قَالَ الإِمامُ العَلَّامَةُ القاضِي
عَضُدُ الدينِ أبو الفضلِ
عبدُ الرحمنِ بنُ ركنِ الدينِ
أحمدَ بنِ عبدِ الغفارِ بنِ أحمدَ
الإِيجي البَكْرِي:
هَذِهِ فَائِدَةٌ
تَشْتَمِلُ عَلَى:
(مُقَدِّمَةٍ، وتَقْسِيمٍ، وخَاتِمَةٍ)
قال المصنِّفُ رحمه الله تعالى بَعْدَ التَّسْمِيَةِ:
((هَذِهِ فَائِدَةٌ)) الـمُشَارُ إليـه بـ«هَذِهِ» العِبَارَاتُ الذِّهْنِـيَّـةُ التي أَرَادَ كتابَتَـها وبَيَـانَ أَجْــزَائِـهَـا، نُــزِّلَـتْ مَـنْــزِلَـةَ الـمُشَخَّصِ الـمُشَاهَـدِ الـمَحْسُوسِ واسـتُـعْـمِـلَتْ فيــها كلمـــةُ «هَــذِهِ» المَوْضُوعَةِ لكـلِّ مُشَارٍ إليه محسوسٍ.
والفائدةُ في اللُّغَةِ ما حَصَّلْتَهُ مِنْ عِلْمٍ أَوْ مَـالٍ أَوْ غَيْرِهِـمَا مُشْتَـقٌّ مِنَ الفَـيْـدِ بمعنـى اسْتِـحْـدَاثِ المـالِ والـخَـيْـرِ.
وقِـيـلَ: اســمُ فـاعـلٍ مِـنْ فَــأَدتُّــهُ إِذَا أَصَـبْـتَ فُــؤَادَهُ.
وفي العُرْفِ هي المَصْلَحَةُ المُتَرَتِّبَةُ على فِعْلٍ من حَيْثُ هي ثَمَـَرتُـهُ ونتيـجتُـهُ وتِلْـكَ المَصْلَحَـةُ من حيـثُ إِنَّها على طَـرَفِ الفـعـلِ تُسَمَّـى غايـةً له، ومن حـيـثُ إنها مطـلوبـةٌ للفـاعلِ بالفعلِ تُسَمَّى غَرَضًا، ومن حيثُ إنها باعِثَـةٌ للفـاعل علـى الإِقْـدَامِ علـى الـفِعْـلِ وصُـدُورِ الفعـلِ لِأَجْلِهَا تُسَمَّى عِلَّـةً غـائِـيَّـةً
فالفَائِـدَةُ والغَـايَـةُ مُـتَّحِـدَانِ بالـذَّاتِ ومُـختلفان بالاعتبارِ كما أن الغَرَضَ والعِـلَّـةَ الغَائِـيَّـةَ أَيْضـًا كذلـك، لأَنَّ الحَيْـثِـيَّـتَيْنِ مُتَلازِمَتَانِ، ودَلِيلُ اعتبارِ كُلِّ حَيْثِـيَّةٍ فيما اعتُبِرَتْ فيه إضافَـتُهُمُ الغَـرَضَ إلـى الفَـاعِـلِ دُونَ الـفِعْـلِ، والعِلَّـةُ الغائِـيَّـةُ بِالعَكْسِ، فالأَوَّلَانِ أَعَـمُّ من الأَخِـيرَيْنِ مُطْلَـقًا، إِذْ رُبَّمـا يَتَـرَتَّـبُ علـى الفِعْـلِ فائـدةٌ لا تكونُ مَـقْصُـودَةً لِفَـاعِـلِـهِ.
وَأَمَّا حَمْلُ الـ«فَائِدَةُ» على ما أُشِيـرَ إليه بـ«هَــذِهِ» فـحَـقِـيقَـةٌ لُـغَـةً وعُـرْفًا، إِذِ العِـبَـارَاتُ فِـي أَنْـفُـسِـهَا فـائـدةٌ، أَمَّـا بِاعْتِـبَـارِ اللُّغَـةِ فَظَـاهِرٌ، وأَمَّـا باعْتِبَارِ العُـرْفِ فَلأَنَّها مَصْلَحَـةٌ تَتَـرَتَّـبُ على تصحـيـحِ حُـرُوفِـهَا وإِخْرَاجِـهَا عن مَـحَـلِّـهَـا ويَـجُوزُ أَنْ يكونَ مَـجَازًا في الإِسْنَادِ باعْتِـبَارِ أَنَّ لِتِلْكَ العِـبَـارَاتِ مَـدْخَلاً فِـي حُـصُـولِ الفَـائِـدَةِ.
((تَشْتَـمِلُ)) إِمَّـا خَبَـرٌ بَعْـدَ خَبَـرٍ أَوْ حالٌ أَوْ صفـةٌ لـ«فائـدةٌ»، والمرادُ أَنَّها تَشْتَملُ اشتمـالَ الكُلِّ عَلَـى الأَجْزَاءِ ((عَلَـى مُقَدِّمَـةٍ وتـَقْسِيـمٍ وخاتِـمَةٍ)) وَجْـهُ التَّـرْتِيبِ أَنَّ ما يُذْكَرُ فـي هـذه الرِّسَـالةِ من العِبَـاراتِ إمَّا أن يكـونَ لإِفَـادَةِ المـقـصودِ أَوْ لإِفَادَةِ ما يَتَعَلَّـقُ بِـهِ، إِذِ الخارجُ عنهمـا لا يُذْكَـرُ فيـها، فـإن كـان الأولَ فهـو التَّـقْسِـيـمُ وَإِنْ كَـانَ الثَّانِـيَ فـإِنْ كـَانَ ذلـك التَّـعَلُّـقُ تعلُّـقَ السَّابقِ باللَّاحِـقِ أي: التعلُّـقَ من حيثُ الإِعَانَـةُ فـي الشروع علـى وَجْـهِ البـصيـرة فيـه فهـو الـمُقَـدِّمَـةُ، وإن كـان تعلُّـقَ اللاحِقِ بالسَّابقِ أي التعلُّـقَ مـن حيـث زِيَـادَةُ التـوضيـحِ والـتـكـمـيـلُ فـهـو الـخاتِـمَةُ.
والمُقَدِّمَةُ فـي اللُّـغَةِ مَأْخُـوذَةٌ إِمَّـا مِنْ قَـدَّمَ اللَّازِمِ بمعنى تَقَدَّمَ أو المُتَعَدِّي.
وفي الاصْطِـلاحِ عِبَـارةٌ عَمَّـا يَتَـوَقَّفُ عليـه الشُّـروعُ فـي العِـلْـمِ والمُنَـاسَبَـةُ ظاهِرَةٌ لِتَقَـدُّمِـهَا في الذُّكْرِ أَوْ لتَـقْدِيمِـهَا الطَّـالِبَ في الشُّرُوعِ في الـمَـقَـاصِـدِ بالـذَّاتِ أو بالـواسِـطَـةِ.
والـمُرادُ بالـمُقَـدِّمـَةِ هَهُـنَـا الـمَعَانِـي الـمُخْصُوصَةُ أو العِبَارَاتُ المُعَـيَّـنَـةُ، فـلابُـدَّ مِـنِ اعْــتِـبَـارِ الـتَّــجَـوُّزِ بِـأَنْ يكونَ من قَـبِـيـلِ إِطْلَاقِ الكُلِّـيِّ عَلَى بَــعْـضِ جُـزْئِـيَّــاتِـهِ أَوْ إِطْـلَاقِ اسْـمِ الـمَدْلُولِ عَلَـى بَـعْضِ مـا دَلَّ عـليه.
وما وَقَـعَ فـي بَعْـضِ النُّـسَـخِ «علـى مُقَدِّمَةٍ وتَنْبِيهٍ وتَقْسِيمٍ وخَاتِـمَةٍ» فهو سَهْـوٌ مِنْ قَلَمِ الكَاتِـبِ، إِذِ الـ«تَّنْـبِيهُ» مِنَ الـمُقَـدِّمَـةِ فَلَا مَعْنَى لِعَـدِّهِ جُـزْءًا مُسْتَقِلًّا.
((المُقَدِّمَةُ)) مُبْتَدَأٌ خَبَـرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ هذا الـذِّي نَشْـرَعُ فِـيـهِ أَوْ بِالْـعَـكْـسِ وَأَمَّا جَـعْـلُ مَـجْـمُوعِ هِذِهِ العِبَارَاتِ التِي بَعْدَهَا إِلَى قَوْلِهِ «التقسـيمُ» خَبَرًا لَهَا فَغَيْرُ مُنَاسِبٍ فِي أَمْثَالِ هَـذَا المَقَامِ، تَـأَمَّـلْ.
قوله: (بعد التسمية) إما خطاً وهي أدوم وأنسب لما بعده، وإما لفظاً ويدل للثاني أن الشارح لم يشرحها كالمتن لأجل مخالفتها للمتن في ذلك.
فإن قيل: من أين للشارح أن المصنف تلفظ بها ح مع أنه لم يعاصره,
يقال: لعله وصله العلم من سند وطريق.
وقوله: «التسمية» هي في العرف ذكر بسم الله الرحمن الرحيم، وإن كانت في الأصل ذكر الاسم فقط اهـ.
قوله: (هذه فائدة) «هذا» مقول «قال» عند الشارح وسماها المصنف فائدة مع أنها رسالة تواضعاً أو للتقريب على القارئ والإشارة إلى قربها وسهولتها، فالمعنيان الآخران مختلفان اعتباراً وعلى كل من المعاني الثلاثة فهي استعارة تصريحية؛ لأن المشبه الرسالة لا هذه، فالجامع على الأول قلة المخبر به، وعلى الآخرين عدم المشقة والصعوبة.
قوله: (المشار ...إلخ) ، المشار مبتدأ وخبره «العبارات» والمبتدأ في الحقيقة هي الموصولة الاسمية لكنها لكونها على صورة الحرف ظهر إعرابها في صلتها، وأعاد الضمير على «ألـ» مفرداً مذكرا مع أنها واقعة على العبارات الذهنية؛ إذ الخبر عين المبتدأ مصدوقاً اهـ، ولأجل لفظ «ألـ».
وقوله: «فهذه» أي: فذه من «هذه»؛ لأن اسم الإشارة ذه فقط، أما ها فللتنبيه.
وقوله: «العبارات» جمع عبارة وهي حقيقة عرفية في اللفظ وأما بحسب الأصل فإنها مصدر «عبر» إذا جاوز عبوراً وعبارة، تسمى اللفظ بها مجازاً مرسلاً العلاقة الجزئية والكلية أو لعلاقة التعلق. فالعبور والمجاوزة يقع من المعنى للفظ عند المتكلم ومن اللفظ للمعنى عند السامع فالمجاوزة تعلق بكل.
أو هي مصدر «عبر» إذا فسر، قال تعالى: ﴿ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ ﴾ [يوسف: 43] فسمى اللفظ بالعبارة أيضاً مجازاً مرسلاً، أي: لإحدى العلاقتين السابقتين، أي: لعلاقة الجزئية والكلية أو المفسر به أو التعلق الخاص واللفظ معبر به أو لأن اللفظ معبر وإسناد التعبير له مجازي، تدبر.
وقوله: «الذهنية» نسبة للذهن إما النفس المدركة للعلوم، وإما القوة العاقلة المهيئة للنفس لاكتساب العلوم، أي :الألفاظ القائمة بالعقل أو بالنفس اهـ.
واعلم أن الحكماء جعلوا المدرك في الإنسان أربعة أو خمسة: الحس المشترك ويدرك الجزئيات المحسوسة، والمتوهمة وتدرك المعاني الجزئيات كإدراك الشاة معنى في الذيب وهي العداوة، والعقل ويدرك الكليات، والمتصرفة، والنفس اهـ، وأهل الحق والسنة على أن المدرك هو النفس لكن بواسطة العقل تدرك الكليات وبواسطة الوهم تدرك الجزئيات وهكذا.
ثم إن مفاد الشارح -رحمه الله- أن مسمى الألفاظ وهو الفائدة والرسالة هي أحد احتمالات سبعة، أبداها أستاذه السيد الشريف الجرجاني ذلك فقال: "مسمى الكتب هل النقوش أو الألفاظ أو المعاني أو اثنان من الثلاثة أو مجموع الثلاثة احتمالات سبعة" اهـ.
ثم إن بعض المتأخرين أنهى ذلك إلى ثمانية وعشرين نحو كون احتمال أنه النقوش فقط هل بدون ملاحظة شيء أو مع ملاحظة الألفاظ فقط أو المعاني فقط أو هما معاً أربعة، والملاحظة للشيء لا تستدعي أنه داخل تحت مسمى ذلك الشيء؛ فلذا غاير ما قبله اهـ، إلا أنه لا يظهر إلا في الاحتمالات الثلاثة الإفرادية من السبعة، تأمله.
ثم إن الشارح -رحمه الله- ترجح عنده أحد الاحتمالات السبعة المذكورة وهو الألفاظ، لأن المعاني تتوقف الإشارة إليها على الألفاظ، ولأن النقوش لا تتأتى الإشارة إليها من كل أحد ألا ترى إلى الأعمى.
