(الـمُـقَـدِّمَـةُ)
اللَّـفْـظُ قَـدْ يُـوضَـعُ لِـشَخْـصٍ بِعَـيْـنِـهِ وَقَــدْ يُـوضَـعُ لَـهُ بِـاعْـتِـبَارِ أَمْـرٍ عَــامٍّ،
وَذَلِكَ بِأَنْ يُـعْـقَـلَ أَمْـرٌ مُـشْـتَـرَكٌ بَـيـْنَ مـُشَـخَّـصَاتٍ، ثُـمَّ يُقَـالَ: هـَذَا اللَّـفْـظُ مَــوْضُــوعٌ لِـكُـلِّ وَاحِـــدٍ مِـنْ هَــذِهِ الـمُشَخَّـصَاتِ بِخُـصُوصِـهِ بِحَـيْثُ لَا يُفَـادُ وَلَا يُـفْـهَـمُ إِلَّا وَاحِدٌ بِخُصُوصِهِ دُونَ الـقَـدْرِ الـمُشْـتَـرَكِ.
فَـتَـعَـقُّـلُ ذَلـِكَ الأَمْـرِ الـمُـشْتَـرَكِ آلَـةٌ لِـلْــوَضْــعِ لَا أَنَّــهُ الـمَــوْضُـوعُ لَــهُ، فَالْوَضْعُ كُلِّـيٌّ وَالـمَـوْضُوعُ لَهُ مُشَخَّصٌ، وَذَلِــكَ مِــثْــلُ اسْـمِ الإِشَــارَةِ، فَــإِنَّ «هَـذَا» مَـثَـلاً مَـوْضُــوعُــهُ وَمُـسَـمَّـاهُ الـمُـشَارُ إِلَيْهِ الـمُشَخَّصُ بِحَيْثُ لَا يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ.
وَلَـمَّا كَانَ مَعْرِفَةُ أَقْسَامِ اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ خُصُوصِ الوَضْـعِ وعُمُومِـهِ وتَعَـقُّلِ المَوْضُوعِ لَهُ كَذَلِكَ مِمَّا يَتَوَقَّـفُ عَلَيْـهِ المقْصُودُ كَمَا يَظْهَرُ لَكَ بَعْـدَ ذَلِكَ بَدَأَ فـي الـمُـقَدِّمَـةِ بتَقْـسِيمِ اللَّفْظِ بذلك الاعْـتِـبَـارِ.
فقال: ((اللَّفْـظُ قَدْ يُوضَـعُ لِشَخْـصٍ بِعَيْنِهِ)).
اعْلَمْ أَنَّ اللَّفْظَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ مَصْدَرٌ بمَعْنَى الرَّمْيِ، فَهُـوَ بمَعْنَى المفعُـولِ، فيَتَنَاوَلُ مـا لم يَكُـنْ صَوْتًا وحَرْفًا وما هو حَرْفٌ وَاحِدٌ أو أَكْثَــرُ مُـهْمَـلاً أو مُسْـتَعْـمَلاً صـادِرًا مِـنَ الـفَـمِ أَوْ لا.
لَكِنْ خُصَّ في عُرْفِ اللُّغَةِ ثانيًا بِما هُوَ صَادِرٌ مِنَ الفَمِ مِنَ الصَّوْتِ المُعْـتَـمِدِ علـى المَخْـرَجِ حَرْفًـا وَاحِـدًا أَوْ أَكْثَـرَ مُـهْـمَـلاً أو مُسْـتَـعْـمَلاً فلا يُقَالُ «لَفْظَةُ الله» بَـلْ «كَلِمَةُ الله»،
وفي اصْطِلَاحِ النُّـحَـاةِ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَصْـدُرَ مِنَ الفَمِ من الحُـرُوفِ واحدًا كـانَ أَوْ أَكْثَـرَ أَوْ تَـجْرِي عليه أَحْكَامُ اللَّـفْظِ كالعَـطْفِ والإِبْـدَالِ فيَنْـدَرِجُ فِيـهِ حِينَـئِـذٍ كَلِمَاتُ الله تَعَالَى وَكَذَا الضَّمَـائِرُ التي يَجِبُ استِـتَارُهَا، وَهَذَا الـمَعْنَـى أَعَـمُّ مـن الأَوَّلِ وَهُـوَ الـمُـرَادُ هَـهُـنَـا.
و«اللَّامُ» فيـه إِمَّـا لِلْجِنْسِ مِنْ حَيْـثُ حُصُولُهُ في بَعْضِ أَفْرَادِهِ أَعْنِي العَهْدَ الذِّهْنِـيَّ أَوْ لحِصَّةٍ مُعَـيَّـنَـةٍ من جِنْـسِ مُطْـلَـقِ «اللَّفْظِ» وَهِـيَ الموضُوعُ مِنْـهُ أَعْنِـي العَـهْـدَ الـخَـارِجِـيَّ، وحِـيـنَـئِـذٍ يَـجِـبُ أَنْ يُـحْـمَـلَ قـولُـهُ «يُوضَعُ» على العُدُولِ عَنِ الماضِي إلى المُضَارِعِ، إِمَّـا لاسْتِـحْـضَارِ الصُّـورَةِ لِنَـوْعِ غَـرَابَـةٍ أو لِتَـأَخُّـرِ الوَضْـعِ عَـنِ اللَّـفْـظِ بالنَّـظَـرِ إلـى الـذَّاتِ.
إِذَا تَـمَهَّـدَ هَذَا فَنَـقُولُ: أَقْسَامُ اللَّفـْظِ الموضُوعِ مِنْ حَيْـثُ تَشَخُّـصُ المعنَى وعُـمُــومُــهُ وخُــصُـوصُ الــوَضْــعِ وعُـمُومُـهُ على ما يَـقْـتَـضِـيهِ التَّـقْسِيمُ العَقْـليُّ ابْتِـدَاءًا أَرْبَعَـةٌ؛
لِأَنَّ المعنى إِمَّا مُشَخَّصٌ أَوْ لا
وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ
فالــوَضْعُ إِمَّا خَاصٌّ أَوْ لا
فــالأَوَّلُ: ما يَــكُــونُ مَـــوْضُــوعـًا لمُشَخَّـصٍ بِاعْتِـبَارِ تَعَـقُّلِهِ بخُصُوصِهِ ويُسَـمَّى هــذا الوَضْـعُ وَضْعًا خَاصًّا لموضُوعٍ لَهُ خَاصٍّ كمـا إذا تَصَوَّرْتَ ذَاتَ زَيْـدٍ وَوَضَـعْـتَ لَـفْـظَـةَ «زَيْـدٍ» بِـإِزَائِـهِ.
والثَّانِي: ما وُضِـعَ لمشخَّـصٍ باعْتِـبَـارِ تَعَـقُّـلِهِ لا بِخُـصُوصِهِ بل باعتبارِ أَمْرٍ عَـامٍّ، ويُسَـمَّى ذَلِـكَ الـوَضْعُ وَضْعًا عـامـًّا لموْضُـوعٍ لَـهُ خَـاصٍّ كَـأَسْـمَـاءِ الإشـارةِ عَلَـى مـا سَـيَـجِـيءُ وهــذا القِـسْـمُ مِـمَّـا يَـجِـبُ أَنْ يَـكُـونَ مَـعْـنَـاهُ مُـتَـعَـدِّدًا.
والثَّالِثُ: ما وُضِـعَ لِأَمْرٍ كُلِّيٍّ باعتـبار تَعَـقُّـلِـهِ كَذَلِـكَ أَيْ: عَلَـى عُـمُـومِـهِ، ويُسَـمَّـى هَـذَا الـوَضْـعُ وضعًا عـامًّا لموضُـوعٍ لَـهُ عَـامٍّ كَمَـا إِذَا تَـصَـوَّرْتَ مَـعْـنَـى الـحَـيَـوَانِ النَّاطِقِ وَوَضَعْتَ لَـفْـظَـةَ «الإِنْسَـانِ» بِـإِزَائِـهِ.
والرابعُ: مـا وُضِعَ لأمرٍ كُلِّـيٍّ باعْتِبَارِ تَعَـقُّـلِـهِ بخُصُوصِـيَّـةِ بَعْـضِ أَفْـرَادِهِ، وَهَــذَا الـقِـسْـمُ مِـمَّـا لا وُجُــودَ لَــهُ، بَــلْ حَــكَـمُـوا بِـاسْـتِــحَـالَـتِــهِ، لِأَنَّ الخُـصُوصِيَّـاتِ لا يُعْـقَلُ كَوْنُـها مِرْآةً لمُلَاحَـظَةِ كُـلِّـيَّـاتِهَا بِخِلَافِ العَكْسِ.
وَاكْتَفَى بِذِكْرِ القِسْمَيْـنِ الأَوَّلَيْـنِ مِنْ تِلْكَ الأَقْسَامِ الأَرْبَعَـةِ لِعَدَمِ تَـحَـقُّـقِ الرَّابعِ ولظُهُورِ الثَّالِثِ وعَدَمِ تَعَـلُّـقِ الغَرَضِ بِهِ فِيمَا هُوَ المَقْصُودُ الأَصْلِـيُّ مِنْ تِلْكَ الرِّسَالَةِ وَهُوَ تَـحْقِيقُ مَعْنَى الـحَـرْفِ والضَّمِـيـرِ واسْمِ الإِشَــارَةِ والأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ لَـمَّـا شَارَكَ الثَّانِيَ في تَشَخُّـصِ الـمَعْـنَـى تَعَـرَّضَ لَـهُ لِـيَزِيدَ تَوْضِيحَ صَـاحِـبِـهِ.
وقَوْلُهُ: ((بِعَـيْـنِـهِ)) يُحْتَـمَلُ أَنْ يَكُونَ صِـفَـةً كَاشِـفَـةً لِــ«شَـخْـصٍ»
ويُـحْتَمَلُ أَنْ يَكُـونَ فِي مُقَـابَلَـةِ قَـوْلِهِ: «بِاعْـتِـبَـارِ أَمْـرٍ عَـامٍّ» أَيْ: قَـدْ يُوضَعُ اللَّفْظُ لِشَخْصٍ بِاعْتِبَارِ تَعَـقُّلِهِ بِعَيْـنِـهِ وَشَخْصِهِ ((وَقَدْ يُوضَـعُ لَـهُ بِاعْتِـبَـارِ أَمْرٍ عَـامٍّ)) أَيْ: باعْتِـبَـارِ تَعَـقُّلِهِ بِأَمْـرٍ عَــامٍّ ((وَذَلِـكَ)) أَيِ: الـوَضْـعُ لِشَـخْـصٍ باعْتِبَارِ أَمْرٍ عَامٍّ يَتَحَقَّقُ ((بِأَنْ يُـعْـقَلَ أَمْــرٌ)) عَــــــامٌّ ((مُــشْـــتَــرَكٌ بَــيْــنَ مُـشَـخَّـصَـاتٍ ثُمَّ يُقَـالَ: هَـذَا اللَّفْـظُ مَــوْضُــوعٌ لِــكُــلِّ وَاحِــدٍ مِــنْ هَـذِهِ المُشَخَّصَاتِ بِخُصُوصِهِ)) أَيْ: يُعَـيَّـنَ اللَّـفْـظُ بِـإِزَاءِ كُـلِّ وَاحِـدٍ مِـنْ أَفْـرَادِهِ المُشَخَّـصَةِ، سَـوَاءٌ كَـانَ ذَلِـكَ الأَمْــرُ العَامُّ مِـنْ ذَاتِـيَّاتِـهَـا كَمَـا فِـي مَعَانِـي الـحُرُوفِ أَوْ مِنْ عَوَارِضِهَا كَمَـا فِـي الـمُـضْمَـرَاتِ وأَسْمَـاءِ الإِشَــارَاتِ.
وذَلِكَ الأَمْـرُ العامُّ مَـلْحُوظٌ باعْتِـبَارِ كَوْنِهِ مِرْآةً لمُلَاحَظَةِ تِلْكَ الأَفْرَادِ التي هي الـمُـسَمَّيَاتُ الموضُوعُ لِكُلٍّ منها اللَّـفْـظُ، ولَيْــسَ ذَلِـكَ الأَمْـرُ الـعَـامُّ مُـوْضُـوعًا لَـهُ كَمَـا تَـوَهَّـمَـهُ بـعــضُ الأَفَاضِلِ في الضَّمَـائِرِ والمَوْصُولاتِ وغَـيْـرِهِـمَـا.
وإِنَّما عَبَّرَ عن ذلك التَّعْيِـينِ الذي هُوَ الوَضْعُ حَـقِـيـقَـةً بالقَـوْلِ إِذْ به يَظْـهَرُ ذَلِـكَ التَّعْيِـينُ غَـالِـبـًا.
