب كذلك، واقتصر على لفظ المشبه به فاستعمله في الأوصاف بقرينة الإضافة، تأمل، فهي من إضافة سبب إلى مسبب.
ثم مع الاستعارة التصريحية المذكورة إما أن يكون «باهت» في طابقت مجازاً مرسلاً تبعياً، وإما أن يقال: إن إسناد «باهت» لها قرينة استعارة مكنية، فيكون قد شبه أوصاف المملكة بأمرين بالحلل فكانت استعارة تصريحية لما تقدم، وبأناسي بجامع التكرمة، ورمز لهذه الثانية بقوله: «وباهت».
كما قيل في قوله تعالى: ﴿ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ ﴾ [النحل: 112] فإنه شبه ما يعتري الإنسان عند الجوع أو الخوف من الاصفرار والنحول بشيئين بمشروب مر المذاق بجامع النفور والكراهية، فرمز له بـ«أذاقها»؛ فهو استعارة بالكناية وبـ«لباس» بجامع الاحتواء والإحاطة، واقتصر على لفظ المشبه به؛ فكانت استعارة تصريحية اهـ، فقد خلت المكنية عن التخييلية، تأمله.
قال بعض شيوخ شيوخنا: ومن لطيفها التي قد جمعا بها المصرح ومكنى معاً، والمعنى: وطابقته أوصاف الإمارة المحتوية عليه، أو أن حال أوصاف الإمارة معه كحال أناس اختصوا بأمر فهم يفخرون أو يفتخرون.
وبالجملة فالحلل إما أن يراد بها الأثواب ففي الكلام استعارة بالكناية أو مجاز مرسل تبعي، وإما أن يراد بها الأوصاف ففي الكلام استعارة تصريحية وإما مع المكنية، وإما مع المجاز المرسل التبعي.
قوله: (الفائز ...إلخ) من الفوز والظفر.
و «الحكمة» العلم الباحث عن أحوال الموجودات على ما هي عليه في الخارج بقدر الطاقة البشرية، ثم إن كانت الأحوال تحت طاقتنا وقدرتنا فالحكمية، وإلا فعلمية، وذلك كأحوال الفلك وصفات الحق سبحانه اهـ، وقال بعضهم: ثم إن كانت الأحوال تتعلق بموجودات في قدرتنا ...إلخ، تأمله.
وإنما خص القسم الأخير بالعلمية مع أن القسم الأول معلوم أيضاً لأجل إظهار التفرقة والقصد اهـ.
ثم إن إطلاق الحال فى جناب الله سبحانه لا بأس به، إن كان بمعنى يليق به كإطلاق الشؤون عليه ﴿ كُلَّ يَوۡمٍ هُوَ فِي شَأۡنٖ ﴾ [ الرحمن: 29]، فلا يراد ظواهر ذلك المقتضي لسمة الحدوث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وأراد الشارح رحمه الله بالحكمة العلمية علم الكلام وأصول الدين، وبالحكمة العملية علم فروع الدين والأحكام، والمراد وصف الأمير عبد الكريم بالعلم الأصولي والفروعي.
وقوله: (الحائز ...الخ) الحوز الضم والاحتواء، والرياسة الولاية، والمراد بـ«الدينية» العلم وبـ«الدنيوية» المُلك، ولا يقال: «الدينية» تكرار مع مفاد السجعة قبله؛ لأنه لا يلزم من تحصيل العلم والاتصاف به تحصيل رياسته اهـ، فعبد الكريم آتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء.
ثم إنه قد يقال: إن عبارته تفيد الحصر لتعريف الجزءين، وهو ادعائي زيادة في المدح وكمال فيه، ومن «فائز» و«حائز» جناس لاحق نحو: ﴿ وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ ﴾ [الهمزة: 1].
وقوله: (أشرف السلاطين) بعدما وصفه بأنه قهرمان ناظر للعواقب عارف بالسياسة أو لا يخدع، وصفه من جهة نسبه، وصفه بأنه أشرف الملوك نسباً؛ لأن النفوس تنقاد بسرعة لشريف الأصل وتأبى عن الانقياد لدنيه «لو ذات سوار لطمتني» اهـ، ولذلك شرط الشارع كون الخليفة قرشياً اهـ، وأراد الشارح رحمه الله بالشرف هنا مطلق السيادة، لا خصوص كونه من قريش أو من بني هاشم أو من أبناء الحسنين.
قوله: «السلاطين» «ألـ» للاستغراق الحقيقي ويخرج الخليفة العباسي بوقته؛ لأنه خليفة لا سلطان، والخليفة هو أعظم.
قوله: (في الأصل) هو الآباء، وعطف النسب عليه من عطف لازم على ملزوم، أو المراد بـ«الأصل» النسب فهو من عطف المرادف.
وقوله: «في الأصل» كأنه كان تمييز نسبة لكن جره بـ«في» دون «من» وإلا فالظرفية ح ليست حقيقية، تدبر اهـ.
قوله: (وأحقهم) أي: أكثرهم استحقاقاً للفضل، أي: للصفات الكاملة وللأدب، فالظرفية مجازية.
ثم يقال: الاستحقاق للشيء لا يعطي الاتصاف والحصر له كم مستحق ليس يعطي ما استحق، مع أن المراد الاتصاف بها وحصولها؛ فيناقض ما قدمه.