وفصل الشارح في الألفاظ فقال: هي الألفاظ الذهنية أي: لا الخارجية؛ لأن الخارجية أعراض تنقضي بمجرد النطق بخلاف الذهنية فهي دائمة باقية؛ فلذا اختار أنها المراد بالفائدة والرسالة اهـ.
لكن يقال: الشارح -رحمه الله- لم يختر أحد الاحتمالات السبعة عند أستاذه فإن ظاهر قول أستاذه «أو الألفاظ» أي الألفاظ الخارجية، بل اختار أمراً زائداً على ما عند شيخه وجعل مذهباً مستقلاً له.
يقال: قول السيد: «أو الألفاظ» يصدق بالخارجية وبالذهنية إلا أنه أجمل، وما كان ينبغي له ذلك، فنكت الشارح -رحمه الله- عليه في الإجمال بقوله: «الذهنية»، وبالجملة فالأستاذ أجمل وفصل الشارح واختار أحد قسمي احتمال من الاحتمالات السبعة؛ فلم يكن كلام الأستاذ ناقصاً بل مجملاً.
ثم اعلم أنه اختلف في أسماء الكتب هل هي أعلام أشخاص بناء على أن الشيء لا يتعدد بتعدد محله وما قام به، وأعلام أجناس بناء على أنه يتعدد بحسب ذلك.
فإن ذهبنا على الأول فالأمر ظاهر فالمسمى بالفائدة والرسالة تلك العبارات الذهنية بقطع النظر عن كون الذهن ذهن العضد أو غيره؛ إذ لا يحصل تعدد مع ذلك الملاحظة فهي شيء واحد لا تعدد فيها ذهناً وخارجاً، فالتعيين خارجي.
وإن ذهبنا على الثاني، أي: أنها أعلام أجناس فالمسمى بالفائدة أيضاً تلك العبارات وأما كونها حاضرة في ذهن العضد فهو لا دخل له أيضاً في التسمية؛ لأنه مشخص كسراً لا نوع وعلم الجنس مدلوله النوع اهـ، و ح فالتعدد لما كان يحصل خارجاً؛ لأن الشيء يتعدد بتعدد محله أوجب أنه علم جنس اهـ.
وذكر بعضهم على «الجوهرة» أنها أعلام أشخاص والشيء يتعدد بتعدد محله، وأن المسمى إنما هو أول لفظ مثلاً يوجد من صاحبه حتى أن الثاني منه هو مثل لا عين، فراجعه اهـ.
ثم إذا علمت أن الشارح بين معنى «هذه» في المصنف صار معنى «هذه العبارات الذهنية» فائدة اهـ، فيقال على القول بأن الشيء يتعدد بتعدد محله وأن المراد ذهن العضد بذلك فرد للفائدة لا نوعها، فيقدر مضاف أي: نوع هذه العبارات الذهنية فائدة فيطابق المبتدأ الخبر.
ثم يقال: الفائدة أمور مفصلة والواقع في الذهن أمر مجمل، فيجاب بتقدير مضاف، أي: مفصل نوع هذه فائدة، وفيه أنه جعل مسمى الفائدة الألفاظ الخارجية فهو خلاف ما قدمه اهـ.
فإن قيل: أي: فرق بين المعنى وبين الألفاظ الذهنية وهما متقابلان في كلام الأستاذ وفي كلام الشارح
يقال: الأول هو معنى مجرد عن اللفظ والثاني عبارة وألفاظ لطيفة ملاحظة على أنها ظروف لمعانيها بل نشاهد معانيها فيها بعض مشاهدة وكأنها مختفية فيها، لكن المعاني معها لم يزل لها بعض الاحتجاب بذلك الساتر اللطيف؛ إذ عالم الخيال ألطف من عالم الحس اهـ.
قوله: (التي أراد ...إلخ) صفة للعبارات.
قوله: (كتابتها ...إلخ) من المعلوم أن الذي تكتب النقوش الدوال لا الألفاظ لا الخارجية؛ لأنها قائمة باللسان أو بالهواء من اللسان ولا النفسية؛ لأنها قائمة بالفكر والنفس، فالكلام إما من مجاز الحذف، أي: أراد كتابة دوالها، وإما يدعي ظاهره، ويقال: تكتب الألفاظ بواسطة كتابة نقوشها ...إلخ.
قوله: (وبيان ...إلخ) عطف على «كتابتها» و«البيان» الوضوح، والأجزاء المقدمة والتقسيم والخاتمة اهـ لا أن البيان أي: الوضوح صفة للأجزاء وهو ليس في طاقة الشارح وقربته، بل الذي في طاقته وقدرته ظاهر التبيين، فلو عبر به لكان أسلم، اللهم إلا أن يقال: أطلق البيان على التبيين بمعونة المقام والعطف على الكتابة، تدبر.
قوله: (نزلت منزلة ...إلخ) هذا جواب عن سؤال مقدر فهو استئناف بياني، أي: إنما أشير بـ«ذه» الموضوعة للمحسوس بالبصر إلى المحسوس بالبصيرة؛ لأجل التنزيل المذكور والتشبيه والاستعارة بعد ذلك، أي: شبه المحسوس بالبصيرة من العبارات الذهنية منزلة المحسوس بالبصر بجامع الحصول التام والحضور الكامل، وأطلق لفظ المشبه به وهو «ذه» على العبارات المذكورة.
قوله: «المشخص» أي: المعين.
قوله: «المشاهد» أي: الحاضر لا الغائب.
قوله: «المحسوس» أي: المدرك بالحاسة، ولو اقتصر على «المحسوس» لأفاد الوصفين قبله، يقال: إن وضع اسم الإشارة للمعين المشاهد من حيث إنهما من مدلوله لا لأزمان لمدلوله.
أو يقال: إنما أتي بـ«المشخص» أي: المعين، للإشارة إلى الرد على السعد القائل أن اسم الإشارة وضع لكلي وشرط الواضع الاستعمال في جزئي، ولا يقال: إن الرد يؤخذ من المحسوس؛ لأن جميع ما في الخارج هو جزئي ولا يقع فيه كلي، لأنا نقول: دلالة المشخص على المعين بالمطابقة ودلالة المحسوس عليه بالالتزام والرد بالمطابقة أقوى من الرد بالالتزام.
فإن قيل: يرد على السعد أن الواضع إن كان شرط الاستعمال في الجزئي حالة الوضع فالمشخص ح موضوع له فرجع لما قاله العضد شيخه اهـ.
يقال: الجواب بالمنع.
قوله: «المحسوس» أي: بحاسة البصر وهو أمر لابد منه؛ لأنه لم توضع هذه للمحسوس بحاسة السمع أو الشم، إلخ. فالشارح أجمل.
ثم إن قوله: «المحسوس» بحاسة البصر هل المحسوس بالفعل أو ولو بالقوة ويظهر الخلاف في هذه إذا استعملها الأعمى في محسوس بحاسة البصر هل هي مجاز أو حقيقة.
قوله: (كلمة هذه) الإضافة للبيان.
قوله: (الموضوعة) يصح الرفع صفة لـ«كلمة» والجر صفة لـ«هذه» والثاني أولى.
قوله: (مشار إليه محسوس ...إلخ) حذف «مشخص» «مشاهد» فهو من باب الحذف من الأواخر لدلالة الأوائل نحو:
ومن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب
عكس:
نحن بما عندنا وأنت بما عند ك راض والرأي مختلف
اهـ.
وقوله: (لكل مشار إليه ...إلخ)، إن قيل: لا يدل على دعوى التنزل والمجاز في هذه إلا لو قال الشارح: الموضوعة لكل مشار إليه محسوس فقط، أي: دون العبارات النفسية.
يقال: هو كذلك ولكن من المعلوم أنه لما قال: الموضوعة ...إلخ، والأصل في الوضع عدم التعدد وعدم الاشتراك، أي: عدم وضعه أيضاً لسوى ذلك فإنه قد أفاد ذلك، تدبر.
قوله: (والفائدة) أراد بيان معنى الفائدة في الأصل والعرف، وإلا فالفائدة في كلام المصنف علم لا يلاحظ فيها اشتقاق؛ لأن أسماء الكتب أعلام أشخاص أو أعلام أجناس كما تقدم، والعلم جامد لا يلاحظ فيه معنى اشتقاق كـ«حارث» أعلاماً لا يلاحظ في علميتها حراثة ولا ضحك ولا عبوسة اهـ وضحاك وعباس؛ ولذا قال: (في اللغة ...إلخ)، وإن كان فيه نوع ملاحظة كما تقدم في أبي المحاسن وعبد الكريم، وقولهم إن المصنف سماها فائدة تواضعاً.
وقوله: «في اللغة» واللغة أصله لغو أو لغي حذفت اللام وعوض عنها هاء التأنيث فوزنه «فعة»، وهي الألفاظ الموضوعة للمعاني المعينة لها اهـ.
فـ«في» بمعنى «من» التبعيضية أو على بابها، والظرفية حقيقة على ما يأتي ولا تختص اللغة بألفاظ العرب، فالألفاظ العجمية لغة على الأصح اهـ، والكلام من مجاز الحذف والأصل والتقدير: "وتفسير الفائدة حال كونها بعضاً من اللغة"، أي الموضوعة للمعاني اهـ، أو حال كونها في ديوان اللغة كالصحاح اهـ.
وشرط مجيء الحال من المضاف إليه موجود؛ لأن المضاف مصدر نحو: ﴿ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ ﴾ [ المائدة: 48]؛ لأن الحال بيان لهيئة الفاعل أو المفعول حال الفعل لا لهيئة المبتدأ أو الخبر على الأصح، ولأن العامل في الحال هو العامل في صاحبها ولو كانت الحال من المبتدأ لكان العامل فيها هو الابتداء وهو عامل ضعيف، فلا يعمل في شيئين.
فإن قيل: صاحب الحال هو الفائدة وهو مبتدأ فقد ورد الأمران أعني: كون الابتداء عاملاً في الحال وصاحبها، وكون الحال بينت هيئة المبتدأ،
يقال: إنما جعلنا «الفائدة» مبتدأ بطريق النيابة والتنزيل بعد الحذف، وإلا فالأصل الأصيل أن «الفائدة» مضاف إليه كما ذكرنا اهـ.
ثم إن الإخبار بقوله: (ما حصلته ...إلخ) عن تفسير المقدر فيه شيء بل لابد من تقدير نحو: يحصل أو يوجد بما حصلته ...إلخ؛ لأن «ما حصلته» من علم أو مال ليس نفس التفسير بل هو مفسر به اهـ، ولو قدرنا المضاف «معنى» لسلمنا من التقدير المذكور فيصير المراد: ومعنى الفائدة حال كونها بعضاً من اللغة والألفاظ الموضوعة للمعاني هو ما حصلته ...إلخ. فهو في غاية الظهور.
وشرط مجيء الحال من المضاف إليه هو موجود أيضاً؛ لأن المضاف مثل جزء المضاف إليه في صحة الاستغناء عنه بالمضاف إليه، فتقول: والفائدة ما حصلته ...إلخ، كما سلك الشارح من فهو على حد قوله تعالى: ﴿ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ ﴾ [ آل عمران: 95].
إن قيل: كل أل في المعرف فتحاً هي للحقيقة، فقوله: «والفائدة لغة ...إلخ» في قوة قوله: «حقيقة الفائدة» فلا مضاف أصلاً من تفسير أو غيره.
يقال: أحوج لذلك هنا زيادة لفظة «لغة» أو «عرفاً»؛ إذ لا يتضح قولهم: حقيقة فائدة في ا اللغة ...إلخ، كما يتضح قولنا: تفسير الفائدة.
قوله: «ما حصلته» هو خبر عن المبتدأ السابق، و«من علم» بيان لـ«ما» نحو: ﴿فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ ﴾ [ الحج: 30]، أي فالفائدة العلم أو المال المحصل المكتسب، وليست «من» للابتداء حتى تقتضي أن الفائدة غير العلم والمال وإن ابتداء تحصيلها من أحدهما.
وحذف الشارح العاطف والمعطوف أي: «أو غيرهما» ليدخل نحو الجاه بدليل قوله بعد «الخير» وإلا فتعريفه -رحمه الله- غير جامع اهـ.
ويجاب بأنه اقتصر على الأشرف، وبحث معه بأن الجاه أشرف من المال فالحق في الجواب هو اقتصاره على أعلا وأدنى في التعريف إشارة إلى اندراج السوى والغير في التعريف لأن السوى إما من الأشرف أو من الأدنى، فيدخل مع شبيهه، وأما وسط فيدخل بينهما، تأمله.
ويؤخذ من لفظة «حصلته» أن المال الموروث والعلم اللدني والجاه الغير المكتسب لا تسمى في اللغة فائدة اهـ. ونلتزمه.
قوله: (مشتقة ...إلخ) في بعض النسخ بالتاء، أي: «الفائدة مشتقة» وفي بعضها بالتجرد منها فهو باعتبار لفظ «الفائدة»، ويصح في «مشتق» النصب على الحال والرفع على الخبرية.