وإِنَّما قَيَّـدَ بِالحَيْثِـيَّةِ بِقَوْلِهِ: ((بِحَيْثُ لا يُــفْـهَـمُ وَلَا يُــفَــادُ مِــنْــهُ إِلَّا وَاحِـــدٌ بِـخُـصُـوصِـهِ دُونَ القَـدْرِ المُشْتَـرَكِ)) لِئَـلَّا يُتَـوَهَّـمَ أَنَّ مـا وُضِـعَ له اللَّـفْـظُ هَـهُـنا مَـفْهُـومُ كُـلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْــرَادِ ذَلِكَ الأَمْرِ الـمُشْتَرَكِ حَتَّـى يُسْتَعْمَلَ فيه ويُـفَادَ ويُـفْـهَمَ هُوَ مِنْهُ، فإِنَّ ذَلِكَ بَاطِـلٌ، بَـلِ المقصُـودُ أَنَّ الموضُـوعَ لَهُ والمُسْتَـعْـمَلَ فِيـهِ هَذَا المُشَـخَّـصُ مِنْ أَفْـرَادِهِ عَلَى حِدَةٍ وهذا الآخَرُ كذلك دُونَ القَـدْرِ المُشْـتَرَكِ فَإِنَّهُ غَيْـرُ مُـفَـادٍ وغَيْـرُ مَـوْضُـوعٍ لَـهُ.
فـقولُهُ: «دُونَ القَـدْرِ المُشْـتَـرَكِ» حـالٌ مِـنْ قَوْلِهِ: «وَاحِــدٌ بِخُـصُـوصِــهِ» أَيْ: مُـتَـجَاوِزًا عَنِ القَدْرِ الـمُشْتَرَكِ، فإِنَّهُ غَيْـرُ مُـفَادٍ وغَيْـرُ مَفْهُـومٍ مِنْهُ بِطَـرِيقِ الاستعمالِ فيه بحَسَبِ الوَضْعِ، فَلا يُقَالُ «هَذَا» مَثَـلاً ويُـرَادُ به الأَمْـرُ العَـامُّ الـذِي هُـوَ مُفْهُومُ الـمُشَارِ إِلَيْهِ الـمُـفْـرَدِ الـمُـذَكَّـرِ، وإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ((فَتَعَقُّلُ)) الوَاضِعِ ((ذَلِـكَ الـمُشْـتَـرَكَ آلَــةٌ لِلْــوَضْـعِ)) وَوَسِيـلَـةٌ إِلَى حُصُـولِهِ ((لا أَنَّهُ)) أَيِ المُشْتَرَكَ ((المـوضُوعُ لَهُ)).
فَقَوْلُهُ: «لا أَنَّهُ» بِتَقْدِيرِ الَّلَامِ مَعْطُوفٌ على الخَبَرِ إِنْ قُرِئَ «فَتَعَقُّلُ» مَصْدَرًا، وإِنْ قُـرِئَ عَـلَـى صِيـغَـةِ الـمُـضَـارِعِ المَجْهُولِ مِنَ الثُّلاثِـيِّ المُجَرَّدِ فـ«آلَـةً» مَـنْـصُـوبٌ علـى الحَالِـيَّـةِ، و«لا أَنَّهُ» عَـطْـفٌ عـليـه.
((فـالـوَضْـعُ كُـلِّـيٌّ والـمَـوْضُـوعُ لـه مُـشَـخَّـصٌ)) كمـا قَـرَّرْنَـاهُ.
((وَذَلِـكَ)) أَيِ: اللَّـفْـظُ الـمَـوْضُوعُ لِشَخْصٍ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ عَامٍّ ((مِثْلُ اسْمِ الإِشَـارَةِ)) نَحْوَ: «هَـذَا»، نَـزَّلَ ذَلِكَ الأَمْـرَ الكُلِّيَّ مَنْزِلَةَ المُشَارِ إِلَيْـهِ المُعَيَّـنِ لِكَمَـالِ التَّمْيِيـزِ الـحَـاصِـلِ بِالـبَـيَـانِ السَّــابِــقِ فَاسْـتَـعْـمَـلَ فِـيـهِ «ذَلِــكَ» الـمَوْضُـوعَ لِلْأَشْـخَـاصِ.
((فَــإِنَّ «هَـــذَا» مَـثَـــلاً مَــوْضُـوعُــهُ وَمُسَمَّـاهُ)) أَيْ: مَعْنَاهُ ((الـمُـشَارُ إِلَيْهِ المُشَخَّصُ)) أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْـرَادِ مَـفْـهُـومِ الـمُـشَـارِ إِلَـيْـهِ مُـطْـلَـقًا.
و«الـمُشَخَّصُ» صِفَةٌ لِكُّلِّ وَاحِدٍ مِنْ حَيْـثُ إِنَّهُ المُرَادُ بـ«المُشَارُ إِلَيْهِ» هَـهُنَا، وَلَا يَـجُوزُ أَنْ يَـكُونَ صِفَـةً لِـ«المُشَارُ إِلَيْهِ» كَمَـا لا يَـخْفَى عَلَى ذِي مُسْكَةٍ.
وقَوْلُهُ: «مَوْضُوعُـهُ» في بَعْضِ النُّـسَخِ بِتَـاءِ التَّـأْنِـيـثِ عَلَـى أَنَّهُ خَبَـرُ «هَـذَا» بِتَأْوِيلِ اللَّفْظَةِ أَوْ الكَلِمَةِ، وَفي بَعْضٍ آخَرَ بإِضَافَتِهِ إِلَى الضَّمِيـرِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ قَبِـيلِ الأَسْمَـاءِ، وَ«مُسَمَّـاهُ» حِينَـئِذٍ بَـيَـانٌ لَــهُ.
وقولُهُ ((بِحَـيْـثُ لا يَقْـبَـلُ الشَّرِكَةَ)) تَأْكِـيـدٌ لِـمَا يُسْتَفَادُ مِنَ «الـمُشَخَّصِ» يَعْـنِـي أَنَّ مَـفْـهُـومَ «هَـذَا» مـا صَـدَقَ عَلَيْه المُشَارُ إِلَيْـهِ المُشَخَّـصُ الـذِي لا يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ لا مَفْهُومُـهُ الذي يَقْـبَلُ الشَّـرِكَـةَ.
والحَاصِلُ أَنَّ مَعْنَـى لَفْـظِ «هذا» كُـلُّ مُشَـارٍ إِلَـيْـهِ مُـفْـرَدٍ مُـذَكَّـرٍ مُـشَخَّصٍ لُـوحِـظَ بأَمْـرٍ عامٍّ وهو مَفْهُومُ المُشَارِ إِلَيْـهِ المُفْرَدِ المُذَكَّرِ الصَّادِقُ عَلَـى هذا الـمُشَـارِ إِلَيْهِ الـمُشَخَّصِ وعلى ذَلِكَ الآخَرِ كَمَـا إِذَا حَكَمْـتَ على كلِّ رُومِيٍّ بِأَنَّهُ أَبْـيَـضُ بِـهَذَا العُـنْوَانِ، فَقَدْ لَاحَظْتَ جمـيعَ المُشَخَّصَاتِ الرُّومِيِّـينَ مِنْ زَيْدٍ وعَمْـرٍو وغَـيْـرِهِـمَـا بِأَمْرٍ عَـامٍّ وَهُـوَ الرُّومِـيُّ وحَكَمْتَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَبْيَـضُ.
قوله: (باعتبار خصوص) يصح أن تكون الباء للسببية، أي: الحاصلة بسبب اعتبار خصوص إلخ، أي: بالاعتبار كونه مركباً أو مفرداً أو كونه ثلاثياً أو رباعياً أو خماسي الحروف إلخ، فالاعتبار اعتبار تقييد وخصوص.
قوله: (خصوص الوضع) أي: خصوص آلة الوضع، وهو متعلق بالتعقل فالكلام من مجاز الحذف.
وقوله: (كذلك... إلخ) باعتبار خصوصه أو عمومه، فالأقسام ح أربعة من ضرب اثنين، لكن واحد غير موجود وهو الوضع الخاص لموضوع له عام والباقي هو الثلاثة، أما اثنان فمتفق عليهما وهو الوضع العام لموضوع له عام، أي: تعقل الواضع أمراً عاماً، كالحيوان الناطق، فوضع له لفظ إنسان، ومن ذلك وضع اسم الجنس والمصدر والحدث والوصف اهـ.
والوضع الخاص لموضوع له خاص كأن يكون تعقل الواضع ذات زيد بمشخصاتها فوضع لها لفظ زيد وليس لهذا القسم إلا العلم.
وأما الثالث وهو الوضع العام لموضوع خاص فمختلف فيه كما يأتي وذلك كأن يكون تعقل مطلق الابتداء الشامل لكل جزئي من جزئيات الابتداءات فوضع لفظ «من» لكل واحد من تلك الجزئيات فكان الوضع عاماً؛ لأن متعلق التعقل عام لموضوع له خاص؛ لأن كل واحد من الجزئيات بخصوصه هو الموضوع له، ولهذا القسم الأمور الأربعة الضمير واسم الإشارة والموصول والحرف بقية التسعة الموضوعة.
وبالجملة: فوصف الوضع بالعموم أو بالخصوص هو باعتبار متعلق التعقل ووصف الموضوع له بأحدهما هو واضح ظاهر، وقد علمت اختلاف متعلق هذا التعقل مع الموضوع له ذاتاً تارة واتحادهما تارة أخرى ولكنهما مختلفان اعتباراً كما في وضع الضمير والحرف من جهة ملاحظته ليتمكن الواضع من الوضع هو متعلق التعقل والوضع ح من هذه الحيثية السابقة على الوضع وصف العموم أو الخصوص، ومن جهة كون اللفظ موضوعاً بإزائه هو موضوع له، فإما عام ح أو خاص، ولا شك أن هذه الجهة متأخرة عن الجهة الأولى.
قوله: (مما يتوقف... إلخ) هو خبر «كان» ويؤخذ من كلامه أن المعرفة المذكورة هي من المقدمة، لا أن معنى التقسيم المذكور هو الذي من المقدمة، تأمل.
وتقدم التنبيه على شيء من ذلك في مقدمة العلم فهل هي المعاني كمعنى الحد والموضوع إلخ، أو هي معرفة تلك المعاني.
قوله: (مما يتوقف... إلخ) أي: لأن المقدمة أمر يتعلق به المقصود من حيث الإعانة والتتميم، ثم إن الشارح أتى بـ«من» التبعضية إشارة إلى أن ما ذكر ليس هو تمام المقدمة بل بعض فقط، أي والبعض الآخر هو التنبيه الآتي فيها بناء على أنه غير مندرج في التقسيم المذكور.
قوله: (المقصود) هو الألفاظ التسعة من اسم الجنس والحدث والفعل والوصف والعلم والضمير واسم الإشارة والموصول والحرف من حيث وضعها، فالكلام على الكل في التقسيم، أو يقال: المقصود إنما هو الأربعة الأخيرة لأنها محل الخلاف بين العضد والسعد ولأجلها ألف العضد هذه الرسالة ولكن الذكر للخمسة الأول أيضا في التقسيم المقصود دال على الاحتمال الأول كما تقدم.
وقوله: (بعيد) صغر الظرف لقرب المدة.
وقوله : (بدأ هذا) جواب لما، ثم إن قوله: «في المقدمة... إلخ» يقال: التقسيم المذكور هو المقدمة أو منها فيلزم عليه ظرفية الشيء في نفسه ويجاب بأنه من ظرفية الجزء في الكل ومن المعلوم أن التقسيم المذكور ليس هو التقسيم المذكور في المتن الذي هو المقصود اهـ.
فإن قيل المقدمة الألفاظ والعبارات، والتقسيم مصدر قسم أي جعل الشيء أقساماً، فكيف يكون جزءاً من المقدمة؟ والجواب أن إضافة تقسيم إلى اللفظ من إضافة الصفة للموصوف بعد جعل المصدر بمعنى اسم المفعول فيصير التقدير «بدأ باللفظ المقسم إلى كذا في المقدمة» اهـ، تأمله فإن اللفظ المذكور ليس هو وحده بعض المقدمة وجلها اهـ، ثم إن قول الشارح بدأ يقال التوطية السابقة أي الشرط إنما يعطي ذكر التقسيم في المقدمة وأما كونه مذكوراً أولاً بالخصوص ومبدءاً به فلا شيء هناك يفيده ويتفرع عليه فلعله أراد ببدأ ذكر مجازاً مرسلاً لعلاقة الإطلاق والتقييد، هذا و يصح أن تكون «في» من «في المقدمة» بمعنى الباء وبتقسيم بدلاً من «في المقدمة» بدل كل.
ولاحظ الشارح جميع الرسالة أي بدأ في هذه الرسالة بالمقدمة أي بتقسيم اللفظ ولا إيراد ظرفية ولا خصوص بدء ويكون ح التنبيه من حيث فهمه من التقسيم هو مندرجاً في التقسيم وإلا فهو بدل بعض حذف الضمير الرابط العائد على المبدل منه.