فإما أن يقال: يراد بما تقدم من الصفات الكاملات الصفات الجبلية وهذه المكتسبة وفيه شيء، وإما أن يقال: يراد بهذه الصفات الصفات هي صفات كمال لا تختص بالسلطنة والإمارة، وإما أن يقال: يعمم في السابقة فالكل حاصل عنده إلا أنه بين هنا أنها له بطريق الاستحقاق والأصالة لا بطريق الطرو والعروض، وإما أن يقال: إن المراد بأكثرهم استحقاقاً أكثرهم نيلاً وحصولاً؛ لأن الحصول لازم عن الاستحقاق غالباً مكانه وأكثرهم نيلاً وحصولاً للصفات الكاملة اهـ.
قوله: (والأدب) إما من عطف المرادف، وإما من عطف أخص على أعم صفات تهذب الأخلاق، وإما من عطف لازم على ملزوم؛ لأن الصفات الكاملة تستلزم الأدب، ويراد بالأدب الأثر الظاهر حينئذ أي: تهذيب الأخلاق، تدبر.
وقوله: (فياض ...إلخ) صيغة مبالغة من «فاض» والفيضان سيلان الماء، و«سجال» جمع سجل الدلو، لكن أراد به هنا الماء الذي فيه مجازاً مرسلاً لعلاقة الحالية والمحلية، و«النوال» العطاء، و«الخلائق» جمع خلق على غير قياس، أو خليقة لا بمعنى الطبيعة، ومهما تكن عند امرئي وخليقة ...إلخ، بل بمعنى الخلق فهو قياسي.
وإضافة «سجال» إلى «النوال» من إضافة المشبه به إلى المشبه على حد: والريح تعبث بالغصون وقد جرى ذهب الأصيل على لجين الماء
فكأنه قال: مسيل النوال الذي هو كالماء بجامع حصول الحياة بكل على الخلائق اهـ، أي: على جميع الخلق، أي: رعيته، فالاستغراق عرفي، ودعوى أنه حقيقي من حيث إن رعيته توصل إلى الغير المجاور تكلف ومشقة اهـ.
إلا أن هنا بحثين:
الأول: أن الفيضان سيلان الماء ولا معنى لكونه مسيل الماء النوال ...إلخ، والجواب: أنه مجرد فياض فيطلق على مجرد السيلان الكثير لا بقيد كون السائل ماء مجازاً مرسلاً لعلاقة التقييد والإطلاق.
وثانيهما: أن الفيضان سيلان الماء فهو صفة للماء مع أن الشارح جعله صفة للملك الأمير، فكان من حقه أن يذكر وصف الشخص وهو الإفاضة فيقول: مفيض.
وأما أمثلة المبالغة فإنما هي بدل عن اسم فاعل أي: فائض من «فاض فاه»، قيل: إن هذا وصف سببي و«نوال» هو فاعل بـ«فياض» و«ألـ» عوض عن الضمير، وهو الرابط بين النعت والمنعوت؛ فيصير المعنى والمراد: أن هذا الأمير يكثر سيلان نواله الذي هو كالماء على العباد، أي: فياض نواله الذي هو كالماء على الخلائق؛ لأنا نقول: قد علمت أن اسم الفاعل كأمثلة المبالغة لا يضاف لمرفوعه؛ لأنه عينه مصدوقاً، فتلزم إضافة الشيء إلى نفسه، وراجع ما ذكروه لدى قول ابن مالك: "وقد يضاف ذا إلى اسم مرتفع معنى ...الخ".
ولا يقال: الإضافة في الظاهر في «فياض» هي إلى «سجال»؛ لأنَّا نقول: المضاف إليه حقيقة هو نوال لا سجال، وأيضاً ما أضيف إليه هو مضاف له المضاف الأول، تدبر.
فالعلة وهي إضافة الشيء إلى نفسه وحاصلة، والحق أن لو عبر بـ«مفيض» الذي هو صفة للأمير كما هو مراده، أي: مراد الشارح، وأما العبارة فلا تفي بذلك.
قوله: (وهاب ...إلخ) أمثلة مبالغة من الهبة وهي العطية لا للدار الآخرة بل لوجه المعطي، وأراد بها هنا العطية، ولم يقل: «متصدّق» إشارة إلى حصول الغنى لكل من رعيته لعموم نواله إياهم فهم موهوب لهم لا متصدق عليهم، وهو أنسب بمقام المدح.
قوله: «جلائل النعم» جمع جليلة من إضافة الصفة للموصوف، أي: وهاب النعم الجلائل العظام ووهّاب للدقائق أيضاً، أي: يعطي لكل واحد من النعم ما يناسبه ويليق به، فالجلائل لأربابها والدقائق لأربابها، ولا يقال: إن إعطاء الدقائق نقص لا مدح؛ لأنا نقول ذلك لمن يقتصر عليهن في الإعطاء.
فإن قيل: النعم المتوسطة لم يتعرض لها الشارح، يقول: هي داخلة في أحد الطرفين المتقابلين بدليل اقتصار الشارح عليهما والمقام مقام مدح، أو يقال: أن القسمة ثنائية لا ثلاثية فلا واسطة اهـ.