قوله: (بمعنى ...إلخ) لما كان «الفيد» في أصل اللغة والوضع الأول هو مشتركاً يطلق مصدراً بمعنى الثبوت وبمعنى الذهاب، واسماً بمعنى الناحية وبمعنى شعر الرأس قرب الأذن، ومنه «شاب فيدي»، وكان «الفيد» في إحداث الخير أو المال مجازاً في الثبوت من إطلاق اسم المسبب على سببه.
أتى بتفسير «الفيد» بـ«إحداث الخير أو المال» بالعناية لا بـ«أي»؛ لأن القاعدة: أن اللفظ إذا فسر بالمعنى المجازي أو بمعنى غير ظاهر يؤتى في تفسيره بالعناية وإلا فبـ«أي».
وقوله: «استحداث» السين والتاء زائدتان أي، إحداث الخير والمال، والمصدر مضاف لمفعوله فالمحدث هو الشخص وهو الفائد والمحدث فتحاً هو الخير أو المال وهو مفيد كـ«مبيع» اسم مفعول من الفيد كـ«المبيع» من البيع.
فقولهم: في الخير أو المال المحدث المحصل فائدة، أي: ذات فائدة إسناده مجازي أي فائدة صاحبها نحو: ﴿ عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ ﴾ [ الحاقة: 21]، أو يجعل مجازاً في الكلمة مرسلاً من إطلاق اسم الفاعل على اسم المفعول كما في ﴿ مَّآءٖ دَافِقٖ ﴾ [الطارق: 6] أي: مدفوق.
ثم اعلم أن محصل الشارح أن الفائدة في العلم أو المال المحصل هو مجاز؛ لأن الفيد حقيقة في الثبوت مجاز في إحداث الخير أو المال لعلاقة السببية، ثم اشتقوا من الفيد بالمعنى المجازي، أي: الإحداث فائدة فكان المرسل أصلياً في المصدر تبعياً في الوصف، والفائدة نفس الخير أو المال، أي: ذات هذا المال فائدة.
ثم لو قالوا في المحصل من العلم أو غيره مفيد لم يكن إلا مجاز مرسل تبعي كما تقدم، ولما قالوا فيه فائدة كان مع ذلك مجاز إسناد أو مجاز مرسل آخر باعتبار الهيئة والصيغة.
ثم إن قوله: «والفائدة في اللغة» أي: في الألفاظ الموضوعة، يقتضي أنها في الخير المحصل المذكور حقيقة، وليس كذلك كما علمت، والجواب أن المجاز موضوع اللغة أيضاً، أو يقال: لما وضع العلاقات لها واضع اللغة فهو واضع له فصح أن الفائدة في العلم المحصل أو المال هو لغوي، أو يقال: محصل ما أعطاه.
قوله: «والفائدة في اللغة» أن معنى الفائدة حال كونها في ديوان اللغة والألفاظ الموضوعة للمعاني كالصحاح هو العلم المحصل أو المال، ولا شك في ذكر كتب اللغة للمعاني المجازية ولذلك ألف الزمخشري «الأساس» والتزم ألا يفسر اللفظ فيه إلا بالمعنى الحقيقي.
قوله: «أو المال» عطف الأخص على الأعم مع أنهم شرطوا فيه كونه بالواو أو بـ«حتى»، وهل يجاب بأن «الخير» يراد به ما عدى المال، أو أن «أو» بمعنى الواو, أو لا يكفي الجوابان؛ إذ لا صورة في الخارج يتحقق انتفاء الشرط فيها فيتوجه المنع لها اهـ.
فإن قيل: لم كان الفيد في إحداث الخير والمال مجازا عن الثبوت وهلا كان مجازاً عن سواه من الناحية أو الشعر أو الذهاب،
يقال: لم يجعله مجازاً عن الاسم لمناسبته بين المصدر الحقيقي والمجازي، وكان هذا المعنى الحقيقي الثبوت دون الذهاب لظهور العلاقة بين المعنيين الحقيقي والمجازي.
فإن قيل: هل لا كانت فائدة مشتقة من الفيد بل معنى الحقيقي وهو الثبوت فتكون ذات المال فائدة أي ثابتة، فالإسناد حقيقي ح، وما أحوجهم إلى هذا التكلف وإلى القول بأنها مشتقة من الفيد بالمعنى المجازي،
يقال: أحوجهم إلى ذلك إعطاء اعتبار التكسب والمعاناة في ذات المال الفائدة، أي: المفيد؛ لأنه ح محدث ومحصل ولا كذلك لو قلنا: ثابت وحاصل.
قوله: (وقيل ...إلخ) يقال: كذلك هي أي: فائدة اسم فاعل على الأول أيضاً، نعم، الاختلاف بين هذا وما قبله في مبدء الاشتقاق المشار له بقوله: «من فادته» وهو بضم التاء بدليل: «أصبت ...إلخ»، ويوجد في بعضها «أصابت إلخ». فالتاء ح ساكنة في المفسر والمفسر به اهـ.
ثم اعلم أن الفعل المسند إلى تاء المتكلم تفتح تاء مفسِّره كسراً إن كانت أداة التفسير «أي» نحو: «أكرمتُه أي: أحسنتَ إليه»، وتُضم إن كانت الأداة «إذا» نحو: «أكرمتُه إذا: أحسنتُ إليه» كما هنا على الأول، فلو أتي بالمفسر كسراً من دون تبعية لأداة التفسير نحو: «أكرمته أحسنت إليه»، جاز لك في تاء التفسير الضم والفتح، كذا قيل. والحق جواز الوجهين مع «إذا»؛ لأنها ظرف لمحذوف القول فإن قدرته تقول: فتحت التفسير، وإن قدرته أقول: ضممته.
قوله: «من فادته» أي: من هذا الفعل على مذهب الكوفيين، أو من مصدره الفأد أي: أصابه الفؤاد، وهو مذهب البصريين، «وكونه أصلاً لهذين انتخب».
قوله: (أصبت ...إلخ) نظيره أصماه أي: أصاب صميم قلبه، قال الطغرائي:
يحمى الذمار ويصمي من يحاربه ويستقل فلا يلوي على رجل
اهـ، الذمار: من يلزمك حماه وحفظه، قال الفرزدق:
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
ويصمي بمعنى: يصيب قلبه اهـ.
قوله: (فؤاده) هو القلب أو عين في القلب أو غشاؤه أو ظاهره أو غير ذلك، من متعلقات القلب أقوال.
ثم اعلم أن الفرق بين القول الثاني والأول من وجوه ثلاثة:
الأول: أن عين فائدة على الأول ياء أعلت وقلبت همزة كـ«بايعه» عملاً بقول ابن مالك: «وفي فاعل ما أعلّ عيناً إذا اقتفى»، وأما على الثاني فهي همزة.
الثاني: إن فائدة على الأول إسنادها مجازي أو اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول؛ لأنها مفيدة، أي: المال مفيد كـ«مبيع» لا فائدة. بل الفائد هو الشخص المحدث كسراً لها، وأما على الثاني فالإسناد حقيقي؛ لأنها أي: ذات المال، مثلاً مصيبة للفؤاد أي: إصابة بسط وفرح لا إصابة كدر وحزن.
فإن قيل: لا نسلم أن الإسناد حقيقة؛ لأن المال أو العلم لا يوصفان بالإصابة إلخ، إلا على التجوز،
يقال: الجواب بالمنع بل يوصفان بها حقيقة فالإسناد حقيقة، تأمل.
الثالث: أن الفائدة على الأول مشتقة من مجاز، وأما على الثاني فمن حقيقة وهو الفأد، أي: إصابة الفؤاد.
والحاصل: إن فائدة على الأول إن عينها ياء وإن في إسنادها أو هيئتها مجازاً وإنها مشتقة من مجاز حكماً فيهما على الثاني في الأوجه الثلاثة اهـ.
ثم إنه لا يستلزم الوجه الثاني الثالث؛ إذ قد يكون في إسناد الشيء أو هيئته مجاز وهو مشتق من الحقيقة كما في ﴿ عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ ﴾ [ الحاقة: 21] فهو من الرضى بالمعنى الحقيقي، كما لا يستلزم الوجه الثالث الثاني؛ فإنه قد يكون الشيء مشتقاً من المجاز ولا مجاز في إسناده أو هيئته، ألا ترى أنهم لو قالوا: مفيد، لكان مشتقاً من معنى مجازي ولا مجاز في إسناد مفيد ولا في هيئته اهـ.
وبالجملة فهما قولان فيما اشتقت منه والفرق بين القولين من ثلاثة فلا تداخل فيها اهـ.
وأما قول الشهاب الخفاجي:
من الفؤاد اشتقت الفائده لذا ترى أفئدة الناس قد
والنفس يا صاحبي بذا شاهده مالت إلى من عنده مائده
فمراده الاشتقاق الكبير أو الوسط أو أراد الملاحة وبيان المناسبة.
ويبعد أن يكون «الفؤاد» وصفاً، ففعال بمعنى مفعول، أي: مصاب، والمراد من مصدر هذا الوصف وهو الفأد، أي: إصابة الفؤاد فلا إشكال.
قوله: (وفي العرف ...إلخ) يظهر أنه من عطف المفردات، فيكون «في العرف» عطفاً على «في اللغة» فهو حال أيضاً، «وهي المصلحة» عطفاً على «ما حصلته»، لكن الجملة لا تعطف على المفرد بل لفظة «هي» ضمير فصل حرف فالمعطوف «المصلحة» على «ما حصلته» والكل مفرد.
ثم يقال: العطف ح على معمولي عامل واحد وهو «تفسير» المقدر؛ لأنه عامل في صاحب الحال وفي الخبر، ولا بأس، نعم، قال الرضي: جهة العمل إذا اختلفت تصير العامل الواحد كعاملين فلا يصح العطف، وقد علمت أن تفسير عمل في الحال من جهة المصدرية وما فيه من رائحة الفعل وعمله في الخبر، أعني: ما حصلته من جهة أنه مبتدأ، ولو كان جامدا و ح فلا يصح العطف المذكور لأنه كالعطف على معمولين العاملين مختلفين.
فالصواب أنه من عطف الجمل، والأصل: والفائدة في العرف، فحذف المبتدأ للعلم به، وحذف ما يعلم جائز اهـ.
وجوّز بعضهم عطف الجملة على المفرد في آية ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ ﴾ [ البقرة: 196] وعليه قوله تعالى ﴿ فَجَآءَهَا بَأۡسُنَا بَيَٰتًا أَوۡ هُمۡ قَآئِلُونَ ﴾ [ الأعراف: 4]، فيصح أن يكون هو مبتدأ ليس ضمير فصل، فقد عطف الجملة على مفرد أعني: ما حصلته، وعليه فالواو عطفت حالاً على حال وجملة على مفرد، تأمله.
وأراد بالعرف عرف العلماء على العموم فيندرج فيه علماء الوضع الذين یراد به خصوص عرف علماء الوضع؛ لأجل المقام أن التأليف من فنهم، ويصح المذكور وإن كانت الفائدة في المعنى المذكور لا تتقيد بعرفهم.
ثم إن الألفاظ اللغوية في العرف هل بوضع جديد من أهل العرف في النقل أو بالمجاز، ذلك مبسوط في محله.
قوله: (المصلحة) أي: الشيء الصالح.
قوله: (المترتبة على الفعل) أي: الحاصلة عن العمل.
قوله: (من حيث هي ثمرته) أي جزاؤه وعوضه، واعلم أن الحيثية على أقسام ثلاثة: حيثية إطلاق، نحو: العلم من حيث هو حسن، والعالم من حيث هو يعظم، وحيثية التعليل، نحو: اضرب المسيء من حيث إنه مسيء، وحيثية تقييد، نحو: اللغوي يتكلم على اللفظ من حيث معناه، والنحوي من حيث أحوال آخره عند التركيب، وصاحب علم التصريف من حيث وزنه وأصله وإعلاله وهكذا، والحيثية في التعريف من القسم الثالث فهي للتقييد وللإخراج ليكون التعريف مانعاً.
قوله: (وتلك المصلحة ...إلخ) لما ذكر الحيثية في تعريف الفائدة ناسب أن يتعرض لما أخرجه وبيَّنه ليزداد الطالب بصيرة في الفائدة ويزول عنه أوهام اللبس؛ لأن الشيء يمتاز بضده.
قوله: (من حيث إنها ...إلخ) «إن» هذه تكسر لما علمت أن «حيث» تلزم الإضافة إلى الجملة وإذا فتحتها كانت «حيث» مضافة للمفرد وإضافتها للمفرد ضرورة أو نادر كما في قول الشاعر:
ونطعنهم تحت الحيا بعد ضربهم ببيض المواضي حيث ليّ العمائم
نعم، يصح فتح «أن» الواقعة بعد حيث على أن الخبر محذوف، أي بسبك «أن» مع صلتها بمصدر هو مبتدأ والخبر محذوف نحو: موجود.
قوله: «طرف الفعل» المراد بالطرف الملاقي للفعل لا الطرف المقصود للفاعل، فمن أراد حفر عشر قامات لغرض فوجد كنزاً أو ماء أثناء الحفر فيقال في كنزه ومائه غاية؛ لأنها على طرف الفعل الملاقي، وفائدة؛ لأنها ثمرة الحفر المذكور كما يأتي.