قوله: (بذلك الاعتبار) أي: بمجموعه، وإلا فلم يذكر الأقسام الأربعة كلها في التقسيم كما يأتي للشارح الاعتذار عنه.
وقوله: (أعلم... إلخ) حقه أن يقدم الكلام على أل لسبقها لفظاً، و يجاب بأنها من حيث إنها وسيلة ومعرفة للفظ ناسب تأخير الكلام عليها وتقديم فهي لاحقة به ومرتبطة به ارتباط وسيلة بمقصد اهـ.
ثم إن حق الشارح أن يتكلم على الوضع؛ لأنه مذكور في المتن، ومعناه في أصل اللغة جعل الشيء في موضعه أي في المحل الذي صار فيه، فليس لقوله في موضعه محترز، وأسلم من كله تعريفه بجعل الشيء في حيز و مكان.
وأما في الاصطلاح فهو تعيين اللفظ بإزاء المعنى اهـ، فيتناول المجاز بناء على أنه موضوع وهو ألذ في التلويح و غيره، أما لو قلنا: إنه غير موضوع وهو ما في شرح المفتاح وغيره فيزاد في التعريف الوضع المذكور للدلالة بنفسه اهـ، ثم إنه أورد في التعريف المذكور نحو النصب والإشارة والكتابة من الدوال الوضعية فيكون التعريف غير جامع، فلو قيل تعيين الشيء بإزاء المعنى لكان أسلم جمعاً.
قوله: (أصل اللغة) أي: أصل الوضع.
قوله: (مصدر) أي: قياسي، فهو من باب ضرب.
قال تعالى: ﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ﴾ [ق: الآية: 18]. وفى المختصر: «وما لفظ البحر كعنبر فلواجده بلا تخميس».
قوله: (فهو بمعنى المفعول) هذا التجوز مفرع على غير مذكور، ولو أراد الشارح صحة التفريع لقال: ثم تجوز منه بالإطلاق على مسببه الذي هو الملفوظ المرمي لعلاقة الجزئية والكلية أو السببية والمسببية أو التعلق الخاص فهو بمعنى المفعول.
قوله: (فيتناول) محصله أن اللفظ في الأصل الرمي ثم وقع فيه التجوز بالإطلاق على المرمي الملفوظ فتناول اللفظ ح أموراً عشرة: ما إذا كان الملفوظ غير صوت كالحجر أو النواة أو البصاق، وما إذا كان صوتاً بلا حرف أو بحرف واحد أو بأكثر وذا إما مهمل أو مستعمل فهي خمسة، أما ما كان بحرف واحد فلم ننوعه للمهمل والمستعمل لما لا يخفى اهـ، وفي كل كان الرمي من الفم أو غيره فهي العشرة، فكل ذلك الملفوظ يقال فيه لفظ لغة لكن بعد التجوز المذكور.
والشارح رحمه الله لما عد الأقسام أسقط قسمين، أعني ما إذا كان الملفوظ صوتاً بلا حرف سواء صدر من الفم أو من غيره اهـ، ولا غرابة في كون الملفوظ صوتاً ذا حرفين أو أكثر وهو مستعمل أو مهمل كقب كذا الذي أجدى حكاية كقب إلخ، هو بحسب أصل الوضع موضوع واستعمله الناس لا أنه في نفسه قصد استعماله حتى يقال: الفرض صدوره بقرع الجمادات اهـ، وأما الصوت والتسبيح الكائن من الجمادات فهذا لفظ من فم؛ لأن الله تعالى يخلق فيها إدراكاً ولساناً وفماً للتسبيح.
وبالجملة فهذه الأقسام العشرة هي عقلية، وقصدت بذلك بسط المسألة والإيضاح مع ظهور معنى التخصيص في عرف اللغة الآتي اهـ.
ثم إن الحرف هو تقطيع الصوت باللسان، وأراد بالحرف حرف المبنى لا حرف المعنى ولا حرف التهجي.
قوله: (فيتناول) أي: اللفظ ما لم يكن الذي لم يكن صوتاً إلخ.
قوله: (صوتاً) الصوت أعم من الحرف و نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، فلو قدم حرفا على صوتا في مقام النفي المذكور لكان أولى أو يقتصر على قوله: «صوتا».
قوله: (مهملاً) خبر لكان محذوفة، وكذا قوله: «صادراً» من الفم أولا اهـ، ثم إنه على ما قدمناه يكون قول الشارح مهملاً أو مستعملاً خاصاً بقوله: «أكثر» ويبعد رجوعه للجميع أو للشق الأول فقط. أما قوله: «صادراً من الفم» فهو راجع للكل.
قوله: (لكن خص... إلخ) فالتخصيص في عرف اللغة ومتعارفهم، أي: عند العرب على وفق عرفهم هو متأخر عن التجوز، وهذا تبع فيه الشارح شيخ المحققين نجم الأئمة الرضي.
وقال السيد: التخصيص السابق على التجوز، ولم يسلك عليه الشارح وإلا فلابد ح من تأويل في نحو قوله: «فيتناول» ما لم يكن صوتاً، أما في الأول أي فيتناول مسبب اللفظ الملفوظ المرمى الذي لم يكن صوتاً وأما في الثاني أي فتناول اللفظ سبب ما لم يكن صوتاً أي سبب الملفوظ الذي لم يكن صوتاً.
قوله: (في عرف اللغة) أي: عند العرب المتكلمين بها، أي: خص في عرفهم.
وقوله: (ثانياً) ظرف أي زمناً ثانياً بعد الزمن الأول، وهو زمان أصل الوضع وليس مفعولاً مطلقاً حتى يقتضي أن التخصيص كأن وقع له أولاً مع أن الذي وقع له هو أصل الوضع اهـ.
وأما التجوز المتقدم فهو تعميم لا تخصيص ولو ادعينا بعد التجوز المنع من استعماله في المعنى الحقيقي أصالة لكان ذلك التجوز هو تغيير لا تخصيص أيضاً.
وبالجملة فالتخصيص لم يقع للفظ إلا هذه المرة، فـ«ثانياً» ظرف لا مفعول مطلق.
قوله: (بما هو صادر) أي: بالفعل، محصله أنه خص في عرف اللغة بأمور ثلاثة من العشرة أي بالصادر من الفم من جنس الحروف واحداً أو أكثر وذا إما مهمل أو مستعمل فهو في عرف اللغة أخص منه في أصل الوضع لكن بعد التجوز إما بقطع النظر عن التجوز فهو مباين له؛ لأنه في أصل اللغة مصدر وفي عرف اللغة اسم مفعول.
قوله : (من الفم) يتعلق بصادر و«من» للابتداء.
قوله: (من الصوت) بيان لما.
قوله: (المخارج) أي: جنس المخارج، فأل الجنسية أبطلت جمعيته بدليل قوله: «بعد حرفاً أي كان حرفاً واحداً... إلخ».
قوله: (مهملاً... إلخ) يرجع للشق الأخير تأمل.
قوله: (ولا يقال... إلخ) تفريع على كون اللفظ في عرف اللغة الملفوظ الصادر بالفعل من الفم، أي ولا يقال إلخ، في الكلمات الواقعة في القرآن أو التوراة أو الإنجيل أو الزبور لفظة الله؛ لأنها تشعر بالصدور عن فم -تعالى الله عن ذلك-.
فإن قيل: يقال لفظة الله على أنها من إضافة المخلوق للخالق، يقال: هذا الاعتبار صحيح ولكن معه إيهام أنها إضافة صادر عن فم المضاف إليه -تعالى الله عن ذلك-، ولم يرد عن الشارع الإذن بذلك الإطلاق، وأسماء الله تعالى -بل جميع ما ينسب له ويضاف إليه- هو توقيفي.
فإن قيل: قولهم كلمة الله فيه الإيهام أيضاً؛ لأن الكلمة القول المفرد، والقول هو اللفظ فلم أطلقت؟ يقال: إنه إيهام بواسطة فهو ضعيف، أو يقال: إن ما فيه الإيهام لورود فيه الإذن بالإطلاق لأطلق عليه سبحانه، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا﴾[الصفات : الآية 171] و﴿وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ ﴾ [التوبة : الآية 40] فهو نحو ﴿بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ﴾و«يد الله مع الجماعة» اهـ.
وقوة قول الشارح: فلا يقال: لفظة الله أنه يقال في عرف اللغة لكلمات القرآن ألفاظ من دون إضافة له تعالى؛ لأنها صادرة من الفم باعتبار المظهر الثانوي، أعني على لسان المخلوقين التالين القارئين لا باعتبار المظهر الأولى.
قوله: (وفي اصطلاح النحاة) هو عطف على «في أصل اللغة» فهو معادله، لا أنه عطف على «في عرف اللغة» وإلا لقال بما من شأنه إلخ، مع أنه لم يأت بالياء.
قوله: (اصطلاح النحاة) أي: عرفهم، والنحاة جمع ناح، وأصله «ناحو» نحو «غاز» مفرد «غزاة» أصله غاز وفي نحو: رام ذو اطراد فعلة من واو أو ياء بتحريك أصل ألفاً أبدل فهو قياسي.
ولو قلنا: إنه جمع نحوي لكان الجمع المذكور غير قياسي.
قوله: (ما شأنه) اللفظ في اصطلاح النحاة أحد أمرين، الأول: ما شأنه الصدور من الفم صدر أم لا، كالضمائر المستترة جوازاً وكلمات القرآن والتوراة، والثاني: ما ليس شأنه ذلك ولا يمكن صدوره من الفم إلا أنه تجري عليه أحكام اللفظ من عطف وإبدال وتأكيد، وذلك كالضمائر المستترة وجوباً.
وقوله: (من شأنه... إلخ) خبر مقدم على مبتدءه والجملة صلة لما.
قوله: (من الحروف) بيان لـ«ما»، و«أل» للجنسية فأبطلت جمعيته بدليل قوله بعد واحداً كان.
قوله: (وتجري) عطف على من شأنه يصدر إلخ، فهو من عطف الجمل وضمير أحكامه اللفظ، وفي بعض النسخ: أو ما تجزى إلخ، وهي أولى لأن «من الحروف» بيان لـ«ما» الأولى ح بتمامها إلا أنه بيان لأحد نوعيها المتقدم.
قوله: (فيندرج فيه) أي: في النوع الأول من التعريف.
قوله: (كلمات الله) أي: الكلمات في القرآن والتوراة إلخ، لأن شأنها أن تصدر من الفم وإن لم تصدر بالفعل وبمنزلة ذلك الضمائر المستترة جوازاً والمبتدأ أو الخبر المحذوف.
قوله: (وكذا الضمائر... إلخ) يدخل هذا في التعريف باعتبار النوع الثاني، أعني ما تجري عليه أحكام اللفظ وإلا فليس شأنه أن يصدر من الفم أصلاً فكلامه من باب اللف والنشر المرتب، الأول للأول والثاني للثاني.
ثم إن محصل الكلام أن كلمات القرآن مثلاً هي ليست ألفاظاً في عرف اللغة وهي ألفاظ على اصطلاح النحاة؛ لأن شأنها الصدور من الفم وإن لم تصدر بالفعل عن الفم أي باعتبار المظهر الأولي أما باعتبار المظهر الثانوي ألسنة المخلوقين التالين القارئين فقد صدرت من الفم لكن الشارح أراد الاعتبار الأول، أعني المظهر الأولي فلذا تعرض لها فقال: فيندرج حَ.
فإن قيل: حيث كانت ألفاظاً في اصطلاح النحاة فلم منع إطلاق لفظة الله أيضاً على ما هو الحق خلافاً لتفريعه المنع أولاً على عرف اللغة فقط، الجواب: أن المنع عارض لمانع التوقيف وأما على عرف اللغة فالمنع لأجل عدم الوضع والتناول للكلمات المذكورة.
وبالجملة فكلمات القرآن مثلاً لا يقال لها لفظة الله اتفاقاً لكن على عرف اللغة للتوقيف، ولأنها غير لفظة أصلاً إلا على اعتبار المخلوق وليس بمراد، وأما في اصطلاح النحاة فالمنع للتوقيف وإن أفاد الاصطلاح المذكور أنها لفظة الله لأن شأنها الصدور من الفم وإن لم تصدر .اهـ، وقال بعضهم: يصح أن يراد بكلمات الله الصفات القديمة، أي المعنى القائم بذاته تعالى.