و«ألـ» في «النعم» للاستغراق أو للجنس باعتبار فرد ما، تدبر.
قوله: (ما نوال ...إلخ) هاذان البيتان لغيره وأنشدهما القزويني في التفريق من البديع، وهما من بحر الخفيف، فـ«ما» نافية، و«النوال» العطاء، وأراد به هنا نفس الشيء المعطى بدليل قوله بعد: «فنوال الأمير بدرة عين»، فأخبر عنها بنفس الذات والخبر ومبتدؤه متحداه صدقاً اهـ، إلا أن في «نوال» رائحة المصدر أو بمعنى اسم؛ فلذلك علق به الظرف فقال: «وقت ربيع ويوم سخاء».
وقوله: «الغمام» لم يقل: «السحاب»؛ لأن مطر الغمام آمر والعطف من مطر السحاب؛ إذ قد يتوقع منه الفساد ولذلك قال الشاعر:
فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمى
اهـ.
وقوله: «ربيع» يحتمل أن يكون أراد به أحد الفصول الأربعة في السنة من صيف وخريف وشتاء وربيع، فالإضافة من إضافة الأعم إلى الأخص، واختاره دون غيره؛ لأنه صاحب المطر المتوسط النافع كثيراً للنبات، ويحتمل أن يكون أراد به المطر، أي: الأمطار مجازاً مرسلاً لعلاقة السببية، إن أريد بالربيع النبات أو الحالية إن أريد به الوقت أي: والمعنى ليس عطاء الغمام وقت إمطاره وهو أظهر.
وقوله : «كنوال» خبر عن ما الحجازية، أو خبر عن «نوال» إن كانت ما تميمية.
وقوله : «يوم سخاء» أي زمن سخاء وعطاء ووقته فهو كاليوم في قوله تعالى: ﴿ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ ﴾ [الأنعام: 141] أي: زمن حصاده؛ فلم يرد به ما قابل الليلة.
فإن قيل: هذا الظرف يؤذن أن للأمير يوم بخل وهو نقص لا يناسب المقام،
يقال: من المعلوم أن الأمير له وقت إعطاء وله وقت سياسة أو شغل بأمره أو بعبادة ربه من صلاة وغير ذلك، ولا يوصف بالبخل وهو في هذه الحالات فهي المحترز عنها لا البخل، حتى يكون نقصاً اهـ.
ومراد الشاعر: أن الغمام لا يماثل نوال الأمير ولا يقرب منه؛ لأن المشبه أدون من المشبه به وهو قد سلط عليه النفي، فأفاد هذا المعنى.
وقوله: «فنوال ...إلخ» ، الفاء للتعليل أو فصيحة في جواب شرط مقدر أو سبب أو أحدهما على الخلاف بين السكاكي والزمخشري والسيد.
وقوله: «بدرة» البدرة عشرة آلاف درهم، والدرهم إنما هو من الفضة، ثم العين على القول بإطلاقها على الذهب والفضة، فلا إشكال، إلا أن التصريح بـ«عين» مراداً بها الفضة غير ضروري؛ لأنه مأخوذ من لفظ «بدرة»، وعلى القول بأنها أي: العين خاص بالذهب، فلابد من التجديد، وإطلاق المقيد على المطلق مجازاً مرسلاً.
أما في «بدرة» فيراد بها عشرة آلاف قطعة، كل قطعة تزن خمسة وخمسين حبة وخمسي الحبة من الشعير اهـ، ولا يلاحظ كونها من الفضة، فالمراد أنه يعطي عشرة آلاف القطعة المذكورة لكن من العين والذهب وهذا أبلغ.
وأما في «عين» فإنها النقد من الذهب ويكون الذهب، فأطلقت على النقد لا بقيد كونه من ذكر العين للتأكيد فقط، تأمل.
وإما أن يقال لا تجديد أصلاً، والمراد أنه يعطي من الذهب ما يصرف ببدرة، أي: بعشرة آلاف درهم فعطاؤه للذهب لكن قدره هو ذلك المذكور، والإضافة للبيان أي: بدرة هي عين، أي: هي ذهب، أي: صرفها من الذهب.
واعلم أن مراد الشاعر: إن أقل عطاء الغمام لا يساوي أقل عطاء الأمير؛ لأن أقل عطاء الأمير بدرة عين وأقل عطاء الغمام قطرة ماء، والقرينة هي المدح مع قوله: «قطرة ماء» وإلا فقطرات الغمام أكثر عدداً، إلا أن يقال القلة باعتبار المصبوب عليه والمعطى فتحاً والشخص الواحد ولو عمَّه المطر، فلا يناله إلا نحو المائة في عطاء واحد ودفع واحد، تأمل.
فالوجه هو أن المراد ما أقل عطاء الغمام مثل أقل إعطاء الأمير، بدليل ما ذكرنا اهـ.
فإن قيل: كون أقل عطاء الأمير بدرة عين هذا يخالف قوله: «وهاب جلال النعم والدقائق ...إلخ» ، يقال المراد أقل عطائه بدرة عين لأرباب الجلائل لا لكل أحد فلا منافات.