قوله: (مطلوبة) أي: مقصودة، فالغرض يستدعي استكمالاً به فلذا لا يوصف به سبحانه، بخلاف الإرادة والطلب والدعوى، بدليل: فإن اقتضى الخطاب الفعل اقتضاء جازماً، وقولهم: خص بالتوفيق وعم بدعواه.
قوله: (بالفعل) أي: من الفعل.
قوله: (غرضاً) أي: قصداً ومراداً؛ إذ الغرض القصد.
قوله: (باعثة) أي: حاملة للفاعل، أي: مريد الفعل.
قوله: (الإقدام) هو في الأصل مصدراً «قدمه» صيره به أو جعله قادماً وليس بمراد هنا، وإنما المراد به التوجه والإقبال مجازاً مرسلاً لعلاقة اللزومية.
قوله: (وصدور ...إلخ) يحتمل نصبه عطفاً على اسم «إن»، وجره عطفاً على الإقدام.
وعلى كل يفيدان المصلحة المذكورة علة للصدور، وهو خلاف جعلها أولاً علة للتوجه والإقدام مع أن الصدور فعل غير اختياري فهما إيرادان.
فيجاب عن الأول بأن نصبه عطفاً على اسم إن هو على حذف مضاف، أي: «سبب صدور ...إلخ» فالتوجه هو مسبب عن المصلحة وسبب للصدور اهـ، أو بأن سبب الشيء لذلك الشيء اهـ.
وعن الثاني بأن الصدور أثر الفعل والإيقاع الاختياري، فصح أنه إختياري أيضا، أو يجاب على وجه الجر عن الإيراد الأول بأن المراد بالفعل المعنى الحاصل بالمصدر، وبالتوجه ما قبله فالتوجه فيندرج فيه صدور على أن إضافة العلة للفعل يدل على أنها علة له لا للتوجه الذي هو صفة للشخص.
قوله: (علة غائية) قد يقال: الحيثية المذكورة إنما أعطت وجه التسمية بالعلة؛ إذ هي كما في نقل عن السبكي الأمر الباعث، أما الغائية فلم يظهر وجه التسمية بها من الحيثية إلا أن يكون من قوله: «صدور الفعل لأجلها»، فيدل على أنها غائية.
فإن قيل: من المعلوم أن العلل أربع: مادية كالخشب للسرير، وصورية أي الهيئة والصورة، وفاعلية كالصانع للسرير وغائية كالعلو عليه للأسماع، قال ابن عرفة: وقد اجتمعت الأربع في قوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ ﴾ [ إبراهيم: 32] فالله فاعل والماء مادة والثمرات صورة والرزق غائية، راجع حواشينا على «المحلي» وما ذكره في البديع على قول الشاعر:
لو لم تكن نية الجوزاء خدمته لما رأيت عليها عقد منتطق
والبرهان اللمي والأمني.
يقال: علة الشيء إما علة في التحقق، وهي الثلاث: المادية والصورية والفاعلية، فالمعلول غير متأخر عن الشيء، وإما علة الترتب فالمعلول متأخر عنها، تأمله، ومعه ضرر أو نفع ولو لغير الفاعل.
وهذا القسم هو المراد فهو باعتبار الذات شيء واحد ويسمى بحسب الحيثية والاعتبار بالأسامي الأربعة، أي: بـالفائدة والغاية والغرض والعلة والغائية، بل بعضهم قصر العلة على الغائية ويقول: ما توقف عليه الشيء هو علة إن استلزم وجوده وإلا فلا كتوقف الكل على الجزء، والاثنين على الواحد، والتصديق على التصور.
ثم إن العلة الغائية متأخرة الوجود خارجاً فهي معلول خارجاً وهي علة ذهنية؛ لأن الجلوس على الكرسي سابق في الوجود الذهني، وقال الفناري في مبحث سبق: العلة ...إلخ، أن العلة هي قصده وهو موجود خارجي وسابق اهـ. فمراد الشارح هنا ذات الغائية.
وبالجملة : فالمصلحة المترتبة على الفعل، وهذا الترتب أمر مشترك بين هي الجميع عام، لها أسام أربعة: الفائدة والغاية والغرض والعلة الغائية، باعتبار حيثيات أربع: حيثية الثمرة والنتيجة، وحيثية كونها على طرف الفعل، وحيثية كونها مطلوبة للفاعل بالفعل، وحيثية كونها علة باعثة للفاعل على التوجه.
قوله: (فالفائدة ...إلخ) الفاء للتفريع على الحيثية السابقة.
قوله: (متحدتان ...إلخ) كذا في بعض النسخ وفي بعضها: «متحدان» بدون تاء، وكذا «مختلفان» والتذكير هو باعتبار الشيئين المذكورين.
قوله: «بالذات» الباء سببية أو ظرفية، أي: مجازية، والمراد بـ«الذات» الصدق، والمراد بالاعتبار المفهوم، ومعنى كلامه أن ما صدق عليه الفائدة خارجاً صدق عليه الغاية، وكذا ما صدق عليه الغاية خارجاً صدق عليه الفائدة وهو المترتبة على الفعل، فيلزم من كونها على طرف الفعل أنها ثمرة ونتيجة لذلك الفعل وكذا العكس.
وبعبارة المصلحة المترتبة على الفعل التي لها أحد وجهين: كونها ثمرة وكونها على طرف الفعل، يلزم من وجود أحد ونتيجة الوجهين فيها خارجاً وجود الآخر، فالوجهان متلازمان؛ فكانت الفائدة والغاية متحدتين صدقاً مختلفتين بالمفهوم؛ لأن مفهوم الفائدة هي المصلحة المترتبة على الفعل من حيث إنها ثمرته ونتيجته ،ومفهوم الغاية المصلحة المترتبة على الفعل من حيث إنها على طرف الفعل.
وبعبارة اللفظان الصادقان على ذات واحدة أقسام ثلاثة؛ لأنه إن كان صدقهما من جهة واحدة فمرادفان وإن كانا من جهتين، فإن كانتا متلازمتين فمتساويان وإن كانا غير متلازمين فإما عموم بإطلاق إن كانت جهة فقط لا يقع فيها إلا الاجتماع، وإما عموم وجهي إن كانت كل جهة يقع فيهما الاجتماع والافتراق فنسب الشيئين الصادقين على ذات واحدة أربع: الترادف والتساوي والعموم بإطلاق والعموم الوجهي اهـ. بناء على أن الترادف نسبة كنسبة التساوي، تأمل.
أما لو جعلت لموضوع الأمران المتغايران مفهوماً فالمناسبة بينهما باعتبار عدم افتراقهما صدقاً لا افتراقهما أبداً، أو الافتراق تارة والاجتماع أخرى هي إحدى أربع التساوي والتباين والعموم بإطلاق أو من وجه، أما الترادف فهو خارج عن موضوع القسم.
قوله: (كما أن الغرض ...إلخ) جعل الغرض والغاية أولاً مشبهاً بهما بدليل «الكاف» الداخلة على «ما»، وذلك أن الاتحاد في الذات والاختلاف في المفهوم والاعتبار، هما واضحان بين الغرض والعلة الغائية بالنسبة لهما بين الفائدة والغاية، وجعلهما ثانيا مشبهين بدليل دخول «الكاف» على ذلك في قوله: (كذلك) أي كما ذكر وتقدم من «الفائدة والغاية» اهـ.
ووجه الشبه هو الإخبار بالاتحاد ذاتاً والاختلاف اعتباراً، ووجهه أي وجه جعل الفائدة والغاية مشبهاً بهما وإصلاح؛ لأن الرجوع للإخبار بالاتحاد والاختلاف اعتبارا الذي رجع إليه كما يؤخذ من قوله: «أيضا» هو أدوم و أسبق وأطول زمانا وأثبت في القلب في الفائدة والغاية منه في الغرض والعلة الغائية.
وبالجملة، فهنا كافان للتشبيه فهنا تشبيهان، والإشارة بذلك للفائدة والغاية والمشبه أنقص من المشبه به على الأصل، فيقع شبه التناقض في كلامه، فيجاب بأن هنا أمرين قصد إفادتهما معاً:
الأول: الاتحاد في الذات والاختلاف في الاعتبار وهو أوضح في جانب الغرض والعلة فلذا جعلهما أصلاً مشبهاً بهما.
والثاني: الرجوع للإخبار بالاتحاد ذاتاً والاختلاف اعتباراً، وهو المراد بقوله: «أيضاً»، فإنها مقدمة من تأخير، وهذا الأمر هو أوضح وأسبق في جانب الفائدة والغاية، فلذا جعلهما أصلاً مشبهاً بهما اهـ.
فلا يقال : سبقية الإخبار بالاتحاد ذاتاً والاختلاف مفهوماً أولاً قابلها قرب العهد في الغرض والعلة، ولا يقال أيضاً: أن التشبيه الثاني هو من تتمة الأول؛ إذ قوله: «كذلك» هو خبر «أن» السابقة، تأمل.
قوله: «كما أن الغرض ...إلخ»، محصل الكلام إفادة أن الحقائق الأربع النسبة بين اثنتين منها «الفائدة والغاية» نسبة التساوي، وكذا الأخيرين الغرض بین الاثنين والعلة الغائية اهـ.
قوله: (لأن الحيثيتين ...إلخ) علة لدعوى الاتحاد في الذات بين الفائدة والغاية وبين الغرض والعلة الغائية.
وقوله: (متلازمتان) قيل: وجوداً وصدقاً خارجاً لا في الاعتبار اهـ، فإن الاعتبار صفة للشخص، وربما توجد المصلحة المذكورة خارجاً ولا يوجد من الشخص واحد من الاعتبارين أو يوجد منه أحدهما فقط، فلذا قيد التلازم بينهما في الصدق فلا يشمل المفهوم، والاعتبار هو راجع للمفهوم فاللازم غير الملزوم اهـ.
هذا، والحق أن التلازم بين نفس الحيثيتين والاعتبارين في الوجود الخارجي أي: يلزم من كونها مطلوبة للفاعل أنها بعثته على الفعل وكذا العكس، ولا يمكن الانفكاك خارجاً.
ثم إن تسمية الفاعل أو غيره لتلك المصلحة بأحد الاسمين الغرض والعلة الغائية إنما هي باعتبار حيثيتهما ولا إشكال ح في أن التلازم بينهما في المفهوم والصدق اهـ.
وقال: «متلازمتان» إشارة إلى أن كل واحدة لازمة عن الأخرى لزوماً مساوياً لا أعم.
فإن قيل: قوله: «لأن الحيثيتين» هذا الدليل أعم من الدعوى لصدقه على الأبوة والبنوة مع أنه لا اتحاد بينهما في الذات والصدق؛ إذ هما نسبتان متضايفان،
يقال: المراد الحيثيتان متلازمتان صدقاً، أي: ما تصدق عليه هذه تصدق عليه الأخرى، ونسبة الأبوة لا تصدق على ما يصدق عليه نسبة البنوة وإن تلازمتا.
وبالجملة : فأراد بقوله: «لأن الحيثيتين متلازمتان» تلازماً خاصاً لا مطلق تلازم، فلا بحث ولا إيراد.
قوله: (ودليل ...إلخ) أي: ووجه؛ إذ لا منكر أو يدعي أن هناك منكراً مخالفاً.
قوله: (فيما اعتبرت) أي: في الأربع من الفائدة فاعتبرت فيها حيثية الثمرة والنتيجة، ومن الغاية فاعتبر فيها حيثية الكون على طرف الفعل، ومن الغرض فاعتبر فيها للفاعل، ومن العلة الغائية فاعتبر فيها كون الفعل علة باعثة للفاعل على التوجه ...إلخ. أي فهلا عكس في الحيثيتين بين الفائدة والغاية فتجعل ح حيثية الطرف في الفائدة الثمرة للغاية وكذا بين الغرض والغائية فتجعل حيثية الطلب والقصد للعلة الغائية، وحيثية البعث للغرض، فهل ما ذكرتم تحكم أو له وجه؟.
فأجاب بقوله: «ودليل اعتبار» أو المراد: والدليل على كل حيثية في نفسها دون ذكر حيثيات أخر، وعلى تعيين كل في ما خصت به فلم يعكس، وإن كان ما ذكره في الدليل المذكور غير واف بذلك الظاهر، تدبر.
قوله: (إضافتهم) هو خبر عن قوله: «ودليل» والضمير في «إضافتهم» لأهل اللغة أو العرف العام أو كل متكلم.
قوله: (دون الفعل) «دون» في الأصل للمكان الحقيقي نحو: «دار زيد دون دار عمرو»، ثم استعملت في المكان المجازي من الأحوال بجامع التقييد والارتباط بكل، نحو: «زيد دون عمرو في العلم»، ثم في مطلق التجاوز كما هنا اهـ.
أو يقال: هي في الأصل لتفاوت الأمكنة الحسية ثم لتفاوت المجازية والأحوال، ثم لمطلق التفاوت، وهذا هو الظاهر من المثل السابقة، تأمله، فلا يظهر.