فإن قيل: لا نسلم اندراجها تحت ما من شأنه أن يصدر من الفم فأجاب بأن في الكلام حذف مضاف والأصل من شأن نوعها إلخ، والنوع هو الكلام لكن أراد بالنوع النوع اللغوي لا المنطقي الذي هو تمام الماهية وإلا لاقتصر تركيب صفة الكلام له تعالى من جنس وفصل مع أنه تعالى وصفاته منزه عن التركيب، ثم رجع وبحث في إطلاق اللفظ على الصفة القديمة فقال: لا يسلم شرعاً وإن اندرج لغة وهو الكلام الذي قلنا شأنه الصدور فإن ما ثبت للنوع يثبت لجميع حصصه فيقتضي أنه يقال للصفة القديمة أيضاً شأنها أن تصدر من الفم تعالى الله عن ذلك اهـ، وهذا رجوع منه لكون النوع يراد به المنطقي لا اللغوي ومن لم يشعر بها يلزم عليه من المفاسد يكون صفة كلام الحق مندرجة في نوع الكلام من أنها ح جنس وفصل، وامتازت عن غيرها من الحصص والأفراد بمعيناتها تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً اهـ.
وإن أردت تحقيق المقام فراجع حواشي المحلى لدى قول مشروحه والكلام في الأزل، وقيل: لا يتنوع.
قوله: (وهذا المعنى) أي: معنى اللفظ في اصطلاح النحاة أعم من الأول أي من اللفظ في عرف اللغة. والمراد عموماً إطلاقياً لانفراد اللفظ عند النحاة بالضمائر المستترة وجوباً وبكلمات الله باعتبار المظهر الأولى، وليست ألفاظاً عند عرف اللغة اهـ، فكل ما هو لفظ في عرف اللغة لفظ في عرف النحاة ولا عكس، وهذه إمارة العموم بإطلاق، أما النسبة من اللفظ عند النحاة واللفظ في أصل الوضع فهي التباين فإنه لغة الرمي وإن اعتبرت التجوز المتقدم فهي الوجهي لانفراد اللفظ لغة ح بالدقيق الملفوظ من الرحى مثلاً وانفراد اللفظ عند النحاة بالضمائر المستترة وجوباً واجتماعهما في الملفوظ من الفم من الحروف بالفعل كزيد فهو لفظ لغة، وفي اصطلاح النحاة.
قوله: (وهو المراد... إلخ)؛ لأن الوضع من مبادىء النحو أو أن اصطلاح النحاة هو مقبول عند علماء المعقول.
قوله: (واللام) هذا على أن المعرف هو اللام فقط والهمزة إما همزة وصل ولا دخل لها في التعريف، أو أل برمتها للتعريف لكنه قد عبر بالجزء عن الكل.
قوله: (إما للجنس... إلخ) اعلم أن أل على قسمين: إما جنسية أي أشير بها للمعنى الكلي وهو الماهية والحقيقة والجنس وليس المراد بالجنس ما قابل الفصل والخاصة اهـ.
وإما عهدية أي أشير بها إلى معين أي حصة معينة وكل منهما على أقسام أربعة، فالأول من أقسام الأولى الجنسية أن تكون للجنس من حيث هو هو، نحو: الرجل خير من المرأة، هذا الجنس خير من الجنس الآخر، فلا ينافي أن بعض الأفراد من النساء خير من بعض أفراد الرجال والثاني منها أن تكون للجنس من حيث وجوده في بعض أفراده أي بعضاً غير معين عند المتكلم والمخاطب نحو قوله تعالى: ﴿لَئِنۡ أَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُ﴾ [يوسف: الآية 14] فليس الذئب معيناً عندهما ولم يرد به الجنس من حيث هو؛ لأن الأكل لا يصدر إلا من الأفراد وإنما أريد به جنس الذئب من حيث حصوله في فرد غير معين بين المتكلم والمخاطب، والثالث منها أن تكون للجنس من حيث حصوله في كل الأفراد على سبيل العموم الحقيقي، ويقال لها: لام الاستغراق الحقيقي نحو: ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ﴾ [العصر: الآية 2] أي: كل فرد فرد، ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ﴾ [البقرة: الآية 150] إلخ.
والرابع منها أن تكون للجنس من حيث حصوله في كل الأفراد على سبيل العموم العرفي، ويقال لها: لام الاستغراق العرفي، نحو: جمع الأمير الصاغة، أي كل صائغ في بلده أو مملكته وإلا فيستحيل جمعه لكل صائغ في الدنيا.
وأما العهدية فأول أقسامها أن تكون لمعهود مذكور صراحة والثاني أن تكون المعهود مذكورا كناية وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا﴾ [آل عمران: الآية 35] إلى قوله: ﴿وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ﴾ [آل عمران: الآية 36] فأل فيها للعهد إلا أن المعهود الذكر ذكر كناية بالصفة في قولها: ﴿مُحَرَّرٗا﴾ [آل عمران: الآية 35] والمعهود الأنثى ذكرت صراحة في قولها: ﴿إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ﴾ [آل عمران الآية 36] والثالث أن تكون لمعهود معين ذهنياً ويقال لها: لام العهد العلمي، نحو: ﴿إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: الآية 18] ﴿إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ﴾[التوبة : الآية 40] لأن المراد بالشجرة شجرة الحديبية، وبالغار غار حراء، وهما في الخارج معنيان إذ كل ما في الخارج جزئي ويسمي النحاة هذا القسم بـ«لام العهد الذهني» أما البيانيون فلا يسمونه به وعندهم لام العهد الذهني لام نحو: ﴿لَئِنۡ أَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُ﴾ [يوسف: الآية 14] وعلى طريقهم سلك الشارح -رحمه الله-، والرابع: أن تكون لمعهود حاضر، نحو: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ﴾ [المائدة: الآية 3] منهم من عبر عن الأقسام الأربعة الأخيرة بـ«لام العهد الخارجي» مكتفياً بذلك إلا أن عن تعداد الأقسام كما اكتفى بلام الاستغراق عن تعداده إلى حقيقي وإلى عرفي عنده أربعة فقط ثلاثة لـ«أل الجنسية» أما الجنسية من حيث هو وإما من حيث حصوله في بعض الأفراد، وإما من حيث حصوله في جميع الأفراد أو العهدية أي ذات العهد الخارجي.
وبين الشارح -رحمه الله- أنه إنما يمكن في قول بالمصنف اللفظ أحد احتمالين، الجنسية من حيث الحصول في بعض الأفراد والعهدية أي ذات العهد الخارجي نظير ﴿إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: الآية 18] فقال: للجنس إلخ.
قوله: (حصوله) يقرأ بالرفع مبتدأ خبره محذوف أي موجود له وحاصل فحيث قد أضيف ح إلى الجملة على ما هو الواجب لا بالجر إلا على نحو قول الشاعر:
ونطعنهم تحت الحبا بعد ضربهم ببيض المواضي حيث لي
وهو ضرورة.
قوله: (بعض أفراده) أي: بعضاً غير معين عند المتكلم والمخاطب لكنه معين في نفس الأمر وإلا لكانت للجنس من حيث هو القسم الأول.
قوله: (العهد الذهني) أي: أشير بها إلى حقيقة معهودة ذهناً، فالعهد للحقيقة لا للأفراد وإلا لكانت للعهد الخارجي، فإن قيل: توجيه العهد المذكور يقتضي عموم التسمية بالعهد الذهني بجميع أقسام أل الجنسية أو لجلها يقال: الجواب بالتسليم ولكن خصت التسمية بهذا النوع تقريباً للضبط والتعيين أو الجواب بالمنع وراجع تعاليق التلخيص اهـ.
وتقدم أن لام العهد الذهني عند النحاة هي بعض أقسام لام العهد الخارجي فهم مخالفون للبيانيين الذين سلك الشارح -رحمه الله- عند نهجهم.
وقوله: (الحصة) عطف على للجنس والمراد بالحصة الفرد.
قوله: (معينة) أي: باعتبار ملاحظة العوارض التي امتازت بها الأفراد بعضها عن بعض.
قوله: (من جنس) من للتبعيض وفي الكلام حذف مضاف، أي الحصة بعض من أفراد جنس إلخ؛ لأن الجنس لا يتبعض وإضافة مطلق إلى اللفظ من إضافة الصفة للموصوف وأما إضافة جنس إلى ما بعده فمن الإضافة البيانية، تأمل.
قوله: (وهي الموضوع) الضمير للحصة.
قوله: (الموضوع) أي: إما المهمل فإنه لا ينقسم إلى هذا التقسيم.
قوله: (منه) أي: من أفراده وهنا تشكيك وهو أن الموضوع المراد ليس فيه التعيين والتشخص على الوجه الأتم الأكمل إذ لا زال كلياً.
قوله: (وحينئذ) أي: حين إذ أشير بـ«أل» إلى حصة إلخ، فكانت للعهد الخارجي إلخ، فـ«حين» ظرف أعم و«إذ» ظرف أخص بسبب الإضافة إلى الجملة لكنها حذفت وعوض عنها التنوين وأن ينون يحتمل إفراده ويؤخذ من قوله: (وحينئذ) أنه على كونها للجنس يبقى الكلام على ظاهره لأنه يصير المعنى وبعض أفراد اللفظ قد يوضع إلخ، وهو صحيح لأنه نظر في البعض المذكور قبل وصفه بالوضع، فإن قيل: هذا البعض لا شك أن المراد به الموضوع فهو معين في نفس الأمر كما تقدم دون المهمل فتساوى الأمران، قلنا: الإرادة صحيحة ولكن لما أخذه مجرداً عن الوصف العنواني ثم أثبت له وصف الوضع وأطلقه عليه صار عنده بالضرورة أنه هو الموضوع وخرج عنه المهمل فظهر المعنى والمراد ح بلا تأول ولا تكلف.
قوله : (يجب ح... إلخ) ووجهه أنه لما وصف اللفظ بالموضوع لم يبق النظر والتقسيم في استقبال هذا الوضع ووجوده بعد على أنواع وأقسام بل إنما النظر التفاصيل في الأوضاع السابقة هذا مقتضى الظاهر، فلذا قيل: عدل عن مقتضى الظاهر من المضي إلى الاستقبال لنكتة وتكون الفائدة في الحمل والأخبار لأنه وضع باعتبار المتعلق أعني قوله : لمشخص، لا باعتبار وضع أن يوضع.
قوله: (إلى المضارع) فهو على حد قوله تعالى: ﴿وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ﴾[البقرة: الآية 102]، و﴿وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ﴾ [الكهف: الآية 18] عكس ﴿فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ [الزمر: الآية 68] ﴿أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّه﴾ [النحل: الآية 1].
اعلم أن الأصوليين يدعون المجاز في الأفعال أصالة، والبيانيين يدعون وقوع المجاز في المصدر أولاً وأصلاً ثم في الفعل تبعي، فقوله لاستحضار أي بناء على أن زمن الحال اهـ، ثم يحتمل أن السين والتاء زائدتان أي لإحضار الصورة أي في أذهان السامعين أو لإحضار المتكلم من القارىء ذلك في ذهنه، تدبر، ونوع القرابة هو من حيث إنه تعقل أمراً عاماً جامعاً للجزئيات ثم وضع وعينه للجزئيات، هذا على أن قوله بعينه للاحتراز في المصنف وكذا على أنه كاشف لأنه أعم ليشمل الوصفين العام والخاص.
وقوله: (لنوع غرابة) إما عند جميع السامعين أي: ادعاء أو البعض السامعين إن أريدت الحقيقة وعدم الادعاء.
وقوله: (التأخر) عطف على «باستحضار الصورة» فهو معادله وليس في هذا الثاني إحضار الصورة، ولا يصح عطفه على «لنوع غرابة»؛ لأنه ح تبقى «إما» بلا معادل، وأيضاً يقتضي أن فيه إحضار الصورة وليس كذلك.
ومحصل الأمرين أن التعبير بالمضارع بدلاً عن الماضي لأحد أمرين: إما لتنزيل ما مضى منزلة ما هو حاصل وواقع الآن وإما لتنزيل الشخص نفسه في زمن مضى وكأنه الآن لا زال فيه، والمراد به زمان بعد حصول ذات اللفظ وقبل وضعه بالمضارع ح للاستقبال لا للحال، وراجع حواشي المحلى في كون اسم الفاعل حقيقة في الحال إلخ.
وقوله: (الذات) أي: ذات اللفظ وبحث مع الشارح بأنه يقتضي صحة قول القائل في الذي ضرب ابنه في الزمن الماضي: جاء الذي يضرب ابنه، وهو في غاية البعد إلا أن يجاب بأن في التعبير بجاء مع الذي يضرب تنافياً تاماً فلذا منع وأبعد اهـ.
ثم إن الشارح -رحمه الله- لم يجوز في أل الاحتمالين الباقيين من الأربعة وهما أنها للجنس باعتبار وجوده في كل فرد؛ لأنه يصير المعنى: كل فرد فرد من أفراد اللفظ قد يوضع إلخ، فيدخل المهمل وليس هو من محل القسمة، ويجاب بأنه يراد بالعام شيء خاص وهو الموضوع بلا إشكال، نعم يبقى هناك مانع من هذا الحمل وهو أن الفرد الواحد لا يعمم في وضعه المذكور، لأنه إما كلي فلا ينقسم إلى الموضوع له الخاص وإما جزئي فلا ينقسم إلى الموضوع له العام، تأمل، فلذا لم يجوز الشارح -رحمه الله- هذا الاحتمال اهـ، وأنها للجنس من حيث هو هو ولا يصح أن يراد في قول المصنف اللفظ لما علمت أن المراد بالتقسيم هو ما صدقات اللفظ من إنسان ورجل وزيد لا مفهومه أعني الصوت ذا الحروف ولو كان المراد أن جنس اللفظ أي مفهومه قد يوضع لمشخص إلخ لأفاد أن هذا المفهوم الذي هو الصوت ذو الحروف قد يوضع إما لشخص بعينه إلخ مع أن هذا لا يوصف بالوضع أصلاً بل هو المدلول عليه بلفظ اللفظ وإليه وضع مادة لفظ.