وأراد الشاعر أن أقل العطائين عطاء الأمير وعطاء السحاب متباينان قدراً؛ إذ الأول بدرة عين، والثاني قطرة ماء، وفي النفاسة؛ لأن الأول مما تشح به النفوس وليس مبتذلاً وموجوداً عند كل أحد، والثاني موجود في البحار والأنهار والآبار والعيون المباحات.
واعلم أن المراد ما دام الأمر على ما هو المعتاد فيه؛ وإلا فالقطرة في العطش أنفع من جميع النقود وأعز من جميع اللآلي، والعسجد والفضة والإبل نوال الغمام أعظم نفعاً، فقدره في الورى أشد غناء.
واعلم أن الشاعر قدم «نوال الغمام» في حيز النفي وعكس في حيز الإثبات؛ لأنه الأنسب بالمدح المراد، وما سلكه هذا الشاعر هو المسمى عند أهل البديع بالتفريق وهو إيقاع التباين بين أمرين من نوع واحد في المدح أو غيره، فباين بين عطائي الغمام والأمير.
وقوله: (المؤيد ...إلخ) أي: المقوى بتقوية الله تعالى، (الملك العليم ...إلخ), وذكر في أوصاف الأمير المذكور تقويته لما علم أن الإمارة والسلطنة عبء ثقيل و حمل شدید :
رأيت الوليد بن اليزيد مباركاً شديداً بأعباء الخلافة كاهله
وحملت أمراً عظيماً فاصطبرت وقمت فينا بأمر الله يا عمر
فغير الخلافة الخطط مثلها في الثقل المذكور.
قوله: «بتأييد الله» أي: بلا تأييد غيره من المخلوقين؛ لأنها عرض زائل يوشك أن يسلبها المقوى فيبقى في غاية الضعف، وأما تقوية الله فحلية دائمة لازمة آوى اتصف بها إلى ركن شديد.
والتأييد من مطلب أهل الكمال ولقد قال المولى عبد السلام بن مشيش لأبي الحسن الشاذلي لما لاحت عليه أنوار المعرفة فأغرقته وكادت أن تفنيه وأبو الحسن يسأل ربه التخفيف والتعرف شيئاً فشيئاً: "لا تقل يا أبا الحسن ذلك وسل ربك التأييد" اهـ.
على أن غالب الظن بهذا الأمير الذي وصفه الشارح أنه كان يتحقق بضعفه فأمده المولى بقوته، وفي الحكم: تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه اهـ. أي: تحقق بفقرك، قال تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ﴾ [ فاطر: 15] يمدك بغناه وبجهلك ﴿ وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا ﴾ [النحل: 78] وبعجزك يمدك بقدرته وبضعفك يمدك بقوته وبذلك يمدك بعزه.
ثم إن أهل الكمال أيضاً حال التقوية والوصف الكامل يشاهدونه من الله تعالى لا حول ولا قوة إلا بالله اهـ.
قوله: «الملك» يصح أن يقرأ بالألف بين الميم واللام من الملك بالضم، أي: المالك للأعيان والأحوال القاهر لها الباسط اليد عليها. ومن ذلك :
*البيت ملكي والأرض ملكي*
ويصح أن يقرأ بدون ألف بين الميم واللام من الملك بكسر الميم بمعنى التصرف، أي: المتصرف في الأشياء.
وقد قرىء ﴿ مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4] بالوجهين، فعلى الأول أي الألف فالمعنى المالك القاهر الباسط يده على الخلق في يوم الدين والقيامة، فالإضافة من إضافة المظروف باعتبار الجزء التضمني لظرفه أو المالك نفس اليوم فالإضافة للمفعول به.
وعلى الثاني أي: على عدم الألف فالمعنى: المتصرف في الخلق يوم الدين فالوصف مضاف إلى ظرفه اهـ، وإن كان الرسم مفيداً ومعيناً لأحد الوجهين.
فإن قيل: إنه تعالى باسط اليد على الخلق ومالك لهم كل زمان، وكذلك هو متصرف فيهم كل حين لا يختص بيوم الدين، ذلك الملك والتصرف.
يقال: تصرفه أو بسط يده على الخلق في ذلك اليوم فالإجماع من الخلائق لا يكون أحد جاحداً ومنازعا بخلافهم في غير ذلك اليوم من أيام الدنيا ففيهم منازعون ظاهراً.
وقوله: «العليم» فعيل بمعنى فاعل فهو أمثلة مبالغة وهو خاص بالله تعالى وغيره يقال له عالم أو علامة كذا قيل. وفي ذكر الشارح للمولى سبحانه بهاتين الصفتين في هذا المقام نوع مناسبة، وذلك أن التقوية هي في التصرف أو القهر المقتضي للعلم وهي من القاهر المتصرف العليم. ولا شك في وجوب المناسبة للمقام مع ذكر الأوصاف ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام ﴿ قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ ﴾ [ يوسف: 55]، فإن الوصفين أنسب بالمقام، ولم يقل: إني جميل أو نبي أو من نسل الأفضال والأخيار اهـ.