و«دون» هنا حال، أي: إضافتهم الغرض للفاعل حال كون الغرض مجاوزاً الإضافة للفعل، أي: فقولهم «غرض الفاعل هو الماء أو الكنز بالحفر» دليل على أنه يعتبر في مسمى الغرض ومفهومه حيث وصف الفاعل حقيقة واقع على المصلحة المذكورة وهو الطلب والقصد، أي: قولهم: «غرض الفاعل» يدل على أنه يعتبر في تسمية المصلحة بالمضاف إليه حيثية ترجع للمضاف إليه وهي صفته، أعني: الطلب والقصد ويتعلق بالمصلحة، ولذا قلنا: الغرض هو المصلحة المترتبة على الفعل من حيث طلبها للفاعل بالفعل وقصدها إياه، ولا شك أن الطلب والقصد صفة للفاعل حقيقة متعلقة بالمصلحة.
قوله: (والعلة ...إلخ) يصح رفعه مبتدأ وخبره «بالعكس»، والباء للملابسة، أي: والعلة الغائية متلبسة بعكس الغرض في الإضافة، ويصح النصب عطفاً على «الغرض».
وقوله: (بالعكس) ح هو حال من «العلة»، أي: ودليل اعتبار الحيثية إضافتهم العلة الغائية حال كونها متلبسة ومتصفة بالعكس أي: بالمضاف إليه هو الفعل وهو عكس المضاف إليه مع الغرض اهـ، أي: فلما قالوا: «علة الفعل هي نفس الكنز أو الماء مثلاً» ولم يقولوا: «علة الفاعل» علمنا أنه تعتبر في مسمى الغائية حيثية راجعة إلى جهة الفعل، أي: صفة بين الفعل وبين المصلحة المذكورة وهي بعثها على الفعل.
فإن قيل: ليس البعث صفة حقيقية للفعل بل للمصلحة وهي العلة،
يقال: الجواب بالتسليم إلا أنهم هنا لم يلاحظوا كون الحيثية حيثية وصف حقيقي أضيف إليه العلة هنا، أي: فليس البعث وصفاً حقيقياً للفعل الذي أضيفت إليه العلة في كلامهم فقالوا: «علة الفعل».
وبالجملة فالإضافة المذكورة دليل على أنه يعتبر في تسمية المصلحة المذكورة بالمضاف حيثية وصف هو بين المتضايفين أعني مصدوق المضاف، وهو المصلحة ومن المضاف إليه وذلك الوصف قائم بأحدهما متعلق بالآخر كالطلب في غرض الفاعل والبعث في علة الفعل اهـ.
فإن قيل: البعث هو وصف بين المصلحة والتوجه جمعاً لا بينها وبين الفعل المضافة إليه،
يقال: اللفظ المتداول هو أن المصلحة وصف البعث على الفعل لا وصف البعث على التوجه، نعم، إن بسطناه ووضحناه فقلنا: «باعثة للفاعل على التوجه إلى الحفر» فهو لبيان الأصل فلا إشكال اهـ.
وأيضاً البحث إنما هو في كون حيثية الطلب اعتبرت في جهة الغرض وحيثية البعث اعتبرت في جهة العلة، فلما صحت الحيثية الأولى في الجهة الأولى صحت الحيثية الثانية في الثانية، وتعينت ووجبت، وليس هنا الدعوى والبحث في أمر ثالث حتى يحتاج للجواب عنه، فلا إشكال.
ثم إن الشارح -رحمه الله- سكت عن دليل اعتبار حيثية طرف الفعل في الغاية وحيثية الثمرة والنتيجة في الفائدة مع أن الدعوى عنده أعم وذلك لوضوحه وظهوره؛ لأن لفظ الغاية يشعر بحيثية الطرف ولفظ الفائدة يشعر بحيثية الثمرة والنتيجة.
قوله: (فالأولان) الفاء فصيحة لا للتفريع كما لا يخفى.
وقوله: «فالأولان» أي: فالأمران أو المذكوران، فلذا ذكر وإلا فالواجب التأنيث.
وقوله: (أعم) ذكر ووحد اسم التفضيل الواقع خبراً عن المثنى لقوله:
وإن لمنكور يضف أو جردا ألزم تذكيراً وأن يوحدا
والفاء في قوله: «فالأولان» فصيحة، وأشار بذلك إلى النسبة التي بين فريق الأولين وفريق الآخرين، فقال: ليست التساوي بل العموم بإطلاق، والعام الأولان.
قوله: (مطلقاً) أي: لا من وجه اهـ، وقد علمت أن الأعم ما ازداد فرداً، والأخص ما ازداد قيداً وأيضاً، يلزم من رفع الأعم رفع الأخص ولا عكس، وأيضاً يلزم من وجود الأخص وجود الأعم ولا عكس.
وإلى هذا أشار بقوله: (إذ ربما يترتب ...إلخ) أي: فإنه وجد الأوليان دون الأخيرين وهذا دليل على العموم المذكور.
قوله: (على الفعل فائدة) نحو: لو حفر إنسان أساساً لجدار بيته فوجد أثناء الحفر ماء أو كنزاً، فهو فائدة وغاية وليس هو غرضاً لعدم طلبه ولا علة غائية لعدم بعثه له على التوجه للحفر.
واعلم أن قوله: «فالأولان أعم» في قوة دعاوى أربع، أي: أن الفائدة أعم من الغرض، ومن العلة، وأن الغاية أعم من الغرض، ومن العلة الغائية، فلما ساق الاستدلال ساق لواحدة من الدعاوى الأربع فقط. والجواب أنه مأخوذ من الكلام لأن المراد لا يكون مقصوده لفاعلة ولا باعثة له على الفعل، ولما ظهر أن الفائدة أعم من الغرض والعلة الغائية لزم أن الغاية أعم أيضاً؛ لأنها مساوية للفائدة كما قدمه في اتحادهما ذاتاً، ولكن الشارح -رحمه الله- قصد الاختصار في الدليل.
فإن قيل: لا نسلم خصوص الأخيرين بإطلاق، ألا ترى إلى ما إذا حفر الشخص لأجل ماء أو كنز ثم لم يطلعه فالماء مثلاً المقصود غرض؛ لأنه مصلحة مطلوبة وعلة؛ لأنه باعث على العمل المذكور، وليس فائدة ولا غاية.
يقال: لا نسلم أن الماء مثلاً المتوهم المطلوب المذكور هو غرض وعلة بل لا يقال له ذلك إلا لو وجد، وما لم يوجد فلا يسمى شيء من الأربع، فلا بحث ولا إيراد اهـ.
وإن كان الطلب والعلة إنما ذلك أمر متوهم مقصود بالفعل تأمله.
قوله: (وأما حمل... إلخ) هذا معادل المقرر وكأنه قال: هذا معنى «فائدة» والعبارات الذهنية التي حمل عليها «فائدة» أي هذا معنى طرفي القضية، وأما إسناد فائدة إلى العبارات الذهنية التي أشير لها بـ«ذه» من «هذه» فهل هو حقيقي أو مجازي؟ فقال: وأما حمل إلخ، فقوله «وأما حمل» أي إسناد وإخبار.
وقوله: (ما أشير... إلخ) هو العبارات الذهنية، «فحقيقة» يقال: إسناد حقيقي وإسناد حقيقة تأمل.
والإسناد الحقيقي إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر والإسناد المجازي هو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له عند المتكلم في الظاهر، نحو «بنى الأمير المدينة».
أما إسناد الجامد فهو خارج عن القسمين نحو الإنسان جسم.
وقال السكاكي: الإسناد الحقيقي إسناد الشيء إلى ما هو له والمجازي هو إسناده لغير ما هو له، فكان الجامد داخلاً في التقسيم المذكور عنده، والظاهر بناء كلام الشارح عليه؛ لأنه ما راعى في الفائدة إلا مسماها، أعني ما حصل من الخير أو المصلحة لأنها ح علم فهي جامد.
قوله: (لغة وعرفاً) يظهر منه رجوعهما بحقيقة وهما منصوبان على نزع الخافص مع أن الذي يقال له حقيقة لغة أو عرفاً أو مجاز كذلك والمجاز في المفردات والكلام لا المجاز أو الحقيقة في الإسناد، فلذا لو حذفه لكان صواباً.
وأجاب بعضهم بأن «لغة وعرفاً» تمييز فلا إيراد.
والحق أنه كالنصب على نزع الخافض في توجه الإيراد عليه، فالحق أن «لغة وعرفا» حال من فائدة أي الإسناد المذكور هو حقيقة سواء راعيت في الفائدة المعنوي اللغوي، أعني ما حصلته من علم أو مال أو غيرهما، والمعنى العرفي أعني المصلحة المترتبة على الفعل من حيث إنها ثمرة و نتيجة.
قوله: (إذ العبارات في أنفسها) أي: في حد ذاتها وصدقها، أي بقطع النظر عن الحمل.
وما أفاده محصل كلامه أن إسناد فائدة لمدلول «هذه» يصح أن يكون حقيقة إن قلنا أن العبارات المذكورة نفس الفائدة، أي خير يحصل إذ نفس المصلحة المترتبة على الفعل. فحمل الفائدة عليها إسناد حقيقي؛ لأنه من إسناد إلخ، ويصح أن يكون الإسناد مجازياً إن قلنا: إن المعاني هي الفائدة، أي هي الخير المحصل... إلخ؛ لأنه من إسناد الشيء... إلخ، ولكن قول الشارح: إذ العبارات في أنفسها، هو توجيه للحقيقة في الكلمة، ولذا أجاب بعضهم عن قوله: هي فائدة، لو قال هي محصل خير ومصلحة، بأن المراد أنها محصل خير حقيقة إلخ، ولا مجاز أصلاً أي حتى في الإسناد إلخ، وهو على بعده من اللفظ، يقال: المجاز في الإسناد هو في جزء المحمول عند القزويني فهو ثانوي إلخ، وهو في الصيغة ففائدة بمعنى مفيد ولذا فرقوا بين ﴿عِیشَةࣲ رَّاضِیَةࣲ﴾ [الحاقة: الآية 21] وبين سيل فنعم، ولو لا قوله: مجازاً في الإسناد، لحملناه عليه بجعل حمل فائدة من إضافة الصفة للموصوف. والمراد بالحمل الإطلاق على أنه ح يكون أقرب لكلام السكاكي لأمرين: لأن فائدة علم، والأمر الثاني أن الإسناد في كلام القزويني على النسبة والسكاكي حمل الإسناد على الإخبار والحمل وكلام القزويني عدل على أن المراد بالإسناد إليه وهو ثانوي خلافاً للسكاكي.
قوله: (العبارات فائدة... إلخ) لو قال: إذ العبارات في أنفسها إلخ، خير محصل ومصلحة مرتبة إلخ. وأما قوله: هي فائدة فمصادرة ولم يفد الكلام أن نفس الإسناد الحقيقي ثانوي بدليل، ويقال: من أين له أن من معنى الفائدة، أي العبارات المذكورة، هي محصلة فتحاً لا كسراً.
قوله: (فائدة) أي بالمعنى اللغوي والعرفي؛ لأن الخبر عين المبتدأ مصدوقاً كما هو معلوم، و ح فلا يقال: أنه لا يحمل شيء على غيره صدقاً أبداً بل هو عينه ولو كان الإسناد مجازياً نحو: الأمير بان للمدينة والعيشة راضية فالدليل أعم من الدعوى، ويجاب بأن روح الدليل والتعليل هو قوله فائدة أي حقيقة وحذفه الشارح للعلم به، تأمل.
ثم يقال: لما زدنا «حقيقة» يصير المعنى إذ العبارات في ذاتها فائدة حقيقة فهذا الدليل أدخل فيه الدعوى وجعلها جزءاً منه، فيكون مصادرة وهي مبطلة للدليل، ويجاب بأن الحقيقة المأخوذة في الدعوى هي باعتبار حكم المتكلم، و المأخوذة في الدليل هي باعتبار نفس الأمر فلا إشكال.
قوله: (أما باعتبار... إلخ) استدل على الدليل فهو تدقيق.
قوله: (فظاهر) وذلك أن العبارات الذهنية هي علم، أي: معلوم محصل، بناء على أن العلم هو الصورة من حيث الحصول لا أن العلم هو الإدراك.
قوله : (العرف) أي: من أنها المصلحة المترتبة على الفعل، أي فالعبارات الذهنية مصلحة لم تتوقف على فعل وعمل، فأجاب بأن هناك عملاً وهو إنشاؤها في لوحة المتخيلة أي المتصرفة الحافظة وإخراجها عنها إلى العقل أو النفس، وليس المراد أنه أخرجها أيضاً عن العقل إلى الخارج لأنها لا تبقى ح عبارات ذهنية إلا باعتبار ما كان، وليس بمراد.
قوله: (تصحيح حروفها) أي: إنشائها في لوحة المتخيلة وترتيبها على وجه ما في الخارج هو مطابق له.
قوله: (محالها) جمعه مع أن المراد به المحافظة، وهي المنصرفة والمتخيلة كما تقدم، إلا أن يريد أنها تصل إلى النفس أيضاً بعدما تصل للعقل فتكون لها ح محلان، ولم يرد بها الخيال الذي هو خزانة الحس المشترك ولا خزانة المتوهمة كما لا يخفى؛ لأنها تكون للحيوان البهيمي، ولذلك تدرك الشاة معنى في الذئب وهو العداوة، وليس للحيوان البهيمي عبارة ذهنية.