قوله: (تمهد... إلخ) التمهيد في الأصل وضع الطفل في المهد مع طمأنينة وإثبات خاص لأجل النوم والتمهد مطاوعها وهو ثبوت الصبي في المهد، تقول: مهدت الصبي فتمهد، وأراد الشارح -رحمه الله- بالتمهد مطلق الثبوت لكنه هنا هو في الأفكار والأذهان والإشارة في قوله: هذا للمباحث الثلاثة من معنى اللفظ وضعاً وعرفاً ومعنى أل والمراد بها هنا والعدول في المضارع والتأويل وأما كونها أي الإشارة لبعض ذلك فيشبه التحكم.
قوله: (فنقول) أتي بنون المشاركة إما لكون هذا المعنى لم تبتكره بل هو مشارك لغيره فيه أو هي نون العظمة إشارة إلى أن هذا المعنى عظيم الفائدة.
قوله: (الموضوع... إلخ) هذا القول عنده على أن أل للحصة، تأمل.
وقوله: (تشخص... إلخ) أي: ملاحظة المعنى مع عوارضه المشخصة، وأراد بقوله: عمومه، ملاحظة المعنى على وجه الإجمال لا العوارض، وإلا فالمعنى ملاحظ ومعين عند الواضع على كل، ثم إنه قابل العموم بالتشخص مع أنه يقابل بالتخصيص والتخصيص مخالف للتشخص لفظاً ومعنى لأن عين التشخص الخاء وعين التخصيص الصاد إشارة إلى أن المراد بالعموم ليس حقيقته بل الملاحظة للشيء دون عوارضه المشخصة.
ثم إن العموم هو الاستغراق الموجود في اللفظ والمعنى فهو قدر مشترك بينهما، تأمل، أو هو وصف للمعنى فقط أو هو مشترك اشتراكاً لفظياً بين المعنى واللفظ أو هو خاص باللفظ، وعلى هذا فلم المصنف وصف به المعنى، فيجاب بأن ذلك الحقيقي وهذا المجازي عن عدم ملاحظة العوارض اهـ، ولا يقال هو من وصف المدلول بما للدال لأنه يقتضي أنه ح على معناه الحقيقي من الاستغراق، تأمل، أما الوصف بالكلية والجزئية فهي للمعاني لا للألفاظ إلا على ضرب من التجوز كما هو معلوم في هو محله.
قوله: (وخصوص الوضع... إلخ) تقدم أن خصوص الوضع وعمومه هما باعتبار متعلق التعقل أي المتعقل فتحاً إن كان عاماً فالوضع عام وإن كان خاصاً فالوضع خاص، ثم إن المتعقل المذكور تارة يختلف مع الموضوع له ذاتاً كما في وضع الضمير واسم الإشارة، وتارة يتحدان ذاتاً ويختلفان اعتباراً فإنه من حيث تعقله أولاً للوضع هو آلة للوضع ومن حيث التعيين له والجعل بإزائه وحصول الوضع هو موضوع له كما تقدم وهم تارة يسمون نفس التعقل آلة للوضع، نحو قول المصنف: فتعقل ذلك المشترك آلة للوضع في قراءة تعقل مصدر أو آلة خبره، أما لو قرئ يعقل فعلاً مبنياً للمجهول وآلة حال من المشترك فيفيد أن المتعقل هو الآلة وستأتي تتمة الكلام على ذلك.
قوله : (على ما يقتضيه... إلخ) بناء على ما يقتضيه.
قوله: (العقلي) نسب هذا التقسيم للعقل لأن النفس المدركة الحاكمة أدركته بواسطة العقل، وقد قالوا: ما أدركته النفس بواسطة الوهم أو الحس المشترك أو المتخيلة قد يكون غير حق بخلاف ما أدركته بواسطة العقل اهـ.
ثم يقال: النفس أدركت التقسيم المذكور الرباعي بواسطة العقل مع أنه باطل لأن أحد الأقسام منه غير موجود بل يستحيل عقلاً بدليل ما يأتي للشارح، وأما الجواب: بأن البطلان أمر عارض فلا ينهض وإلا لأجيب بمثله فيما أدركته النفس بواسطة الوهم من الخطاء، تأمله، نعم، العقل هو الذي أدرك استحالته ثانياً فلم يبق حاكما لصحته.
قوله: (ابتداء) أي: وأما الاقتضاء الثانوي فهو أكثر من أربعة لأن العلم بالوضع الخاص لموضوع له خاص إذا تنزل فيه يكون علم شخص أو علم جنس، وكذا وضع العام لموضوع له خاص إما في الضمير أو في اسم الإشارة أو في الموصول أو في الحرف وكذا الوضع العام لموضوع له عام إما في الفعل أو في الوصف أو في اسم الجنس أو في المصدر، تأمله، مع أن هذه المقصودة بالذات اهـ.
وقوله: (أربعة) خبر عن «أقسام اللفظ» ولا يجعل أقسام عاماً؛ لأنه يصير المعنى كل قسم من أقسام اللفظ أربعة بل يراد بالأقسام المجموع، ثم إن هذا الإخبار يعطي الحصر في الأربعة مع أن العقل يجوز الوضع العام بتعقل ما هو أعم منه والوضع لعمومات كلية باعتبار تعقل كلي والوضع لجزئي باعتبار تعقل جزئي مباين له، وهكذا من أقسام أخر أزيد من أربعة لا أنها أربعة فقط اهـ.
وأما الجواب بأن الكلام في الموجودة من الأقسام دون المعدوم فيرد عليه القسم المستحيل من الأربعة عند الشارح، والحق في الجواب عن المباين أنه أخرج ما زاد على الأربعة بقوله: ابتداء، لأن العقل لا يلاحظه ولا يحكم بصحته في بداهة الأمر إذ المباين لا علاقة بينه وبين مباينه توجب حضوره أو العون على حضوره كما لا يخفى، بخلاف تعقل الخاص، فربما يقال: إنه يخص عامه فلذا أدرجه العقل فى التقسيم أولا دون ما عداه، لكن يرد نحو الوضع العام والموضوع له أعم منه، تأمله.
نعم، لو راعينا الحيثية، أي: من حيث ظهور الملابسة لصح قوله؛ لأن المعنى زيادة توضيح.
وقوله: (مشخص) أي: لوحظ بعوارضه المعينة له.
وقوله: (أولاً) أي: بلا واسطة، فالكلام فيه معنى الحصر.
قوله : (ما يكون... إلخ) «ما» واقعة على اللفظ.
قوله: (باعتبار تعقله... إلخ) بيَّن به جهة وصف الوضع بالخصوص أو العموم.
قوله: (كما إذا تصورت... إلخ) «ما» مصدرية و«إذا» زائدة ولكن المثال للوضع لا للتصور فيقدر مضاف، أي: كمثال تصورك... إلخ، والمثال هو الوضع.
وقوله: (ذات زيد) أي: ذاتاً مآلها لكونها ذات زيد وإلا فالآن أي قبل الوضع لا يقال فيها ذات زيد إلخ، بل تصورت ذاتاً مع مشخصاتها ومعيناتها ثم وضعت لها لفظة زيد اهـ.
قوله: (متعدداً) أي: كثيراً حتى يشق تعداد الوضع له على عدد جزئياته، فلذا أدرجناه تحت ضابطه وإلا لكان من المشترك اللفظي الذي يتعدد وضعه بالفعل كالعين.
وقال بعضهم: لا بد في هذا القسم أيضاً من كون الجزئيات موجودة خارجاً فلا يرد نحو: شمس، فإنه من الوضع العام لموضوع له عام، ويقال: لا يحتاج لقيد الوجود الخارجي لذلك الكثير لأن الشمس إنما لاحظ الواضع حال وضع لفظها المعنى الكلي كإنسان، ثم المعنى الكلي لم يوجد من أفراده خارجاً إلا فرد واحد في الشمس بخلاف إنسان ولا كذلك وضع الضمير واسم الإشارة مثلاً فلاحظ في الموضوع له من الجزئيات العوارض المعينة المشخصة، تأمل.
قوله: (والثالث) بل هذا هو الرابع في تقسيم الشارح، والرابع الآتي له هو الثالث، تأمل، إلا أن يقال: أراد تعداد الأقسام الأربعة لا على أن الأول إلخ، الأول هو الأول في التقسيم والثاني للثاني فيه وهكذا.
قوله: (بل حكموا) لما كان قوله: لا وجود له، لا يعطي الاستحالة بل يصدق مع الإمكان وكان المراد الاستحالة العقلية، أضرب عن قوله: مما لا وجود له إلى الاستحالة وأراد الاستحالة العقلية بدليل التوجيه والتعليل الذي ذكره لا العادية.
قوله: (الخصوصيات لا يعقل... إلخ) مثلوا لذلك بجدار ممتد من المغرب للمشرق فيه ثقب وبحذائه جدار مثله ثقباً، كل ثقبة منه تقابل ثقب الأول فإذا نظرت إلى ثقبة واحدة في أحدهما من الثقبة المقابلة لها فلا ترى إلا واحداً ولا تراعى إلا جزئياً ولا تلاحظ الكلية والحائط بخلاف ما لو نظرت للجدار ذي الثقب فإنك تشخص أو تلاحظ جزئيات كلها، ثم إن هذا المثال في نفسه ظاهر وذكر الجزئيات هي مماثلة الحقائق لكن قد علمت أن الذي في الخارج أن الجزئيات منفصل بعضها عن بعض مختلفة الحقائق فلا يمثل لها بمسألة الجدار المتقدمة، وح فقد يقال هنا بحثان، الأول في منطوق «بخلاف العكس» أي فإن الكليات تكون مرآة للجزئيات بأن الكلي الذي هو المعنى الإجمالي قد يلاحظ مجرداً عن العوارض وهنا كما يقع في وضع النكرات من إنسان ورجل فلم تستلزم ملاحظته ملاحظة الجزئيات، أما الوجود الخارجي فلا يستلزم إلا وجود فرد واحد فقط أي: وجوده خارجاً استلزم أنه في ضمن جزئي واحد فقط على ما فيه بين السعد والسيد، والأعم لا يستلزم أخص معينا اهـ.
والجواب: أن ملاحظة الكلي مع مراعاة الجزئيات والعوارض قصداً والتفات النفس لها لأجل الوضع استلزمت تعقل الجزئيات كلها فلم تكن ملاحظة الكلي بالقصد والذات حتى لا يلزم إحضار الجزئيات وملاحظتها بل وسيلة للجزئيات فلذا وقع الاستلزام المذكور اهـ، تأمله.
والثاني في منطوق قوله: «لأن الخصوصيات لا يعقل كونها... إلخ» فإن الأخص مستلزم لعامه والجزئي حامل للكلي أبداً خارجاً ولكن لوحظ جزئي واحد فقط لأجل الوضع لكلية لم يظهر ولم يتحقق المعنى الكلي مجرداً عن تلك العوارض فلم يظهر الموضوع له من الكلي وإنما يظهر بإحضار المتعدد من الجزئيات اهـ، مثل لو أراد الوضع للنوع في تعقل زيد وقد علمت أنه، أي النوع، الحيوان الناطق دون العوارض من بياض لم يظهر للسامع المعنى الموضوع له والخارج عن الوضع في زيد أي فيظن به التلبس عليه ووقوع الوهم عليه وإنما يتحقق أن الامتياز عنده يحصل إذا كان الواضع استحضر من الجزئيات زيداً الطويل وعمرا القصير وخالداً الربعة المتوسط وقال: إذا وضعت لفظة إنسان للمعنى الجامع بينهم اهـ، بخ يظهر أنه أمر وجد في كل وما هو إلا الحيوانية والناطقية اهـ.
وقد علمت أن إحضار الجزئيات الذي به يظهر الأمر لابد فيه من كونه عمها كلها وهو محال أو كلفة فلذا قالوا: الرابع غير موجود بل مستحيل لأن الخصوصيات لا يعقل كونها مرآة اهـ، تدبر.
قوله: (واكتفي بذكر) أي: في تقسيم المقدمة، أما التقسيم المقصود من الرسالة فذكر فيه الأقسام الثلاثة كلها كما يأتي.
قوله: (الأولين... إلخ) أي: الوضع الخاص لموضوع له خاص والوضع العام لموضوع له خاص.