وأما قول المرجئة النافين للعذاب عن المؤمن في آية ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ ﴾ [الإنفطار: 6] أنه لقنه حجته فكأنه يقول: غرني كرمك، فهو باطل؛ فإن وصف الرب بالكرم في هذه الآية في غاية المناسبة، وكأنه قيل للمسؤول: أي شيء غرك بمن رباك فأحسن تربيتك وتكرم عليك وأحسن الإحسان التام إليك في دار الدنيا فكيف قابلت إحسانه بالإساءة مع أن جزاء الإحسان الإحسان، فكانت هذه الأوصاف في مقام الجفاء والتهديد في غاية المناسبة فمعنى ﴿ غَرَّكَ بِرَبِّكَ ﴾ [ الإنفطار: 6] :عدلت عن سبيل ربك.
قوله: (مغيث الدولة ...إلخ) «المغيث» الناصر، و«الدولة» يحتمل أحد معنيين:
الأول: الرعية، وأما «الدين» فهو الإسلام وهو مجاز مرسل عن أهله أو من مجاز الحذف، أي: أهل الدين والإسلام، وعلى هذا فالمراد أن هذا الأمير ينصر مجموع رعيته وأهل الإسلام إن مد إليهم عدوهم الكافر يده اهـ. فأفاد الوصف المذكور أن الأمير مجاهد حام بيضة الإسلام.
أو المراد أن هذا الأمير ينصر كل فرد فرد من رعيته وأهل الإسلام، أي: يرفع يد الظالم منهم عن المظلوم، فأفاد الوصف المذكور وصفه بالعدل والقيام بحقوق رعيته وإنصاف بعضهم من بعض.
ولك أن تريد مع هذين الاحتمالين بأهل الدين أهل العلم أي: أنه ينصرهم بالتعظيم والإعطاء ويعين على تحصيل العلم والشريعة ونشرها، فيفيد مع ما تقدم الشريعة ومعظم لأهلها وجواد على أربابها.
الثاني: من احتمالي «الدولة» أنها بمعنى الرياسة والملك، فالمعنى: أن المملكة قبله لما كانت تقع على من لم يستجمع أوصافها وشروطها كانت متزوجة بغير كفؤ لها، فاستغاثت به فأغاثها ونصرها وضمها إليه فهو كفؤها، وكذلك الدين كان قبله و به ضعف وخلل سقطت مراسمه فاستغاث فأغاثه ونصره وأزال الجهل فنائه وأظهر مناره و ح.
فيكون في الكلام استعارة بالكناية، وذلك أنه شبه المملكة والدين بعقلاء وقعوا في مصيبة بجامع الوقوع في المكروه وما لا ينبغي؛ فكانت في الكلام استعارة بالكناية، وتقريرها على المذاهب الثلاثة المتقدمة أمر واضح ظاهر. وأما إثبات الإغاثة للدولة والدين فهي تخييلية قرينة المكنية المذكورة.
هذا على أن إطلاق الدولة على المملكة حقيقة وأنه مشترك والمملكة أحد معنيه، أما لو كان الدولة في المملكة مجازاً فيكون في الكلام استعارتان وذلك أنه شبه المملكة بأمرين:
الأول : الرعية بجامع احتياج كل إلى السياسة والتدبير، واقتصر على لفظ المشبه به وهو الدولة؛ لأنه في الأصل الرعية؛ فكانت الاستعارة تصريحية.
والثاني: أناسي عقلاء وقعوا في مصيبة تشبيهاً مضمراً في النفس وأومأ لذلك بمغيث فكانت استعارة مكنية بتخلييتها على حد ﴿ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ ﴾ [ النحل: 112]، فإنه شبه ما يعتري الإنسان عند الجوع والخوف بأمرين بمأكول مر المذاق بجامع الكراهية والنفور من كل، ورمز له بالإذاقة، فهي استعارة بالكناية مع تخييليتها، وباللباس بجامع الإحاطة والشمول، واقتصر على لفظ المشبه به؛ فكانت استعارة تصريحية كما تقدم.
قوله: (الأمير ...إلخ) في بعض النسخ «الأمير» بالراء، أعاد هذا الوصف هنا إشارة إلى أن الإمارة متأصلة بالأمير لا تفارقه أمكن فيه وأرسخ وأوقع فكما لم تفارقه خارجاً لا تفارقه نقوشاً ولفظاً. وفي بعضها «الأمين» بالنون، من الأمانة، وصفه بذلك؛ لأن الله تعالى أمنه على خلقه، ولأن عباده تعالى أمنوه على أنفسهم وأموالهم وحقوقهم حيث أمروه، ففعيل بمعنى مفعول.
قوله: (عبد الكريم ...إلخ) هذا اسمه ولم يذكر أباه ولا نسبه إشارة إلى شهرته ووضوح سلفه، وأنه لا مشارك له خارجا في هذه الأوصاف، وقد علمت أن النسب الواضح الشهير قصير، والخفي البعيد طويل، وما ألطف قول بعضهم:
أحب من النسوان كل طويلة لها نسب في العالمين قصير
فلا يقال: إنه الآن أو عند أهل الأقطار البعيدة، هو هيان بن بيان و صلعم بن قلعم، وصل برقل، وطائر بن طائر اهـ.
وقوله: «عبد الكريم» له حظ ونصيب من اسمه، أي: فهذا الأمير له كرم، فاكتسب من هذه التسمية والإضافة حظاً من الكرم ونصيباً.