ثم إن الحق عندنا، أهل السنة، هو أن المدرك إنما هو النفس لكن بواسطة هذه المتاعب فتدرك الكليات بواسطة العقل والجزئيات المحسوسة بواسطة الحس المشترك، والجزئيات التي لم تصل من جهة الحواس بواسطة المتوهمة.
قوله: (ويجوز أن يكون... إلخ) هذا معادل قوله: بحقيقة، وهذا الكلام الأخير بناه عل أن الفائدة هي معنى العبارات الذهنية، أي فكان إسناد الفائدة للعبارات الذهنية إسنادا مجازيا؛ لأنه إسناد ما هو للشيء إلى دواله و ليست الفائدة عنده على هذا هي العبارات الذهنية، فالحق أنه ليس الخلاف حقيقياً لعدم اتحاد الموضوع والاختلاف الاعتبار.
وبالجملة، فإن قلنا: العبارات الذهنية هي نفس الفائدة كان الإسناد حقيقياً وإلا فهو مجازي، إلا أن في قوله: أن يكون مجازاً إلخ، نوع ركاكة لأن الحمل هو الإسناد، واسم «يكون» ضمير عائد عليه، يصير المعنى المراد ويجوز أن يكون في الإسناد مجاز، فلو قال: مجازياً، لكان أوضح، والجواب أن في الكلام حذف والأصل ويجوز أن يكون الحمل والإسناد مسمى بالمجاز في الإسناد، فقوله: بالإسناد من تتم الاسم، تدبر.
ثم علم أنه على كون الإسناد في «فائدة» هو مجازي، وأن الفائدة هي المعانى لا العبارات الذهنية يكون الكلام اشتمل على مجازات ثلاث:
الأول: مجاز «هذه» فإنه استعارة؛ لأنه استعمل «هذه» الموضوعة للمحسوس بحاسة البصر في العبارات الذهنية المحسوسة بحاسة البصيرة، وأسند الفائدة إلى دوالها وأطلق الفائدة، وهو كلي على جزئي من جزئياتها وهو مجاز إن لوحظ في الإطلاق جهة الخصوص اهـ، فالطرفان من المجازات مجاز الكلمات والوسط منها هو في الإسناد اهـ، ثم إن هذا كله بالنظر لما قبل العلمية وأما بعد العلمية وبعد تسمية الرسالة المذكورة ففائدة فهي لفظ جامد، وقد علمت أن أسماء الكتب أعلام أشخاص بناء على أن الشيء لا يتعدد بتعدد محله وإلا فأعلام أجناس إذ لا رائحة فيها من الاشتقاق، بل إنما هو مقيد لمسماه ولا إسناد فيه وإنما هو موضوع لمسماه ومعين له، نظيره الحارث.
فإذا قلت: جاء الحارث أو العباس أو الضحاك فلا تقصد إلا الذات الموضوع لها من دون معنى حراثة أو عبوسة أو ضحك ولا إسناد، نعم يصح حال العلمية من دون ملاحظة الأصل أن لو وصف الإسناد بذلك على ما للسكاكي كما تقدم، تأمل، وما قلناه من أن العبارات الذهنية هي دوال للمعانى التي هي الفائدة أسهل وأقرب من ادعاء أن المعاني هي مدلولات العبارات الخارجية الدالة على العبارات الذهنية وهو الذي يأتي للشارح والحواشي قريباً على قوله: «تشتمل على مقدمة» وهو المأخوذ من كلام الشارح هنا أيضاً، حيث قال: إن لتلك العبارات مدخلاً إلخ، ولم يقل إن تلك العبارات دالة على الفائدة.
قوله: (تشتمل) أي: تحتوي أو تنحصر، والأول أوفق بكلام الشارح وبظاهر المصنف.
وقوله: (خبر بعد خبر) أي: خبر جملة بعد خبر مفرد جامد، تأمله.
وقوله: (حال) يحتمل أن صاحبه ح هو المبتدأ على مذهب سيبويه، وفيه أن الابتداء عامل ضعيف لا يعمل في شيئين وأيضاً الحال على الحق تبين هيئة الفاعل أو المفعول حال تسلط الفعل وتلبسه فلا تكون من غيرهما كالمبتدأ، ويحتمل أن صاحبه ح هو الخبر أي فائدة لكن على أنها علم شخصي أو جنسي ظاهر، وأما على اعتبار الأصل من الاشتقاق والتنكير فصاحب الحال إذا نكرة غير مختصة فهو من باب «مررت بماء قعدة رجل عليه مائة بيضاء».
قوله: (صفة لفائدة... إلخ) لكن بالنظر للأصل؛ لأن الجمل نكرات، فهي بعد النكرات نعوت وبعد المعارف أحوال، أما لو نظرنا في «فائدة» للحالة الراهنة من أنها علم ما صح كون «تشتمل» صفة، فقوله: حال أو صفة هما معاً كشيء واحد في المعنى، فهو مقابلة.
قوله: (خبر بعد خبر) وذلك أن فائدة على أن علم، فـ«تشتمل» حال و على الأصل من الاشتقاق و التنكير فتشتمل صفة اهـ، و لم يشر للحال من المبتدأ، أعني «هذه» على هذا، تأمل.
قوله: (والمراد... إلخ) جواب عن إيراد هو أن في اشتمالها على الأمور الثلاثة اشتمال الشيء على نفسه، وحاصل الجواب أن البحث مبني على النظر فيها جملة، والجواب هو بالنظر فيها إلى الأجزاء تفصيلاً أو جملة ولا ضرر.
وقوله: (الكل) قد علمت أن عندهم ألفاظاً أربعة مبدوة بالكاف الكلية والكل المجموع، أي ذو الحكم والكلي والكل دواعي الأجزاء، كما أن عندهم ألفاظ أخر خمسة: الجزء والجزئي والبعض المجموعي والجزئية وهي البعض الجميعي.
فأما الكلية فهي القضية ذات الحكم على كل فرد فرد، نحو: ﴿كُلُّ نَفۡسࣲ ذَاۤىِٕقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ﴾[آل عمران الآية 185] لا أنها نفس الحكم خلافاً لقول صاحب السلم [وحيثما لكل فرد حكماً فإنه كلية] ومن الكلية على الأصح كل ذلك لم يقع في حديث ذي اليدين خربان «أقصرت الصلاة أم نسبت يا رسول الله» على الأصح، ويقابل الكلية الكل المجموعي؛ لأنه القضية ذات الحكم على المجموع أي مع عدم الاستقلال خلافا لقول السلم إنه الحكم المذكور نفسه.
ثم إن الحكم المجموعي نوعان: الأول ما الحكم فيه ثابت لجميع الأفراد مع عدم الاستقلال، نحو : ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية.
والثاني: ما الحكم فيه ثابت للبعض فقط مع عدم استقلاله، نحو: كل بني تميم يحملون الصخرة العظيمة، إذ العادة قاضية فإنهم على وجه الإحاطة لا يجتمعون، ثم الذي يجتمع لا يستقل بل يتعاون، ويسمى هذا النوع الثاني بالبعض أيضاً.
ووجه مقابلة الكلية للكل المجموعي بنوعيه هو من جهة الاستقلال، وقيل: الكلية لا يقابلها إلا أحد نوعي الكل المجموعي وهو ما ثبت الحكم فيه لجميع الأفراد، نحو:﴿وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ﴾ [الحاقة: الآية 17] الآية، أما النوع الآخر وهو كل بني تميم إلخ، وهو البعض المجموعي فيقابله الجزئية وهو البعض الجمعي اهـ، لا الكلية وهو أظهر وأنسب، أما العدد إذا استقل فهو كلية، نحو العشرة مقر بها، فظهر أن العدد إما بعض مجموعي وهو أحد نوعي الكل المجموعي، نحو: ﴿وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ ثَمَٰنِيَةٞ﴾ [الحاقة: الآية 17]، وإما كلية، نحو العشرة مقر بها؛ لأنه يستقل أي مقر بكل فرد منها اهـ.
فقد ظهر لك معنى الكلية ومعنى الكل المجموعي وأما الكلي فهو اللفظ الذي إذا تصورت معناه لا يمنع نفس تصوره معناه من صدقه على متعدد، نحو إنسان وضده ومقابله الجزئي كما قال في السلم:
[فمفهم اشترك الكلي کأسد وعكسه الجزئي]
اهـ، وأما الكل ذو الأجزاء فهو الماهية المركبة من أجزاء، كالسرير مركباً من الخشب والمسامير، وكالحصير مركباً من خيوط وعشب، وكالجدار مركبا من لبن و جير وتراب مثلاً ومقابله الجزء المذكور اهـ.
واعلم أن هذه الأجزاء ليس أحدها جنساً ولا فصلاً ولا يصح إخبار عنه بواحد منها فلا يقال: الجدار لبن والكرسي خشب، أما الكل الذهني كالإنسان فيخبر عنه بأحد جزئيه أو أجزائه فيقال: الإنسان حيوان، الإنسان ناطق، وأحد الجزءين فيه جنس والآخر فصل فتحصل أن الكلي السابق هو ماهية مركبة من جنس وفصل، ويصح الإخبار بكل من الجزءين عنه، كما أن لهذه الماهية جزئيات جامعة لها أي للماهية، واختلفت بالعوارض، ويقال لتلك الجزئيات حصص وأفراد، ولا شك في الإخبار به عنها، نحو: زيد إنسان وعمرو إنسان.
أما الكل ذو الأجزاء أي الكل الخارجي فلا يصح الإخبار به عن الأجزاء فلا يقال: الخشب كرسي واللبن جدار، وبهذا أي بصحة الإخبار بالكلي عن كل جزئي، نحو: زيد إنسان دون الكل ذي الأجزاء فإنه لا يصح الإخبار به عن واحد من الأجزاء يقع الامتياز التام بينهما اهـ.
وأما الجزئية فهي القضية ذات الحكم على بعض الأفراد مع الاستقلال، نحو: بعض الإنسان حيوان؛ لأنها نفس الحكم خلافاً لقول السلم: والحكم للبعض هو الجزئية، ثم إن الجزئية ويقال لها البعض الجميعي يقابلها البعض المجموعي كما تقدم.
فتحصل أن الكلية يقابلها الكل المجموعي أي: نحو﴿وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ﴾[الحاقة: الآية 17] الآية، وأن البعض المجموعي نحو: كل بني تميم... إلخ، يقابله الجزئية وهي البعض الجميعي، أما الكلي فيقابله الجزئي، وكذا الكل ذو الأجزاء فيقابله الجزء وكل من الكلي والكل المذكور خال عن الحكم اهـ.
ثم إن في نحو قوله: (اشتمال الكل على الأجزاء) إشكالاً، وذلك إن اشتمال مفعول مطلق نوعي نحو: ضربته ضرب الأمير اللص، والأصل ضرباً مثل: ضرب الأمير، ثم توسع في الكلام بالحذف والتنزيل والنيابة، وقولنا: «اشتمال» يجري فيه على نمط ما قبله فيقال، فيه تشتمل اشتمالاً مثل اشتمال الكل على الأجزاء مع أن هذا الاشتمال في الفائدة عين ذلك لا مثله، فلعلنا لا نقدر أدات «مثل».
قوله : (وجه الترتيب) أي طريقه، لكن يقال: الترتيب جعل الشيء في مرتبته أو في مراتبه وهو مأخوذ من الواو لأنها ظاهرة في الترتيب، ووجه مأخوذ من الأسامي المذكورة فالأنسب بكلام المصنف أن يقول: «وجه الاشتمال» على أن الذي يؤخذ من كلام الشارح أن الوجه عنده أي الشارح للحصر ولإخراج ما عدا الثلاثة من الرسالة، تأمله.
والجواب أن هنا أموراً ثلاثة: الاحتواء وهو مأخوذ من لفظ تشتمل و الحصر وهو مأخوذ من المقام وأيضاً من جعل «تشتمل» بمعنى تنحصر و«على» بمعنى «في» والترتيب وهذا مأخوذ من الواو الظاهرة فيه، وقول الشارح «الترتيب» أراد به الأمور الثلاثة مجازاً مرسلاً، تأمل.
وقوله: (ما يذكر ... إلخ) «ما» راجعة على العبارات كما بيّنها بها، وقد علمت أن الرسالة وهي الفائدة عند المصنف سماها بها تواضعا هي عبارة عن العبارات فيصير التقدير: أن العبارات التي تذكر في هذه العبارات، فيلزم عليه أمران:
الأول: ظرفية الشيء في نفسه.
الثاني: أن الذكر إنما هو للعبارات الخارجية وهو مخالف لما اختاره قبل من أن مسمى هذه الفائدة العبارات الذهنية.