وقوله: (من تلك الأقسام) مِن للتبعيض، والجار والمجرور حال من الأربعة السابقة القسمين، أي: حال كونها بعضاً من الأقسام السابقة، وأراد بالأول والرابع والثالث والثاني ذلك باعتبار الذكر الثانوي قبل لا, فاعتبار التقسيم والذكر الأول وإلا فالثالث هو الرابع والرابع هو الثالث فى التقسيم كما سبق.
قوله: (لعدم تحقق... إلخ) علة لمقدر أشعر به قوله: «اكتفى» والأصل ولم يذكر الرابع لعدم تحققه، أي: الرابع ولا الثالث لعلتين ظهوره وعدم تعلق الغرض به إلخ.
قوله: (لعدم تحقق الرابع) قيل: الأنسب بالإضراب المتقدم أن يقول: لاستحالة الرابع، والجواب أن الاكتفاء عنه وعدم ذكره معلول بعدم تحققه خارجاً لأن ذكره ح فضول ولعب وتضييع للزمان بلا فائدة، لا أنه معلول بأخص من عدم التحقق وهو الاستحالة.
وبالجملة: فاقتصر على الوصف الأعم لأنه العلة لا أن الأخص هو العلة، وأراد بالرابع الوضع الخاص لموضوع له عام.
قوله: (وظهور... إلخ) أي: فلم يذكر المصنف القسم الثالث، أعني الوضع العام لموضوع له عام، لعلتين: إحداهما ظهوره لأنه اتفق الموضوع له والوضع في أن كلاً عام، وثانيتهما: أن القصد الأصلي بالرسالة هو تحقيق معاني الأمور الأربعة، الضمير واسم الإشارة والموصول والحرف، إذ هي محل النزاع بين السعد والمصنف العضد، وأما بقية التسعة من علم الشخص فوضع خاص لموضوع له خاص، ومن اسم الجنس والمصدر والفعل والوصف فوضعها عام لموضوع له عام فليس محل خلاف بل الاتفاق على ذلك وهي وإن كانت مقصودة في تقسيم الرسالة لكن تبعاً لا أصلياً وهي الذي احترز عنها الشارح -رحمه الله- بقوله: الأصلي، اهـ.
وقد علمت أن الوضع العام لموضوع له عام وهو القسم الثالث لم يتعلق به غرض في تحقيق معنى الحرف وإخوته فلذا لم يذكره في المقدمة المذكورة.
قوله: (وهو المقصود الأصلي) تفسير لما المقدمة، واحترز بالأصلي: المقصود تبعاً وهو تحقيق معنى المصدر واسم الجنس وغير ذلك من بقية التسعة مما ذكره في التقسيم من الرسالة.
قوله: (والأول) أراد بالأول الوضع الخاص لموضوع له خاص، وواو وإن للحال وإن زائدة والكاف في كذلك بمعنى مثل والإشارة في قوله: «ذلك» للثالث وهو الوضع العام لموضوع له خاص ووجه الشبه الأمران أي من الظهور لأنه توافق الموضوع له والوضع يعني في العموم، أي والكلام على الظاهر عبث ولعب ومن عدم تعلق الغرض به مما هو المقصود الأصلي من الرسالة إلخ، أي فمقتضاه ألا يذكر كما لم يذكر الثالث إلا أنه، أي الأول، لما شارك الثاني أي الوضع العام لموضوع له خاص في تشخص المعنى وتعيينه ناسب أن يذكر في المقدمة هذا القسم الأول لزيادة توضيح معنى الحرف والضمير واسم الإشارة والموصول أصحاب القسم الثاني، وذلك أن الموضوع له المشخص إنما يكون من القسم الثاني إن كان تعقل العام الكلي الجامع للجزئيات وإلا فهو القسم الأول.
واعلم أنه نقلوا عنه للكلام على المتعرب عن سعد الدين أن الأعلام لا ينسب وضعها لأحد بالخصوص ولذا لم.
ثم إن قوله: «والأول» مبتدأ خبره محذوف تقديره، مقتضاه ألا يذكر إلا أنه إلخ، خلافاً لمن قال: إن تقديره «ظاهر واضح» لأن هذا بعض وجه الشبه فهو مأخوذ منه لا أنه الخبر.
قوله: (صاحبه) أي: صاحب الوضع الثاني وهو الحرف وإخوته أي تحقيق معنى ذلك، أي فذكر الأول راجع للمقصد الأصلي من الرسالة، ويحتمل أن يريد بضمير صاحبه الأول والمراد بصاحبه هو الوضع العام لموضوع له خاص، لكن يقال: يصير المعنى أنه تعرض للوضع الأول لزيادة توضيح الوضع الثاني المراد، تأمل، فالاحتمال الأول أوضح وأظهر.
ثم اعلم أن المصنف يكون ذكر القسم الأول على احتمال أن «بعينه» في مقابلة قوله، «وقد يوضع له باعتبار أمر عام» وكذا على احتمال أنه صفة كاشفة أيضاً، تأمله اهـ.
ثم إنه يقال: إن القسم الثالث، أعني الوضع العام لموضوع له عام اهـ، قد شارك الثاني في عموم المتعقل كما شاركه الأول في تشخص الموضوع له فلم يراع هذه الجهة دون الأخرى.
فالجواب: أن الثالث شارك الثاني في آلة الوضع مثلا وهي وسيلة، وأما الأول فشارك الثالث في الموضوع له المقصود بالذات بيانه وإظهاره وأيضاً لأن عموم المتعقل اهـ، ومجازي إنما هو بمعنى عدم ملاحظة العوارض فلم تعتبر المشاركة في ذلك.
قوله: (صفة كاشفة... إلخ) لكن الباء زائدة وعين بمعنى معين والضمير الذي كان في عينه البارز العائد على المشخص استتر في اسم المفعول بالوضع لمشخص معين، ويصح أن تكون الباء للملابسة وعينه بمعنى ذاته، أي مشخص متلبس بذاته، أي تلبس الكل بجزئه لأن المشخص يشمل الذات والعوارض وفيه بعد، ويحتمل أن عينه بمعنى تعينه على ضرب من التجوز، ويصح أن يكون «بعينه» تأكيداً، نحو: جاء زيد بنفسه، أي لمشخص بذاته والباء في حكم الزائدة، فليس ح صفة، تأمل.
ثم على احتمال أنه وصف كاشف وهو وإن صدق بأمرين ما إذا تعقله الواضع بأمر عام وما إذا تعقله بخصوصه فالمراد الثاني فقط بدليل حسن المقابلة وإلا لما حسنت المقابلة بين أعم وأخص.
قوله: (أي قد يوضع... إلخ) بين أن في كلام المصنف ح تسامحاً وحذفاً لمضافين مع حرف جر اهـ، وأخر الشارح -رحمه الله- هذا الاحتمال مع كونه أولى لأن التأسيس أولى من التأكيد ولعدم الإجمال والإيهام من أول الأمر، وما ذاك إلا لأجل زيادة البيان في المعنى وإظهار المقابلة المدعاة.
قوله: «وقد يوضع» قد للتحقيق هنا وفيما قبله كقوله تعالى: ﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ﴾ [البقرة: الآية 144]، ويحتمل أنها في المحلين للتقليل، أي: باعتبار القسم الثالث، أعني الوضع العام لموضوع له عام.
قوله: (له) أي: للجنس المشخص لأن هذا متعدد كثير اهـ، إلا أن في هذا التقدير إيهاماً؛ لأن الموضوع له ليس هو جنس المشخص بل كل من أفراده وجزئياته، تدبر.
قوله: (باعتبار) الباء للملابسة، أي: ملتبساً باعتبار أمر عام.
قوله: (وذلك الوضع) فالضمير عائد على غير مذكور، بل أشير إليه باللفظ، فهو نحو: ﴿ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: الآية 8] كما يعود الضمير على ما أشير إليه بقرينة الحال: ﴿كـَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ﴾ [القيامة: الآية 26]، ونحو: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَۖ﴾ [النساء: الآية 11] أي: الزوج والميت، كما أنه يعود الضمير على مذكور لفظه ، فتقدم حقيقة، نحو: زيد يضحك، أو تقديراً، نحو: في داره زيد، أي زيد في داره، وشاع نحو: خاف ربه عمر، أو حكماً، نحو: ربه فتى، ونعم الرجل زيد، فإن غرضهم من الإجمال والتفصيل بعده إنما يحصل بتأخير التمييز الذي يعود عليه الضمير اهـ.
ثم إن الضمير باعتبار العائد أقسام ثلاثة، الأول: أن يكون عائدا على الشيء بوجهيه، نحو: زيد يضحك، الثاني: أن يكون عائداً على لفظه لا بوجه من وجهيه، نحو: عندي درهم ونصفه، أي نصف درهم آخر، وفرق بين هذا والاستخدام الذي منه أن يكون اللفظ معنيان أطلق على أحدهما وأعيد الضمير عليه بمعنى آخر، فإن الدرهم إنما له معنى واحد ووضع واحد ولم تختلف حقائقه بل حقيقته واحدة وإنما الذي اختلفت أفراده، الثالث: أن يكون عائداً عليه بوجه فقط، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٖ وَلَا يُنقَصُ مِنۡ عُمُرِهِۦٓ﴾ [فاطر: الآية 11] أي: عمر شخص سواء كان ذلك المعمر أو سواه، راجع حواشي السعد في بحث إضمار المسند إليه.
قوله: (باعتبار) أمر عام اقتصر في معاد الضمير على عبارة المصنف لا على أصلها وحقيقتها من ذكر المضافين والباء السابقة معها لأن المقام مقام بيان الإشارة وهو حاصل بما ذكره فيه.
قوله: (يتحقق) إن قيل: هذا المتعلق للخبر كون خاص، وإنما يحذف متعلق الظرف الخبر إذا كان كوناً عاماً، يقال: بل هو كون عام كالحصول والثبوت، تأمل.
قوله: (مشتركاً) أي: اشتراكاً معنوياً لا لفظياً.
قوله: (مشخصات) هو بفتح الخاء، أي معينات وجزئيات خاصة.
قوله: (هذا اللفظ) شخص الدال إشارة إلى أن الوضع الشخصي لابد فيه من ذلك، أما الوضع النوعي فهو ما كان بقاعدة، نحو كل فعل ومرفوعه فللحدث والفاعل أو النائب، فلا تشخص فيه كما تقدم.
قوله: (لكل واحد) بحث فيه بأنه يلزم عليه أن سامع اللفظ ح تلتفت نفسه إلى جميع الجزئيات وهو تشويش أو خلاف الواقع، ويجاب بأنه إنما تلتفت نفس العالم بالوضع السامع للفظ إلى ما المراد باللفظ حتى تجد القرينة فلا تشويش ولا مخالفة.
قوله: (بخصوصه) تقدم أن الحق أن المشخصات معتبرة في الوضع شرطاً في الاستعمال لا دخل لها في مسمى اللفظ، تأمل.
قوله: (أي يعين) سيأتي أنه تفسير ليقال على سبيل المجاز، فكان حقه أن يأتي بالعناية لا بأي.
قوله: (بإزاء كل واحد) أي: بالقوة لا بالفعل وإلا لكان حرجاً ومشقة.
قوله: (سواء كان... إلخ) سواء خبر مقدم عن مصدرين مأخوذين من الجملتين بعدها، أي كون العام من ذاتيات المشخصات أو من عوارضها سواء في ذلك ولم يثنوا «سواء» لاكتفائهم بتثنية «سي» عن تثنية «سواء»؛ لأنه مصدر فيخبر به عن الواحد والمتعدد بلفظ واحد.
قوله: (ذاتياتها) أي: بأن كان نوعاً من المشخصات والجزئيات كما في الابتداء المطلق للابتداءات الجزئيات والتبعيضات الكلية للتبعيضات الجزئية وهكذا.
قوله: (كما في معاني) أي: كالمشترك الكائن في معاني الحروف، فالظرفية من ظرفية الجزء في الكل، والكاف في قوله: «كما في معاني» الحروف استقصائية لا تدخل شيئاً.
قوله: (كما في المضمرات) الكاف أدخلت الموصول، وما واقعة على المشترك، والظرفية كالظرفية قبلها، ولا شك أن الأمر العام في الضمير ونحوه هو من عوارض الجزئيات لا من ذاتياتها، ألا ترى إلى «أنا» فإنه وضعه الواضع لكل جزئي من الحاضر المذكر إلا أنه تعقلها بالمشترك المذكور، أعني الحاضر المذكر ليجمع له الجزئيات فكل جزئي أي حاضر مذكر معين كان المشترك فيه وهو الحاضر المذكر خارج عن ذاتياته؛ لأن ذاته تركبت من الحيوانية والناطقة لا من التذكير والحضور، بل هما كالضاحك لماهية الإنسان اهـ.