فإن قلت: إن هذا العلم اسم لا لقب واللقب هو الذي يشعر برفعة المسمى أو ضعته «واسماً أتى وكنية ولقباً ...إلخ»،
يقال: الأصح أن العلم من حيث هو يجوز أن تلاحظ فيه الدلالة على وجود المعنى الأصلي في مسماه العلمي، وإن لم يكن مشتقاً أو مصدراً بأب أو أم، ويشهد لذلك حديث: «ما اسمك؟ فقال: سهل، فقال: سهل الله، وقال في سهيل سهل الله، ...إلخ».
وقال الشاعر:
زجرنا بإبراهيم بدء همومنا فلما رأينا وجهه صرف الزجر
وقال الآخر:
أتيت أبا المحاسن كي أراه بشوق كاد يجذبني إليه
فلما جئته ألفيت فرداً ولم أر من بنيه ابناً لديه
اهـ.
والفأل كما أخذه سامع الاسم لنفسه يفهم اتصاف المسمى بالاسم بمعناه الأصلي، وكذلك أبو لهب فهو مفيد لكون صاحبه جهنمياً، وأبو جهل مفيد الكون صاحبه ذا جهالة أعمى الله بصيرته فلم ينتفع بالإسلام، بل هو مع اعتبار الدلالة المذكورة يكون لقباً، وبالجملة راجع محاضرة اليوسي وحواشي بعض المتأخرين عند قول الخلاصة: «واسماً أتى وكنية ولقباً اهـ».
ثم اعلم أن هذا كله باعتبار ملاحظة المعنى الأصلي في «عبد الكريم» وأما حال ملاحظة العلمية فلا بدل إلا على تعيين مسماه لكن بعد التعيين المذكور يلاحظ في ذلك الاسم المعنى الأصلي الإضافي، فلا إشكال، وبهذا تعلم أن مجموع المضاف والمضاف إليه هو الاسم والعلم.
وهنا إشكال صعب وإنك إذا سميت رجلاً بعبد الله أو بعبد الرحمن فقد علمت أن المضاف إليه جزء العلم فهو من العلم أو علم، وكيف يسمى المخلوق باسم الجلالة وباسم الله؟، وقد قال أصحابنا أهل فاس في بنات أو بر وفى أبى هريرة بالمنع من الصرف للعلمية ووزن الفعل أو التأنيث مع أنه جزء العلم وليس بعلم، وخالف في ذلك التلمسانيون، والمسألة مشهورة معلومة.
وبالجملة جزء العلم علم أو من العلم، وكيف يسمى سواه سبحانه باسمه؟، والجواب: أن الشيء مع غير غيره وحده؛ ولذلك لم يمنع إطلاق الحروف التي في أسماء الله تعالى على سواه إذا ركبت على كيفية أخرى وهيئة مغايرة، تدبر.
قوله: (لا تزال ...إلخ) هذه جملة خبرية لفظاً وهي دعائية وإنشائية معنى، أي: اللهم لا تزل رقاب الأمم عن طاعته ...إلخ، عدل بالدعاء لصيغة الخبر إما حرصاً على الوقوع، أو للتفاؤل كما في «التلخيص» اهـ.
وإن دعا الشارح -رحمه الله- للأمير المذكور لحديث: «من كانت له دعوة مستجابة فليدع بها للأمير»، ولأنه أسدى إليه المعروف وناله حظ نيله وجوده وشكر الوسائط مطلوب وفي الحديث: «من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تقدروا فادعوا له»؛ ولذلك كان المقام الذي دل أبو بكر عائشة عليه لما نزلت براءة عائشة حيث قال لها: اشكري النبي ﷺ أكمل من المقام الذي كانت فيه وهو مقام اصطلاح فقالت: والله لا أشكر إلا الله اهـ.
قوله: «رقاب» جمع رقبة وهي معلومة و«الأمم» جمع أمة و«الخضوع» أراد به الطاعة مجازاً مرسلاً لعلاقة السببية؛ لأن الطاعة تستلزم الخضوع، تدبر. «والأوامر» جمع أمر، وكأنه قال: لا تزال الأمم طائعة له، فدعي بدوام الملك.
ولكنه أتى بـ«رقاب»؛ لأجل أن الطاعة يظهر أثرها بكثرة في الرقاب، وقال: «لأوامره» دون ذاته؛ لأجل إظهار كمال هذه الطاعة؛ لأن كثيراً من الناس يطيعون الأمراء بمحضرهم فإذا غابوا عنهم عصوهم، فاحترز الشارح عن ذلك بقوله: (لأوامره)، وأراد بالأوامر ما يشمل النهي أيضاً بقرينة الاقتصار على الأوامر وأيضاً النهي عن الشيء أمر بالضد.
ثم إنه يصح في مقابلة الأمم بالأوامر أن يكون من باب «ركب القوم دوابهم»، أي: كل واحد ركب دابته، أي: لا زال كل واحد من أفراد الأمم خاضعاً لأمره.