والجواب عنها هو: أن المراد بالرسالة معناها اللغوي، أعني ما يكتب فيه الشيء كالكاغد، وأراد بالذكر الكتابة مجازاً مرسلاً لعلاقة السببية والمسبية، ويقدر مضافان قبل العبارات لأن الذي يكتب النقوش الدالة على العبارات الخارجية الدالة على العبارات الذهنية فيصير التقدير: أن ما يذكر ويكتب في هذه الرسالة والكاغد من دوال العبارات الذهنية، إما أن يكون إلخ، أو يحمل الذكر على حقيقته باعتبار القارىء الناظر في الرسالة والكاغد، فيقدر ح مضاف واحد قبل العبارات وكأنه قال: إن ما يقرؤه القارىء الناظر في هذه الرسالة من دوال العبارات الذهنية إما أن يكون إلخ، وفي كل منهما بحث؛ لأنه يصير أن التقسيم والمقدمة والخاتمة وهي أجزاء المقدمة أجزاء لنفس تلك النقوش وهو على الأول، وهو خلاف ما اختاره أولاً وسلك عليه من أن مسمى الفائدة العبارات لا النقوش، أو يصير أن الثلاثة المقدمة والتقسيم والخاتمة أجزاء لنفس ما يقرأه أو لنفس ما يقرأه الناظر في ما تقدم أيضاً من أنها العبارات الذهنية، بل الذي في احتمالات السيد من أن مسمى الكتب من الألفاظ هي الألفاظ من عند المؤلف ومن حيث هي لا خصوص ألفاظ القارئ الناظر في النقوش، تأمل، ويبعد أن يجاب عن الظرفية بالنظر للقضية المنفصلة بعدها بأنها من ظرفية الكل في جزئيه لتحققه فيه.
قوله: (إما أن يكون... إلخ) اسم يكون ضمير عائد على «ما يذكر» وأن وما بعده يسبك بمصدر فيكون قد أخبر بالمصدر عن اسم الذات وهو المذكور هنا، ويجاب بأحد أمرين: بتقدير مضاف في الخبر أي إما ذو الكون لإفادة المقصود وذو هو المذكور، وإما أن يقال: يصح الإخبار بالمصدر المؤول عن الذات، كما في عسى زيد أن يقوم، والمنع إنما هو مع المصدر الصريح.
قوله: (لإفادة المقصود) المصدر مضاف لمفعوله الثاني، أي: لإفادة المصنف المخاطب المقصود وكذا يقال فيما بعده أي لإفادة ما يتعلق.
وقوله: (لإفادة المقصود) أي: كله، فلا يراد أن ما أفاد بعض المقصود لايسمى تقسيما.
وقوله: (أما الخارج... إلخ) هذا زيادة في الحصر المأخوذ من قضية الانفصال التي هي مانعة خلو بمعونة المقام.
قوله: (فلا يذكر ) أي: لأنه فضول لا وجه لذكره.
قوله: (كان الأول) اسم «كان» ضمير يعود على المذكور والمراد بالأول المذكور لإفادة المقصود.
قوله: (هو) أي: المذكور لا على أن المقصود بالرسالة بيان الوضع فيعم التسعة؛ لأنها كلها ذكرت في التقسيم، وقال بعضهم: بل وضع الأربعة الضمير و اسم الإشارة والموصول والحرف فقط.
قوله: (وإن كان الثاني) ضمير «كان» عائد على المذكور والمراد بالثاني المذكور لإفادة ما يتعلق بالمقصود.
قوله: (فإن كان كذلك... إلخ) أي وإن كان المذكور مذكوراً لإفادة ما يتعلق بالمقصود ففيه تفصيل بحسب تعلقه إلخ.
قوله: (من حيث الإعانة) أي: حاصلة، فحيث لم تضف لغير الجملة وهذه الحيثية حيثية تقييد أخرج بها البسملة والحمدلة؛ فإنها تعلقت به من حيث التبرك.
وقوله: (في الشروع) يتعلق بالإغاثة و«في» بمعنى «على»؛ لأن الإعانة وما تصرف منها تتعدى بـ«على».
وقوله: (على وجه) يتعلق بالشروع، وكذلك قوله: (فيه) أي: في المقصود، والمراد بالبصيرة التبصر فكأنه قال: من حيث أعانه الطالب على الشروع أي المقصود على وجه التصرف الكامل، فإضافة وجه للبصيرة بيانية.
وقوله: (زيادة التوضيح) يحتمل أن الإضافة حقيقية ويحتمل أنها من إضافة الصفة للموصوف بعد تأويل المصدر بالوصف أي التوضيح الزائد أي فيكون التوضيح فى التقسيم والخاتمة، ويحتمل أن تكون الإضافة للبيان من حيث الزيادة هي التوضيح فيفيد أن التوضيح إنما هو في الخاتمة، تدبر.
وأخرج بقوله: (من حيث) زيادة التوضيح ما ذكر لأجل التبرك بالختم، كالصلاة على النبي فإنه ليس من الخاتمة، فالحيثية المذكورة حيثية تقييد أيضاً.
واعلم أن بعضهم عبر بعبارة أخرى في التقسيم والتفصيل وهو في غاية العذوبة والملاحة، فقال: المذكور في هذه الرسالة أما لإفادة المقصود أو لما يتفرع على المقصود أو يتفرع عنه المقصود، فالآخر هو الأول والأول هو الثاني والثاني هو الثالث اهـ، فالمراد بالآخر في كلامه هو الأول في المصنف وهكذا.
قوله: (والمقدمة فى اللغة) أي: وتفسير المقدمة حال كون المقدمة من اللغة أي بعضاً من الألفاظ الموضوعة للمعاني المعينة أو حال كون المقدمة في ديوان اللغة فـ«في» على بابها أو بمعنى «من» التبعيضية والمجرور حال من المقدمة.
قوله: (إما من قدم... إلخ) هذا بيان الاشتقاق مع أنه في مقام التفسير. والجواب أنه بالاشتقاق المذكور يؤخذ تفسير المقدمة مع زيادة الأخذ والأصل المذكور وكأنه قال: المقدمة في اللغة الشيء المتقدم أو المقدم غيره وهي مأخوذة من قدم اللازم... إلخ.
وقوله: (من قدم) أي: من هذا الفعل على مذهب الكوفيين أو من مصدر على مذهب البصريبن.
قوله: (بمعنى تقدم) كثيراً ما يأتي فعّل لتفعّل نحو: ﴿لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ﴾ [الحجرات: الآية 1]، أي: لا تتقدموا، ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾[الأحزاب: الآية 30] أي: متبينة و﴿وَتَبَتَّلۡ إِلَيۡهِ تَبۡتِيلٗا﴾ [المزمل: 8] أي: تبتلاً، وعلى أنها من اللازم فيتعين كسر الدال ولا يصح الفتح ولو على الإسناد المجازي لأن اسم المفعول لا يبنى تاماً إلا من فعل متعد وتفعل لا يكون إلا لازماً، وأما قولهم: زيد تقدمه عمرو، فمن باب الحذف والإيصال.
قوله: (المتعدي) أي: فهي قد قدمت غيرها إلخ، ويصح ح الفتح على الإسناد المجازي، نحو: سيل مفعم، أو على الحقيقي أي قدمها الغير لجمعها للمعاني المذكورة لكن هذا الوجه لا يدل على أن التقدم لها ذاتي كما أن مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة أو التي قدمها الأمير لأن الجيش عندهم مخمس: المقدمة والساق والجناحان الميمنة والميسرة والقلب وبه الأمير، ولذا يقال للجيش والعسكر الخميس كما في قول اليهودي يوم خيبر: محمداً والخميس.
قال بعضهم: المقدمة فى الأصل وصف فالتاء للنقل لأول شيء ثم الإضافة بعد ذلك تخصص الأول المذكور، وقيل: نقلت من الوصفية لأول الجيش ثم نقل مجازاً لأول شيء سواه، فعلى الأول النقل من الوصفية للمراد المذكور بلا واسطة وعلى الثاني بالواسطة.
قوله: (وفي الاصطلاح) أي: وتفسير المقدمة حال كونها في الاصطلاح فهو من عطف الجمل، ولا يصح كونه من عطف المفرد لما تقدم أن العامل في المعطوفين عليهما اختلفت جهة عمله فيهما فكأنه عاملان ولا يصح العطف على معمولين لعاملين كما تقدم في الكلام على الفائدة و أراد الاصطلاح اصطلاح أهل الأدب و هم علماء المعقول.
قوله: (عبارة) أي: لفظ معناه ما يتوقف إلخ، أو لفظ عبر به عما يتوقف، ثم إن «ما» في كلام الشارح واقعة على المعاني؛ لأنها هي الذي يتوقف عليه الشروع في العلم، وذكر الضمير العائد على «ما» مراعاة للفظها اهـ، وتلك المعاني نحو الحد والموضوع والغاية من المبادىء أي معانيها لا ألفاظها ولا معرفة المعاني المذكورة وإن كان قوله الآن «ولما كان معرفة أقسام اللفظ» يعطي أنها المعرفة، تدبر، وكذلك عين المبادىء من المعاني فهي مندرجة في عموم «ما» من قوله عما يتوقف عليه الشروع ويدل لذلك ما يأتي قريباً.
فإن قيل: كثيراً ما يشرع الإنسان في العلم غافلاً عن هذه المبادىء غير عالم بها، يقال: المراد بالشروع الشروع على الوجه الأكمل من التبصر، وذلك إنما يكون بالمعاني المذكورة.
واعلم أن ما ذكره تفسيراً في الاصطلاح هو قاصر على مقدمة العلم، أما مقدمة الكتاب فلا تندرج في التعريف المذكور وهي اسم لطائفة من الألفاظ قدمت أمام المقصود لارتباط لها به وانتفاع بها فيه، وذلك كمقدمة خليل في مختصره، فالنسبة بين مقدمة العلم ومقدمة الكتاب التباين؛ لأن مسمى الأولى المعاني ومسمى الثانية الألفاظ اهـ.
ثم هل دوال مقدمة العلم من مسمى مقدمة الكتاب وكذا مدلولات مقدمة الكتاب من مسمى مقدمة العلم فتكونان متحدتين صدقا وهو مفاد ما يأتي عن الشارح قريباً، وراجع المطول وحواشيه والمحلى والحواشي اهـ.
أما شمول مقدمة العلم للمعانى سوى المبادىء فلا إشكال فيه كما يؤخذ من قوة كلامهم هنا.
ثم إن هذا بالنسبة للاصطلاح أما كلام المصنف فلم يصل إليه الشارح الآن وإنما أشار له بقوله بعد «والمراد بالمقدمة هنا إلخ»، خلاف ما يظهر من كلام بعضهم.
ثم إن هنا بحثاً وهو أن مقدمة الكتاب هي لا تخرج عن المقدمة الاصطلاحية مع أن تفسير المقدمة اصطلاحاً لا يتناولها ولا يشملها كما تقدم، إذ الألفاظ لا يتوقف عليها العلم وإن شملتها المقدمة لغة لكنها أي مقدمة الكتاب أقرب للمقدمة اصطلاحاً منها للمقدمة لغة كما لا يخفى، فلو عرفوا المقدمة في الاصطلاح بما يفتقر إليه المقصود لكان أشمل اهـ.
ثم إن النسبة التي بين المقدمة لغة والمقدمة اصطلاحاً نسبة العموم بإطلاق، فالمقدمة لغة أعم بإطلاق وذلك لأنها المقدم على الشيء أعم من كون المتقدم معنى أو لفظاً أو سواهما، توقف عليه الشروع أم لا اهـ.
وقد يقال: بل العموم بينهما وجهي؛ لأن ما يتوقف عليه الشروع في العلم هو مقدمة علم وإن لم يتقدم بالفعل فيجتمعان في المبادىء المتقدمة بالفعل، وتنفرد مقدمة الكتاب في أمور سابقة غير المعاني وتنفرد مقدمة العلم في المبادىء مثلاً إن لم تتقدم بالفعل، تدبر.
قوله: (والمناسبة... إلخ) أي: بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للمقدمة لا بين ذلك وكلام المصنف؛ لأن كلام المصنف إلى الآن ما تكلم فيه ولا بين المراد منه بها.
قوله: (والمناسبة ظاهرة) أي: في المقدمة الاصطلاحية؛ لأن المعنى اللغوي لهما موجود فيه المعنى الاصطلاحي ومعه مناسبة من ذلك إذ الاصطلاحي هو المتأخر وأيضاً يدل لما قلناه.
قوله: (إما لتقدمها... إلخ)؛ لأنه لو أراد المنفي لقال: لتوقف الغير عليها، تأمل.
قوله: (ظاهرة) أي: بنوع ظهور، فلذا استدل على ذلك بقوله: إما لتقدمها إلخ، وإلا فالظاهر لا يستدل عليه.
قوله: (لتقدمها في الذكر... إلخ) هذا بيان لوجه المناسبة على أخذها من اللازم.
وقوله: (الذكر) هو بضم الذال أي التعقل؛ لأن موضع الكلام على مقدمة العلم وهي المعاني، فقال: إن فيها مناسبة للمقدمة لغة لأنها أي مقدمة العلم وهي المعاني المذكورة متقدمة في الذكر أي التعقل.
أما لو قرأناه بكسر الدال ضد السكوت فقد علمت أنه صفة للفظ مع أنها كما هو الموضوع المعاني لا الألفاظ، تدبر.