ثم اعلم أن مادة الحرف قد يتعدد فيها الوضع كـ«من» للتبعيض أو للسببية أو للابتداء بخلاف نحو الضمير فلا يتعدد فيه وضع المادة.
قوله: (مرآة) أي: كالمرآة.
وقوله: (لملاحظة) يفيد وجه الشبه وهو مطلق ملاحظة الغير بكل.
قوله: (الموضوع) خبر بعد خبر أو صفة لمسمياتها صفة غير حقيقية، فقوله: اللفظ هو النائب عن الفاعل لقوله: الموضوع.
قوله: (منها) أي: من المشخصات.
قوله: (وليس ذلك العام... إلخ) زيادة إيضاح ليتوصل إلى الكلام مع بعض الأفاضل.
قوله: (كما توهم) راجع للمنفي لا النفي.
قوله: (بعض الأفاضل) منهم السعد في شرح الشمسية فإنه نفى الوضع العام لموضوع له خاص، وقصر الوضع على قسمين فقط وجعل من الثاني، أعني الوضع العام لموضوع له عام، الأمور الثمانية بإدخال الحرف وإخوته إلا أنه لما رأى التعريف في جله والاستعارة تبعية قال: لكن الواضع شرط استعمالها في جزئي اهـ، بعدما قال السعد: لأن الوضع إن كان لكل واحد من الجزئيات فهو غاية الحرج وإن كان للبعض فقط فهو تحكم، واختار الجمهور الشق الأول وقالوا: لا حرج بل وضعت وضعاً عاماً، فالموضوع له خاص فلا حرج ولا مشقة إلا لو كان تعدد الوضع بالفعل كما في المشترك اللفظي وليس كذلك، ثم إنهم بحثوا مع السعد -رحمه الله- بأنه يلزم أن هذه الأمور الأربعة أبداً هي مجازات لا حقائق لها، وأجيب بالتزامه ونظيره الرحمان فإنه في الأصل لذات متصفة برقة القلب وانعطافه مع أنه خاص بالله تعالى ولم يطلق أصلاً على سواه ولا غيره بإطلاق وينسب للزمخشري، ورده العلامة الناصر اللقاني في حواشي المحلى قوم مسيلمة الكذاب إياه عليه لشدة تعنتهم، كذا قيل، أي والرحمان في الله تعالى بمعنى مجازي فهو مريد الإنعام أو المنعم بالفعل، وعلى ذا فيقال: اللهم اجعلني في مقر رحمتك اهـ، على أن الكلي في الجزئي إنما هو مجاز إن أطلق عليه من جهة الخصوص، أما لو أطلق عليه من جهة وجود المعنى العموم فهو حقيقة، بل قال بعضهم إن الكلي في الجزئي هو حقيقة ولو أطلق عليه من جهة الخصوص.
وتعريف الحقيقة بأنها الكلمة المستعملة فيما وضعت له ابتداء مفيد لذلك؛ لأن لام له في التعريف المذكور هي تعليلية لا صلة لوضعت اهـ.
وبالجملة فلكل من السعد والعضد -رحمهما الله- وجه ولا اتجاه بمتمكن على واحد إلا أن الجمهور على ما للعضد؛ لأنه فصل ودقق ولم يجمل ولا أبهم.
وقال بعضهم: يبعد أن يظهر السعد النزاع مع شيخه في حياته حتى يؤلف الشيخ لأجل ذلك، بل المراد أن السعد خفي عليه هذا النوع من الأوضاع اهـ، ولا يخفى ما في الكلام.
قوله: (وغيرهما) أراد الحروف وأسماء الإشارات.
قوله: (وإنما عبر... إلخ) لكن قد علمت أنه مجاز مرسل تركيبي لعلاقة اللزومية والسببية فهو نحو:
[هواي مع الركب اليماني مصعد جنب وجثماني بمكة موثق]
كما تكون الاستعارة في المركب، نحو: الصيف ضيعت اللبن، وإني أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، وهي الاستعارة التمثيلية، ولو جعلناه مجازياً إفرادياً في خصوص القول لما ناسبه قوله: «الموضوع» بل إنما فسر مركباً بمركب.
قوله: (غالباً... إلخ) ومن غير الغالب ظهوره بالكتابة والإشارة.
قوله: (وإنما قيد بالحيثية) المحصور فيه هو قوله : «لئلا يتوهم» قوله: بقوله الباء للظرفية والقول على حقيقته من المصدرية، والظرفية من ظرفية الجزء في الكل؛ لأن القول أعم من الحيثية أو من ظرفية المتعلق في المتعلق، تأمله، أو الباء للسببية والقول بمعنى المصدر فلا بدل خلافاً لمن قال إنه ح بدل اشتمال، تأمل، ولك أن تجعل الباء للتصوير كباء «بالحيثية» والقول بمعنى المقول فهو عطف بيان أو بدل كل من كل أو القول بالمعنى المصدري ح، والبدل بدل اشتمال فهي كباء واحدة فلم يتعلق حرفا جر متحدان بعامل واحد بناء على أن العامل في البدل والمبدل منه واحد، تأمله، وقد وقع لبعضهم هنا خلاف ذلك.
قوله: (لئلا يتوهم... إلخ) يقال: لو أراد ذلك لاقتصر على قوله: دون القدر المشترك، إذ هو الرافع لهذا التوهم لا الحيثية، وما ذكره من التوهم وإن كان محتملاً لكنه ضعيف جداً، فالأولى أن الحيثية هي لأجل التوضيح لما تقدم، فهي ثمرته ونتيجته.
قوله: (مفهوم كل واحد) لأن قوله أولاً ثم يقال هذا اللفظ موضوع لكل واحد يحتمل لذات كل واحد وهذا هو الظاهر، ويحتمل لمفهوم كل واحد وهذا احتمال بعيد رفعه المصنف بقوله «بحيث» إلخ، على ما قال الشارح اهـ، لكن قد علمت أن مفهوم كل واحد ليس هو الأمر المشترك بل هو حقيقة كل واحد، تأمله.
قوله: (حتى يستعمل) غاية في التوهم.
قوله: (هو منه) أبرز الضمير لجريان الفعل على غير ما هو له.
قوله: (فإن ذلك) أي: فإن وضع الحرف وإخوته لمعنى عام إلخ، أو لمفهوم كل واحد وهو غير الأمر العام، تأمل.
قوله: (باطل) بطلانه من جهة ما أيدوه في كلام السعد وتقدم رده.
قوله: (المشخص) أي: لجنس المشخص فيصدق بالمثنى والمجموع، وإنما احترز به عن المشترك اهـ.
وقد يقال: إن جنس المشخص غير المشخص فيتناقض الكلام، تأمل.
قوله: (من واحد) أي: حال من نكرة مختصة، والحال وإن عرف لفظها فأولها بوصف نكرة، [والحال أن عرف لفظا فاعتقد، «تنكيره معنى» إلخ].
قوله: (مفهوم) لو قال مفهم لناسب مفاد، فإنه اسم مفعول من أفاده.
قوله: (بحسب الوضع) هذا روح التوجيه أي: وإلا فيستعمل فيه بطريق المجاز، ألا ترى إلى نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ﴾[السجدة: الآية 12] فإن الضمير لعام، أي: ترى يا من تصح منه رؤية؛ لأن حالهم تناهت في الظهور فلا يختص بها راء دون آخر فالضمير ح في العام مجاز ، وكذلك نحو قوله:
[إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا]
إذ لم يقصد مخاطباً خاصاً بل المراد: أنت يا من يصح خطابه وإلقاء الكلام إليه.
قوله: (مفهوم... إلخ) الإضافة للبيان ويصح أن يراد بالمشار إليه لفظه، فالإضافة من إضافة الدال للمدلول، ولا يخلوا عن مسامحة؛ لأن مفهوم المشار إليه هو أعم من المفرد المذكر مثلاً.
قوله: فتعقل إلخ للتفريع على بيان حقيقة القسم الثاني وتعريفه ولذا أتى الشارح بالتوطئة بقوله: وإذا كان كذلك إلخ، فاسم كان ضمير يعود على القسم الثاني، والإشارة للتعريف والكاف في كذلك زائدة، أي وإذ كان القسم الثاني وضعاً عاماً لموضوع له خاص بأن يعقل أمر مشترك بين مشخصات إلى آخر ما تقدم فتعقل ذلك إلخ.
قوله: (الواضع) هذا فاعل المصدر في المصنف وهذه الزيادة مضرة من وجهين، الأول: قراءة «ذلك المشترك» في المتن بالجر والزيادة تصيرها بالنصب، فلو قال بدل ذلك «للواضع» لكن بعد «آلة للوضع» لكان أولى، الثاني: أنه لا يتنزل معها نسخة الفعل المضارع من المجرد المذكور عنده.
قوله: (المشترك) نعت أو بدل أو بيان على القاعدة.
[وإن أتاك اسم معرف بأل بعد إشارة فنعت أو بدل]
والمراد بالمشترك المشترك المعنوي لا اللفظي الذي تعدد وضعه وهو من باب الحذف والإيصال، أي المشترك فيه.
قوله : (آلة) آلة الشيء الأمر الذي يتوصل به أي مباشرة.
قوله: (للوضع) أل للعهد والمعهود الوضع العام لموضوع له خاص الذي الكلام فيه.
قوله : (ووسيلة) هو عطف مترادف على آلة.
قوله: (فقوله) الفاء فصيحة أي إذا أردت معرفة العطف، فقوله: أو هي تفريعية على جعل ضمير «أنه» للمشترك لا للتعقل.
ومحصل الكلام أن الآلة في الأوضاع الثلاثة مختلفة فهي في الوضع العام لعام والخاص لخاص نفس التعقل، وفي الوضع العام لموضوع له خاص نفس المشترك المتعقل فتحاً، وذلك لأن الموصل مباشرة للوضع أي للموضوع له هو التعقل في الوضعين الأولين والمشترك في الوضع الثالث أعني العام لعام، ولو جعلنا الآلة نفس التعقل في الأوضاع الثلاثة للزم أنه في الوضع العام لعام لم توصل الآلة مباشرة بل بالواسطة، ولو جعلناه نفس المتعقل فتحاً في الثلاثة للزم اتحاد الآلة والموصل إليه في العام لعام والخاص لخاص اهـ.
وإن كان تقدم الجواب عن ذلك أنه باعتبار تعقله وملاحظته لأجل الوضع آلة ومن جهة جعل اللفظ بإزائه وتعيينه له هو موضوع له لما بعد لكنهم لم يلاحظوا ذلك بل جعلوا التعقل آلة في العام لعام والخاص لخاص.
وإذا علمت ذلك فقول المصنف آلة هو بالرفع ليس خبراً عن تعقل بل هو خبر لـ«أن» محذوفة مع اسمها ومع لام الجر الداخل عليها، والأصل وتعقل ذلك المشترك؛ لأنه أي المشترك آلة للوضع، والقرينة على أن آلة ليس محمولاً على التعقل بل على المشترك المقدر هو قوله: لا أنه الموضوع له لأن الذي يتوهم أنه موضوع أم لا هو المشترك لا نفس التعقل، مع أن النفي والإثبات يتواردان على محل واحد أي فقد أثبت للمشترك أنه آلة ونفى عنه كونه موضوعاً له فذلك هو القرينة على المراد.
فإن قيل: أين العائد على المبتدأ وهو تعقل، يقال: الخبرح متعلق الجار والمجرور أي ثابت وحاصل إلخ، ولا شك أنه مفرد لا جملة حتى يقال أن ضميرها للمشترك لا للتعقل، تأمل.
قوله: (أنه بتقديم) أي: هو بفتح الهمزة.
قوله: (معطوف) أي: «أنه» من «لا أنه»؛ لأن لا عاطفة، ففي الكلام تسامح.
وقوله: (الخبر) أي: المحذوف وهو «لأنه آلة للوضع» ولم يذكر المصنف من ذلك الخبر أو متعلقه إلا لفظ آلة الذي هو خبر «لأنه»، وبالجملة فمراد الشارح بذلك السبك والتقدير هو إفادة أن آلة ليس خبراً عن التعقل حتى يلزم عليه في الوضع العام لخاص أن التعقل آلة مع أنه يوصل للوضع أي للموضوع له بواسطة المشترك.
هذا ويصح أن يجعل تعقل المشترك من إضافة الصفة للموصوف فقد جعل التعقل بمعنى اسم المفعول لأفاد المراد، أي بذلك المشترك المتعقل آلة إلخ، ولا تقدير في الكلام بل آلة هو خبر عن تعقل كما علمت.
قوله: (وإن قرىء على صيغة... إلخ) أي: بالمثناة التحتية.
قوله: (منصوب على الحالية) أي: من النائب عن الفاعل لكن الحال هنا يؤول بالمشتق أي هو أي المشترك موصل للوضع.