وفيه إشارة إلى أنه لا يكثر على الناس الأوامر فقد وصفه بالرفق أو قد هذبت أخلاق رعيته فلا يحتاجون في أفعالهم إلى كثرة تنبيه فقد وصفه بتهذيب أخلاق رعيته، أي: بسببه فيجرون على الأوفق وكل ذلك بتوفيق من الله تعالى وأن يكون من باب ﴿ حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ ﴾ [ البقرة: 238] أي: كل واحد يحافظ على الصلوات الخمس، أي: لا زال كل واحد من الأمم طائعاً لأوامره، ويكون كناية عن شدة طاعته وامتثال جميع كلمه وعدم سقوط شيء مما أراده وأمر به أو من جملة أوامره الإعطاءات والتوقيعات والأول أبلغ والأمر سهل.
ويصح أن تكون الرقاب في الحاجات لعلاقة الحفظ استعارة تصريحية وخاضعة في حقيقته مجاز مرسل تبعي.
قوله: (وأعناق الخلائق ...إلخ) الأعناق جمع عنق معلوم و«الخلائق» جمع خلق على غير قياس أو خليقة بمعنى الخلق فيكون قياساً والامتداد التطاول و«نحو» بمعنى جهة و«مراسمه» جمع مرسوم ما تكتب فيه العطية اهـ.
ويحتمل الكلام ثلاث احتمالات:
الأول: أن في الكلام مجازاً مرسلاً مرشحاً، وذلك أن الامتداد لازم عن التشوف، فأطلق اللازم على الملزوم، فأراد بالامتداد التشوف، ثم اشتق من الامتداد ممتدة؛ فكان أصلياً في المصدر تبعياً في الوصف، ثم رشح هذا المجاز بقوله: «أعناق».
والمعنى: ح لا زالت الخلائق متشوفة إلى جهة توقيعاته فهو دعاء بدوام ملكه، وجوده بصيغة الخبر على وجه الكناية بما احتوى بعض أجزائه على المجاز اهـ.
الثاني: أن في الكلام استعارة تصريحية؛ لأنه شبه الآمال بالأعناق بجامع طلب المحافظة على كل، واقتصر على لفظ المشبه به؛ فكان لفظ المشبه به أعني الأعناق استعارة تصريحية والقرينة قوله: «مراسم»، وأما الامتداد فهو ترشيح مستعمل في التعلق.
وكأنه قال: لا زالت آمال الخلائق متعلقة بجهة توقيعاته ومراسيمه، فتكون إشارة إلى دوام جوده ودوام ملكه أيضاً اهـ، تأمله، فإنه لم يظهر لهذه الاستعارة قرينة مع أنه لابد في المجاز من القرينة عند البيانيين.
وكل من الاحتمالين فيه الدعاء بدوام الـطاعة والعطاء مطابقة وهو المراد وإن استلزم دوام الملك أيضاً اهـ.
الاحتمال الثالث: هو أن المراد أدام الله ملكه وجوده، فأطلق الفقرة المذكورة وأراد بها هذا اللازم.
وفرّق بين الثالث والأولين؛ لأن الثالث أراد بالأعناق حقيقتها وأراد أيضاً امتدادها، وأما على الأول فإنما أراد أن الخلائق لا تزال متشوفة ...إلخ، وعلى الثاني أراد أنها لا تزال آمال الخلائق متعلقة ...إلخ. وأيضاً فإن الاحتمال الثالث لم يرد معناه المطابقي بالقصد والذات، بل أراد لازمه كما هو الشأن في الكناية بخلاف الاحتمالين قبله، وإن استلزم دوام ملكه وعطائه.
قوله: (وهذا دعاء ...إلخ) أي: لا إخبار، والإشارة تعود لقوله: «لا تزال رقاب ...إلخ».
قوله: (تلقاه ربنا ...إلخ) التلقي الإقبال والمجيء والتواجه والاستقبال وهو محال على الله تعالى، فهو مجاز مرسل عن لازمه الذي هو الرضى فيراد بالقبول الرضى أيضاً، والباء زائدة، أي: قد رضيته ربنا أحسن الرضـى، والمراد: بأحسن الرضى الاستجابة، أو تجعل الإضافة من أحسن الرضى من إضافة الصفة، أي: رضيه ربنا الرضى الأحسن، أي: الرضى الكامل بالاستجابة، أو يجعل التلقي على سرعة الاستجابة ويراد بأحسن الرضى أن الاستجابة تعلقت به كله.
قوله: (قبل أن أرفع الصوت ...إلخ) يتعلق بـ«تلقاه» أو بالقبول، وفيه شك من أمرين:
الأول: أنه لا يقبل الشيء إلا بعد وجوده ولا وجود لـشيء إلا بوجود المدلول، أي: لا وجود للشيء بالنظر إلى قائله.
الثاني: إذا كان قد استجيب قبل التلفظ فلا فائدة في الدعاء؛ لأنه تحصيل للحاصل.
يقال: مراده بذلك الإخبار بشدة سرعة الاستجابة على وجه الكناية.
فإن قيل: يكون ح هو وقوله: «تلقاه ربنا» بمعنى واحد إشارة لشدة سرعة الإجابة فمن أين اطلع على ذلك؟ يقال: من قوله تعالى: ﴿ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ ﴾ [ غافر: 60] والصادق لا يخلف وعده وهو سبحانه أصدق القائلين.
يقال: الذي في القرآن الاستجابة، لا سرعتها المدعاة وفي الحكم ضمن لك الإجابة فيما يختار لا فيما تختار وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد.