قوله: (لتقديمها الطالب... إلخ) هذا بيان لوجه المناسبة على الأخذ من المتعدي و المصدر في لتقديمها مضاف لفاعله، أي لتقديمها الطالب على أقرانه و أترابه في الشروع إلخ، وفي الشروع يتعلق بتقديمها و في المقاصد يتعلق بالشروع و بالذات يتعلق بالمقاصد.
وأما قوله: (بالواسطة) فيحتمل عطفه على الذات وعليه فهو محتمل لإطلاقه على التقسيم، وسمى الخاتمة مقصوداً نظراً لمقام الإيضاح لا لمقام الإخبار بالحكم، والمعنى سميت مقدمة العلم وهي المعاني المذكورة مقدمة لتقديمها الطالب على أقرانه وأترابه في الشروع في المقصود بالذات وهو التقسيم مثلاً وفي المقصود بواسطة التقسيم وهو الخاتمة اهـ، إذ الخاتمة بواسطة التقسيم وإيضاحه صارت مقصودة اهـ، ومحتمل لإطلاقه على الخاتمة بالتقسيم هو مقصود ذاتا وبواسطة الخاتمة والخاتمة واسطة فقط، والمعنى سميت بذلك لتقديمها الطالب على أقرانه فى الشروع فى التقسيم المقصود بالذات والمقصود بواسطة الخاتمة لأنها دليل له توضحه، وسماها واسطة وإن كانت متأخرة الوجود عن الموسوط المذكور اهـ.
ويحتمل عطف «بالواسطة» على في المقاصد، فالباء بمعنى «في» وتكون الواسطة مراداً بها الخاتمة والمعنى ح لتقديمها الطالب على أقرانه في الشروع في المقصود بالذات وفي الشروع في الخاتمة التي هي فليست مقصودة اهـ، وإن كان خلاف المتبادر من ذكر الذات فإنه يتبادر منه عطف الواسطة عليه اهـ، هذا كله على تعلق بالذات بقوله بالمقاصد.
وقال بعضهم: يصح تعلقه بتقديمها ويكون بالواسطة عطفاً على بالذات وأراد بالذات حيث تكون المقدمة نفس المعاني، وأراد بالواسطة حيث تكون الألفاظ والعبارات، والمعنى ح سميت مقدمة العلم وهي المعاني المذكورة بذلك لأجل المناسبة مع المعنى اللغوي من حيث إنها تقدم الطالب على أقرانه في الشروع في المقاصد فتقدمه بالذات على أنها المعاني أو بالواسطة على أنها الألفاظ، أي: واسطة المعاني اهـ.
وفيه بحث من جهة أن موضوعها إنما هي المعاني إذ هي مقدمة العلم فكيف يصح هذا الترديد مع هذا الموضوع اهـ.
وقال بعضهم: بالذات يتعلق بتقديمها لما ذكرنا، وأراد بالذات ما إذا عرفها التلميذ بلا واسطة وبالواسطة ما إذا عرفها بواسطة الشيخ، وعلى كل فهي المعاني، وهذا أقرب وأسهل اهـ، هذا كله على أن الطالب مفعول ويصح رفعه على أنه فاعل بتقديمها فالمصدر مضاف لمفعوله أي لتقديم الطالب إياها بسبب إرادة الشروع في المقصود بالذات أو بالواسطة كالخاتمة اهـ، ولا يخفى بعده.
وبالجملة فالمقدمة المأخوذة من المتعدي اقتصر الشارح فيها، كما هو الظاهر من الكلام على كسر الدال أي فهي المقدمة للطالب ولو عكس وقال: إن الطالب قدمها لأجل احتوائها على خصال التبصير، لأفاد أن التقدم ليس ذاتياً بل عرضياً فلذا لم يذكره الشارح، وهذا على أن الإسناد مع الفتح حقيقي أما لو كان مجازياً نحو: سيل مفعم، فلا إشكال في إفادتها ما أفاده الكسر مع زيادة المبالغة من أجل المجاز.
ثم إن حملنا الذات أو الواسطة على التقسيم والخاتمة إنما هو مجارات مع كلامهم وتقريب للأفكار وإلا فكلام الشارح إنما هو في المعنى الاصطلاحي واللغوي لا في مقدمة المصنف، بل كلامه عليها إنما هو بعد، أي من قوله: والمراد بالمقدمة هنا إلخ، المعاني المخصوصة أي فهي مقدمة علم في المصنف وهي مقدمة اصطلاحية؛ لأن ما في تعريفها أعني ما يتوقف عليه الشروع في العلم شامل لهذا إذ لا يتقيد بمعاني المبادىء كما تقدم.
قوله: (العبارات... إلخ) المعينة والمخصوصة بمعنى واحد فهي في المصنف على هذا مقدمة كتاب.
وبالجملة فالشارح جوز المقدمة في المصنف أن تكون مقدمة علم أي على أنها المعاني أو مقدمة كتاب أي على أنها الألفاظ، و من هنا يؤخذ أن دوال مقدمة العلم من مسمى مقدمة الكتاب وأن مدلولات مقدمة الكتاب من مسمى مقدمة العلم كما أشرنا له سابقاً.
ثم إن الأوفق بأن الفائدة اسم للعبارات والمقدمة جزء لها أنها هنا مقدمة كتاب وهو قوله: «أو العبارات المعينة» اهـ.
نعم هنا بحث وهو أن الظاهر من العبارات العبارات الخارجية والمتقدم أنها العبارات الذهنية إلخ، ثم إن الترديد هنا عند الشارح أي بقوله: والمراد بالمقدمة هنا إلخ، هو مثل الترديد من الذي ذكره في الحمل وإسناد فائدة للعبارات من كونه حقيقيا أو مجازيا اهـ؛ لأن المقدمة جزء من الفائدة، وجعل بعضهم الوضع كله مقدمة علم للعربية؛ لأنها من مبادئها ولا يخفى ما فيه.
قوله: (فلابد من اعتبار التجوز... إلخ) اعلم أن المقدمة جزء من الفائدة، واختلف في مسمى أسماء الكتب هل العبارات أو المعاني وعليه فقد اختلف في المقدمة أيضاً هل هي المعاني الكلية أو العبارات الكلية، فعلى أنها المعاني الكلية بإطلاقها هنا يحتمل أنه على المعاني الجزئية فهو من استعمال الكل في بعض جزئياته أو على العبارات الجزئية فهو من إطلاق اسم المدلول على بعض ما دل عليه، وعلى أنها العبارات الكلية فإطلاقه هنا يحتمل أنه على المعاني الجزئية فهو من إطلاق الدال على بعض مدلولاته أو على العبارات الجزئية فهو من إطلاق الكل على بعض جزئياته، فالاحتمالات أربع فأشار الشارح بقوله: (من إطلاق الكلي) على بعض جزئياته لاثنين للأول والرابع وأشار بقوله: (إطلاق اسم المدلول... إلخ) إلى الثاني و سكت عن الثالث.
قوله: (وما وقع... إلخ) مبتدأ خبره «فهو» سهو، وأدخل الفاء في خبر المبتدأ؛ لأنه موصول أشبه الشرط في عمومه وإبهامه، نحو: ﴿ وَٱلَّٰٓـِٔي يَئِسۡنَ مِنَ ٱلۡمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمۡ﴾ [الطلاق: الآية 4] إلخ، والذي يأتيني فله درهم.
وقوله: (على مقدمة وتنبيه... إلخ) هو بدل أو عطف بيان مما قبله.
وقوله: (سهو) أي: ذو سهو.
وقوله: (من قلم... إلخ) مبالغة في رد هذا القبيل حتى كأنه لا يصدر عن عاقل، وعبارة بعضهم أنه من طغيان قلم الكتاب، وفي الكلام ح استعارة بالكناية وتخييلية.
ثم إن ما تقدم على أنه حقيقة ويصح أن يكون الإسناد مجازياً أي نسب السهو الذي هو صفة للشخص الكاتب إلى الآلة أو يكون مجازاً مرسلاً في الكلمة أطلق قلم الكاتب المذكور وأراد الكاتب، تدير، فلا مبالغة ح في بطلان الصادر حتى كأنه لا يصدر إلا من الجماد.
قوله: (إذ التنبيه... إلخ) تعليل وهو يتركب في قياس من الشكل الأول، بأن يقال: التنبيه جزء من المقدمة وكل ما هو جزء من المقدمة لا يعد مستقلا عنها، فالتنبيه لا يعد مستقلاً عنها، ويبحث فيه بأنه أراد بأنه جزء أنه مفهوم من المقدمة فتسلم الصغرى، ويرد على الكبرى أن الخاتمة تفهم من التقسيم ومع ذلك عدت مستقلة عنه، وإن أراد بأنه جزء أن ألفاظه مذكورة في المقدمة فتسلم الكبرى ولا تسلم الصغرى.
وبالجملة فقوله : «إذ التنبيه من المقدمة» فيه بحث؛ لأنه إن أراد أن ألفاظه مذكورة فيها فغير مسلم، وإن أراد أنه مفهوم منها فيقال: مسلم، ولكن لا ينتج له المطلب والدعوى، أعني قوله: فلا معنى لعده جزءا مستقلاً، ألا ترى إلى الخاتمة اهـ.
ثم إنه على نسخة تنبيه التي قال: إنها سهو ويقول القائل: ما وجه ذكر تنبيه فيما يأتي نكرة مع أنه تقدم أنه كالثلاثة ذكر، فيجاب بأنه موضح لمتبوع غير مقصود بالذات. فسقط عن رتبة التعريف بخلاف الخاتمة.
قوله: (نشرع فيه... إلخ) اعلم أنه لاحظ الرسالة إجمالا فلذلك قال الشروع فيكون متسلطاً على جميع المقدمة، ولو لاحظ المقدمة فقط ما كان الشروع إلا في أولها فلا يوافق المبتدأ الخبر، تأمل.
قوله: (أو بالعكس) أي: حذف المبتدأ وذكر الخبر، ثم إنهم اختلفوا في المحذوف حيث احتمل الكلام أن يكون من حذف الخبر أو المبتدأ، فقيل: هو الخبر لأن المبتدأ ركن أعظم وهو الأصل الأصيل والخبر من صفاته ولذلك قال القزويني في مبحثه لما عبر عن تركه أما حذفه فوجهه المولى السعد بذلك، وقيل: هو المبتدأ لأن المقصود بالإفادة والإخبار إنما هو الخبر ويشهد له ما ذكروه في توجيه تقديم بعض الأشكال على بعض.
ثم إن قوله: (هذا الذي نشرع فيه) يحتمل الألفاظ فإن أراد بالمقدمة ح اللفظ فالإخبار ظاهر، وإن أراد بها المعاني ففي الإخبار حذف والتقدير: هذا الذي تشرع فيه من الألفاظ هو دوال المقدمة، ويحتمل المعاني أو الأحكام بأن أراد بالمقدمة ح المعاني فالإخبار ظاهر، وإن أراد بها الألفاظ والعبارات ففي الإخبار حذف والتقدير: هذا الذي نشرع فيه من الأحكام والمعاني هو مدلولات المقدمة اهـ.
والأنسب بما اختاره من أن مسمى هذه هو العبارات الذهنية أن يكون المراد بالمقدمة الألفاظ.
قوله: (وأما جعل... إلخ) جعل مبتدأ وهو مصدر مضاف لمفعوله خبره قوله بعد: (فغير مناسب) وأما الفاء فهي فاء أما.
وقوله: (إلى التقسيم) الغاية فيه خارجة.
قوله: (تأمل) زاد ذلك لخفاء وجه عدم المناسبة وهو محتمل لأن شأن الترجمة الانقطاع عن المترجم له والإخبار المذكور يؤدي إلى عدم الانقطاع اهـ، والمراد أن التراجيم منقطعة لفظاً وإلا فهي المترجم عنه في الذات والصدق اهـ، ولأن يكون في ذلك تشويش على الطالب لأن الخبر هو الجزء المتم الفائدة فما دام لم تكمل إلا وذهن الطالب مشوش بمراعاته وملاحظته اهـ.
وقال بعضهم ما حاصله إن وجه عدم المناسبة أن هذه الألفاظ وهذه العبارات لو كانت هي الخبر لكانت مأخوذة بالوصف العنواني، أعني الألفاظ مجردة عن المعاني فتكون ح لا يستعان بها ولا أن التقسيم يستعان عليه، فكيف تكون مقدمة ولا كذلك حيث عبر عنها بأداة ليس فيه اللفظ أو العبارة نحو هذا الذي نشرع فيه، فعلى إرادة الأحكام به بلا إشكال، وعلى إرادة الألفاظ به فلما لم يذكر اللفظ أو العبارة فيؤخذ اللفظ ملاحظاً معه معناه فثبت أنه يستعان بها وأن التقسيم يستعان عليه اهـ.
ولا يخفى ما في هذا من التكلف والعمل باليد، ألا ترى إلى مقدمة الكتاب فإنما هي الألفاظ المخصوصة ومع ذلك لا بد من ملاحظة المعنى ملاحظة ما معها.
هذا وبحث بعضهم في هذا التوجيه الأخير لعدم المناسبة بأن الشارح لو أراده لقال: فغير صواب، بدل: فغير مناسب، فالظاهر أنه أراد بذكر عموم المناسبة أحد الأمرين السابقين فقط.