أما قوله «أنه» فقد علمت أن إضافة المصدر محضة فكيف يصح حالا والمعطوف على الحال حال، نعم لو أراد المقابلة المذكورة لقال: لا موضوع آلة كذا بإسقاط «أنه»، ثم إنه بحث مع الشارح بأن الرسم لا يتطرق معه الاحتمالان؛ لأنه إن كان بالنقط من فوق انتفى الاحتمال الثاني وإن كان من تحت انتفى الاحتمال الأول، وأجيب بأن الرسم عند المصنف على ما للأقدمين بدون نقط ولا ضبط، أو يقال: أراد الشارح بيان ما تقبله العبارة بقطع النظر عما ثبت عند المصنف وخصوص عبارة وتعيينها، ثم ح تصح قراءته بوجهين آخرين يعقل بالتحتية بالبناء للفاعل والضمير عائد على الواضع وآلة حال، وتعقل بالفوقية والفاعل ضمير مستتر عائد على الواضع، أي تعقل يا واضع ذلك المشترك حال كونك آلة للوضع، تأمله.
قوله: (ولا أنه عطف... إلخ) وفيه تسامح لأن «لا» عاطفة لا معطوفة، أو يدعي أنها هي من المعطوف، فإن قيل: لا هي لعطف المفردات وهنا قد عطفت جملة، قلنا: جمل «أن» المفتوحة هي في تأويل المفرد فلم تعطف «لا» إلا المفرد، ثم اعلم أنه يقال: أن لهذا الوضع أنظاراً أربعة، اثنان جزئيان خصوص الدال وخصوص المعنى، واثنان كليان عموم المتعقل وعموم الموضوع له من الجزئيات أي ينظر فيها اجتماعاً.
قوله: (فالوضع كلي) تفريع على كون المشترك آلة هنا.
قوله: (كلي) قد علمت أن وصف الوضع بالكلية والجزئية هو باعتبار الآلة وهي المشترك في الوضع العام لخاص ونفس التعقل في العام لعام والخاص لخاص، ولكن قد علمت أن نفس التعقل لا عموم ولا خصوص فيه إلا باعتبار متعلقه، فقد رجع الأمر إلى النظر في المتعقل فتحاً.
قوله: (كما قررنا) أي: من قوله وقد يوضع له باعتبار عام إلى هنا وهذا هو التحقيق الذي وعد به عند قوله: والثاني ما وضع لمشخص باعتبار تعقله لا لخصوصه.
قوله: (أي اللفظ) جعل الإشارة للافظ دون الوضع ليصح الإسناد والحمل في قوله: «مثل اسم الإشارة»، وأما تصحيحه أيضاً مع جعل الإشارة «للوضع» الذي هو المتبادر بالتجوز بالحذف أي مثل وضع اسم الإشارة فلا يخلو عن تكلف.
قوله: (اسم الإشارة) من إضافة الدال للمدلول اهـ، أي التضمني وفيه أن الإشارة وصف للشخص لا للافظ، فالأولى أنه من التعبير بالمصدر عن اسم المفعول، أي اسم الذات التي وقعت عليها الإشارة وتعلقت بها.
قوله: (نزل ذلك... إلخ) اعلم أن لفظة «ذلك» في المصنف أولاً، أعني «وذلك بأن يتعقل أمر» وثانياً أعني «وذلك مثل اسم الإشارة إلخ»، إنما استعمل ذلك مبهماً في الوضع المشخص إلخ، وثانياً في اللفظ الموضوع لمشخص باعتبار أمر عام إلخ، إلا أنه ذكر «ذلك» أولاً ليحمل عليه مدلوله وثانياً ليحمل عليه الدال نفسه.
قوله: (نزل... إلخ) هذا جواب عن سؤال وهو أن ذلك اسم إشارة وهو موضوع لجزئي كما نحن بصدد بيانه فلم استعمله المصنف، أي أولاً وثانياً أي أيضاً يراد به الأربعة الداخلة تحت الوضع الكلي الخاص إلخ، أعني الكلية وهو اللفظ الموضوع إلخ، لأنه يقسم إلى ضمير وموصول واسم إشارة وحرف، فأجاب بما حاصله: أن في الكلام مجاز استعارة وبيانه أنه نزل إلخ.
قوله: (الأمر الكلي) قد علمت أنه في مبحث الأمر قول المصنف «اللفظ قد يوضع لمشخص بعينه» جعل اللفظ الموضوع مشخصاً ومعيناً لأن أل على الإشارة إليه هي للعهد الخارجي وهنا سماه كلياً فتناقض مع ما هنا، والجواب أنه حصة ومعين وجزئي إضافي وهو كلي حقيقي فجعله هناك معيناً وأراد به الإضافي، وهنا كلياً وأراد به الحقيقي اهـ، ولا يخلو الأمر عن بحث لأن الجزئي الإضافي هل لوحظت عوارضه التي هو بها خارجاً فهو ح الجزئي الحقيقي أو لم تلاحظ وإنما لوحظ ما هو معه لم يزل كلياً فلا تعيين ولا جزئية اهـ.
قوله: (المشار إليه المعين) أي: المحسوس بحاسة البصر كما تقدم لكن قد حذفه لقرب العهد لما سيق له.
قوله: (لكمال التمييز ) هذا هو وجه الشبه ولم يجعل فيه الشبه كمال التمييز والتعين لدى نفسه أي المؤلف بل جعل وجه الشبه التمييز للناس وتبيينه، وذلك أن المشار إليه الجزئي الذي هو المشبه به قد علمت أنه قد ميزه المشير إلى الناس بالعضو كالأصبع وبالإشارة، واللفظ الموضوع المذكور وهو المشبه قد ميزه المصنف إلى الناس بالتعيين والبحث عنه والكلام المتقدم السابق المتعلق به.
فقوله: (بالبيان) أي: التبيين.
قوله: (ذلك... إلخ) يقال: التوجيه المتقدم هو لبيان استعمال ذالاً ذلك باذات البعد فكان من حق الشارح أن يبين وجه البعد أيضاً.
ويمكن أن يقال: هو أن البيان المذكور لما كان تعلق بالمعاني وهي مظنة الخفاء جعل المصنف ذلك بمنزلة ما أشير إليه عن بعد فهو وإن ميز عن غيره إلى الناس لكن مع خفاء بالنسبة لما أشير إليه عن قرب، أو يقال: المصنف جعل ذلك البيان الصادر منه وإن كان في غاية الكمال بالنسبة لنفس الأمر ناقصاً تواضعاً منه فأتى بأداة البعد.
قوله: (كل من أحد... إلخ) قد علمت أن اللفظ الدال له مفهوم وهو أمر كلي وللمفهوم ما صدقات اشتركت فيه والأنسب إضافة كل إلى ما يليه مباشرة، فلذا قال الشارح: كل واحد من أفراد مفهوم المشار إليه فأراد بالمشار إليه اللفظ وبمفهومه الذات التي تعلقت بها الإشارة وأفرادها زيد المشار إليه، عمرو المشار إليه، خالد المشار إليه، وهكذا.
وقوله: (مطلقاً) حال من مفهوم، أي هذا الجنس ملاحظ من حيث هوهو لا باعتبار الوجود في فرد وهو ظاهر ولو أسقطه لما ضر ،على أن فيه مجيء الحال من المضاف إليه بلا شرط على ما يظهر اهـ، ولو أريد بالمشار إليه المدلول لكانت إضافة مفهوم له بيانية.
قوله: (لكل واحد... إلخ) في الكلام قلب وحقه صفة للمشار إليه باعتبار كل واحد من الأفراد إذ هي المشخصة المعينة لا المشار إليه ولا مفهومه.
قوله: (ذي مسكة) المسكة في الأصل بقية الخير ثم أطلقت هنا على مسكة من العقل وبقية منه مجازاً مرسلاً لعلاقة الإطلاق والتقييد إما بمرتبة فأريد به مطلق المسكة وإما بمرتبتين فأريد به بقية بقيد كونها من العقل.
قوله: (عن هذا) أي عن «إن» ولكن من المعلوم أن مدخوليهما أصلهما المبتدأ والخبر فصح ما قاله.
قوله: (بتأويل اللفظ) أي فذكر باعتبار اللفظ فقال: ومسماه، وأنث باعتبار الكلمة فقال: موضوعة، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقۡنُتۡ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا﴾ [الأحزاب: الآية 31] فذكّر ضمير يقنت وأتى بالفعل بالياء، وأنّث ضمير وتعمل فأتي بالفعل بالتاء، ثم إنه على الخبر المذكور يحتمل قوله: «ومسماه» احتمالات ثلاثة، الأول منها أنه خبر بعد خبر، وفي الكلام بحثان، البحث الأول: أنه عطف الجملة على المفرد وهو غير معهود إلا على تكلف والأصل خلافه، البحث الثاني: أنه لا فائدة في قوله موضوعة ولا يتوهم أحد أن لفظ هذا هو مهمل بل ليس الكلام في وضعه أو إهماله بل في أمر أخص من ذلك، الثاني من الاحتمالات في قوله: «ومسماه» أنه استئناف بيانى وهو بالواو، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ﴾ [التّوبَة : الآية 114]... إلخ، ويرد على هذا الاحتمال عدم الإفادة في الخبر مع أن الخبر هو الجزء المتم للفائدة ويجاب بأن الفائدة تحصل بالاستئناف المذكور فكأنه تتمة، الثالث من الاحتمالات أن واو «ومسماه» للحال أي: والحالة هذه وهو ظاهر.
قوله: «بإضافة الضمير» هو من باب الحذف والإيصال أي بالإضافة إلى الضمير.
قوله: (من قبيل الأسماء) هذا جواب عن إيراد هو أنه على نسخة الضمير يكون قوله: «موضوعة» مبتدأ وهو وصف أضيف إلى المعرفة وإضافته لفظية فيلزم عليه كون المبتدأ نكرة بلا مسوغ اهـ، بل والخبر معرفة وهو لا يعقل إلا مع أدوات الاستفهام، نحو: من أبوك اهـ، فأجاب بأن المراد بموضوعه الذات لا بقيد الوصف العنواني، فكأنه قال معناه... إلخ، وإضافة الجامد محضة ومعنوية، ويصح الجواب أيضا بجعل الوصف للماضي فالإضافة ح محضة، قيل: ويصح أن يكون المسوغ أيضاً العطف عليه اهـ، ثم إن هذا السؤال في الإضافة والجواب لابد منه في مسماه حتى على نسخة التاء السابقة اهـ.
فإن قيل: على نسخة الضمير يكون المسوغ هو عمل الوصف ح في الضمير، يقال: بل هو مسوغ إن كانت الإضافة معه محضة ومعنوية أعني للنكرة لا اللفظية على أن ذلك الضمير به تحققت الإضافة التي قلنا فيها أنها لفظية اهـ، وذلك أن الضمير في موضوعه اللفظ الدال وفي موضوع ح المضاف ضمير المشار إليه بعد ولكن هو من باب الحذف والإيصال وأصل الكلام المشار إليه الموضوع ذلك اللفظ له؛ لأن المعنى موضوع له لا موضوع، والمصنف أطلق موضوع على المعنى بدليل الإخبار عنه وبه اهـ.
هذا وقد يقال: يكفي في المسوغ ح عمله في الضمير المقدر مع الإضافة كما قدروه في زيد حسن الوجه وأصله حسن وجهه، ثم حسن الوجه.
قوله: (بيان) أي: ذو بيان أو تبيين، وهل نحو: هذا هو اسم مصدر أو مصدر؛ لأن فعله موجود ويستعمل مع فعله مصدراً ولا إشكال اهـ.
قوله: (بحيث) الباء للملابسة.
قوله: (مفهوم... إلخ) أراد به الأفراد بدليل الإخبار عنه بقوله ما صدق... إلخ، ولم يرد به المعنى الكلي.
قوله: (المشار إليه) هو فاعل بصدق..
وقوله: (المشخص) صفة لما صدق عليه أو خبر بعد خبر..
قوله: (لفظ) هذا الإضافة للبيان.
قوله: (كما إذا حكمت) ما مصدرية وإذا زائدة وهو تنظير؛ لأن هذا حكم والكلام في الوضع، وليس استدلالاً بل قصد به الإيضاح، والمراد: أنك إذا قلت كل رومي أبيض فإن المراد بموضوع القضية الماصدقات وبمحمولها المفهوم مع أن هذه القضية هنا كلية مسورة بكل، فالمراد كل فرد من أفراد الرومي وكل جزئي جزئي، كزيد الرومي وعمرو الرومي وخالد الرومي أبيض... إلخ، فقد حكمت على الأفراد بملاحظة العام والمشترك بينهما وهو الرومي.
قوله: (بهذا العنوان) الباء للسببية لا للتعدية؛ لأن العنوان ليس محكوماً به.
قوله: (فقد لاحظت... إلخ) يحتمل أنه علة للإلحاق، ويحتمل أنه علة للحكم.
قوله: (الروميين) هو جمع مذكر لا يناسب أن يوصف به المشخصات المؤنث فهو مفعول حذف فعله، أي: أعني الروميين.