فيجاب بأنه حصل له العلم بذلك من جهة إخبار بعض أهل الكشف أو منه؛ لأنه وليّ، قال الشافعي: "إن لم يكن العلماء أولياء الله فليس لله وليّ"، أو من جهة قرينة وأمارة، وقد قالوا: علامة حصول الاستجابة اقشعرار البدن وطمأنينة القلب عقب الدعاء إلى غير ذلك، وإما لأن الدعاء بلا التي للاستقبال وآخر لفظة بالدعاء ابتداء زمن أنه الاستقبال به وشاهد ملكه وطاعته إذا والأصل ما كان على ما كان فاعتمد في إخباره بسرعة الإجابة على معاينة بعضها ومشاهدته، تأمله، فلا يخلو عن بعد وإن كان ذلك لحسن ظنه والتمسك بالأصل.
قوله: (فإن وقع) لا يرجع للدعاء حتى يفيد التردد بقبوله مع أنه جازم أولاً لقبوله، بل يرجع للشرح المذكور الذي جعله تحفة للأمير عبد الكريم، أي: فإن وقع هذا الشرح عند الأمير في حيز القبول ...إلخ، والحيز المكان والإضافة للبيان.
فلا يقال: لأن المكان إذا شغل بمظروفه لم يبق للغير أن يظرف فيه، أو المراد بقبوله ولا إشكال في اندراجه في المكان المذكور، فيحيط به القبول من كل جهة ضرورة أن الصفة لا تضاد الموصوف ولا تفارقه، أو يقال: كونه ظرف فيه القبول لا يقتضي الامتلاء، ولكن لا يفيد شدة القبول وقوته وكثرته، تأمله، فكونها للبيان أوضح.
والمراد أنه إن وقع الشرح في مكان هو القبول والرضى، وأراد أنه يحيط به القبول والرضى ...إلخ، وعطف الرضى على القبول عطف سبب على مسبب أو عطف ملزوم على لازم.
قوله: (في غاية) أي: هذا الشرح في غاية، أي: أحاطت به الغايات ...إلخ. وفي بعض النسخ بدون «في»، ولفظها: "فهو غاية" فالضمير ح عائد على «القبول».
وقوله: «غاية» و«نهاية» مترادفان، وقيل: الأولى في الزمان والثانية في المكان أو العكس، وإنما كان غاية المقصود ...إلخ؛ لأجل إقبال الرعية بقبول الأمير فيقع الانتفاع بالشرح وهو القصد والمراد كما تقدم.
ثم إن الشارح -رحمه الله- لم يذكر الشق المعادل؛ لأن وقع في حيز القبول ...إلخ، أي شق الرد؛ لأجل أنه مر على النفس لا يقدر أن يتصوره لما فيه من الذمامة وشدة الخطب والمرارة، فتفاول بأن لا يقع له أصلاً، أو الشارح رحمه الله على تحقيق في القبول والرضى، ولكنه أفرغ ذلك في صورة الشك زيادة في التواضع والأدب مع الأمير وأن له الاختيار والتصرف، تدبر.
قوله: (والله الميسر) أي المسهل.
وقوله: (الأحوال) هي للإنسان ثمانية ولله در بعضهم:
ثمانية تجرى على المرء دائما ولابد للإنسان يلقى الثمانيه
سرور وحزن واجتماع و فرقة ويسر وعسر ثم سقم وعافيه
وفي الكلام حصر؛ لأنه عرف الجزئين نحو «زيد المنطلق» فيكون المقصور هو الخبر، أي: التيسير للأمال مقصور على الله وليس هو لغيره، وكذا يقال في «وعليه التوكل» فإنه قدَّم الخبر للحصر، أي: التوكل والاعتماد إنما هو على الله لا على غيره، وهاذان القصران قصرا إفراد إن كان المخاطب يعتقد الشركة، أو قصرا قلب إن كان المخاطب يعتقد العكس، وقصر التعيين أعم اهـ.
فإن قيل: لو كان الشارح قد لبس حال هذا القصر من كون الميسر للآمال هو الله والمعتمد عليه الأحوال هو سبحانه، فلم جعل الشرح تحفة للأمير الذي بالغ في مدحه اهـ.
يقال: تعاطي الأسباب لا تنافي التوكل وقد قال تعالى: ﴿ وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ﴾ [ مريم: 25] إلخ، مع أنه لو شاء التساقط من دون كسب الهز لكان، ولأن الصحابة رضي الله عنهم رؤساء التوكل وجلهم كان متعاطي الأسباب فلم يمنع توكلهم؛ لأن الأسباب آلة ظاهرية وأما التوكل فهو أمر قلبي وهو كون الإنسان متوكلاً ومعتمداً على مولاه لا على غيره من الخلائق أو الآلات اهـ.
قوله: (بعد التسمية) إما خطاً وهي أدوم وأنسب لما بعده، وإما لفظاً ويدل للثاني أن الشارح لم يشرحها كالمتن لأجل مخالفتها للمتن في ذلك.
فإن قيل: من أين للشارح أن المصنف تلفظ بها ح مع أنه لم يعاصره،
يقال: لعله وصله العلم من سند وطريق.